الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » عروض و مراجعات

ضرورة مواجهة العولمة بأدوات العصر.. الإسلام يؤكد حق الاختلاف ومبدأ حرية الاختيار

عزيزة سبيني

 

 الكتاب: الإسلام والقضايا المعاصرة

 

التأليف: مجموعة من الباحثين

 

الناشر: دار الأزمنة/ عمان/ الأردن

 

تعتبر الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، وقضايا المرأة، والحوار مع الآخر من القضايا الفكرية التي أثارت الكثير من التساؤلات والجدل بين المفكرين العرب، فوجد بعضهم أن التراث الإسلامي لم يُدرس دراسة مستفيضة وعميقة للتوصل من خلاله إلى مرجعية لديمقراطية إسلامية تتلافى عيوب الديمقراطية الغربية. ورأى آخرون أن مصادر الفوضى الفكرية التي تكتنف موضوع الإسلام وقضايا الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان مرتبطة بمصدرين اثنين، أولهما خارجي ونابع من دوائر معينة في البلدان الصناعية المتقدمة، وثانيهما داخلي يتركز عملياً وفكرياً في توظيف الإسلام أو استخدامه ذريعة لممارسة ضارة وعقيمة تحت شعارات عدة. الأمر الذي انعكس على ممارسة المرأة دورها الحقيقي في المجتمع وتردي أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية، وتهميشها سياسياً، ناهيك عن الآثار المترتبة على العولمة الثقافية بالنسبة للمرأة المسلمة وتبني الغرب للصور النمطية الإعلامية حول العرب المسلمين بعامة، والمرأة المسلمة بصورة خاصة. فهل اتفق المفكرون العرب في إجاباتهم حول مطلب الديمقراطية في البلاد العربية؟ ولماذا تعثرت في التطبيق؟ وهل الديمقراطية لازمة لتحقيق أهدافنا الأساسية بما في ذلك الحرية والتنمية المستدامة، والوحدة؟ ولماذا لا تزال المرأة المسلمة مهمشة ومغيّبة، وهي التي تجتهد لتكون جزءاً من العالم المتغير؟ أليست بحاجة إلى من يساندها في رسم الخط الفاصل بين أنماط الحياة الجديدة وبين خصوصيتها كامرأة مسلمة؟

هذه القضايا وغيرها تحدث عنها مجموعة من الباحثين والمفكرين في كتاب "الإسلام والقضايا المعاصرة" .

بداية، تحدث الدكتور عبد الملك مرتاض عن الإسلام والديمقراطية مشيراً إلى موقفين متباعدين حول علاقة الإسلام بالديمقراطية، أحدهما: ينكر أن يكون الإسلام عرف تجربة ديمقراطية حقيقية في الحكم، والآخر: يرى أن الإسلام على العكس، هو الذي عرف الديمقراطية الحقيقية، وأن ما يشاع من معرفة الإغريق القدماء للنظام الديمقراطي أمر مبالغ فيه. وبالعودة إلى الفكر الإسلامي نجد أن مرجعيات الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان جميعاً، بل نرى أن الإسلام بتجربته الطويلة في الحكم والانتشار في أصقاع الأرض والتعامل مع إرث إنساني كبير من القيم الحضارية والديمقراطية وبلورتها جدير بأن يثري التجربة الديمقراطية في العالم، ومن هنا، يؤكد الدكتور مرتاض على ضرورة الإفادة في تأسيس نظرية ديمقراطية إسلامية انطلاقاً من تجربة الرسول الكريم (ص) في مواقفه المشهورة في الحرب والسلم، وفي استشارة أصحابه، والإفادة من مضمون الشورى كما ورد في القرآن الكريم.

بينما يرى الدكتور مهدي حافظ أن هناك فوضى فكرية تكتنف هذا الموضوع وتخلق حالة من الخلط والتنافر بين عناصره، مشيراً إلى مصدرين للفوضى الفكرية الشائعة في ثناياه، الأول هو خارجي ونابع من دوائر معينة في البلدان الصناعية المتقدمة، وبخاصة، أمريكا وأوروبا، ومنها الأوساط الصهيونية بشتى مؤسساتها وأجهزتها التضليلية. ويتركز هدفها مجازاً على تحميل الإسلام مغبة ومسؤولية الصراعات الراهنة و حرف النضال الإنساني لملايين العرب والمسلمين عن غاياته الحقيقية، الهادفة لإقامة العدل والحرية والمساواة في العالم، وحلّ المعضلات الدولية الراهنة بروح الإنصاف والتكافؤ بين شعوب العالم. لذا فإنها ابتكرت واتخذت من أسطورة (صراع الحضارات أو حوار الأديان) ستاراً لمآربها الحقيقية.

أما المصدر الثاني، فهو مصدر داخلي، ويتركز عملياً وفكرياً في توظيف الإسلام من جانب قوى أو تيارات سياسية تدعو إلى مواقف خاطئة، وتستخدم الإسلام ذريعة لممارسات ضارة وعقيمة تحت شعارات عدة – أكثرها جدلاً - ملاحقة أتباع الديانات السماوية الأخرى، وهي بذلك تطمس جوهر الصراع الحقيقي الدائر في العالم ضد الفئات والمؤسسات المتربعة على الاقتصاد ومقاليد التحكم بمصالح الشعوب وثرواتها، وهنا يُلاحظ أن جوهراً واحداً يجمع المصدرين الداخلي والخارجي، وإن اختلفت أشكال التعبير عنهما ومواطن القائمين به سواء كانوا في الغرب أو في الأقطار العربية والإسلامية. ويؤكد الدكتور حافظ على الصلة الوثيقة بين الإسلام كديانة وتراث من جهة، وبين الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من جهة ثانية، فكل منهما ينطلق في مبادئه من الاعتراف بالكرامة الإنسانية بصرف النظر عن الجنس واللون والقوم والعقيدة وهذا ما يؤكد عليه المفكرين والفقهاء المسلمين داعين إلى حماية حقوق الإنسان، وتطوير قيمها وآلياتها الأمر الذي يجعلها قاعدة فكرية وسياسية واسعة لمزيد من الفعاليات والنشاطات الشعبية الهادفة لخير الإنسانية جمعاء ولمواجهة التحديات والأخطار الماثلة أمام شعوب العالم. ولعل الشعوب العربية والإسلامية هي الجهة الأشد حاجة لإشاعة مبادئ حقوق الإنسان بغية استعادة حقوقها المهضومة أفراداً وجماعات وتوفير المستلزمات الضرورية لتحقيق تنمية شاملة تكفل العدل والتكافؤ والحرية والرخاء والتقدم لهذه الأمم.

وحول الإشكاليات التي تتعرض لها المرأة المسلمة اليوم تناولت الدكتورة بسمة بنت طلال التحولات العالمية المتسارعة، وكيفية استفادة المرأة المسلمة منها كي تصبح جزءاً من عالم جديد يجري تكوينه، وتتم صياغته. مشيرة إلى أثر العولمة على النساء في الدول الفقيرة التي كانت في أفضل أحوالها إيجاد فرص عمل لهن بأجور زهيدة، وضمن بيئة عمل غير مقبولة. في الوقت الذي يمكن القول فيه أن العولمة فتحت أبواب العمل أمام النساء ، وساعدت في إفساح المجال أمام البعض التقدم في مسار التمكين الاقتصادي للمرأة ، إلا أنها في المقابل، لم تساعد في حل إشكاليات عديدة مرتبطة بعمالة المرأة، كالمواءمة بين العمل والمسؤوليات الأسرية، أو معالجة السقف الزجاجي الذي يمنع المرأة من الوصول إلى المستويات والمراكز الإدارية العليا.

وإذا كانت الآثار الناتجة عن العولمة الاقتصادية قد أثارت الكثير من النقاش، فإن الآثار المترتبة على العولمة الثقافية قد أثارت نقاشاً أكثر اتساعاً، خاصة، فيما يتعلق بالمرأة المسلمة بشكل عام، وعلى الأخص، تلك التي تعيش في بلاد الاغتراب، حيث تتعرض في كثير من الأحيان إلى خيار تغيير قيمها أو الانغلاق الثقافي والاجتماعي، مما قد يؤدي في بعض الدول الغربية إلى عدم إتقان الجيل الثاني من المهاجرين لغة بلد الاغتراب. وتبين كتابات بعض النساء المسلمات أن الفوارق بين ( نحن) و (الآخر) تبقى قوية واضحة، بالرغم من المحاولات المستمرة التي تبذل للحوار والتفاهم بين الطرفين، حيث تبقى المرأة المسلمة في المهجر تعاني من شعور الغربة وعدم الانتماء إلى وطنها الجديد، ويبقى التمييز ضدها قائماً نتيجة دينها أو لباسها أو لونها. من هنا، أشارت الدكتورة بسمة إلى ضرورة تكاتف الجهود والعمل على تعديل التشريعات المتعلقة بالمرأة، وتكثيف الجهود للقضاء على الأمية المنتشرة بين النساء، وتمكين المرأة اقتصادياً، والاستفادة من الفرص التعليمية المتطورة التي تمكنها من تعلم اللغات، واستخدام الأجهزة الالكترونية مما يؤهلها للعمل في مواقع أكثر تقدماً، وهذا ما يساعدها على تجاوز الظروف السلبية التي تعاني منها.

في حين استعرضت الدكتورة آمان كبارة شعراني قضايا المرأة في الإسلام، مشيرة إلى التناقضات والصراعات التي تعيشها المرأة العربية بين أيديولوجيتين متصارعتين هما، العولمة والإسلام. فهي ستبقى ـ أي المرأة، وسط هاتين الأيديولوجيتين حائرة وغير قادرة على كسر القيود والتحرر إلى أن يحسم الصراع الكوني، أو إلى أن يتم التحول في المفاهيم الذكورية الماضوية في التراث الإسلامي إلى مفاهيم أكثر تفهماً لواقع المرأة المعاصرة، وأقرب إلى روح العصر. و يتم هذا إما عن طريق تحولات داخل التيارات الإسلامية تصنعها نساء مسلمات مستنيرات، أو عن طريق الاجتهاد العلمي للمفكرين المسلمين ممن يؤمنون بضرورة القراءة المعاصرة والتطبيق المعاصر للكثير من الممارسات الدينية. مؤكدة على ضرورة مواجهة العولمة بأدوات العصر، أي بالوعي وبممارسة الفكر الناقد الثاقب لتطوير أسس احترام حقوق الفرد، والتعددية والديمقراطية، والعدالة والسلام، ربما تمكنا حينها من التغيير في واقع المجتمع وواقع المرأة العربية والمسلمة. حيث إن التصدع اليوم الذي يعاني منه الكيان العام للأمة الإسلامية والناشئ عن مدارس فكرية ووجدانية متشعبة و متناقضة أربك شخصيتنا الإسلامية، ولم يعد هناك بالإمكان التمييز بين المحافظة والرجعية، وبين الجوهر و النقي الأصيل وبين الطارئ الدخيل.

وفي إشكالية الحوار مع الآخر في المنظور الإسلامي تناول الدكتور أحمد صدقي الدجاني مفهوم الإسلام كدين، ومفهوم الحوار والجدل والآخر لينتهي إلى الأساس النظري للحوار مع الآخر في الإسلام. فهو يشير إلى أن توفر العقيدة الإسلامية أساساً قوياً للحوار مع الأديان بعامة، وبين بني الإنسان في مختلف الموضوعات، يكون الانطلاق منه مباشرة إلى الحوار. لأن الإسلام يعتبر أن مبدأ الاختلاف بين الناس هو أحد سنن الله في الكون، وهو واقع بمشيئة الله سبحانه، ويرتبط بهذا المبدأ ، مبدأ الحق في الاختيار، فلا إكراه في الدين. والإسلام يقرر أن الله خلق الناس من ذكر وأنثى وجعلهم شعوباً وقبائل ليتعارفوا ودعاهم إلى البر والتقوى. وقد باشر النبي محمد (ص) حواراً مع أتباع الديانتين المسيحية واليهودية، وجاءت ( الصحيفة) متضمنة أساس التعايش والتعاون، ومشجعة على استمرار الحوار، ومنذ ذلك الحين والحوار متصل بين أتباع الديانات في دائرة الحضارة العربية الإسلامية. هذا الأساس العقيدي للحوار موجه للتفكير فيما ينبغي أن يكون عليه هذا الحوار في بعده الفكري الذي يحدده العقل الإنساني، فبرزت فكرة الحوار الإسلامي المسيحي إثر انتهاء الحرب العالمية الثانية بغية الوصول إلى كلمة سواء في مواجهة الطغيان والحروب، والتعارف الذي يتحقق من خلاله معرفة الآخر على حقيقته وتصحيح الصورة الذهنية عنه، فضلاً عن التعاون على البر والتقوى من خلال النظر في أمور حيوية لطرفي الحوار، بروحية استباق الخيرات بين مؤمنين لكل منهما وجهته. ويجب أن ينأى هذا الحوار، وبخاصة الحوار بين الأديان، عن استهداف التوحيد العقائدي، بمعنى، ألا ينشغل الحوار بمبدأ الاختلاف، ومبدأ حرية الاختيار. الأمر الذي يساعد على بلوغ أهداف الحوار، وحينها، يقتضب الالتفاف إلى الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فالأحداث التي يتعرض لها المسلمون وما يقترن بها من استهداف قوى الهيمنة الأمريكية والصهيونية العنصرية للإسلام ديناً وحضارة وللمسلمين عامة بحملة شعواء عنوانها الإرهاب الإسلامي يمثل تحدياً، ويوجد مناخاً ثقيلاً يحاصر الحوار، ويسبب ردود أفعال حادة تنادي بالصراع والقطيعة، ولكن جوهر الإسلام ديناً وطبيعة الحضارة الإسلامية تحث على استجابة صحيحة لهذا التحدي بالتمسك بالحوار.

ويؤكد الدكتور لارس لونباك أن حوار الحضارات ضروري للقضاء على المأزق الحالي بين الشرق والغرب، والحصول على شراكة بناءة بين الثقافة العربية والإسلامية والثقافة الغربية الأمر الذي يساعد على اندماج المواطنين ذوي الأصول العربية والإسلامية في الدول الأوربية الذي أثبت حتى الآن فشله وبدرجة كبيرة. ويشير لونباك إلى استنتاجات استوكهولم المعمول بها منذ العام 1998، والمخصصة للتدوال في الحاجة إلى عمل ملموس لمنع الصراع في مجال العلاقات الاجتماعية والثقافية. وفي محور آخر يشير إلى أن التاريخ يظهر فترات قليلة من العطاء والتعاون بين الحضارتين، وهذه الفترات الزمنية ارتبطت بأسماء مدن مثل، بغداد، المغرب، الأندلس، صقلية، وعبر قرون وحتى اليوم فإن الذي يحكم هو المنافسة والإضطراب والصراعات والحروب. ومع ازدياد الإرهاب والعنف ورد الفعل العربي من جانب واحد، قد أظهر توتراً أكثر سوءاً، الأمر الذي أدى إلى وضع سياسة لحوار بناء طويل الأمد وهو اليوم مطلوب بشكل كبير أكثر من أي وقت مضى. لأن سياسة الحوار الهادفة تؤدي إلى تفهم متبادل أفضل كما أن الأعمال البناءة لمحاربة هذا الصراع هي حاجة ماسة، وفي مقدمة ذلك استراتيجية طويلة الأمد لتجنب الخوف الدائم والمواجهة غير المحدودة.

وحول الرؤية الإسلامية للنظام العالمي الجديد، حدد الدكتور جلال أمين ما هو القديم وما هو الجديد في النظام العالمي، وموقف العرب والمسلمين منه قديمه وحديث، معتبراً أن النظام العالمي الجديد ما هو إلا امتداد للنظام العالمي القديم من حيث غلبة المصالح الاقتصادية وقيامها بدور أساسي في تشكيل السياسات والعلاقات الدولية. واستعداد الطرف الأقوى لارتكاب أبشع الأعمال لتحقيق أهدافه. والميل المستمر إلى الزعم بغير الحقيقة في الحديث عن الأهداف المتوخاة، أو عن الوسائل التي يجري اتخاذها لتحقيق هذه الأهداف فعندما تكون الأهداف أهدافاً مادية، وتتعارض مع أبسط مبادئ العدل كما يفهمها معظم الناس، وعندما تكون الوسائل المتبعة لتحقيقها متعارضة بدورها مع أبسط المبادئ الأخلاقية والقيم الإنسانية، فإن اللجوء إلى الخداع والتمويه يصبح بدوره شيئاً لازماً وضرورياً، لا تزول الحاجة إليه في ظل أي نظام عالمي، جديداً كان أو قديماً. وإذا كان الاستعمار القديم القائم على الاحتلال العسكري يروج في خطابه لمسؤولية أوربا في نشر الحضارة من ناحية، وإن كانت من ناحية أخرى تشكك في قدرة الشعوب الخاضعة للاحتلال على تحقيق النهضة بسبب صفات راسخة فيها ترجع إلى الدين والجنس والثقافة والمناخ. فإن الاستعمار الجديد عن طريق المعونات الاقتصادية والتوريط في الديون كان له شعاراته وخطابه القائم على حتمية التنمية الاقتصادية وما سمي بثورة التطلعات وضرورة اللحاق بركب التقدم الصناعي، وأما مرحلة الانفتاح أمام الشركات متعددة الجنسيات فترفع شعارات العولمة والقرية العالمية الواحدة، ونهاية التاريخ وأفول عصر الإيديولوجيات. وتبدو المعضلة الكبرى في كل هذا تعرض العرب والمسلمين لحملة من التشهير تتكاتف فيها الوسائل الإعلامية وتصريحات السياسيين، والكتب المؤلفة، حتى الجوائز العالمية التي غدت تمنح لأكثر رجل دأب على إهانة المسلمين. وهنا يبرز دور المثقف العربي الذي يراه الدكتور أمين غير باعث على السرور، ويعترف بأن خلاص العرب من ربقة النظام العالمي الجديد مرهون بموقف المثقفين ويعزو ذلك لسببين أولهما: أننا نعيش في عصر تحل فيه مختلف صور القهر النفسي والعقلي محل القهر المادي، وتحل فيه، أساليب الاستغلال المعتمدة على غسيل المخ أو تلويثه. ونشر ثقافة استهلاكية تحول الحياة في ظلها إلى سوق كبيرة يعرض فيها كل شيء للبيع. والمثقف هو الوحيد القادر على فضح الطبيعة الجديدة للنظام والكشف المستمر عن آخر الأساليب المتبعة لخداع الناس وتلويث عقولهم. والسبب الثاني، هي أن مسؤولية المثقفين مسؤولية مضاعفة في ظل النظام العالمي الجديد، حيث أن المسافة الفاصلة بين ما يبدو على السطح ، وبين ما يبدو في الأعماق لم تكن في أي عصر من العصور أكبر منها اليوم. من هنا يصبح تخاذل المثقف العربي أمام هذه المسؤولية أكثر مدعاة للأسى من أي تخاذل قد يبديه المثقف في أي منطقة أخرى من العالم.

وتناولت الدكتورة فاليريا بياشنتيني النظام العالمي الجديد من المنظور الإسلامي روحياً وعقائدياً واجتماعياً، مؤكدة على ضرورة خلق المعرفة والتعبير الثقافي عبر أكثر القيم الإنسانية الإسلامية إبداعاً، وكذلك تغيير الدوافع ومهارات الأجيال الشابة وتشجيع الحوار الثقافي المتبادل وهذا يتطلب، التغير المتطور لعقلية التبعية لبرامج الرفاهية للحكومة. وخلق أو إيجاد أخلاق العمل عبر البرامج التعليمية الجديدة. وازدياد المشاركة النسائية في القوى العاملة والكف عن اعتبارها موجودات مهملة، مشيرة إلى أن التحدي الفلسفي ما زال موجوداً، وخاصة، حين الإشارة إلى العلاقات السياسية بين الدول. ومع ذلك ، فإنه فقط وعبر المعرفة من الداخل بواسطة التعليم والحوار، نستطيع أن نشكل نظاماً جديداً للعالم بعيداً عن إطار المفهوم الغربي أو الحوافز الفكرية لأي عالم خارجي وثقافته. وضمن هذا المنظور الواسع الذي لم يعد اليوم عملياً، ولكن واقعاً لا مفر منه في ضوء نظام السلام ومخاطر التهديدات، فإن الإسلام يتطلب أهمية ذرائعية ويلعب دوراً حرجاً للجزء التكتيكي الأساسي للقوانين السياسية العالمية والاقتصادية والاجتماعية.

وأخيراً، يعرض الدكتور فهمي جدعان النظام العالمي المجدد وأزمة المنظور الإسلامي التي يراها تتأرجح بين المنظور السلفي، وبين المنظور التمدني القيمي القادر على أن يسوغ وجوده وحياته وفعاليته في قلب النظام العالمي، وهو يستطيع أن يجد أكثر من منظور مواز ومناظر له في فضاءات الحضارة الغربية نفسها، مما يتعلق بقيم وغائيات مستلهمة من الديانة السائدة في فضاءات ذلك العالم، ومن الفلسفات الإنسانية الروحية المتولدة بشكل أو بآخر من (الحداثة) أو ( ما بعد الحداثة) والساعية إلى صون الاستقلال الذاتي للشخص الإنساني وإلى احترام الإنسان بما هو إنسان ذو كرامة مطلقة، وإلى معالجة مثالب النظام الكوني العولمي وإصلاح الخلل والتفاوت والعطب الذي أحدثته النفعية المتوحشة والفردانية المطلقة والعقلانية الذرائعية المتفردة، والزيف المدمر الذي تنشره وسائل الاتصال الجديدة المضللة. فبتضافر هذا المنظور وتلك المنظورات النشطة في تلك الفضاءات الكونية، وبإنفاذ شتى أشكال التداول والتحاور والنقاش والتواصل معها، يصبح الحاضر أكثر أمناً ويصبح المستقبل أبعث على الأمل والرجاء. ويشبه الدكتور جدعان حال الإسلام اليوم في فضاء النظام الكوني كحال سجين الكهف في جمهورية أفلاطون. السلفي التاريخي لا يستطيع أن يخرج من الكهف. والسلفي المحدّث يخرج منه ويسير في الطريق المؤدية إلى نهاية النفق لكنه يغلق بابه على نفسه فلا يتمكن من الخروج إلى فضاء الشمس. والسلفي المتعالي يدرك نهاية النفق ويفتح بابه بعنف لكنه يجد عند الباب من يقطع طريقه ولا يمكنه من رؤية الضوء. أما صاحب التمدن القيمي فحظه في الخروج من الكهف والانخراط في الحياة تحت الشمس حظ عظيم.ولأن منظوره هو الأغلبي – إذ غالبية المسلمين على هذا الحال – والمنظورات الأخرى هي الأقلية، فإن اجتماع الأمة حوله يظل هو معقد الخير ومناطه في سياق الأجواء الكونية الحاضرة والمنظورة، وإذا اجتمعت الأمة على شيء وهي تستلهم قيم الإسلام العليا وهديه فإنها لا تجتمع على ضلالة.

 
عزيزة سبيني
تاريخ النشر:2009-04-25 الساعة 14:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 2289
مرات الطباعة: 760
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan