البوذية

أ. أمين بن يحيى الوزان


البوذية هي الديانة والفلسفة الروحية المبنيّة على إرشادات "سيدارتا غوثاما" الذي عاش في الفترة بين 483 - 563 قبل الميلاد.

والأصل في كلمة البوذية، بودا بالدال وليس الذال ومعناها العارف المستنير، الذي اشتهر به "سيدارتا غوثاما" فانتسب أتباعه إليه.

سيرة بوذا وطفولته

ولد بوذا واسمه الحقيقي "سيدارتا غاوثاما"، في "كايبافاستو"، على الحدود الفاصلة بين الهند والنيبال، وكان والِدُه حاكما على مملكة صغيرة، فنشأ حياة مترفة، فهو ابن أحد أمراء بلدته من ذوي الجاه والمنزلة، والأموال الكثيرة، والزروع النضرة، والقصور الشاهقة، فشبَّ مترفاً في النعيم وتزوج في التاسعة عشرة من عمره.

ويحكى أن عرّافاً تنبّأ لبوذا إمّا أن يصبح ملكاً عظيماً أو رجل دين ذو شأن عظيم، مما جعل أبوه الملك يحرص أشدّ الحرص على أن تتحقق النّبؤاة الأولى ويصبح ولده ملك عظيم.

التغير والانتقال في حياة بوذا

لما بلغ "بوذا" السادسة والعشرين من عمره ألقى النظرة الأخيرة على زوجته وولده، وركب حصانه ليخرج من نعيمه الذي عاش فيه فهجر زوجته منصرفاً إلى الزهد والتقشُّف والخشونة في المعيشة والتأمل في الكون ورياضة النفس.

فعاش بعد ذلك حياة قاسية، حيث لبس ثياباً من الوبر، وانتزع شعر رأسه ولحيته، لينزل بنفسه العذاب، وكان ينفق الساعات الطوال واقفاً أو راقداً على الشوك، وكان يترك التراب والقذر يتجمع على جسده، وقلّل من طعامه وشرابه، ومارس التأمل والتفكر في سر الحياة وهذا الكون.

ولم يستفد شيئاً خلال مكثه على هذه الحال سبع سنين، سوى أنَّه أرهق جسده وأوهنه فتأمل مرَّة أخرى في المسلك والطريق الذي يوصله إلى المعرفة، فرجع إلى الاعتدال في عيشه، واستمر في التفكير في حلِّ لغز الحياة.

بداية فكرته الفلسفية ووصوله للحق -كما ظنَّ ذلك-

انتهج بوذا لنفسه منهجاً تقشفياً ومن خلال عزلته وتفكره توصَّل إلى أنَّ الآلهة ليس لها القدرة على تغيير الظواهر الطبيعية، وأنكر أنَّ "البرهما" هو خالق كل شيء.

وفي ذات يومٍ بينما كان يمشي وحيدا مال إلى شجرة في غابة، ليتفيأ ظلالها ريثما يتناول طعامه، لكن المقام طاب له في ظل تلك الشجرة، ويقال: إنه أحس برغبة في البقاء تحتها، فاستجاب لهذه الرغبة وبقى تحتها، وهنا حدث أن سمع من يناديه بداخله - كما حدّث عن نفسه - فقال: «سمعت صوتا من داخلي يقول بكل جلاء وقوة، نعم في الكون حق، أيها الناسك هناك حق لا ريب فيه، جاهد نفسك اليوم حتى تناله».

وبعد هذه الحادثة بدأ بوذا مرحلة جديدة من الدعوة إلى ما توصل إليه، لينال الناس السعادة التي نالها، والمعرفة التي توصل إليها، وابتدأ دعوته برهبان خمسة زاملوه في ترهبه الأول، فلم يبدو أي اعتراض على دعوته، بل وافقوه وآمنوا بما قال، ثم خطا بوذا خطوة أخرى، فجمع حوله مجموعة من الشبان بلغ عددهم مائتين، وعلمهم مبادئ دعوته وجعلهم نواة لها.

صفات بوذا

بنى الهنود بحسهم الأسطوري هالة من العظمة على مؤسس الفكر البوذي، فبالغوا في وصفه، وغلوا في تعظيمه، حتى اتخذوه إلها يعبد من دون الله، ومن جملة ما ادعوا، ما جاء في إنجيل بوذا من أوصافه أنه « انتشر نوره، وملأ العالـم، ففتحت عيون المكفوفين، وشاهدوا المجد الآتي من العلاء، وحلّت عقدة ألسنة الخرس، وسمعت آذان الصم ».

ووصفوه بأنه كان «شديد الضبط، قوي الروح، ماضي العزيمة، واسع الصدر، بالغ التأثير، جامدا لا ينبعث فيه حب ولا كراهية، لا تحركه العواطف ولا تهيجه النوازل، مؤثرا بالعاطفة والمنطق ».

أسباب قبول دعوته وانتشارها

إنَّ الصفات الجيدة التي اتصف بها سببت لدعوته النجاح دون كثير من الجهد والعناء، فقيل أنَّه كان رحيماً يشفق على كل كائن تدب فيه الحياة، كما كان يترفع عن الكذب والغيبة والنميمة ولم يعرف عنه أنه سب أو نطق لسانه بكلمة أو عبارة جارحة.

موت بوذا

توفي بوذا عن عمر يناهز الثمانين عام، سنة 470 ق. م، فقام تلامذته وأتباعه بعد موته بحرقه - كالهندوس - وأخذوا يطوفون حوله، كل واحد ثلاث مرات، ثم جمُع رماد جثته وقسموه ثمانية أجزاء وأرسلوا كل جزء إلى جهة رأوها لائقة به، فبنيت فوق الرماد بنايات في الجهات الثمانية.

أسباب نشأة البوذية

 من أهم أسباب نشأة البوذية التخلص من الآلآم، وصور البؤس والشقاء، أمَّا وقت نشأتها فيمكن جعل نشأتها تنقسم إلى قسمين للاختلاف بين الحالين زمناً وفكراً:

القسم الأول: بوذا وزمنه ودعوته، حيث كانت فكرة بوذا عن الدين سلوكية خالصة، فكان كل ما يعنى به بوذا هو سلوك الناس، وأما الطقوس وشعائر العبادة وما وراء الطبيعة واللاهوت فكلها أمور لا تستحق عنده النظر، وكان ينهى أصحابه وزوَّاره عن الخوض في هذا الاتجاه، فكان لهذا السلوك سبباً قوياً لانتشار البوذية؛ وذلك لعدم تعارضها مع آلهة الهنود، فكان كثير من الهنود يتبعون البوذية في أخلاقها، ومع ذلك يحافظون على ولائهم لآلهتهم.

القسم الثاني: ما بعد زمن بوذا، والمقصود به أتباع بوذا، لأن تدوين تعليماته لم يبدأ إلا بعد مضي ثلاثة قرون في زمن الملك "أشوكا" أو "أسوكا" فكانت الحكايات والتعليمات تتناقل في هذه القرون المظلمة مشافهة ولهذا لم يصل أحد إلى حقيقة بوذا وتعاليمه الأصلية إلا ما عثر من الملك "أشوكا" ولوحاته والسبب في ذلك هو أن تعليمات بوذا لم تسمح لأحد من أتباعه أن يدون شيئا باسمه خوفا من نعتهم بالبحث عن السمعة والرياء، فمن كتب شيئا أو ألف كتابا أخفى اسمه حتى بقي تاريخ التأليف مجهولا لدى الباحثين.

ومما سبق يمكن أن أقول أنَّ البوذية مرت بمرحلتين أو نشأتين اثنتين، كلٌ منهما له خصائصه وأفكاره فأمَّا المرحلة الأولى: زمن بوذا فقد ظهر من خلال الكلام الماضي فكرته وهدفه، وأمَّا المرحلة الثانية: أتباع بوذا فقد تغيرت أفكارهم وعقائدهم وأصبح لهم تصورات وعقائد وعبادات ومعابد وغيرها وهو الموجودين بين أيدينا اليوم وهم من سأتحدث عنهم.

أعدادهم وأماكن وجودهم

عدد البوذيين اليوم يتجاوز الأربعمائة مليون نسمة، وهم يتواجدون في الهند ونيبال والصين واليابان وأندونيسيا وماليزيا، ولكنَّهم يشكلون الأغلبية السكانية في الدول التالية: بورما، بوتان، تايلند، تايوان، سريلانكا، سنغافورة، فيتنام، كمبوديا، كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، ومنغوليا.

أسباب انتشار البوذية

إنَّ اعتناق الملك أشوكا الديانة البوذية وجعلها دينا رسميا للبلاد، ومن ثمَّ إرسال الدعاة والمبلغين في داخل الهند وخارجها، وإرسال ابنه "ماهندرا" إلى جنوب الهند وسيلان، سهَّل للبوذية الانتشار حتى وصلت وانتشرت بكثافة في شرق آسيا ووسطها.

تميز علماءهم الشكلي

ويرتدي الكهنة الثياب ذات اللون الأصفر وذلك دلالة على إشراقة نفوسهم، وملبوس الكهنة مؤلف من صدرية تحتية وكساء يصل إلى الركبتين ويشدّ بمنطقة يجعل على الكتف اليسرى وجميعها صفراء تلبس دائماً حتّى في الليل ويحسب فقدها فقد صفة كهنوتية.

ويشترط في من يرتدي الثياب الصفراء أن يطهروا أبدانهم من الباطن وإلاَّ فإنَّهم لا يستحقون ارتداء هذه الثياب.

عقائدهم وطقوسهم ومبادئهم: والمراد بها العقائد والطقوس التي اعتمدهما البوذيوون أتباع بوذا

فالعقائد هي:

1- يعتقد البوذيون أن بوذا هو ابن الله، وهو المخلّص للبشرية من مآسيها وآلامها وأنه يتحمل عنهم جميع خطاياهم.

2- يعتقدون أيضاً إن هيئة بوذا قد تغيرت في آخر أيامه وأنه قد نزل عليه نور أحاط برأسه، وأضاء من جسده نور عظيم، فقالوا بإلوهيته.

3- ويعتقد أتباعه أيضاً أنه صعد إلى السماء بجسده بعد أن أكمل مهمته على الأرض.

 

وأمَّا الطقوس فهي:

1- الصلاة: أمام تمثال بوذا في المعابد جلوساً، حيث يصلي البوذيون لبوذا ويعتقدون أنه سيدخلهم الجنة، والصلاة عندهم تؤدى في اجتماعات يحضرها عدد كبير من الأتباع.

2- والصيام: وهو الامتناع عن الطعام دون الشراب.

3- والحج: وهو شد الرحال إلى الهند وسيلان لزيارة الأماكن المقدسة لأتباع هذه الديانة.

 

والمبادئ هي المعروفة عندهم بالنصائح الخمس:

1- لن أقتل أي كائن حي.

2- لن أسرق.

3- لن أمارس الزنا.

4- لن أكذب.

5- لن أشرب المسكرات.

هذه ما يتعلق بالعقائد والطقوس والمبادئ عند البوذيين اليوم، بشكلٍ مجمل، ولو عدنا إلى الوراء إلى بوذا نفسه فنجد الاختلاف بين الطريقتين، وعليه يمكن إجمال فكرة بوذا بالآتي:

قام بوذا بوضع وصايا عشر لأتباعه وهي: تحريم قتل النفس, تحريم السرقة وتحريم الزنا وتحريم الكذب وتحريم الخمر وتحريم الأكل بعد الظهر، وتحريم الرقص، وتحريم التطيب والموسيقى، وتحريم الجلوس على الشوارع والأماكن المرتفعة وتحريم قبول الهدايا من الذهب والفضة.

ولم يدّع بوذا يوما أنه نبي يوحى إليه، فضلا عن أن يدعي أنه إله يعبد ويتقرب إليه، كما ظنه بعض أتباعه، فغاية ما فعله بوذا أنه رسم طريق النجاة - حسب ظنه -، مما يعده سبب الشقاء في هذه الحياة، فدعا إلى بعض الأفكار والمعتقدات التي رآها جديرة بتخليص الإنسان من آلامه، فمن تلك الأفكار:

أولا: إنكار الإله: حيث شكل الإنسان محور دعوة بوذا، فهو لم يكن نبيا يوحى إليه بالمغيبات، أو فيلسوفا يفكر فيما وراء الطبيعة وفي قدم العالم أو حدوثه، بل كانت دعوته منصبة على ما يراه سبيل الخلاص للبشر، ومن هنا كان ينهى تلامذته عن الكلام في الغيبيات، والحرص على سلوك سبيل النجاة الذي رسمه، ولكنه وقع في زلة ما كان لعاقل أن يقع فيها، وهي إنكار الإله الخالق الذي اتفقت العقول السليمة والفطر المستقيمة على الإقرار بوجوده.

ثانيا: إنكار الروح والعقل: وهو بذلك يقع في تناقض واضح، إذ كيف يؤمن بوذا بالتناسخ وتعاقب الولادات عن طريق تنقل الروح من جسد إلى جسد وهو في ذات الوقت يجحد وجودها!!

ثالثا: اعتقاده بمذهب التقمص أو تناسخ الأرواح: وهو مما ورثه من اعتقادات الهندوس، وهو مذهب قائم على تكرار المولد في ولادات متعاقبة، فلا ينتهي عمر الإنسان في مرحلة ما بالموت حتى يبدأ حياة أخرى، يتحدد فيها قدره سعادة وشقاوة حسبما تهيأ له من السلوك السابق.

واعتقاد بوذا لهذا التعاقب السخيف هو الذي جعله يزدري الحياة البشرية ازدارء مقيتا، فالولادة - في نظره - هي أم الشرور جميعا، لذا لا بد من تجفيف معينها، فدعا إلى الرهبنة وترك ملاذ الحياة، وفي مقدمتها النكاح، ولو سمعت البشرية مواعظه في هذا الشأن لما بقي على وجه الأرض من يمشي على ظهرها !!

رابعا: النجاة عند بوذا: أو ما يسمى ب"النيرفانا" وهذه تحصل لمن استطاع أن يعيش حياة يسودها عدل كامل، حياة يسودها صبر وشفقة على الكائنات جميعا، وأن يخمد شهوات نفسه ساعياً وراء فعل الخير دون سواه، عندئذ يجوز أن يجنب نفسه العودة إلى الحياة، وعندها سينجو وسينطلق إلى عالم آخر عالم لا يمت إلى الواقع بصلة.

خامسا: إنكار طبقات الهندوس: فقد أنكر بوذا الطبقية من جملة ما أنكر - من عقائد الهندوس - فهي التي ولدت الأحقاد والضغائن بين فئات المجتمع، وهو ما أعطى لدعوته زخما لدى الطبقات المنبوذة من المجتمع الهندوسي حيث وجدت فيها ملجأ من ظلم البراهمة وتجبرهم.

فرق ومذاهب البوذيين

أشهرها فرقتان:

الفرقة الأولى: "هنايان" وتعني العربة الصغيرة وهذه الفرقة تنكر وجود الله، ولا تؤمن بإلوهية بوذا بل تعتقد أنه إنسان عاش كغيره من الناس ومات، إلا أنه بلغ درجات عالية من الصفات الحسنة والأخلاق الكريمة، حتى وصل إلى مرتبة قديس، واستحق أن يلقب بـ "آجايا منش " واتخذت من قول بوذا: " لا تطلب من غير نفسك ملاذا " قاعدة أساسية في نيل النرفانا " النجاة "، وانتشرت هذه الفرقة في جنوب الهند وسيلان.

الفرقة الثانية: "ماهايان" وتعني العربة الكبيرة، وهذه تؤله بوذا، وتدعي أنه ليس له جسم، بل إنه نور مجسم، وظلٌّ ظهر في الدنيا، وهو الإله الأكبر الأزلي، وموضع انتشار هذه الفرقة في الأرجاء الشمالية من الهند والتبت ومنغوليا والصين واليابان.

كتب البوذية

كانت التعاليم التي خلفها بوذا لأتباعه شفوية، فهو لم يترك وراءه أي مصنف أو كتاب يعبر فيه عن معتقداته وآرائه، وبعد وفاته قام أتباعه بتجميع هذه التعاليم ثم كتابتها، وشرحها من بين آلاف المواعظ الواردة المنسوبة إلى بوذا.

وقد انقسمت كتب البوذيين إلى ثلاثة أقسام أو مجموعات:

1)   مجموعة قوانين البوذية ومسالكها.

2)   مجموعة الخطب التي ألقاها بوذا.

3)   الكتاب الذي يحوي أصل المذهب والفكرة التي نبع منها.

 أعياد البوذية: للبوذيين عيدان في السنة:

1- عيد الميلاد البوذي، عند اكتمال القمر في مارس من كل عام.

2- عيد التبشير البوذي، عند اكتمال القمر في تموز من كل عام.

المصدر: موقع العقيدة والحياة

تاريخ النشر:2010-02-25 14:21:25 الموافق:1431-03-11 14:21:25ـ | تمت قراءته: 2621 مرة

Copyrights © moslimonline.com

المصدر:  http://www.moslimonline.com/?page=artical&id=901