الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » عروض و مراجعات

عدالة التوزيع والتنمية الاقتصادية: رؤية إسلامية مقارنة

عبد الله عرفان

 

العنوان الأصلي : عدالة التوزيع والتنمية الاقتصادية: رؤية إسلامية مقارنة

تأليف : أحمد إبراهيم

الناشر : مركز دراسات الوحدة العربية

سنة النشر : 2007

عدد الصفحات : 368

تعد قضية "العدالة" -مفهومًا وممارسةً- وكذلك قضية "الكفاءة" والفعالية الاقتصادية المحركة للنمو الاقتصادي من أكثر القضايا إشكالاً وجدلاً في جميع المجالات وعلى كل المستويات. ويُنظر إلى الاقتصاد بحسبانه أحد المجالات الهامة من جهة تأثيرها العميق على باقي مناحي الحياة المادية والقيمية، لذلك فإن تناول وضع العدالة من النظرية الاقتصادية هامٌ، بنفس درجة أهمية الاقتصاد كمجال مهيمن، والعدالة كقيمة جوهرية معيارية.

يناقش هذا الكتاب الذي هو في الأصل أطروحة دكتوراة قضية قديمة حديثة وهى؛ العلاقة بين القيمي والمادي، وتجلى هذا في السؤال المحوري للدراسة وهو؛ هل يمكن للفعالية والكفاءة الاقتصادية أن تتحقق بدون وجود إطار قيمي وأخلاقي إنساني؟ وهل يمكن الاعتماد على مجرد الكفاءة والفعالية لضمان توزيع عادل للدخل والثروة؟

 

المشكلة والفروض

 

يتتبع هذا الكتاب الكيفية التي تم بها انتقال التحيز إلى المادي في "النموذج المعرفي الغربي" إلى النظرية الاقتصادية الوضعية حيث تم تهميش "القيمي" لصالح ترسيخ "المادي"، وتم التعامل –من قِبل الجميع- مع النموذج الغربي باعتباره نموذجًا عالميًا، وجرى نقل المفاهيم والخبرات الغربية وتعميمها على بقية العالم. ولذلك؛ يهدف الكتاب إلى بيان هذا التحيز في النظرية الاقتصادية الوضعية من خلال فلسفتها وآلياتها وفعالياتها، وتقديم البديل الموضوعي الذي يوازن التطلعات المادية مع الالتزامات الروحية، وهو ما يعتبره الباحث متمثلاً في الاقتصاد الإسلامي، عن طريق تحكيم الشريعة الإسلامية لفعاليات الحياة ومنها الاقتصادية.

ينطلق الكتاب من فرضية تقول؛ بأن النظرية الاقتصادية الوضعية غير قادرة على إيجاد التوازن بين السعي إلى التراكم المفضي إلى "النمو" المفرط، وبين "التوزيع العادل" للدخل والثروة، و"إعادة التوزيع" المفضية إلى الرفاهية الاقتصادية. وقد اعتمد الكاتب منهج التحليل النظري المقارن، حيث تناول المفاهيم مثل (العدالة والتوزيع والكفاءة والنمو)، وتجلياتها العملية في السياسات والإجراءات والأدوات الاقتصادية والمالية والنقدية.

 

الخبرة الغربية

 

يتناول القسم الأول من الكتاب تطور مفاهيم: العدالة والتوزيع والكفاءة والنمو في النظرية الوضعية الغربية، فيروى بداية فك الارتباط بين العلم السكولائي (اللاهوتي) والعلوم الطبيعية والاجتماعية، ومحاولات البحث عن بديل موضوعي ينظم فعاليات الحياة، مما أدى إلى خروج الكنيسة من الحياة العامة، متمثلاً في بروز قضيتين كانتا بداية التحول نحو العلمنة، وهما إباحة الربا وتقديس السوق. أدى هذا، متضافرًا مع عناصر أخرى، إلى صعود الطبقة الوسطى ونشاط التجارة التي أصبحت المهنة الأكثر احترامًا، مما أبرز مفهوم الثروة؛ والتي تتجسد في المعادن النفيسة والاستحواذ عليها وبالتالي تم التركيز على المقدرة التصديرية لجلب المزيد من الثروة. وبهذا، خلا مذهب التجاريين الذي ساد في بداية عصر النهضة من قضايا النمو والتوزيع و"العدالة".

وعلى خلفية العلاقات الإقطاعية في بريطانيا وفرنسا، بدا المشهد الاقتصادي العام مكونًا من مزارعين وعمال وحرفيين يمثلون الفعالية الاقتصادية ويحصلون بالكاد على حاجاتهم الأساسية للعيش واستمرار العمل، وعلى الجهة الأخرى هناك ملاك الأرض الذين لا يقدمون أي منتج صافي ويحصلون على ريع الأرض. يرى الطبيعيون أن هناك طبقة منتجة وهم المزارعون والعمال والحرفيون والتجار، وطبقة عقيمة هم أصحاب الأرض، ولاحظوا أن الزيادات في الفوائد المجبية بواسطة التقدم الاقتصادي تذهب إلى ملاك الأرض، أما الأجور فتبقى على ما هي عليه دون زيادة. لذلك، أقترح "فرانسوا كيناى" أن يدفع المُلاك الضريبة على دخولهم المُحَصلة من ِريوع الأرض، وفقًا لما تقتضيه العدالة. علمًا بأن المقصود بالعدالة هنا هو"عدالة القانون الطبيعي" الذي يحكم جميع الموجودات، وبذلك؛ فهم ينبذون تدخل الدولة وسن القوانين وفرض الضرائب والرسوم، وبالتالي، فإن الضريبة التي تدفع هي؛ لتمويل الحروب والتوسعات الاستعمارية، لا للإنفاق العام. ومن هنا؛ بدأ تشكل مفهوم التوزيع ومفهوم "العدالة"، على خلفية التحيز نحو المادي، المتمثل في التراكم والنمو والاتجاه نحو التعامل مع القضايا والظواهر الاجتماعية بنفس مفاهيم التعامل مع القضايا الطبيعية فيما عرف بـ "النيوتونية الاجتماعية [1].

يبدو أن مفهوم "العدالة الطبيعية" ستكون له هيمنة طاغية على فكر الاقتصاديين الوضعيين بعد مدرسة الطبيعيين، فلقد استمر في التأثير بشكل مركزي على المدرسة الكلاسيكية، التي ظهرت بعد التقدم التقني الناتج عن الثورة الصناعية، وتغير الهيكل الاقتصادي-الاجتماعي نتيجة لتغير علاقات الإنتاج والتبادل، إلا أنه وبدلاً من مركزية الطبيعة في فكر المدرسة الطبيعية، حل السوق محلها كمفهوم وعلاقات في قلب النظرية الاقتصادية الكلاسيكية.

ووفقًا لذلك؛ تتحدد أسعار عناصر الإنتاج في السوق وفقًا لقانون العرض والطلب، ويعتبر ناتج هذه العملية المحايدة هو العدالة الطبيعية التي ربما تكون تجسيدًا للإرادة الإلهية. بهذا؛ يظهر أن "العدالة" ليست مكونًا من مكونات "الكفاءة" كمفهوم أو شرطًا من شروطها كممارسة. ربما لو كانت عملية التوازن بين العرض والطلب عملية حرة وليست محكومة بفرضيات وتحيزات لكانت المعادلة تبدو صحيحة بالفعل. إلا أن النظرية الوضعية تضع هدف التراكم الرأسمالي المعَبَر عنه بالنمو في المقدمة، ومن أجل تبرير توزيع قسط أكبر على رأس المال- من أجل مزيد من الاستثمار وبالتالي مزيد من النمو- وقسط أقل للعمال، متمثلاً في أجور حد "الكفاف" أو الحد الأدنى، قدم "مالتوس" طرحه حول أهمية أجور الكفاف لوقف الزيادة الحتمية في السكان نتيجة لزيادة الأجور وهو ما سيؤدي إلى كارثة على الجميع. هنا يبدأ التراكم لصالح رأس المال على حساب العمل، سواء على النطاق المحلي أو على النطاق الدولي نتيجة لتقسيم العمل الدولي والعلاقات المختلة بين المركز والأطراف، في ظل غطاء معرفي متحيز إلى المادي ومانع لأي أبعاد قيمية دينية تُرشِد من هذا التحيز.

يؤدى النمو الاقتصادي على خلفية التحيز إلى رأس المال إلى الركود الاقتصادي والكساد نتيجة لضعف الطلب، وذلك لعدم استفادة دخول العمال التي هي عند "حد الكفاف" من هذا النمو، فيما يعرف بالدورات الاقتصادية.

التقط ماركس هذه الاختلالات في النظرية والممارسة واستخدم أدوات وفروض النظرية الرأسمالية في دحضها، فلقد اعتمد على آراء "ديفيد ريكاردو" في نظرية القيمة والتوزيع حول القانون الحديدي للأجور، وآراء "كيناى" في التقسيم الطبقي وتوزيع المنتج الصافي بناء عليه، وكذلك؛ آراء "مالتوس" حول الحد الأدنى للأجور، في صياغة تصوره حول الطريق إلى الشيوعية.

تصور "ماركس" وكذلك ديفيد ريكاردو، أن حالة البؤس التي يعانيها العمال من جراء التوزيع غير العادل للدخل، نظرًا لاستيلاء الرأسماليين على فائض القيمة (آراء ريكاردو) ستؤدي إلى الاغتراب، والذي سيكون مؤشرًا على نضج الطبقة العاملة ووعيها بالظلم، وبالتالي فإنها ستقوم بالثورة، وإلغاء الملكية الخاصة، وتأميم وسائل الإنتاج للوصول إلى الجنة الأرضية. لم يتحقق حلم "ماركس" نتيجة تعثر التحولات نحو النموذج الاشتراكي، بل وتحولت الرأسمالية إلى الامبريالية من أجل حل أزماتها بتوسيع أسواقها، وزاد التوزيع غير العادل للدخول والنمو المفرط للتراكمات الرأسمالية الناتجة عن فائض القيمة.

مع تنامي الهجوم على نزعة التراكم في النظرية الرأسمالية، اضطر مفكروها إلى محاولة تهذيبها بالحديث عن العدالة وإعادة النظر في أسس التوزيع، إلا أن الملاحظ أن هذه المحاولات كانت علي هامش النظرية ومقولاتها الأساسية، بالإضافة إلى أنها كانت استمرارًا للقناعة القائلة بأن "العدالة تنتج عن عملية العرض والطلب" باعتبار ذلك قانونًا طبيعيًا. فكانت مساهمة "ألفرد مارشال" في المدرسة التقليدية الجديدة امتدادًا للاهتمام بالكفاءة والتراكم والنمو، وذلك بمعالجاته لنظرية القيمة وإضافة الطلب معبرًا عنه بالمنفعة إلى مصادر القيمة، وكان "باريتو" من المدرسة الحدية باقترابه من مفهوم الرفاهية الاقتصادية اقترابًا ماديًًا أيضاً بتحديده لها- الرفاهية- بمتوسط الدخل، وإغفال أي أبعاد قيمية أخرى يمكن أن تؤدى إلى الرفاهية. وبالتالي فزيادة متوسط الدخل يعنى زيادة الرفاهية الاقتصادية لمجموع السكان، وهذا ما يغيب حقيقة استفادة الأغنياء بأكثر من الفقراء من مثل هذه الزيادة في متوسط الدخل، وهذا ما ينفي إمكانية تحقيق "أمثلية باريتو".

عند 1929 تم اختبار قانون "ساي" للأسواق القائل بأن العرض يخلق الطلب عليه، وبدا أن القانون غير قادر على حل الأزمة الاقتصادية المستعصية، لذلك تدخل "كينز" لإنقاذ النموذج الرأسمالي بحلٍ من داخله، يقضى بتعويض الدولة للنقص في الطلب الناجم عن قصور الأجور التي هي عند "حد الكفاف"، وهذا ما يعنى دورًا جديدًا للدولة في النظام الرأسمالي، وليس تدخلاً في الشأن الاقتصادي كما يتصور البعض. ومن ثم فإن النظرية "الكينزية" لم تعدل في جوهر النظرية الوضعية خصوصاً فيما يتعلق بالعدالة والتوزيع والكفاءة والفعالية.

لم تكن النظرية الوضعية قادرة على معالجة موضوع عدالة التوزيع كما رأينا بسبب استبعادها للقيم والأخلاق من التحليل الاقتصادي، وبهذا تصبح مفاهيم مثل "العدالة والمساواة" أقرب إلى تناول علم الاجتماع أو المصلحين الاجتماعيين من تناول الاقتصاديين لها، حيث يعنى مزيدٌ من العدالة والمساواة في النظر الاقتصادي الوضعي، مزيدًا من نقص التراكم والنمو والثروة. هذا يعد اتساقًا مع النموذج المعرفي الغربي المنحاز إلى النمو والكفاءة على حساب العدالة والمساواة. إلا أن السؤال الأهم في هذا المقام هو؛ ما تأثير غياب القيمي والأخلاقي في النموذج المعرفي الغربي -ممثلاً بغياب عدالة التوزيع- على الفعالية الاقتصادية الكلية؟

 

التصور الإسلامي

 

ينتقل الباحث بعد هذا العرض والتحليل إلى مناقشة عدالة التوزيع في الاقتصاد الإسلامي، ويوضح أن التصور الإسلامي لعدالة التوزيع ينطلق من نموذج معرفي مغاير للنموذج الغربي، له شبكة مفاهيمه المستقلة، وبالتالي؛ فإن السياسات والممارسات النابعة منه تختلف أيضًا في منطلقاتها ومقاصدها، وإن تشابهت في بعض تفاصيلها الجزئية مع السياسات والممارسات الغربية.

يفترض النموذج الإسلامي هيمنة الشريعة الإسلامية (أخلاق/قانون) على النظام الاقتصادي بهدف توجيهه عن طريق التفاعل مع الواقع العملي لتحقيق هدفي "الإعمار والعدل". وتتعامل النظرية الاقتصادية الإسلامية مع المشكلة الاقتصادية باعتبارها ليست فقط مشكلة ندرة واختيار، لكن هناك جزء مهم منها هو مشكلة "توزيع الموارد"، لما لها من تأثير كبير على تخصيص الموارد، وعلى الندرة النسبية وبالتالي؛ على هيكل الإنتاج والتوزيع. ولذلك، فهي تهتم بتحقيق "العدالة" لضمان فعالية الإنتاج والتوزيع، وهي بهذا تضع "العدالة" كشرط ضروري لـ"النمو" و"التنمية". وهو ما يؤدي إلى تلافى التناقض الحادث في التصور الغربي بين الإنتاج والاستهلاك باعتبار الطلب الفعلي متغيرًا مستقلاً واعتبار الدخل والتشغيل متغيرات تابعة، وبذلك، يصبح الحل هو دعم الطلب الفعال عن طريق إجراءات توزيع "عادلة" للدخل، تؤدي بدورها إلى الكفاءة الاقتصادية والنمو المستدام، ويمكن أن نلمح هذا في الآية الكريمة (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم) البقرة:261.

تتحقق هذه "العدالة" إذن في النظرية الإسلامية من خلال منظومة مقاصد الشريعة التي تضمن تحققها، وتدعمها وتحميها، فتبدأ بأهمية تلبية الحاجات الأساسية والتي تخضع للترتيب المعروف للضروريات والحاجيات والتحسينيات، والضروريات؛ هي الحاجة إلى المطعم والمشرب والملبس والمسكن إضافة إلى الحاجة إلى الأمن، وتخضع هذه الحاجات لمفهوم "التسخير" الذي يفترض تكاملاً بين المصلحة الفردية والمصلحة الجماعية، ويفترض أيضًا أن الندرة هي ناتجة من سوء استخدام الموارد وسوء توزيعها، وبالتالي فإن المشكلة ليست في عرض الموارد لكن هي في سوء الاستخدام (والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون. وجعلنا فيها معايش ومن لستم له برازقين)الحجر: 19-20. وهو ما يُسكِن المشكلة الاقتصادية في سياقات قيمية أخلاقية.

لكن ما هو معيار الحاجات الأساسية؟ يجيب الباحث بأن معيار الحاجات الأساسية يرتبط بمعيار حد "الكفاية"، الذي يرتبط بالتالي بمعيار الدخول"الحقيقية"، وهذا هو المستوى الأول من التوزيع، والذي يتبع بآليات إعادة توزيع للدخل، كمستوى ثانٍ، لضمان تغطية الفجوات بين الدخول "الحقيقية" من جهة وحد "الكفاية" من جهة أخرى، أو تلبية "الحاجات الأساسية" ويتمثل هذا المستوى الثاني في، أولاً: "التكافل الاجتماعي" بين الأغنياء والفقراء في شكل إنفاق استهلاكي وإنفاق استثماري ويأتي في شكل التكليفات والواجبات والعقوبات المالية الشرعية، مثل؛ الزكاة والميراث والصدقات والنذور والكفارات. وثانيا: "الضمان الاجتماعي" الذي تقوم به الدولة علي المسنين والمرضى وحالات الطوارئ. وبهذا يتلافى النظام الإسلامي الفجوات بين العرض والطلب وبين الإنتاج والاستهلاك، وكذلك يدعم الاتجاه نحو النمو المستدام بدعمهِ للإنفاق الاستثماري المرتبط بالأجور الحقيقية، وبهذا يبتعد عن الركود الاقتصادي والدورات الاقتصادية.

إلا أنه يجب ملاحظة أن آليات التوزيع وإعادة التوزيع مُسَكَنَةٌ في نسق قيمي يضمن مسارها ويحميه، فيتعامل النموذج المعرفي الإسلامي مثلا؛ مع مفهوم "العدل" بشمولية، حيث لا يفصل الاجتماعي عن الاقتصادي عن السياسي، ويفترض أيضًا أن العدل كقيمة، ضروري لضمان عدم التفكك والفساد الاجتماعي وكذلك لضمان "توزيع الفرص" على قواعد متساوية. ويجدر ملاحظة أن التصور الإسلامي لـ"تكافؤ الفرص" يفترض مستويين هامين للغاية؛ أولهما: التمكين؛ أي التمكين للجميع في المعايش في ما هو جاهز أو محصل بنشاط أو عمل، وثانيهما: القسمة؛ وهى مرهونة بمقدرة البشر وسعيهم في الحياة الدنيا، وهو متعلق بالتفاوت في القدرات والتنافس في الخيرات.

يشمل مفهوم "العدل" أيضًا تحريم التعامل بـ"الربا" لما يفرز من تشوهات في البنية الاجتماعية الاقتصادية، والتوجيه إلى اعتماد الربح كمكافأة لرأس المال، وهو بهذا يتلافى مخاطر تذبذب أسعار الفائدة وعدم استقرار المناخ الاستثماري، وعدم عدالة توزيع الدخل والثروة نتيجة لاتجاه نزوح الأموال إلى رأس المال على حساب العمل. ويؤدي اعتماد الفائدة إلى رفع تكاليف الإنتاج بارتفاع أسعار الفائدة، مما يؤدي إلى انخفاض الأجور "الحقيقية" لأصحاب الدخول المحدودة جراء رفع أسعار المنتجات كانعكاس لارتفاع التكلفة الإجمالية، وهو ما يؤدي إلى خفض معدلات الادخار وبالتالي الاستثمار والنمو.

يؤدى اعتماد معدل الربح بديلاً عن الفائدة إلى تلافي انعكاسات اجتماعية اقتصادية خطيرة، منها إتاحة أكبر للتمويل، نتيجة لاعتماد التمويل الإسلامي على مشروعات حقيقية لها دراسات جدوى، مما يقلل من الحاجة إلى الضمانات المستحيلة التي تطلبها المصارف التي تتعامل بالفائدة، وهو ما يؤدي إلى مزيد من العدالة والمساواة، ويشكل قاعدة حقيقية للتمكين من أجل تكافؤ فرص حقيقي. وأيضاً يؤدي إلى تعزيز الأنشطة الاقتصادية الحقيقية بدلا من الأنشطة الهامشية أو المشبوهة التي تعززها منظومة الفائدة.

لكن كيف تتحدد الأسعار في الاقتصاد الإسلامي؟ تتحدد-كما في الاقتصاد الوضعي- من خلال توازن العرض والطلب داخل "السوق"، لكن أي "سوق"؟ هي "سوق" تحكمها أخلاق الإسلام من جهة التعامل ومن جهة الدوافع. وهنا؛ يتم استدعاء مفاهيم مثل "الرحمة" والعدل والإحسان مقابل "البقاء للأقوى" بالمعنى الدارويني، والعمل والاستعفاف، و"التنافس" مقابل "الاحتكار"، والواجب مقابل"الحق". وتكون دوافع المسلم للاستثمار مرتبطة بالثواب الأخروي مما يصبغ الدافع إلى الربح بالعفة والقدرة على تحمل بطء وقلة العائد، مما يدعم الاستثمار في المشروعات الإنتاجية غير الهامشية.

لكن ما دور الدولة في التوزيع إعادة التوزيع؟ هل لها دور أم لا؟ وما حدوده؟ يناقش الباحث هذه الأسئلة بين وجهات نظر متعارضة حول دور الدولة، وهل هي هامة للتنمية والرفاهية وإعادة التوزيع أم لا؟ وينتصر الباحث للرأي القائل بتدخل الدولة لضمان الرفاهية الاقتصادية والحاجات الأساسية، ويناقش التوسع في الإنفاق العام من خلال الضرائب، ويناقش مدى مشروعية فرض الضرائب وضوابط الإنفاق العام في ضوء الشريعة الإسلاميةِ ومقاصدها.

وفى ضوء البنية الاقتصادية الاجتماعية الإسلامية التي تم توضيحها سابقاً، يمكن ضمان معدل نمو عال، وعائد مرتفع على رأس المال، بفعل كراهة التعطيل وتحريم الاكتناز، وتوزيع أكثر عدالة للثروة، واتساع وعاء التكاليف المالية الشرعية.

 

العدالة والتنمية الاقتصادية

 

بدا واضحًا كيف أن العدالة كمفهوم هي في قلب الكفاءة والفعالية الاقتصادية بالمنظور الإسلامي، وليست على الهامش أو ناتجًا ثانويًا للكفاءة بالمنظور الغربي، وأن ممارسات العدالة هي شرط ضروري للفعالية والكفاءة والنمو الاقتصادي المستدام، ويظهر أيضًا أن العدالة بالمفهوم الإسلامي تؤدي إلى تنمية اقتصادية مستدامة وشاملة نتيجة لوضعها الإنسان في قلب منظومتها، وانطلاق المشكلة الاقتصادية بالمنظور الإسلامي من مشكلة الفقر والتخلف، الذي هو مسئولية جمعية تقع على عاتق المجتمع ككل. ويُمَكِن التصور الإسلامي للتوزيع وإعادة التوزيع في ظل قيم الاستخلاف والعمل والتسخير، من تحقيق تراكم رأسمالي "أكثر عدلاً واستدامة" وإلى رفع مقدرة الفئات الأقل دخلاً –الفقراء- على الإنفاق مما يحقق إدامة الطلب (الاستهلاك) وتعزيزه لملاقاة العرض(الإنتاج) وبالتالي، تلافي الدورات الاقتصادية. وبهذا يتحقق في ظل النموذج الإسلامي نمو اقتصادي مرتفع وسريع بالإضافة إلى عدالة أكثر في توزيع الدخل.

 

تقييم ونقد

 

تعتبر هذه الأطروحة متميزة من ناحية الموضوع، والمنهج، والعمق. فمن ناحية الموضوع هو موضوع متميز ومحوري، ويعتبر في قلب النموذج المعرفي الإسلامي وعلى الرغم من ذلك لم يتم تناوله من قبل بهذا العمق والشمول. ومن ناحية المنهج، فهي تتناول الموضوع من زاوية اقتصادية تحليلية مقارنة، مشفوعة بالتحليلات الرياضية والرسوم البيانية التوضيحية، التي تدل على تمكن من ناحية، وإضافة شديدة الأهمية للتحليل "النظري" في الاقتصاد الإسلامي. وهو يعد امتدادا للمدرسة الباكستانية [2]، في الاقتصاد الإسلامي والتي اتسمت بعمق في النظرية الاقتصادية وأدواتها التحليلية مع عمق في الشريعة والفقه، وهو ما يجعلها مختلفة عن مدرسة الاقتراب من الاقتصاد الإسلامي من زاوية التحليل الفقهي الأقرب إلى التناول القانوني أو عن التناول الدعوي الخطابي.

إلا أنه رغم هذا التميز والإجادة، فإنه توجد بعض القضايا و الإشكالات التي تجدر مناقشتها:

أولا: تعامل الباحث مع النظرية الاقتصادية الغربية باعتبارها كلاً واحدًا، ولا توجد داخلها تباينات وتنويعات هامة، بل ومناقضة للتيار العام، إذ تجاهل الباحث هذه التيارات وتعامل مع النظرية الغربية كأنها كلها رأسمالية. وتجاهل وجود تيارات أخرى مثل الاشتراكية؛ حيث تناول نقد ماركس للرأسمالية، ولم يتناول تصور ماركس البديل للعدالة والتوزيع. نفس الأمر حدث مرة أخرى لكن في اتجاه معاكس عندما أطلق الباحث على ما قدمه اسم النظرية الاقتصادية الإسلامية، وهنا نجد أننا أمام تعميم متسرع، يتجاهل وجود تصورات أو اتجاهات أو نماذج معرفية فرعية أخرى داخل النظرية الإسلامية الواسعة والتي تحتمل التنوع في الاتجاهات والتصورات والنماذج الفرعية، من جهة أخرى نجد أنفسنا أمام إشكالية تقادم النظرية وعدم صلاحيتها، وبالتالي فهي بحاجة إلى المراجعة والتطوير، ولكن كيف هذا وهي النظرية التي تفترض الثبات النسبي والاستقرار؟

ثانيا: أقام الباحث المقارنة بين تنظير غربي "اقتصادي" لممارسة غربية، وتنظير إسلامي "شرعي" دون ممارسة اقتصادية، حيث لم يتناول الباحث عرض وتحليل النظرية والمفاهيم من خلال التجربة الإسلامية، حتى لو كانت تاريخية، وهنا تبرز فجوة معرفية ضخمة تجعلنا أقل ثقة فيما نتداوله من تصورات حول ما يسمى بنظريات إسلامية في شتى المجالات.

ثالثا: يمكن وصف هذه الفجوة المعرفية بأنها تعبر عن حالة انقطاع ثقافي- بمعنى عدم تواصل مع القيم والممارسات والرموز والعادات والتقاليد التاريخية المكونة للثقافة- نتيجة لخلق الأفكار والممارسات والعادات الغربية طبقة عازلة بين الماضي المرغوب في استعادته، والحاضر. من جهة أخرى؛ تنتج الثقافة -بالمعنى السابق- المعرفة العملية الخاصة بها. ونظرًا لأن الأفكار والممارسات السائدة ليست امتدادًا للممارسات التاريخية بشكل ما، فإن عملية التواصل المطلوبة تحتاج الرجوع إلى الأفكار التاريخية-مع ملاحظة أنها كانت انعكاسًا واستجابة لواقعها الخاص- وكذلك إلى السياق التاريخي الذي ظهرت فيه الأفكار، لمعرفة جوانب الاستمرارية والتغير في هذه الأفكار، والقيام بعملية تجريد لها للاستفادة منها في واقعنا. هذه العملية المركبة تم التعامل مع أحد طرفيها وهو نقل الأفكار، وإهمال الطرف الآخر وهو قراءة السياق وتاريخ الممارسة، مما أفرز أفكارًا هي إعادة إنتاج للأفكار الجديدة نتيجة لأن الواقع والممارسات والأفكار الحديثة هي المهيمنة وليس، كما نعتقد، أفكارًا إسلامية أو عروبية أو إفريقية مائة بالمائة [3].

رابعا: يكون الحل إذن عن طريق إعادة الاعتبار للطرف الآخر من عملية الإحياء وهو قراءة الممارسة من أجل خلق التواصل المعرفي والتاريخي اللازم لإعادة صياغة تصوراتنا عن المفاهيم وعن الممارسة بشكل أقرب إلى الدقة، عن صياغتها بالاستناد إلى مصادر أقرب إلى التناول الشرعي فقط. فهناك إلى الآن –على سبيل المثال- تصورات عن المالية العامة وسياساتها وعن دور الدولة تفتقد إلى الواقعية نتيجة لصياغتها من كتب الفقه فقط مستقلة عن التجربة الإسلامية العريضة الممتدة زمانًا ومكانًا. لذلك، هناك حاجة ماسة إلى تأريخ للممارسات الاقتصادية الإسلامية من قبل مؤرخين بخلفيات اقتصادية، وتحليل للممارسات الاقتصادية التاريخية من قبل اقتصاديين بخلفيات تاريخية[4].

خامسا: تتسم بعض المفاهيم المستخدمة بعدم الاستقرار، مما يضفى عليها غموضًا وإشكالية، مثل مفهوم المشكلة الاقتصادية، أو الحاجات الأساسية، أو مفهومي التمكين والقسمة، حيث يوجد للمفهوم الواحد أكثر من بعد، ولم يقم الباحث بالجهد الكافى للتوفيق بينهم، فمثلاً؛ يقدم الباحث المشكلة الاقتصادية من منظور إسلامي أحيانا على أنها مشكلة سوء استخدام، بالإضافة إلى مشكلة الندرة، وأحيانا أخرى يقدمها على أنها مشكلة فقر وفقراء، بالتأكيد هناك علاقة بينهم، لكنها تحتاج إلى تحرير وتركيز. ولعل هذه الإشكاليات في تناول المفاهيم هي عامة في منهجية دراسات الاقتصاد الإسلامي التي تعتمد بشكل كبير على المقترب الشرعي (القانوني).

____________

 

* باحث اقتصادي مصري.

 

[1] تعني النيوتونية الاجتماعية التعامل مع القضايا الاجتماعية بمفاهيم العلوم الطبيعية مثل الفيزياء والكيمياء.

[2] من روادها؛ نجاة الله صديقي، محمد عمر شابرا، طارق الله خان.

[3] للمزيد حول إعادة إنتاج الحديث في محاولات التثاقف المضاد، انظر، مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية، دنيس كوش، المنظمة العربية للترجمة، مارس 2007، ص114

[4] لا تقتصر هذه المشكلة على الاقتصاد فقط ، لكنها ممتدة إلى العديد من المجالات التي تجرى بها محاولات الأسلمة، ولعل أول من أشار إليها هو د. حامد ربيع في مقدمة تحقيقه لكتاب "سلوك المالك في تدبير الممالك" طبعة دار الشعب، 1996. وهناك العديد من الدراسات الرصينة التي قام بها أصحاب الفئتين، فمن المؤرخين الذين يراعون الأبعاد الاقتصادية والحضارية هناك د. عبد العزيز الدوري، أنظر، مقدمة في التاريخ الاقتصادي العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، 2007. ومن الاقتصاديين الذين يكتبون في تاريخ الممارسة الاقتصادية في الدول الإسلامية انظر، شوكت باموك، مالية الدولة العثمانية، دار المدار الإسلامي، 2005.

المصدر: موقع ببليو إسلام

 
عبد الله عرفان
تاريخ النشر:2009-02-24 الساعة 10:00:00
التعليقات:1
مرات القراءة: 2164
مرات الطباعة: 557
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
عنوان

2010-11-21 | 21:55:33

الرجاء ارسال البريد اللأكترون الخاص بالسيد عبد الله عرفان لمحاورته مباشرة وشكرا

مثري العاني

 

 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan