الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » حوارات

حوار مع المفكر السوري غريغوار مرشو

عزيزة سبيني

 

كاتب يشغله الفكر العربي بتداعياته المتأرجحة بين الإسلام من جهة، والحداثة وما بعدها من جهة أخرى. يؤمن بأن الإسلام ليس على تضاد مع الحداثة والتحديث، وإذا كان هناك من يروج لذلك، فغاياته تندرج في الإطار السياسي والاقتصادي، وأن حالة الفصام في الفكر العربي اليوم تعود لأسباب اجتماعية واقتصادية وسياسية، وانحباس إمكانيات الإصلاح التي تتعارض مع المطامع السلطوية.

حول رؤيته لإشكاليات الفكر العربي في العصر المعولم، التقيناه في الحوار التالي:

 

تحرير التراث الإسلامي لم يستنبت ثمراته بعد

*تبدأ كتابك (الفصام في الفكر العربي المعاصر) بمقولة ابن خلدون عن ولع النفس بالانقياد للغالب، واعتقادها الكمال فيه، بإشارة منك إلى أن الاتصال الثقافي مع الآخر، لم يكن قائماً على أساس من التفاعل الثقافي بين متكافئين.

كيف تنظر إلى هذا التفاعل من خلال المشهد الثقافي العربي بشكل عام؟

 

في الحقيقة ما كان يعول عليه من تمنيات التفاعل المثمر مع ثقافة الآخر الوافدة لم يبلغ مبتغاه حتى اليوم على الصعيد العام في العالمين العربي والإسلامي, إذ لا يزال النموذج الوافد أو المقحم إلى فضائنا الثقافي يفعل فعله بطرائق استلابية قاصمة مجتمعاتنا إلى معسكرين متصارعين حداثوي وتقليدي, سواء بشقه الأوربي أو الأمريكي الشمالي.

وإذا كان لابد من تحديد تاريخ لهذه الإشكالية المركزية فهذا يعود إلى بداية ما سمي (صدمة الحداثة ) أي منذ قرنين ونيف.

لكن حتى لا أكون متشائماً في رؤيتي للمشهد الثقافي العربي - الإسلامي أستطيع القول أنه ظهر في السبعينيات من القرن العشرين وما بعده، مجموعة من المفكرين فكوا الارتباط مع هذا الاستلاب الفاصم وكسروا طوقه لاجتراح نوع من التفاعل المثمر مع الآخر، ولكن بنسب مختلفة. ويمكن أن أذكر بعضه لا على سبيل الحصر, منهم: عبد الله العروي،هشام جعيط، برهان غليون, محمد عابد الجابري, عبد الوهاب المسيري, جورج قرم, عبد الكبير الخطيبي, أبو يعرب المرزوقي, احميدة النيفر, محمد وقيدي, أبو بكر أحمد باقادر وغيرهم.

إلا أن هؤلاء بتوجهاتهم النقدية المزدوجة للتراث الغربي، وتحرير التراث العربي الإسلامي من المفاهيم الجبرية القهرية التي حكمت مفاعيله لم تستنبت بعد ثمرات تفاعلهم ضمن المؤسسات الحكومية والمدنية بشكل واسع, إذ لا يزال الحصار مضروباً عليها من قبل السلطات الرسمية الحاكمة في الدول المستتبعة للقوى العظمى المهيمنة.

 

العلاقة مع الثقافة الغربية، علاقة السيد بالعبد والتابع بالمتبوع

هذا الانقياد الثقافي، أو التماهي مع الآخر الغربي، أو الاستتباع، كما في كتابك (مقدمات الاستتباع).

برأيك، كيف تبنته النخب المحلية المثقفة، وهل أخذت بعين الاعتبار الواقع التاريخي والحضاري لمجتمعاتنا؟

 

فيما يتعلق بالانقياد الثقافي, أو التماهي مع النموذج الغربي واستتباع النخب المحلية له الذي بينت آليات الإجبار والإكراه والتدجين, المباشر وغير المباشر الذي أرفقته في كتابي (مقدمات الاستتباع)، فقد تمَّ تبني هذا النموذج بمستويات مختلفة بالشكل ولكن متفقة بالمضمون، كما بينت في كتابي ( الفصام في الفكر العربي)، فلكي يبرر المثقفون العرب الحداثييون الاستعارة عن الآخر الغربي, كنموذج جاهز ويضفون عليه مصداقية اتجاه جماعاتهم الأهلية لجئوا للاحتكام إلى التراث - انطلاقاً من منظور انتقائي – متوسلين حججاً تاريخية مستمدة من العصر العباسي المعروف بـ ( العصر الذهبي ) بذريعة أنه حصلت حركة ترجمات، ونقل عن الآخر اليوناني مماثله لنظيرتها في الحاضر. بهذا التناظر المقتطع من سياقه التاريخي الاجتماعي، اختزل هؤلاء المثقفون تلك الحركة إلى مجرد نقل للفكر اليوناني وترجمته إلى اللغة العربية.

من هنا تجلّت رغبتهم الجامحة لمعانقة الحداثة الوافدة في إعادة إنتاج الإشكاليات والمسائل والأسئلة والأجوبة الدائرة في الفكر الغربي السائد، الأمر الذي حدا بهؤلاء بالمقابل، إما للإعلاء من الإسلام إلى سماوات أفلاطونية ما فوق تاريخية في عصره الراشدي، وإيجاد امتداده وتجلياته متحققة في البروتستاتتية الانكلو سكسونية البريطانية كما تراءى للشيخ محمد عبده آنذاك، على سبيل المثال،وإما إلى تبخيس جذوة الإسلام حقها وانتقاد نصوص القرآن أو الانتقاص منها باسم كونية الثقافة اليونانية، وامتدادها الأوربي في الأزمنة الحديثة وأسبقية العقل على الإيمان ثم التبشير بدعوات اقليموية في المجال الأدبي. هذا فضلاً عن المبالغة المفرطة، لدى بعضهم، في الإصرار على الحركات المعارضة في الإسلام أو المضادة، واستبعاث فكر الأقليات ووشم الأدب واللغة العربيين, بالسكون أو العقم لصالح اللغات الأجنبية بدعوى,أنها المصدر الوحيد للإبداع والتحضر.

كل هذه المحاجات وغيرها كانت في أساس تعزيز وتسويق النقل الميكانيكي للقوانين القضائية والسياسية والاقتصادية كأدوات كونية لا مناص منها, لا بل خير سبيل وحيد وضامن للـ ( الازدهار والتقدم )، وعلى هذا الأساس نصبت هذه النخب نفسها "مربية", على الرغم من اختلاف اتجاهاتها, من أجل تذليل العقبات أمام زحف الانتشار ( التحضيري) للنظام الغربي.

فعبر هذه الآليات تمت عمليات الاتصال بين الثقافة الغربية المهيمنة والثقافة المحلية المستتبعة، تلك العمليات التي أدت إلى حالة من القطيعة مع الذات، وإلحاق هذه الذات الثقافية بالآخر المهيمن، في نوع من علاقة السيد بالعبد والتابع بالمتبوع، وقد جرى ذلك منذ قرنين ونيف على يد نخب حداثوية تحت لواء الشراكة أو التفاعل المنعوت اليوم بالمثاقفة.

وذلك سواء بمماثلة نموذج السلف الصالح ( أمثال رفاعة الطهاوي، خير الدين التونسي، الأفغاني وعبده، وغيرهم ) بنظيره الغربي المستجلب، أو إسقاط هذا الأخير على نحو سلبي تهميشي حيناً، وعلى نحو تقريظي توفيقي تلفيقي حيناً أخر. وفي كلتا الحالتين كانت هذه النخب، ولا تزال في معظمها حتى اليوم محكومة في وعيها، أو لا وعيها، بمنطق النموذج الغربي بذريعة عالميته. هذا المسار أدى بالعلوم والمعارف المنقولة عن الآخر إلى احتواء قادة الدول والعسكريين والمفكرين والأدباء والفنانين وتحويلهم إلى مجرد مرددين معرفين بالمذاهب ومستهلكين دائمين لمبتكراتها الإيديولوجية والمادية، لا بل ممسرحين للحداثة الوافدة في أوطانهم مع كل ما تحمله من أسئلة وأجوبة وإشكاليات بنت منطق حضارة المستعمر، بوجهه القديم والحديث. الأمر الذي أنجب بالمقابل، نخباً أخرى تتوسل التراث أو السلف من موقع الإتباع المصنم لا الإبداع المثمر، للرد على النموذج الغربي على نحو معكوس ومضاد كما نراه اليوم في العالم العربي الإسلامي لكن بمستويات متفاوتة بالشدة أو العنف.

 

ثقافة الاستتباع حولت دولنا إلى مجتمعات معطوبة السيادة

 

لقد صار الفكر بتلك الظاهرة الثنائية المتنافرة والمتحاربة هو الترديد، والمزاودة أو المناقصة، أو التداول بمذاهب منغلقة بعضها على بعض هائمة عائمة فوق الواقع المأزوم لا الغوص فيه، واستخراج إمكانات جديدة واستنبات قواسم مشتركة تعيد اللحمة إلى المصير المشرذم وإلى الاقتصاد والسياسة والثقافة والأديان الملغمة بالطوائفية. فكانت القرابين المفجعة، لتجاهل ذلك، هي تغييب كل ما يجري تحت أقدام القادة ونجوم الفكر والعلم والأدب والفن، من سلب واستنزاف الثروات وقهر النفوس وإفقارها وتكسير البنى الاجتماعية التضامنية والاقتصادية والثقافية من الخارج والداخل حتى تحولت مجتمعاتنا التي أطلق عليها مجتمعات ( الشرق )أو ( العالم الثالث ) ومؤخراً ( عالم الجنوب ) إلى دول معطوبة السيادة مرتهنة علمياً وفكرياً واقتصادياً وثقافياً وسياسياً للمركزية الرأس مالية الغربية المعولمة وراضخة لإملاءاتها الجائرة.

حيال كل ذلك, ليس من قبيل المصادفة أن تكون الأوطان، الحائزة على( استقلالاتها )محكومة باستهلاك الأنماط الفكرية والمادية واستباحة مقدراتها وخراب زراعتها وتحويل ثقافاتها إلى مستحاثة، وشبابه إلى شخصيات عرضة للبطالة أو الانفصام أو التشتت، وأسيرة لآخر الصرعات الحديثة أو البحث عن مورد رزق في المنافي. أما السكان فمهمشون ومجوعون ومقموعون بعد تحويل قسم منهم إلى يد عاملة رهينة شروط اجتماعية وصحية متعسفة أو برسم التصدير أو التهجير إلى البلدان الصناعية الغربية.

 

ليس علينا تقديم شهادات حسن سلوك للتبرؤ من تهمة الإرهاب

تشير إلى مسألة تشكّل الوعي الوطني، والذي هو حسب تعبيرك- وعي مزيف، أسس لكل أشكال الزيف الفكري والسياسي والسلوكي، والاجتماعي الذي تعيشه الشعوب العربية في واقعها الراهن، وتمارسه الأنظمة تحت مسميات عديدة.

 ما هو البديل الذي تقترحه؟ وكيف يمكن الخروج من هذا المأزق، إن كان يحق لنا تسميته مأزقاً؟

لا شك، أن الجميع يعلم أن العالم العربي الإسلامي اصطنع له الاستعمار، بعد اتفاقية سايكس – بيكو، أوطان على شكل دول مستحدثة مكسورة الجسور التعاونية فيما بينها، على كل الصعد، ومستتبعة عاموديا كل منها بمصالحها  للمركزية الغربية ومستقوية بها على الرغم من الاستقلالات الوطنية النسبية عنها. فهذه التقسيمات جاءت بالطبع على تضاد مع الحس الوطني، وغير متوائمة مع تطلعات شعوب المنطقة ومصالحها. الأمر الذي حدا بكل دولة إلى اصطناع وعي وطني بالإكراه حتى تستقيم شرعية أفراد المجتمع ضمن هذا الترسيم الجديد لحدود الوطن. لقد أفرز هذا التحول سلوكيات تراوحت بين القبول الحذر واللا أمان والرفض المبطن حيال الدولة، على الرغم من تلاوين المسميات الإيديولوجية التي أسبغتها هذه الأخيرة على نفسها ودعواها التطمينية للقاطنين على أراضيها على أساس التعامل معهم كمواطنين يحظون سواسية بالواجبات والحقوق والمساواة نفسها أمام القانون. بناء على ذلك، يمكن القول إن الوعي الوطني محكوم بالزيف بقدر ما الدولة لن تحقق للمواطن الحد الأدنى من الأمان والعدالة و المساواة والحرية، ولن تنجز الوعود التي قطعتها له بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية، ولن تكن جادة وصادقة فيما تعلنه رسمياً من واجبات التحرير لفلسطين المحتلة من قبل كيان صهيوني استيطاني غاصب واحترابي يهدد المنطقة برمتها.

فالمطلوب منا اليوم للخروج من المأزق ومواجهة التحديات الخارجية والداخلية التي تحاصرنا، وهو معالجة مسائل الانشطار المزيفة التي تفصم المجتمع العربي الإسلامي إلى معسكريين متنابذين متصارعين أصولي/ حدا ثوي يتبادلان الإسقاطات التصفوية. وهذا عن طريق استقراء الواقع وما يحكمه من قوانين خارجية وداخلية، من أجل اجتراح أسئلة وأجوبة جديدة تنسجم مع المسائل المطروحة. فعلى ضوء هذه الأخيرة وغيرها، علينا القيام بمراجعة نقدية لنقائص الردود العربية على هذه المشكلة، منذ اصطلح عليه بـ ( عصر النهضة ) بهدف إعادة النظر في طبيعة المعركة وتحديد القوى الفاعلة فيها وأهدافها ورهاناتها. كل ذلك في سبيل الوصول إلى رؤية واضحة ومقبولة تستشرف ما يمكن أن يكون عليه نظام المستقبل العربي، وإلا أي تقاعس في هذا المضمار سيؤدي إلى تأبيد وتغذية البلبلة الفكرية والقانونية في العلاقات الاجتماعية وتلغيمها بالمخاوف والنفور والضغائن والتخوين المنذرة باحتمالات انفجار العنف الداخلي، وتصديره إلى الخارج على نحو عشوائي، كما حصل في العقدين الأخريين. ثم ما جرى من تحولات بعد الحادي عشر من أيلول تستدعي الحكومات العربية والإسلامية إلى وقفة متأملة فاحصة للتعرف على مسؤولياتها وتحملها دون الاكتفاء بالهرولة إلى تقديم شهادات حسن سلوك للتبرؤ من تهمة الإرهاب الموجهة إلينا، وإلى موروثنا الثقافي تخصيصاً وإسقاطها،,بالمطلق, على الآخر الخارجي الذي يكيل بمكيالين. كما تستدعي الدول العربية القيام مشتركة بمبادرة التصالح والتعاون والتعاضد مع شعوبها والاستقواء بها بتفعيل القوانين الناجعة واجتراح ما يعزرها لتكون العنصر الموازن والفاعل ما بين الواجبات والحقوق.

بصريح العبارة، ما نحتاجه هو عقد جماعي عربي للأمن والتنمية الاجتماعية والاقتصادية الإقليمية تشارك فيه الفعاليات السياسية والحقوقية و الإدارية والفكرية والاقتصادية كلها، على أن يحدد هذا العقد التزامات ومسؤوليات وواجبات كل طرف, في إطار مشروع عمل تنموي موحد، وخطة إصلاحات اقتصادية وإدارية مشتركة لمحاربة كل أنواع الفساد والإفساد اللذين طالا حتى مؤسستي القضاء والتعليم ليصار إلى خلق مناخ جديد مشجع على العمل والإنتاج والاستثمار بدلاً من أن تأتي هذه الإجراءات على شكل إملاءات مزلزلة جائرة من القوى المهيمنة تحت لافتات كاذبة داعية إلى خلق شرق متوسط جديد أوتقسيم المقسم.أوتجزئة المجزأ.

إذاً، بهذه الإعدادات وغيرها تتمكن البلاد العربية من الخروج من موقع المنفعل والضحية المستجدية الدائمة لتدخل الشرعية الدولية إلى موقع الفاعل لاحتلال مكانة تليق بنا كبشر فاعلين على الساحة الدولية. وهذا لأن صحة أي مجتمع ونماءه كما حيويته وقوته تكمن في مدى حيوية فكره ويقظة وعيه، وقوة طاقاته وحسن توظيفها. أقول ذلك لأن قوة المعرفة وإنتاجها هو أساس اقتدار المجتمعات.

وإن درجة الوعي ويقظته هما الضامن لنفاذ الرؤى وفاعليتها واتساع أفقها, لاستيعاب الحاضر وقضاياه، واستشراف المستقبل ومتطلبات صناعته. ألم يصبح من البديهيات أن المجتمعات التي تقصر أو تفشل في توظيف طاقاتها البشرية الحية، تتقهقر إلى مواقع الشعوب المستغنى عنها !!؟ ألم يصبح من باب التحصيل الحاصل أن تستباح الشعوب المستضعفة وتسلح هي وخيراتها وثرواتها من قبل القوى المستكبرة في الأرض حينما تتولى نخب الداخل المستبدة باغتيال أسباب ممانعتها ومقومات صمودها ومقاومتها وتفكرها على وجودها أو حينما تتركها عرضة للنهش بأنياب الفساد والإفساد !!؟.

 

الإسلام ليس على تضاد مع الحداثة والتحديث

أشرت في أكثر من موضع إلى ضرورة الإصلاح الإسلامي بالشكل الذي يتناسب مع الحداثة الغربية، باعتبارها نموذجاً للتقدم والحضارة – حسب الحداثيين- كيف يمكن أن يتم الإصلاح الإسلامي، ونحن نرى المسلمين اليوم في حالة من الفصام الفكري والتشرذم العقائدي؟

في الحقيقة ما يُسوَّق اليوم في الساحة الدولية كما كان في السابق على أيدي المستشرقين والمستعمرين على أن الإسلام ديناً وثقافة وحضارة، هو على تضاد مع الحداثة والتحديث، فهذه مغالطة تاريخية خطيرة ومسألة مزيفة، روجتها الترسانة المعرفية الاستشراقية ورسختها في بعض أذهان النخب الأصولية التي ما هي إلا الرد المعكوس للصور المنمطة التي خلعها النظام الغربي الرسمي عليها لغايات سياسية ومطامع اقتصادية توسعية، وإذا كان ثمة تذمر وإدانة من مظاهر عنف في الإسلام فهذا غير متأصل فيه على نحو أكثر من اليهودية أو المسيحية أو الهندوسية أو البوذية أو السيخية.

ولابد من التحقق بشكل كامل من التشويه الحاصل بربط العنف أو الإرهاب بالإسلام، مثلما كانت تدان الشيوعية سابقاً بالشيطان أو بمحور الشر. وإذا كان ثمة حالة من الفصام الفكري أو التشرذم في العقيدة فهذه ليست سمة تخص دين أو معتقد دون آخر، وقد ينسحب هذا الأمر على كثير من التيارات المذهبية سواء كانت حداثية أو تقليدية. وهذا يعود لأسباب اجتماعية واقتصادية،وانحباس إمكانيات الإصلاح، أو سياسية بحتة ذات مطامع سلطوية. أو قد تكون بعض التيارات الضيقة الأفق في أصوليتها توظف كورقة ضغط في الداخل أو التصدير للخارج ضد هذه الدولة المجاورة أو تلك، أو كأداة متلاعب بها استخباراتياً من قبل القوى الخارجية بغاية تلطيخ صورة الإسلام وتبرير الاستيلاء أو وضع اليد على ثروات مريديه.

ثم على وجه العموم، إذ كان ثمة تيارات مجاهدة في إرهاب الإسلام، فهذا يعود إلى تأبيد الاستغلال والتسلط عليها، وتظهيرها في الإعلام الغربي والدائر في فلكه على أساس أنها شعوب منحطة لا تستطيع أن تعي ذاتها إلا بوعي مجلوب من الخارج، ولا تستطيع أن تحكم نفسها أو تستغل إمكاناتها وثرواتها كما تروج القوى الصهيونية. ولذلك لا بد لها من حاكم متسلط. ولابد لها من الاستقواء بمستغل خارجي حليف له يثمن هذه الثروات المهدورة.

تلك هي مشكلة الملاحظة الخارجية والنظرة التي تظل مفصومة عن الواقع، والتي لاتدرك سوى الظواهر العائمة الخادعة، وهي في الحقيقة مشكلة البرود الإنساني، أي انعدام التعاطف الوجداني مع الإنسان، الموسوم بالتخلف - موضوع البحث - والنظر إليه كسلعة استعماليه ليس إلا. إنها لم تستطع الغوص في وجدان هذه الشعوب المستتبعة كي تتلمس بذور التمرد والانتفاضة والتي تنمو في أحشائها بصمت وبطئ، ولكن بشكل أكيد وحتمي. وحينما تقوم لحظة انتفاض المكبوت تتفجر الطاقات التغييرية التي تفاجئ أول ما تفاجئ الفئة المستحكمة داخلياً وخارجياً، وتتجاوز في مداها تصورات أكثر الملاحظين الخارجيين تفاؤلاً، وهذا ما نلاحظه بشكل بارز في المقاومة الفلسطينية واللبنانية والعراقية وغيرها من المقاومات، التي تحاول الولايات المتحدة وحلفاؤها مسخها بعد أحداث أيلول إلى ظاهرة إرهابية بهدف تبرير إسكاتها وتنصيب دولة إسرائيل الحربية العنصرية القائمة على الاستيطان الإرهابي حصناً متقدماً لافتراسها وتصفيتها سواء بالتعاون مع حليفها العضوي الأكبر أو وكلائه في المنطقة. وهذا تحت شعار الدفاع عن العالم الحر والديمقراطية وحقوق الإنسان والحضارة بوجه عام.

 

مثقفو اليوم يحصدون الكثير من الصدمات والمفاجآت الكارثية

أثار مفهوم العولمة تحدياً إشكالياً عالمياً، وخاصة، في دول العالم الثالث، الذي لم يع حقيقة أهدافها في تقطيع المجتمعات إلى شرائح، وكيانات قبلية، وعرقية، وطائفية. فدعوت إلى عدم الثقة بما يروج له من مفاهيم مثل ( حوار الحضارت) في إشارة منك إلى أن هذا الحوار هو من قبيل (حوار الطرشان).

برأيك، ماهي الوسيلة التي يمكن من خلالها الرد على أصحاب صدام الحضارات، ونهاية التاريخ، ونهاية الأيديولوجيات، ونهاية المثقف، إلى غير ذلك من النهايات؟

 

لئلا يغدر بحوار الحضارات المنشود لا حوار الطر شان أقول:

لأول مرة في تاريخ البشرية تميزت الحضارة الغربية السائدة، بخلاف سابقاتها، باعتماد الثقافة والغذاء والماء سلاحاً ابتزازياً أساسياً في إستراتيجيتها للاستغلال الجشع والهيمنة على الشعوب الأخرى، بهدف تحطيم ثقافاتها وتحويلها إلى مجرد مستحاثات فلكورية ترضي غرائيبيتها الاستيهامية، سواء بالقهر أو التدجين والاحتواء السلمي لنخبها أو الحرب.

إن هكذا معطيات مؤسسة على التمركز حول الذات لا تبعث على الثقة بما يروج إعلامياً في إطار العولمة الزاحفة من حوار حضاري، يعترف بقيم الثقافات المغايرة ورموزها الخاصة، أو بفكرة تعددية التاريخ بمعنى أن كل حضارة أو ثقافة تبدع معنىً ودوراً ونمطاً للعيش تستطيع من خلاله تحقيق ذاتها، والسيطرة على مصيرها وبيئتها لتصب في الحضارة الإنسانية.

أقول ذلك بخلاف ما يريد البعض تسويقه من مماثلة وظائفية الحضارة الغربية اليوم مع الحضارات السابقة. ثم ما أريد توضيحه هنا هو أنه لم نكن بانتظار كتاب (نهاية التاريخ) لفوكوياما أو كتاب هنتنغتون ( صدام الحضارات ) وإعادة صنع النظام العالمي الجديد، حتى نهرول إلى مجابهته بحوار الحضارات. إذ ما جاء بهذين الكتابين ليس بغريب ولا بجديد، بل هو على العكس خلاصة مكثفة بثوب جديد لما تحمله المركزية الغربية من أنماط معرفية مؤسسة سائدة – على اختلاف مذاهبها – مكرسة لنرجسيتها. وهذا على الرغم من الدعوات المتصاعدة في أوساط المجتمعات الغربية إلى فك الارتباط مع هذه المركزية.

فإذا كان لا بد من الحديث عن الجدة عند صاحبي هذين الكتابين وغيرهما، فهو نوع من التحصيل الحاصل والاستمرار الأكثر علنية للحرب المفتوحة على ثقافات الشعوب الخارجة عن مدار مفاهيم سائدة لثقافة الغرب التي تتشبث بتفويقيتها وتجانسها العرقي الموهوم وتميزها الميتافيزيقي القائم على المتعالي، بالمطلق، في مقابل الثقافات الأخرى المهمشة. ولا شك لقد تزامن هذا الإعلان المعمم مع انعقاد الظفر للولايات المتحدة الأمريكية واستئثارها بالقطبية الواحدة بعد حرب الخليج الثانية، وتفكك الاتحاد السوفيتي ودول الكتلة الشرقية التي انضوت معظمها تحت مظلة الحلف الأطلسي باحتواء التحديات الاقتصادية المتمثلة ببعض دول الأطراف الآسيوية. هنا اتسائل تجاه ظاهرة المناشدة بحوار الحضارات في مقابل العولمة الحاملة في ثناياها، نظرا لنوع المتسيدين عليها، قسماً كبيراً من المخاطر المدمرة فهل تجب كل احتمالات الصراع مع الدوائر المهيمنة للآخر الخارجي؟  ثم إذا أردنا لهذا الحوار أن تستقيم آلياته هل نهلل بسرعة مجانية وندعو الآخر الخارجي للشراكة المعرفية والمادية معه دون تحصين أنفسنا بحس نقدي ولحمة نضالية تواصلية حوارية تقر بالاختلاف كعامل للإغناء لا كعامل خلاف احترابي فيما بيننا.؟

 

فالسؤال الكبير المطروح علينا جميعاً:هل يكفي الإعلان عن مقاصدنا الطيبة في الحوار مع الآخر الخارجي حتى تستقيم الأمور ضد ماتحمله في تضاعيفها من مفاجآت؟ في الحقيقة إن العولمة لم تعد قابعة على حدودنا إنما أصبحت قاطنة في داخلنا. وسوف يزداد تصويرها كغول أو شبح ينقض علينا كالصاعقة. كما سوف يتضاعف الرعب والرهاب حيالها طالما يوجد قسم كبير من مثقفينا يتغاضى أو يتقاعس عن القيام بإعادة نظر نقدية بطبيعة النخبة المفصومة عن واقعها والمفاهيم المسبقة الصنع التي لا تزال تتحكم بوعي أو بلا وعي نخبنا التي صارت تحصد من الصدمات والمفاجآت الكارثية أكثر من أي وقت مضى نتيجة وقوعها في فخ الانبهار والافتتان تجاه ما يروجه الإعلام الغربي من شعارات ملغومة عن الديمقراطية  وحقوق الإنسان.

إلا أن هذا الوجه المغول عن الآخر الخارجي يجب ألا يصرفنا عن معرفة الوجه الآخر للحقيقة، وهو ما نراه من دعوات في المجتمعات الأخرى تطالب بالحوار الحضاري القائم على حق الاختلاف وتعددية الثقافات وعدالة توزيع الثروات أو الموارد في إطار  نقض ومحاربة استعداء الآخر وتشويه صورته. هذا فضلاً عن الرد على أصحاب "صدام الحضارات " و" نهاية التاريخ " المزعوم و "نهاية المثقف " " ونهاية الايديولوجية" " وموت الإنسان بعد إماتة الله" وما إلى ذلك من مفردات عن النهايات.

لكن كي يتم تخصيب ذلك لا بد من شراكة معرفية وعدالة اجتماعية وحوارية حرة في الداخل حيث توطد الدول ثقتها بمجتمعاتها والاستقواء بها، وتجذر النخب المحلية علاقتها بثقافات شعوبها لتفعيلها وتجديدها وإلا ستغتال كل احتمالات لقطف ثمرات مجدية وفعَّالة لأي ممانعة جادة وحوار بناء, لا بل سيسهل الإجهاز عليها بالاحتواء والتمييع ويؤبد, بالتالي,الصراع العنفي, نظراً للعلاقة غير المتكافئة, ما بين العالم الخارجي وحضارات أو ثقافات  الشعوب المستضعفة.وخاصة ضمن سياسة عولمية زاحفة كاسحة يتسيدها قادة ينتهكون القوانين الدولية ولا يشغلهم إلا بسط هيمنتهم على مقدرات هذا الكوكب لتسليع ما في باطنه، وكل ما عليه من ثقافات وبشر وثمار وحجر على نحو وحشي. وخير دليل على ما نقول هو ما يجري اليوم في فلسطين والعراق وأفغانستان والسودان والصومال وباكستان واليمن وغيرها من بلدان العالم.

 

إذن، إذا لم نبدأ بالشراكة المنشودة على كل المستويات من الداخل, في إطار تكافلي, تضامني وتواصلي, فسوف يكون من المستحيل انجاز  جدلية حوار ناجعة وتدافع حضاري مثمر مع الآخر الغربي.

 
عزيزة سبيني
تاريخ النشر:2009-10-14 الساعة 13:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 2940
مرات الطباعة: 619
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan