الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم إسلامية » دراسات فقهية

السرقات العلمية .. ظاهرة العصر

أ. عصام تليمة

 

انتشرت في الآونة الأخيرة عدة ظواهر غير صحية في مجال البحث العلمي، والمجال الدعوي الإسلامي، ومن هذه الظواهر ظاهرة السرقات العلمية بأشكالها وألوانها كافة، والعجيب في الأمر أن هذه الظاهرة استفحلت واستشرت في البلاد العربية الإسلامية، في مقابل أننا نرى الغرب في بحوثه ودراساته يحرص الدارس كل الحرص على إبراز المراجع، ويدون في مراجعه المقابلات الشخصية والوثائق، وتجد في كتب بعض الغربيين في مقدمة الدراسة شكرا خاصا لكل من ساهم، وليس شكرا عاما، بل يذكر كل من ساهم ولو بكلمة، وأحيانا تجد في المقدمة الشكر لعاملة الآلة الكاتبة التي طبعت له البحث، على الرغم من أن التي كتبت على الآلة الكاتبة أو على جهاز الحاسوب (الكمبيوتر) لم تقم بعمل فكري، إنما هو عمل عضلي محض، ليس فيه إعمال فكر ولا إبداع، وقد تقاضت أجرا على ما بذلت، ولكنه خلق الشكر لكل من أسدى له خدمة ساهمت في خروج بحثه.

وكم أكبر عالما كالشيخ عبد الفتاح أبي غدة رحمه الله، الذي عزا حديثا بالخطأ إلى الإمام مسلم، وقلده في ذلك الشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف في تحقيقه لتدريب الراوي، حتى عبر الشيخ أبو غدة عن ذلك قائلا: «وهذا من تقليد الساهي للساهي»!! ودله أحد طلبة العلم على خطئه في عزو الحديث للإمام مسلم، وأنه في غير صحيح مسلم، ولم يكن الشيخ أبو غدة يعرف طالب العلم، ولم تسعفه ذاكرته في تذكره، فكتب يعترف في تحقيقه لأحد الكتب تصويب هذا الطالب له، هاتفا بطالب العلم أن يتعرف إليه، حتى يشير إلى نسبة الفضل له في التصويب.

صور للسرقات العلمية

وللسرقات العلمية صور مختلفة، كلها تصب في خانة واحدة، هي خانة اللصوصية العلمية، مهما كان المبرر مقبولا أو غير مقبول:

النقل بدون عزو إلى القائل: فهناك النقل من الكتاب أو الكاتب دون عزو النقل إليه، أو الإشارة إليه، ومن الطرائف التي قابلتها في ذلك أن أحد دكاترة الكليات الشرعية، في دولة عربية، أرسل مقالة لمجلة مركز بحوث السنة والسيرة في قطر للشيخ القرضاوي، وقد طلب مني أن أراجعها، فإذ بكاتب المقالة أو الدراسة، يقتبس من كلام القرضاوي وغيره دون عزو، وينسب الكلام لنفسه!! وصدق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) «...إذا لم تستح فاصنع ما شئت» (البخاري).

الاقتباس الكامل للفكرة دون الإشارة إلى صاحبها: وذلك بأخذ فكرة كاملة من الكاتب، أو من الشخص، وصياغة الفكرة بأسلوب الكاتب الذي سرق الفكرة، فالعبارات فعلا عباراته، ولكن الفكرة الرئيسية -التي لولاها ما كتب- ليست فكرته.

النقل الكامل، وهو ما يسمى «السَّلْخ»: وهو نقل مقال كاملا، أو كتاب كاملا، بلا إضافة أو تعديل، أو تنقيح، بل أحيانا ينقل الأخطاء المطبعية أيضا، كنت أجمع ما كتب عن (النسخ في الشريعة) في مجلة الأزهر في أعدادها القديمة، ففوجئت بمقال نشر في مارس 1963م، على حلقتين، وإذ بي أفاجأ بأن المقالين مسروقان سرقة تامة، من فتوى قديمة للشيخ إبراهيم الجبالي، نشرت في مجلة الأزهر أيضا في صفر 1351ه- - 1932م، ولم ينتبه أحد من القائمين على أمر المجلة إلى السرقة التي كانت صيغة ما كتبه الشيخ الجبالي فتوى، وقال فيها: «وأما النقطة الثانية وهي موضع السؤال...» وقد نقلها عنه الكاتب بالنص نفسه، في مقاله.

الكتابة الكاملة وشراء ما يُكتب: وهذه حالة استشرت، بخاصة في دول الخليج العربي، وعند أصحاب الثراء في عالمنا العربي والإسلامي، أو أصحاب النفوذ والمناصب العلمية، وقد يكون مقابل ما يكتب ماديا، أو معنويا، بالترغيب أو الترهيب، وكلاهما وسيلة من وسائل سرقة الجهود العلمية.

أسباب انتشار السرقات العلمية

هناك أسباب كثيرة، لا شك، أدت إلى تفشي هذه الظاهرة السيئة في بيئتنا العلمية والدعوية، وقد حاولت رصد أهم أسبابها، وهي:

غياب الوازع الديني: وهو أول العوامل، فبلا ضمير حي يقظ، يجعل صاحبه يتذكر وقوفه بين يدي الله عز وجل )ألا يظنُّ أولئكَ أنّهُم مبعوثونَ. ليومٍ عظيمٍ. يومَ يقومُ الناسُ لربِ العالمينَ( (المطففين: 4-6) ويتمثل وقوفه بين يدي الله، ).. ويقولونَ يا ويلتَنا مالِ هذا الكتابِ لا يغادرُ صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصَاها( (الكهف:49)، بدون هذا الضمير الحي، والرقابة الذاتية من الإنسان، يحدث ما يحدث، ويأتي الخلل الخلقي، الذي يؤدي بصاحبه إلى سرقة جهود الآخرين.

 العجز والتكاسل العلمي: فمنهم من لا يملك ملكة البحث العلمي، ولا يقوى على خوض غماره، وسبر أغواره، بل لا يقوى على ذلك، مما يدعوه إلى التكاسل عن الكتابة، كما نراه في بعض المشاهير الذين يملكون أن يكتبوا، ولكنه يتكاسل عن ذلك، ويجد أن كتابة غيره له أسهل وأسرع.

حب التنافس في كثرة المؤلفات: أضف إلى ذلك دافعا مهما، للأسف، وهو التنافس في عالم الشهرة والنجومية الفكرية والعلمية، فأضحت موضة الآن، يريد الكاتب أن يقول: إن رصيدي من الكتب عشرات الكتب والدراسات، وأنى له أن يبلغ ذلك بجهده وحده، لا بد من عمل فريق.

عدم وجود رادع دنيوي: وهو من أهم العوامل، فرحم الله عثمان بن عفان (رضي الله عنه) إذ يقول «إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن»، هناك أناس لا يردعهم النص الإلهي، ولا الوازع الديني، ولا الضمير الحي بداخلهم، ولكن يردعهم قانون صارم، وإعلام فاضح لما يفعلونه.

إحساسه بأنه لن يكشفه أحد بحكم موقعه ونفوذه: ومن الدوافع التي تجعل لصوص العلم وسارقيه يتمادون في غيهم إحساس الواحد منهم بأن أمره لن يكتشف، وأنه شخصية كبيرة، أو معروفة، أو لها وزنها بحكم الموقع الفكري، أو النفوذ المادي، أو السلطوي، وينسى هؤلاء أن الله رقيب عليهم، وأنه لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.

التناقض الشديد في السلوك: فهناك من الكتاب من تأتمنه على أموال الدنيا، ولا تستطيع أن تأتمنه على معلومة لك، أو فكرة انقدحت في ذهنك، وتخشى من البوح بها أمامه، وهذا من أكبر الدلالة على التناقض في السلوك، فهو أمين في الجانب المادي، غير مؤتمن على الجانب العلمي.

حاجة طلبة العلم للمال: ومن أهم الأسباب التي أدت إلى تفشي هذه الظاهرة البغيضة حاجة طلبة العلم للمال، وعوزهم، مع تفشي ظاهرة البطالة، وعجز الدول عن تشغيل خريجي الجامعات، مما دفع بعضهم إلى ولوج هذا الباب، باب الكتابة للغير، رغم علمه بأنه شريك في الجريمة، ولكنه ربما ترخص في ذلك، كمن يجبر على أكل الربا لحاجته، وأن الوزر على المقترض أخف من وزر المقرض.

آثار هذه الظاهرة

تصيب الباحثين بالسلبية واليأس والإحباط، فقد ذكر الأستاذ فهمي هويدي في مقال له بعنوان «دكتوراه للبيع» أن أحد الذين يستأجرون بالمال لكتابة رسائل علمية لآخرين حضر مناقشة الرسالة، وقد نال مقدمها درجة الدكتوراه بامتياز مع مرتبة الشرف الأولى، وليس لمن نال الدرجة أي جهد يذكر، عندها صعق المسكين الذي كتبها، وهو لم يستطع لعوزه وفقره أن يكمل دراساته العليا، فخرج مباشرة من قاعة المناقشة إلى نهر النيل، ليلقي بنفسه من فوقه منتحرا، مكتئبا لما جرته إليه الظروف.

تقضي على ملكة البحث العلمي النزيه وتجعل الباحث لا يبالي من أين أتى بالمعلومة، ولا مصدرها، وتنشئ عقليات هشة علميا، متهرئة فكريا، ويكون نتاجها أن تكون الأمة فراغا من كل عقلية بحثية.

تقتل موهبة الإبداع والتنافس، فمن ملك المال فقد ملك العلم أيضا، وإن كان بالشراء والبيع، مما يزهد الباحثين النابهين في التفوق والتنافس والإبداع.

تجعل المجتمع يستمرئ السرقة ويتعود عليها.

حكمها الشرعي

أما عن حكم هذه الظاهرة، وهذه الفعلة التي كثرت وانتشرت بصورة مزعجة في الآونة الأخيرة، فهي بلا شك محرمة حرمة يقينية، وهي في الحقيقة جريمة دينية، وخلقية، كما أنها تجمع بين عدة جرائم معا، فهي:

سرقة: وإن كانت سرقة من نوع آخر، غير سرقة المال، إلا أنها أخطر، إذ المال يعوض، أما الفكرة التي سرقت، فقد صارت في حوزة لصها وسارقها بلا عودة لصاحبها.

نسبة ما ليس له إلى نفسه: كما أنها تنسب فضلا ليس له فيه أدنى دور أو حق، وفي هذا يقول الله تعالى: )لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم( (آل عمران: 188) ويقول صلى الله عليه وسلم: (المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور) (النسائي).

أخذه ما لا يستحق: فهو يحوز ما ليس من حقه، ويمتلك ما لا يجوز له امتلاكه، كما يضيف إلى رصيده رصيدا ليس من تعبه وعرقه، بل هو من تعب وعرق وكد الآخرين.

استغلال حاجة طلبة العلم: ومعظم هذه الحالات تكون باستغلال حاجة طلبة العلم الذين ضاقت بهم سبل الحياة، فهو أشبة بآكل الربا، واستغلال حاجات الناس مما ذمه الشرع، وقبحه الإسلام.

خداع الناس والقراء: كما أن هذه الجريمة تجمع إليها جريمة خداع الناس وإيهامهم أن هذا الكاتب رجل مبرز، وكاتب همام، وبحاثة مكثر من الكتابة والتأليف، وأن قريحته جادت فكتبت ما خرج للناس من بحوث وكتابات، ليست بينها وبينه من نسب، فتخدع الناس في هذا الكاتب.

واجبنا نحو هذه الظاهرة

واجب شرعي: ويكون ببيان موقف الشرع من أمثال هؤلاء، وأن نبدأ معهم بالنصح لهم، في سرية تامة، ملتزمين آداب النصيحة، فمن عاد عن غيه، وانتهى عن سرقته، ورد الحقوق لأهلها، وجب علينا الستر عليه، وإلا ففضحه بين الناس بما فعل وارتكب يصير أمرا شرعيا لا وزر فيه، وهذه هي وظيفة العلماء والمختصين، وكل ذي حس ديني وبصيرة.

واجب قانوني: فلا بد من السعي لإصدار قانون يحاسب من يمارس السرقة العلمية.

واجب شعبي: ويكون بمقاطعة كتابات من يعرف عنهم السرقة العلمية، ويثبت عليهم ذلك، ولفظ كل من بنى كتاباته على السطو العلمي من المجتمع العلمي والشعبي.

المصدر: مجلة الوعي الإسلامي

 
أ. عصام تليمة
تاريخ النشر:2009-08-13 الساعة 11:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 1914
مرات الطباعة: 470
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan