الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » عروض و مراجعات

فلسفات الإعلام المعاصر في ضوء المنظور الإسلامي

أ. محمد زاهد جول

 

يعالج كتاب "فلسفات الإعلام المعاصر في ضوء المنظور الإسلامي"، لمؤلفه الدكتور محمود يوسف السماسيري، والذي صدر عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي، في طبعته الأولى، قضية فكرية وإعلامية وفلسفية هامة، وهي كيف يؤسس المسلمون فلسفة إعلامية إسلامية مستنبطة من العقيدة الإسلامية، ودون أن تكون تابعة إلى الفلسفات الإعلامية الوضعية والأجنبية في آن معاً، وفي خضم هيمنة غربية عالمية في كل مناح الحياة الفكرية والاجتماعية والسياسية في العالم أجمع، وبالأخص في العالم العربي والإسلامي، وربما كان يمكن تحمل هذه الهيمنة الإعلامية الغربية لو كانت هيمنة مهنية ومحايدة، ولكن التنظير الفلسفي الغربي نفسه يدل على أن الفلسفة الإعلامية تنبثق عن الفلسفة الكلية عن الكون والطبيعة والحياة[2]، وعلى اعتبار "أن النظام السياسي هو إطار للنظام الاجتماعي"[3]، وما الهيمنة الإعلامية الغربية إلا جانباً من النظرية الاجتماعية الغربية[4]، التي تؤثر بشكل مباشر على الدول العربية والإسلامية بالرغم من اختلاف النظرة الفلسفية الكونية بين الحضارتين.

فإذا كان السؤال عن ضرورة تأسيس مثل هذه الفلسفة الإعلامية الإسلامية، فذلك بسبب أن الفلسفة الإعلامية عموماً تنبثق عن التصور الكلي عن الكون والطبيعة والحياة لأصحابها، وهي بالتالي بالنسبة للفلسفة الإعلامية الغربية تنبثق عن فلسفة تقوم على فصل الدين عن الدولة أو عن الحياة، أو تقوم على الفلسفة المادية، وهي التي وصفها المؤلف بالكوزمولوجيا العلمانية[5].

وحيث أن الكوزمولوجيا الغربية علمانية (دنيوية) ومادية، فإن ما ينبثق عنها يختلف عما ينبثق عن الكوزمولوجيا الإسلامية؛ أي يتعارض مع العقيدة الإسلامية، وبالتالي ينبغي أن تختلف الفلسفة الإعلامية الإسلامية عن الفلسفة الإعلامية العلمانية الغربية، وهكذا فإن المؤلف يذهب إلى ضرورة نقد الأساس الفكري الأيديولوجي الذي تنبثق عنه الفلسفة الإعلامية الغربية أولاً[6]، وبيان أن الأرضية العربية والإسلامية ليست أرضية صالحة لتنبت ثمار تلك الفلسفة الأجنبية، وإذا ما أثمرت فإنها تنبت ثماراً مرة، فقال: (لذا كان من الطبيعي أن يؤدي انتزاع النظريات الاجتماعية الوضعية بكل فروعها من تربتها وغرسها في التربة الإسلامية -المغايرة إلى حد كبير- إلى ثمار مرة في شتى المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإعلامية)[7].

وبذلك يسجل المؤلف شكواه من محاولة زرع الفلسفات الإعلامية الغربية في البيئة العربية الإسلامية، بسبب اختلافات النظرة الكوزمولوجية الكونية بين البيئتين، وحيث أنه لا يمكن الاستغناء عن فلسفة إعلامية، بسبب "أهمية الدور الذي أضحى الإعلام يلعبه في عصرنا الحالي، سلباً أو إيجاباً، على مستوى الأفراد والمجتمعات"[8]، وبسبب عدم وضع المفكرين العرب والإسلاميين لقواعد إعلامية تعالج هذا الموضوع فقد "تبدى لنا هنا إشكالية واضحة تتمثل في عدم وجود حكم قائم على أساس منطقي راسخ يحدد مدى صلاحية نقل أي من فلسفات الإعلام الوضعية -أو جزءاً منها- من الأرضية التي أفرزتها إلى الأرضية المعرفية الإسلامية، وهذه الإشكالية هي ما تحاول هذه الدراسة التصدي لها"[9].

في هذا المستوى نجد أن المؤلف قد رتب أمراً وكأنه أمر حتمي، بالرغم من إمكانية التفكير فيه بطرق أخرى، فليس وضع نظرية إعلامية إسلامية يجب أن يسبقه بالضرورة نقد الفلسفة الإعلامية الغربية، وإذا كان ولابد من دراسة النظريات الإعلامية المغايرة للفلسفة الإعلامية الإسلامية، فليس بالضرورة نقد الأسس الفكرية لتلك النظريات الإعلامية، سواء كانت فلسفات كوزمولوجية علمانية مهيمنة أو غيرها، فالفلسفة الإعلامية تستنبط من أصولها العقدية، وأحكامها الفقهية، وعرفها الاجتماعي، فالنقد للماضي أو للآخر قبل البناء الذاتي هو منهج غربي من أساسه.

يعرف المؤلف فلسفة الإعلام بأنها: "الإطار الفكري الذي تتحدد على هداه منطلقات العملية الإعلامية وغايتها، ومنهجها في تحقيق هذه الغايات، والذي يعد بمثابة المعيار الذي يحكم في ضوئه على مدى نجاح العملية الإعلامية في مجتمع ما أو إخفاقها"[10].

يبدأ مؤلف الكتاب بفصل تمهيدي عن منهجية تناول فلسفات الإعلام الوضعية المعاصرة في ضوء المنظور الإسلامي، فيجد أن هذا الفصل التمهيدي يحتاج إلى تمهيد يتطلب التناول النقدي المقارن لفلسفات الإعلام الوضعية المعاصرة من منظور مغاير تماماً للمنظور الذي أفرزها، وهو المنظور الإسلامي، "استجلاء عدد من النقاط الضرورية، قبل الشروع في التناول النقدي المقارن لهذه الفلسفات، هذه النقاط هي: تصنيفات فلسفات الإعلام الوضعية، والفلسفات الإعلامية الوضعية التي تتناولها الدراسة، ومنهجية التناول النقدي المقارن لفلسفات الإعلام الوضعية من المنظور الإسلامي"[11].

يتحدث المبحث الأول عن تصنيفات فلسفات الإعلام الوضعية، فقال إنه في ظل الكوزمولوجيا الوضعية التي ترفض الاستعانة بأي منهج غير بشري في رسم ملامح المجتمع الإنساني الأمثل الذي يحقق السعادة لجميع أفراده، وتفرض على الفكر الإنساني بهذه المهمة، في ظل ذلك انقسم المفكرون إلى فريقين:

فريق يرى أن المجتمع الأمثل هو المجتمع الذي يقوم على "الفردية"، والفريق الآخر يرى العكس، وهو أن المجتمع الإنساني الأمثل هو الذي يقوم على "الجماعية"، وفي ظل انقسام الفكر الاجتماعي إلى نظريتين كبيرتين كان لابد أن ينقسم الفكر الإعلامي إلى نظريتين إعلاميتين كبيرتين أيضاً، ففي كنف النظرية الاجتماعية الفردية، قامت نظرية إعلامية تدعو مثل صويحباتها من النظريات السياسية والاقتصادية و.. إلى إعطاء الفرد الحريات الإعلامية الكاملة، وترفض الوصاية من قبل الدولة أو فئة من فئات المجتمع على هذه الحريات. ويقول: "ومن ثم يمكن أن نسمي هذه النظرية أو الفلسفة: فلسفة الإعلام الحر،.. والأخرى هي: فلسفة الإعلام الموجه"[12].

وجاء المبحث الثاني ليتحدث عن الفلسفات الإعلامية التي تتناولها الدراسة، في مطلبين، المطلب الأول: هما فلسفتا الإعلام الحر، وهما الفلسفة الليبرالية، ويرى المؤلف أنها تشكلت تبعاً لمسلمات الكوزمولوجيا العلمانية وغاياتها[13]، وركيزتها الأساسية هي حرية التعبير، ويرى أن حرية التعبير في الفلسفة الليبرالية استندت إلى ثلاث مراحل هي:

1 ـ مرحلة الأساس الديني، حيث كان أساس حرية التعبير عند ملتون ومعاصريه هو أساس ديني، فالرب يريد أن تكون للناس صحافة حرة حتى يستطيعوا كشف الحقيقة[14].

2 ـ مرحلة الأساس الطبيعي، وهو الأساس الذي نجم عن التخلي عن الفكر الديني الذي أفسح مكانه لنظرة الكوزمولوجيا العلمانية، وعلى هذا الأساس اعتبرت حرية التعبير حقاً من الحقوق الطبيعية للإنسان مثلها مثل باقي الحقوق الطبيعية اللصيقة بالطبيعة الإنسانية[15].

3 ـ الأساس النفعي، كان التطور الثالث في ركيزة حرية التعبير على أيدي النفعيين وعلى رأسهم "جون استيوارت مل" الذي أيد في كتابه عن الحرية، حرية التعبير لا على أساس طبيعي وإنما على أساس المنفعة، حيث رأى أن الأصل في حرية التعبير أنها أمر نافع للمجتمع الإنساني والعكس صحيح[16].

وقبل أن يتحدث المؤلف عن المطلب الثاني للفلسفة الليبرالية، يعلق على المطلب الأول حول حرية التعبير وأسس مراحله قائلاً: "والواقع أن تطبيق هذه الفلسفة أوضح الكثير من جوانب الخلل والقصور التي تشوب طروحاتها، فقد أصبح كثير من الصحف -في ظل هذه الفلسفة- تمثل خطراً على الأخلاق العامة، ذلك أنها لم تتورع عن نشر أي مادة إعلامية تزيد من توزيعها ومن ثم تجلب لها المزيد من الإعلانات والأرباح.. بصورة تتعارض في كثير من الأحيان مع الصالح العام الذي ينبغي أن تخدمه أولاً. كما أنها مثلت أداة من أدوات مقاومة التغيير الاجتماعي"[17].

أما القسم الثاني في فلسفتا الإعلام الحر فهي فلسفة المسؤولية الاجتماعية، التي ظهرت بعد ظهور الكثير من عيوب الفلسفة الليبرالية الفردية أولاً، ثم ظهور نظريات علمية جديدة زعزعت الأسس التي كانت تقوم عليها هذه الفلسفة، "فقد أدت الأفكار المستحدثة بالفلسفة الليبرالية التقليدية إلى إعادة النظر في افتراضاتها الأساسية فيما يتعلق برؤيتها لطبيعة الإنسان، والتي هي ركيزة الفكر الليبرالي، وبالتالي إعادة النظر فيما يتعلق بطبيعة الدولة التي تتوافق مع سمات الطبيعة الإنسانية، وأيضاً الشكل الأمثل للعلاقة بينهما في ضوء الفهم الجدي لهذه الطبيعة، وأخيراً إعادة الليبرالية النظر في طبيعة المعرفة أو الحقيقة، ومدى نزاهة الفرد في البحث عنها"[18].

لقد رافق هذه التغييرات الفكرية في الافتراضات الأساسية للفلسفة الليبرالية -والتي كان انتقالها للفلسفة الإعلامية الليبرالية أمراً حتمياً- عدة عوامل أخرى جعلت من إدخال تعديلات على الفلسفة الإعلامية أمراً ضرورياً ومنها: ازدياد قوة تأثير الصحافة، وظهور وسائل إعلامية جديدة، وتطورات كبيرة في أساليب الدعاية، وقد أدت هذه التغييرات إلى ضرورة وضع ضوابط وقواعد تضع حدودا لممارسة هذه الوسائل، وقد بادرت إلى وضع هذه الضوابط الاتحادات المهنية ووضع ضوابط للعمل الصحفي، ودساتير العمل الإذاعية والسينمائية[19]، "وكان من الطبيعي أن يطلق على نظرية المسؤولية الاجتماعية التي أسهم الأمريكيون والأنجليز في تشكيل مقولاتها "نظرية أنجلو أمريكية"[20].

في المطلب الثاني تحدث المؤلف عن فلسفتا الإعلام الموجه، فكانت أولاً فلسفة الإعلام الاشتراكي، في تيارين هما:

ـ التيار الأول، هو الاشتراكية العلمية، وهي اشتراكية ماركس وأنجلز.

ـ والتيار الثاني، هو الاشتراكية الديمقراطية، أو الاشتراكية الإصلاحية، وهي الأكثر تطبيقاً في الدول الاسكندينافية[21].

وأما الفلسفة الثانية من فلسفتا الإعلام الموجه، فهي فلسفة الإعلام التنموي، التي كان لها توجهات تنظيرية لدور الإعلام في التنمية، فكان التوجه الأول هو توجه مدرسة التحديث، حيث " تدور كتابات هذا التوجه في فلك نظرية التحديث، التي ترى التنمية يمكن أن تحدث في العالم الثالث عن طريق نقل الأفكار والقيم الغربية، وإزاحة العقبات الثقافية التقليدية في هذه البلدان، مما يجعل من العالم النامي عالماً حديثاً، مما يعني أيضاً غربياً في طبيعته"[22]. والتوجه الثاني هو توجه مدرسة التبعية.

وفي المبحث الثالث تحدث المؤلف عن منهجية التناول النقدي المقارن لفلسفات الإعلام الوضعية من المنظور الإسلامي، في مطلبين هما:

ـ المطلب الأول، يسعى الباحث خلاله تناول الكتابات العربية التي عالجت فلسفات الإعلام الوضعية تناولاً نقدياً مقارناً.

ـ والمطلب الثاني، يسعى خلاله المؤلف لتوضيح ملامح المنهجية التي سيتبعها في تناول فلسفات الإعلام الوضعية تناولاً نقدياً مقارناً.

وفي إطار المطلب الثاني يعرض المؤلف "لأهم ملامح المنهجية الإسلامية التي يتبناها هذا المنظور لتوضيح أهم ما تتسم به هذه المنهجية في مقابل المنهجية الوضعية، وتوضيح الإطار الذي تتيحه هذه المنهجية لتناول فلسفات الإعلام الوضعية تناولاً مقارنا من خلاله"[23].

أما من ناحية محيط حركة المنهجية الإسلامية وإطارها فهو ينطلق من تكامل مفهومي الغيب والشهادة، وقد عزا المؤلف هذا التكامل إلى كتاب أزمة العقل المسلم للدكتور عبد الحميد أحمد أبو سليمان[24]، ولا يقصر اهتمامه فقط على عالم الشهادة فقط كما يفعل المنهج الوضعي، كما عرض للمصادر التي تستمد منها المنهجية الإسلامية معارفها وتقيم على هداها أبنيتها النظرية بشيء من التفصيل، فبدأ بالمصدر الأول وهو الوحي، فالوحي مصدر للمعرفة والتوجيه في حياة الإنسان يقصد به عموماً كلمة الحق التي أوحى الله بها إلى الأنبياء والرسل لكي تبلغ ما أمر الله به إلى الأمم، والوحي مصدر للمعرفة والتوجيه الإسلامي يقصد به كلمة الله وإرادة الحق التي أوحى بها إلى نبيه ورسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- والمصدر الثاني هو الواقع المحسوس، فالمنهجية الإسلامية تعمل على استقراء الواقع بما يناسبه من أساليب علمية، والمصدر الثالث هو العقل، إذ العقل في المنهجية الإسلامية هو أداة الحصول على المعرفة، وأداة إقامة الأبنية النظرية على المعارف التي يحصل عليها سواء من كتاب الله المسطور (الوحي)، أو كتاب الله المفتوح (الكون)[25].

وبين المؤلف سمات المنهجية الإسلامية وهي الربانية والشمول، وسمة الربانية أساسية ذلك أن المنهجية الإسلامية تعتمد على أساساً على أصل رباني متين هو "الوحي" بما يعني أنها مرتبطة بالدين وجوداً وعدماً، معنى ومبنى، فكراً وحركة، وذلك على خلاف التصورات الوضعية التي لا تعترف بالدين أساسا، وأما سمة الشمولية فبالإحاطة بجميع أبعاد الظاهرة المدروسة، والتوازن في التناول.

وجاء الباب الأول لبحث المقدمات الأساسية لفلسفة الإعلام الوضعية والمقدمات الإسلامية المناظرة لها، في فصلين كبيرين، بحث الفصل الأول التطورات الفكرية والمجتمعية التي أدت إلى بناء الكوزمولوجيا العلمانية وهيمنتها عالمياً، مستشهداً في تمهيده برؤية جون هرمان راندل، في كتابه "تكوين العقل الحديث"، بأن أفضل وسيلة لفهم الأفكار والمعتقدات كثيراً ما تكون في معرفة العوامل الأولى التي أدت إليها[26].

ونحن إن كنا نختلف مع المؤلف في ضرورة التعمق والتوسع في معرفة منطق اجتماعية المعرفة التي أفرزت الفلسفات الإعلامية العلمانية الغربية، إلا أن "معرفة ما إذا كانت العوامل الفكرية والمجتمعية التي سوغت للعقل الغربي نبذ الفكر الديني، تسوغ لنا نبذ الكوزمولوجيا الإسلامية، وبالتالي نبذ كل ما أفرزته من فكر اجتماعي وإعلامي واستبداله ببديل وضعي، أم لا تسوغ لنا ذلك"[27].

فهذا سؤال صحيح؛ لأنه يمنح الشخصية العربية والإسلامية تمييز ذاتها معرفياً وتاريخياً، فليس ما حرر أوروبا من هيمنة الكنيسة يجب بالضرورة يجب أن يحرر كل الشعوب في العالم، وهو ما بحثه المؤلف بالتفصيل في المبحث الأول، الذي بحث الملامح العامة للكوزمولوجيا المسيحية، "وقد كان المجتمع الذي عملت الكنيسة على إقامته يقوم على مبدأ الانسجام التام بين الفرد والمجتمع، وذلك من خلال تدرج المراتب، فيأتي البابا أولاً ثم الملك ثم النبيل الذي يأتي في درجة أقل منه الإنسان العادي ثم المرأة ثم الحيوانات ومن بعدها النبات وأخيراً الجماد، ولكل إنسان في هذا المجتمع وظيفة أعدها الله له وعليه واجبات معروفة.. وأن حرية -الفرد- هي فقط في الطاعة الكاملة للقانون"[28].

وبحث الكتاب بعد ذلك التطورات الفكرية والمجتمعية التي ساهمت في القضاء على هيمنة الكوزمولوجيا المسيحية وبناء وهيمنة الكوزمولوجيا العلمانية، عن طريق انطلاق بدايات التفكير العقلاني، ونمو وتطور الفكر العلماني في ثلاث حركات هي الحركة الإنسانية، وأساسها "ثورة الإنسانيون على الأخلاق المسيحية ثورتهم أيضاً على المفهوم المسيحي للطبيعة البشرية، الذي ينظر إليها على أنها عاجزة ومنحطة وأكدوا على قيمة الإنسان الفكرية والخلقية"[29]، ثم كانت الحركة البروتستانتية، والتي كان من أهم أفكارها أفكار مارتن لوثر، ثم كانت الحركة العقلانية التي تأثرت بتطور العلوم الطبيعية.   

وفي المبحث الثالث بين المؤلف التطورات الفكرية والمجتمعية التي ساهمت في تشكيل الفكر الاجتماعي العلماني وهيمنته عالمياً، بداية من التطورات الفكرية والمجتمعية التي شكلت النظريات الاجتماعية العلمانية، وهيمنة الفكر العلماني على الفكر والواقع الاجتماعي والإعلامي في بلدان العالم الثالث، عن طريق التدخل المباشر من قبل السلطات الاستعمارية في فرض الثقافة العلمانية، وفي الفصل الثاني بحث مقولات الكوزمولوجيا العلمانية التي تعد المقدمات الأساسية لفلسفات الإعلام الوضعية والمقولات الإسلامية المناظرة لها، ومن أهمها المسلمة الأولى وهي الاعتقاد بعدم وجود إله أساساً، أو الاعتقاد بوجود إله ولكنه غير فاعل، بينما "الإله الواحد المهيمن هو المسلمة المحورية في الكوزمولوجيا الإسلامية"[30]، وأن الوحي هو المهيمن على مصادر الحقيقة في الكوزمولوجيا الإسلامية، وأن للعقل في الكوزمولوجيا الإسلامية مكانة رفيعة.

وفي الباب الثاني بحث المؤلف المقدمات المباشرة لفلسفات الإعلام الوضعية والمقدمات الإسلامية المناظرة لها، فبحث الفصل الأول مقولات الفكر الاجتماعي حول طبيعة الإنسان، وفي المبحث الأول قراءة لطبيعة الإنسان في الفكر الاجتماعي الليبرالي، وفيه تحدث عن رؤية الليبرالية المحدثة لعقلانية الإنسان على الفكر الإعلامي، الذي " يعد افتراض عقلانية الإنسان في الفكر الليبرالي واحداً من أهم الافتراضات التي شكلت بنية فلسفة الإعلام الليبرالي، وترجع هذه الأهمية إلى ما ينجم عن هذا الافتراض من ضرورة منح الإنسان الحرية الكاملة في التعبير عن آرائه بخصوص ما يهمه من قضايا، وفي سبيل ذلك لا ينبغي أن تحد حريته في التعبير عن هذه الآراء إلا اقل القيود الممكنة، ولا ينبغي أيضاً أن يحول شيء بينه وبين إيصال آرائه للآخرين، وهذا ما يعني إعطائه الحرية في تملك الوسيلة الإعلامية التي يراها مناسبة لذلك، ومن ناحية أخرى يتضمن افتراض عقلانية الإنسان أن الفرد كمستقبل ينبغي أن تتاح له حرية الوصول إلى ما يهمه من معلومات وأفكار؛ لأنه يستطيع باستخدام عقله أن يميز بين الصدق والكذب والصحيح والزائف مما يصل إليه من معلومات وأراء"[31].

أما طبيعة الإنسان في الفكر الاجتماعي الإسلامي، فقد بحثت في ماهية الإنسان في الفكر الإسلامي، وفي معرفة حقوقه وواجباته وفي سماته التي تنعكس على سلوكه الاجتماعي، فالإنسان في الماهية يأخذها المؤلف من الأديب المصري عباس العقاد والتي يعرف فيها الإنسان بأنه: كائن مكلف، وأن هذا التعريف "يدلل على شيء محدد بين الخلائق بكل حدود العقيدة أو العلم أو الحكمة"[32].

أما سمات الطبيعة الإنسانية فيقول المؤلف: "لا يمكن تفهم نظرة الفكر الإسلامي إلى سمات الطبيعة الإنسانية، إلا إذا وضعنا في الحسبان المقدمة الأساسية التي ينطلق منها هذا الفكر في نظرته إلى ماهية الإنسان، والمتمثلة في النظر إليه على انه كائن مكلف وفي ضوء ذلك يمكن استعراض رؤية الفكر الإسلامي لعقلانية الإنسان وأخلاقيته على اعتبار أنها أهم السمات التي ينعكس تأثيرهما على بناء الفكر الإعلامي خاصة، وباقي عناصر الفكر الاجتماعي الإسلامي عامة"[33].

وفيما يخص انعكاسات رؤية الإسلام لأخلاقية الإنسان على الفكر الإعلامي، فإن "من الطبيعي أن تلقي رؤية الفكر الإسلامي لأخلاقية الإنسان على الفكر الإعلامي مسؤولية التنظير للكيفية التي يمكن خلالها لوسائل الإعلام المساهمة في ترسيخ أخلاقيات الإسلام، ومحاربة كل ما يتنافى معها، هذا من ناحية، وأن تفرض، من ناحية ثانية، على الفكر الإعلامي وضع الضوابط اللازمة التي يمكن خلالها تلافي الانحرافات الأخلاقية التي يمكن أن تقع في مجال العمل الإعلامي -على أساس أن القائمين على هذا العمل لديهم مثلهم مثل غيرهم دوافع قد تنحرف بهم عن إطار الإسلام الأخلاقي- ومعالجة هذا الانحراف بالطرق التي تناسبه"[34].

وحول انعكاسات النظرة الإسلامية لطبيعة الحقيقة على الفكر الإعلامي يرى المؤلف أنها "بمثابة المحدد الأساسي لشتى ملامح فلسفة الإعلام الإسلامي، سواء فيما يتعلق بحرية الممارسة الإعلامية، أو حرية التملك، أو حتى الوظائف التي توكل هذه الفلسفة لوسائل الإعلام سبل الاضطلاع بها؛ ففيما يتعلق بحرية الممارسة الإعلامية نجد أن الحقائق المطلقة الموحى بها، تعد منطقة لا مجال لوسائل الإعلام لان تبث أو تنشر مادة تخالفها تحت مسمى حرية الرأي أو حرية الفكر أو خلافه. أما الأمور التي ليس هناك نصوص قاطعة بشأنها، فهناك مساحة من الاختلاف المسموح به حولها، بشرط الالتزام بكليات الدين وعدم الخروج عن ثوابته، وشريطة أهلية من يدلي بدلوه في هذا الصدد، وتحليه بالآداب الإسلامية في إبدائه، وكونه مخلصاً النية لوجه الله تعالى، ومتجرداً من الهوى وساعياً بنزاهة للوصول إلى الحقيقة"[35].

وجاء الباب الثالث والأخير لبحث مقولات فلسفات الإعلام الوضعية ومقولات فلسفة الإعلام الإسلامي المناظرة لها، فتحدث الفصل الأول عن حرية الممارسة الإعلامية، "فالفكر الإسلامي لا ينظر إلى الحرية الإعلامية على أنها حق للفرد، سواء أكان هذا الحق حقاً طبيعياً أم أخلاقياً، كما ذهبت إلى ذلك فلسفتا الإعلام الحر، كما أنه لا ينظر إليها على أنها حق للمجتمع كما ذهبت لذلك فلسفتا الإعلام الموجه. وإنما نظر إليها على أنها شيء أكبر من الحق الفردي.. إنها حق يرتقي ليصبح من الضرورات الحتمية لتمكين الفرد من الاضطلاع بالدور المنوط به ككائن مكلف. وهذا ما يعني أن ممارسة هذا الحق تصبح واجباً يقتضيه الاضطلاع بالدور المنوط بهذا الكائن المكلف في إقامة مجتمع الاستخلاف، وهذا ما جعل الآية تقول بصيغة أمر الوجوب: "وَلْتَكُنْ مِنْكُمُ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" [سورة ال عمران / الآية: 104]، ويستبطن الفهم الإسلامي للحرية الإعلامية، من ناحية ثانية، واجباً من قبل الدولة، يتمثل في العمل على تهيئة المناخ الآمن لممارسة هذه الحرية، وتوفير الإمكانيات المادية لممارستها - إن استدعى الأمر ذلك، وفي حدود إمكاناتها. كما يحرم عليها التدخل بأي صورة تحول بين الفرد وبين التمتع بهذا الحق، ما لم يكن هناك مبرر مشروع"[36].

ويتحدث المؤلف عن حدود الحرية المتعلقة بحماية الفرد فيقول: "يحرن الإسلام الاعتداء على الأفراد أو السب أو التشهير، كما يحرم غزو خصوصياتهم "وَلا تَجَسَّسُوا" [سورة الحجرات / الآية: 12]، ويضع الفقه الإسلامي تقنيناً واضحاً لهذه الجرائم، وللعقوبات المقابلة لها، عدا عقوبة القذف بالزنا التي حددتها الآية: "وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً اَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ" [سورة النور / الآية: 4]، أما العقوبات التي تتعلق بباقي الجرائم فإنها تخضع للتعزير، بحيث توضع لكل جريمة العقوبات المناسبة لها"[37].

وأما حدود الحرية المتعلقة بالنظام العام، وتشمل حماية أمن المجتمع واستقراره من الاضطراب الداخلي، أو التهديد الخارجي، والحماية المادية للسلطة الحاكمة فيه، وثانياً حماية عقيدة المجتمع ويشمل ذلك كل ما هو معلوم من الذين بالضرورة وهو المتمثل في الشهادة، إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً، وحماية أخلاقيات المجتمع وآدابه[38]، وعند الحديث عن حق ملكية وسائل الإعلام، تكلم أولاً عن ملكية الصحافة، وأن إتاحة الملكية الفردية للصحف أمر أساسي يتطلبه أداء هذه الوسيلة للدور المنتظر منها في المجتمع المسلم على النحو المرجو، لأن "فلسفة ملكية وسائل الإعلام في الفكر الإسلامي تختلف عن فلسفة ملكية  وسائل الإعلام في مدارس الفكر الوضعي على اختلافها، ذلك لأن ملكية هذه الوسائل لا تعد ملكية حقيقية وإنما هي ملكية استخلاف، ومن ثم فإن مالك أي وسيلة إعلامية سواء أكان فرداً أم هيئة عامة أم حكومة لا ينبغي له أن يستخدم هذه الوسيلة إلا في الإطار الذي رسمه لها المالك الأصلي سبحانه وتعالى وأن أي استخدام لها خارج هذا الإطار يعرض صاحبه لسخطه وعقابه كما أن الالتزام به يجعله أهلاً لثوابه"[39].

وفي الختام توصل المؤلف إلى نتيجة أساسية هي: "عدم إمكانية نقل أي من فلسفات الإعلام الوضعية أو أجزاء كاملة منها من الأرضية المعرفية التي أفرزتها إلى الأرضية المعرفية الإسلامية، وأن أقصى ما يمكن الاستفادة به من هذه الفلسفات لا يتجاوز بعض الوسائل والأساليب التي ابتكرتها لزيادة فاعلية الأداء الإعلامي، والتي أثبتت فاعليتها في أرض الواقع، والتي لا تتنافى مع أي طرح من طروحات الأرضية المعرفية الإسلامية"[40].

وبالعموم فإن الكتاب قيم في مادته العلمية، وعظيم الفائدة ومرجعاً في موضوعه، وعميق في دراسته لفلسفات الإعلام غير الإسلامية الليبرالية والجماعية، الغربية والشرقية، ومتواضع في الأفكار الجديدة في الفلسفة الإعلامية من منظور إسلامي، وهي ما تحتاج إلى مزيد من الدراسات والإبداع والتجديد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1. صدر كتاب: فلسفات الإعلام المعاصرة، للدكتور محمود يوسف السماسيري، من المعهد العالمي للفكر الإسلامي -  هرندن- فرجينيا، الولايات المتحدة الأمريكية، الطبعة الأولى: 1429هـ ـ 2008م. 

2. أنظر: فلسفات الإعلام المعاصرة، السماسيري، ص: 19. 

3. فلسفات الإعلام المعاصرة، السماسيري، ص: 43. وعزاه إلى كتاب: الحرية في الفكرين الديمقراطي والاشتراكي، لمحمد عصفور، ص: 169. 

4. انظر: فلسفات الإعلام المعاصرة، السماسيري، ص: 152.

5. فلسفات الإعلام المعاصرة، السماسيري، ص: 17 و 17. 

6. فلسفات الإعلام المعاصرة، السماسيري، ص: 25. 

7. فلسفات الإعلام المعاصرة، السماسيري، ص: 23. 

8. فلسفات الإعلام المعاصرة، السماسيري، ص: 28. 

9. فلسفات الإعلام المعاصرة، السماسيري، ص: 25. 

10. فلسفات الإعلام المعاصرة، السماسيري، ص: 32 ، وص: 216. 

11. فلسفات الإعلام المعاصرة، السماسيري، ص: 37. 

12. فلسفات الإعلام المعاصرة، السماسيري، ص: 39. 

13. فلسفات الإعلام المعاصرة، السماسيري، ص: 56. 

14. فلسفات الإعلام المعاصرة، السماسيري، ص: 58. 

15. نفسه. 

16. فلسفات الإعلام المعاصرة، السماسيري، ص: 59. 

17. نفسه.

18. فلسفات الإعلام المعاصرة، السماسيري، ص: 61. 

19. نفسه.

20. فلسفات الإعلام المعاصرة، السماسيري، ص: 63، وعزاه المؤلف إلى كتاب: الإعلام له تاريخه ومذاهبه، عبداللطيف حمزة، القاهرة، دار الفكر العربي، 1965، ص: 135. 

21. انظر: فلسفات الإعلام المعاصرة، السماسيري، ص: 64.

22. انظر: فلسفات الإعلام المعاصرة، السماسيري، ص: 72.

23. انظر: فلسفات الإعلام المعاصرة، السماسيري، ص: 97.

24. انظر: فلسفات الإعلام المعاصرة، السماسيري، ص: 98. والعزو: أزمة العقل المسلم، أبو سليمان، سلسلة إسلامية المعرفة (9)، فرجينيا، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 19981، ص: 109ـ116. 

25. انظر: فلسفات الإعلام المعاصرة، السماسيري، ص: 99ـ101.

26. انظر: فلسفات الإعلام المعاصرة، السماسيري، ص: 119. وعزاه إلى كتاب: تكوين العقل الحديث، ص: 47.

27. انظر: فلسفات الإعلام المعاصرة، السماسيري، ص: 120.

28. انظر: فلسفات الإعلام المعاصرة، السماسيري، ص: 127.

29. انظر: فلسفات الإعلام المعاصرة، السماسيري، ص: 133.

30. انظر: فلسفات الإعلام المعاصرة، السماسيري، ص: 188.

31. فلسفات الإعلام المعاصرة، السماسيري، ص: 268، وفيه العزو إلى ريفرز وآخرون في كتاب وسائل الإعلام والمجتمع الحديث، ص: 93.

32. فلسفات الإعلام المعاصرة، السماسيري، ص: 298، والعزو لكتاب: الإنسان في القرآن، عباس العقاد، القاهرة، دار النهضة، ص: 17.

33. فلسفات الإعلام المعاصرة، السماسيري، ص: 303.

34. فلسفات الإعلام المعاصرة، السماسيري، ص: 307.

35. فلسفات الإعلام المعاصرة، السماسيري، ص: 336. وقد أحال في ضوابط الحرية الإعلامية في ضوء الإسلام، كتاب الحرية الإعلامية في ضوء الإسلام، لابن ثابت، ص: 116.  

36. فلسفات الإعلام المعاصرة، السماسيري، ص: 456.

37. فلسفات الإعلام المعاصرة، السماسيري، ص: 462.

38. انظر: فلسفات الإعلام المعاصرة، السماسيري، ص: 462 و463.

39. انظر: فلسفات الإعلام المعاصرة، السماسيري، ص: 514.

40. فلسفات الإعلام المعاصرة، السماسيري، ص: 575.

المصدر: الرابطة المحمدية للعلماء (بتصرف)

 
أ. محمد زاهد جول
تاريخ النشر:2009-09-17 الساعة 11:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 4086
مرات الطباعة: 645
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan