الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » عروض و مراجعات

دراسات في تاريخ الفكر السياسي الإسلامي

عزيزة سبيني

 

الكتاب: دراسات في تاريخ الفكر السياسي الإسلامي

المؤلف: د. نزار محمد قادر/ د.نهلة شهاب أحمد

الناشر: صفحات للدراسات والنشر/ دمشق 2009

عدد الصفحات: 199 صفحة

 

تركت وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فراغا سياسيا كبيرا في حياة المسلمين، تمركز حول هوية الإمام الذي سيخلفه صلى الله عليه وسلم في ولاية أمر المسلمين، فثارت بعض الاختلافات بين المسلمين وخاصة في "الأمور السياسية"، وتركزت هذه الخلافات حول موضوع الخلافة وأصول الحكم وفلسفته، لذلك كانت المحاولات الأولى التي قام بها المسلمون للبحث في النظام السياسي تركز على موضوعة الخلافة، وذلك لأهميتها وخطورتها، فهي أكبر ولاية في الدولة.

ولم يكن الفقهاء ميالين لمعالجة موضوع الخلافة، وذلك لأنهم اعتبروها من الفروع وليست من الأصول، ولكن ما إن أصبحت الخلافة مثار جدل بين الفرق الإسلامية، تصدى الفقهاء للبحث فيها،  فترتب عليهم  إيجاد صيغة إسلامية مثلى للنظام السياسي، يتيسر من خلاله المحافظة على تقاليد الجماعة الإسلامية التي كانت تتهددها الأخطار من كل جانب، فصرفوا جهودهم للعمل على التنسيق بين الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في عصرهم، وبين الشريعة الإسلامية وأركانها وأحكامها، من خلال تطوير الفكر النظري للشرع الإسلامي على ضوء الوضع التاريخي وانسجاماً مع الواقع السياسي.

ويعتبر المؤرخون المحدثون أن "أبا الحسن الماوردي" هو المؤسس الحقيقي للنظرية الدستورية الإسلامية، و كتاب (دراسات في تاريخ الفكر السياسي الإسلامي) لمؤلفيه (نزار محمد قادر) و(نهلة شهاب أحمد) محاولة لتبيان أثر الواقع السياسي وتطورات القوى المختلفة على خارطة العالم الإسلامي، وموقف الفقهاء خلال مدة القرون الأربعة من القرن الرابع الهجري وحتى القرن الثامن، من استيعاب متطلبات عصورهم، ومن ثم تمثلها لصياغة نظرية دستورية التي بدأت ملامحها بالتبلور على يد الباقلاني، ومن ثم البغدادي والماوردي وأبي يعلى الحنبلي، هذا في الشرق الإسلامي، أما في المغرب الإسلامي فقد وقف المؤلفان على مدى تأثر الفقهاء بأقرانهم في المشرق، وكيفية انعكاس واقعهم على موقفهم من الإمامة من خلال كتابات ابن حزم والطرطوشي وابن الأزرق. وأخيراً، سعيا لتبيان سياسة الخلافة العباسية مع القوى والفرق الإسلامية لتوضيح ماهية العقل السياسي للخلافة وإلى أي مدى امتثلت طروحات الفقهاء في التأكيد على حقوقها وممارسة واجباتها.

 

الفكر السياسي في المشرق الإسلامي

كانت الإمامة قضية الخلاف الرئيسة، وسبباً لما مرت به الأمة من فترات متأزمة، والأرضية التي انبثقت عنها الأحزاب والفرق، وكان من الطبيعي أن يحتدم الجدل بين هذه الفرق، حول الشروط والأحقية الشرعية. وقد أفرز هذا الجدل تطورات وأفكار، وردود أفعال أدت إلى تبلور نظرية دستورية مستهدفة في خطوطها العامة إضفاء الشرعية على النظام السياسي الذي استظلت به الأمة بعد وفاة الرسول(ص)، من خلال التأكيد على أن الأمة تقوم على الشريعة، وأن استمرارها منوط بقوة الإجماع المبرأ من الخطأ، فضلاً عن تبيان الشرعية في النظام السياسي القائم – ممثلاً بالخلافة العباسية. وقد شهد القرن الرابع الهجري، تطورات هامة على واقع الخارطة السياسية للدولة العربية الإسلامية، كان لها انعكاساتها على الوحدة السياسية، والفكرية التي أظلت العالم الإسلامي.

ولعل أبرز هذه التطورات هيمنة السلطة الأجنبية (البويهية) على الخلافة العباسية، وفي الطرف الآخر من الدولة، أقام الفاطميون نظامهم الخلافي في المغرب، في أواخر القرن الثالث الهجري، وأعلنوا أحقيتهم بالخلافة. فأحدثوا تطوراً بعيد المدى، ترتب عليه نشوب التنافس بين الخلافتين، استخدمت فيه مختلف الوسائل لتدعيم كل منهما أحقيتها بالسيادة الدينية والسياسية على العالم الإسلامي. فانقسم الفقهاء والخلفاء، وكان الباقلاني[1]من جملة الفقهاء الذين اختصوا بالوقوف ضد التيارات التي شكّلت تهديداً لاستمرارية حكومة الشرع، رغم أنه لم تكن تربطه بالخلافة في هذه المرحلة علاقة تفرض عليه توجهاتها الرسمية، ويتحدد بثوابتها ومنطلقاتها، إلا أن إدراكه لمدى الخطر الذي بدأت تمثله الاتجاهات المخالفة في الرأي، على النظام السياسي، بكل ما يمثله من سيادة للشريعة، وسلطانها ونظمها وتشريعاتها. وكانت من أبرز الدوافع وراء تلبية دعوة عضد الدولة البويهي لمناظرة الاتجاهات الفكرية التي ضمها بلاطه. وقد مثل الباقلاني موقف (أهل السنة)، إزاء الاتجاهات الأخرى، وفي كتابه "التمهيد في الرد على الملحدة المعطلة والرافضة والخوارج والمعتزلة" يتعرض فيه للإمامة من جميع نواحيها، خصوصاً ناحيتها القانونية، وواجباتها وشروطها، وهو بمثابة أجوبة على كثير من التساؤلات التي كانت مطروحة حول الإمامة، و في الوقت نفسه، يعد الأساس لتبلور ملامح نظرية سياسية، تقف بوجه الطروحات الفكرية المخالفة، التي مثلت خطراً على المؤسسة السياسية للخلافة العباسية. مؤكداً أنه لا سبيل لإثبات الإمامة إلا عن طريق الاختيار، فوضع تصوراً واضحاً لطبيعة الإمامة كما يراها (أهل السنة) مستقاة ثوابتها من الشرع والإجماع والسوابق التاريخية. وقد بدا تأثير الواقع السياسي واضحاً ومباشراً في تنظيرات الباقلاني، خاصة، إذا علمنا أن التنافس كان حاداً بين ثلاث أنظمة سياسية كبرى، (الخلافة العباسية، الخلافة الفاطمية، الخلافة الأموية)، تعتقد كل منها بأن لها وحدها الشرعية في السيادة السياسية والدينية على العالم الإسلامي.

ويرى الباقلاني أن الأمة وحدها، هي المسؤولة عن اختيار الإمام الذي يجب أن يكون قرشياً في الصميم، محدداً مفهوم الأمة بالمنتمين إلى الإسلام الصحيح الذين يمثلون القوة الداعمة للخلافة العباسية، وهم "أهل الحق".

وقد تنبه الباقلاني إلى الخطر الذي يحيط بالإمامة،  فدعا إلى تثبيتها بعقد صحيح مأذون فيه، لم ينخلع صاحبها بخلع العاقد له بعد ذلك، إلا في حال كفره أو فسقه، ولعل أهم ما كان يقلق الباقلاني، هو وقوع الإمام أسيراً في يد العدو، وتعجز الأمة عن خلاصه، لذلك فالضمان الوحيد هو أن تقوم الأمة باستبدال الإمام. إذ إن التضحية بفرد، أقل ضرراً على الأمة من التضحية بالمؤسسة برمتها.

أما الماوردي[2]واضع كتاب (الأحكام السلطانية) يتناول الأسس التي تقوم عليها الدولة، ودليل عمل ومنهجاً لما ينبغي أن تكون عليه الخلافة بعد استقلالها، وذلك في هدي السنة الإسلامية وضرورات الأحوال المتطورة.

ولم تكن نظريته مجرد تمرين فكري، بقدر ما هي دفاع، أو تبرير للظروف السائدة، إذ تركت ظروف الخلافة، في هذا العصر، بصماتها على نظريته التي حاول أن يكون فيها أصيلاً وواقعياً، مبنياً إياها على آراء من سبقوه، ولم يستغل قدرته على الاجتهاد إلا لكي يوفق بين تلك الآراء وواقع زمانه، وذلك، من خلال ربط قضية الإمامة بالواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ومن ثم محاولة فهم أبعاد القضية، عن طريق استعراض ودراسة الواقع وإخضاعه لمصلحة مشكلة الإمامة مع تجنب الدخول في تحدٍّ سافر للأحكام القطعية في الشرع.

 يحدد تعريف الماوردي للخلافة شرعيتها بوصفها فكرة دينية اجتماعية، لذا لم يفكر في فصل الواجبات الدينية عن الواجبات الدنيوية، فأحدهما مكمل للآخر، فأمور الدنيا -حسب الماوردي- لا تنتظم ولا تستديم إلا إذا توافرت ست قواعد تعتبر الأساس لصلاح المجتمع والدنيا بشكل واسع، وفي مقدمتها، الدين المتبع والسلطان القاهر (الخلافة) وبهما يسود العدل الشامل، والأمن العام، والخصب الدائم، والأمل الفسيح. أما الطريقة التي يتمُّ بها تولية الإمام، فيقول الماوردي:"والإمامة تنعقد من وجهتين، أحدهما باختيار أهل الحل والعقد، والثاني بعهد الإمام من قبله". وبذلك يحدد الفقهاء، الاختيار وسيلة مثلى لتنصيب الإمام، وهو بذلك يتفق مع الباقلاني والبغدادي. وبعد أن يقرر الفقهاء الاختيار سبيلاً لتنصيب الإمام، فإنهم يوجبون هذه المهمة على الخاصة من الأمة. ويتفق الماوردي، أيضاً، مع الباقلاني في الشروط التي يجب أن تتوفر في الخليفة، وهوفيحددها بالعدالة على شروطها الجامعة، والعلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام، وسلامة الحواس والأعضاء، والرأي المفضي إلى سياسة الرعية، وتدبير المصالح والشجاعة والنسب القرشي.

 وعلى الرغم من اختلاف الفقهاء في الشروط الواجب توفرها في الخليفة، إلا أنهم اتفقوا على النسب وهو أن يكون قرشي في الصميم، مع التأكيد على إمامة المفضول مع وجود الأفضل مراعاة للظروف المحيطة بالدولة والمجتمع، وإقرار الحق للخليفة بتعيين ولي عهد له، مع التأكيد، على وجوب إمامة واحدة في دار الإسلام للحفاظ على وحدة الأمة واجتماع كلمتها وتوحيد طاقتها. من هنا نرى، أن تشديد الماوردي على عدم جواز تعدد الخلافة ليس غرضه، تقويض شرعية الخلافة الفاطمية في مصر، والأموية في الأندلس فقط، وإنما أراد أن يوصد المجال أمام المغامرين الذين امتلكوا أسباب القوة، وانفردوا بالحكم في جهاتهم، وشعروا بأنهم أقوى بكثير مما عليه الخليفة العباسي، فلا يمنع أن يتسموا بالخلافة دون مراعاة لشروطها. والإمام عند الماوردي يتربع على قمة السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، يوجه تلك السلطات للحفاظ على أصول ومبادئ الحكم على وفق النصوص من الكتاب والسنة، والاجتهاد في المسائل الظنية فيما لا نص فيه لتدبير مصالح المسلمين. والأولوية للواجبات الدينية والشؤون الروحية، ثم الواجبات الدنيوية، ليؤكد -أي الماوردي- على أن الإسلام إنما قام على التوحيد بين الدين والسياسة، مستهدفاً من وراء ذلك تعزيز مركز الخليفة تجاه الأمراء البويهيين الذين اغتصبوا سلطته، مؤكداً لهم ولسواهم من القوى، بأن الخلافة هي الجهة الوحيدة لإدارة البلاد.

أما واجبات الأمة نحو الخليفة فيعتبر الماوردي محل الملك من رعيته كمحل "الرأس من البدن، وكل الأعضاء مسخرة له ومهيأة لحمله، ويفسر الماوردي قوله تعالى "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، وأولي الأمر منكم" بأن أولي الأمر هم ذوو الولايات السلطانية الذين تلزم طاعتهم في جميع الأمور وعلى جميع المسلمين، ويحدد مجال الطاعة، فيعلن بقوله لإطاعة لولي الأمر في معصية الله. وبهذا يسقط عن الأمة واجب إطاعة الخليفة، ويجوز لها أن تعتزله في حالة عصيانه أوامر الله تعالى. وفيما يتعلق بمسألة عزل الخليفة فيقول الباقلاني أن الإمام "في جميع ما يتولاه وكيل للأمة، ونائب، وهي من ورائه في تسديده وتقويمه واذكاره وتنبيهه وأخذ الحق منه، إذا وجب عليه، وخلعه والاستبدال به متى اقترف ما يوجب خلعه".

أما الماوردي فيوجب عزله في حالتين، أولهما: الجرح في عدالته، والثاني: النقص في بدنه، فالجرح في عدالته، أي فقد العدالة بشروطها الجامعة، وهو الفسق، فينقسم إلى قسمين، أحدهما، ما تابع فيه الشهوة، والثاني ما تعلق فيه بشبهة، فالأول متعلق بأفعال الجوارح كارتكابه المحظورات، ويوجب خلع الإمام إذا طرأ على إمامته ذلك، والثاني "متعلق بالاعتقاد المتأول بشبهه فيتأول لها خلاف الحق" ويميل الماوردي إلى رأي علماء البصرة في أن ذلك "لا يمنع من انعقاد الإمامة ولا يخرج به منها". أما السبب الجسدي، فينقسم إلى ثلاثة أقسام، نقص الحواس، ونقص الأعضاء، ونقص التصرف.

وكان للماوردي رأي خاص فيما يتعلق بإمارة الاستيلاء حيث أصاب الضعف الخلافة العباسية، وأصابت التجزئة جسد الأمة الإسلامية المنافية لمبدأ وحدة الإمامة الذي هو التطبيق السياسي للوحدة في العقيدة السنية، فكان لا بد من إيجاد مفاهيم سياسية جديدة، تتوسط بين مفهوم سلطة الإمام الشاملة المطلقة، وبين تعدد الحكام الفعليين في دار الإسلام. وقد اعترف في مقدمة كتابه الأحكام السلطانية، بوجود قوى أخرى تشارك الخليفة حكم العالم الإسلامي، وهو ما أطلق عليه الحكم السلطاني الذي يلتزم بتقديم حكم الإمامة عليه، ويفصل الماوردي ذلك بشكل أكثر وضوحاً في حديثه عن تقليد الإمارة على البلاد، فالأمير هو نائب الخليفة في المنطقة التي يتولاها ينوب عنه بتفويض منه في كل الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أيضاً إن إمارة الاستيلاء هي خروج عن عرف التقليد المطلق، وتعقد على اضطرار، وبذلك يمنحها الشرعية، وهو بذلك، يطور مفهوماً للسلطة، يحتفظ الخليفة بمقتضاه بالسلطة الإسلامية العليا، وللأقاليم فيه استقلاليتها بشؤونها الخاصة.

إن ما قدمه الباقلاني والماوردي كان وراءه هاجس الخوف من قيام قوى أخطر بالسيطرة على الخلافة العباسية، التي كانت تواجه في هذه المرحلة تحديات خطيرة، وخاصة من قبل الفاطميين، لذلك فقد وضعا كل الضمانات لبقاء الخلافة العباسية واستمرارها.

 

الفكر السياسي في المغرب الإسلامي

عند دراسة أفكار ابن حزم[3]الفقهية والكلامية، لابد من دراسة ظروف العصر الذي تبلورت فيه عقيدته السياسية والفكرية، وما اتفق عليه المؤرخون حول نزعته الأموية،  التي أصبحت من قبيل المسلمات، وتؤكد إحداثيات سيرته أن تشيعه للأمويين والدفاع عنهم، والسعي في القيام بدعوتهم، لم تكن من انتهازية نفعية، ولا سعياً وراء مكانة مرموقة، إذ رفض من العروض ما كان يضفي عليه المكانة والنفوذ ورغد العيش، مقابل أن يرجع عن رأيه وأمويته، لكنه لم يساوم على المبدأ الذي كان عميقاً وراسخاً في ذاته، فدفع ثمن ذلك غالياً .

يذهب ابن حزم إلى وجوب الإمامة على غرار معظم الفقهاء، "وإن الأمة واجب عليها الانقياد لإمام عادل يقيم فيها أحكام الله ويسوسهم بأحكام الشريعة، كما أن الإمامة واجبة عقلاً، لذلك فالشرع والعقل يوجب أن يقوم الإمام بتطبيق ما أوجبه الله على الناس من الأحكام، من هنا فإن الإمامة -حسب ابن حزم- واجبة شرعاً وعقلاً وإجماعاً، وهذا يعني عدم جواز إلغائها، أو استبدالها بأنظمة سياسية تمتلك مقومات القوة والنفوذ، محدداً الشروط الواجب توفرها فيمن يولى أمور المسلمين، وتشتمل على، أن يكون أصيلاً من قريش، بالغاً، ذكراً، مسلماً، متقدماً لأمره، عالماً بما يلزم من فرائض الدين، متقياً الله تعالى، غير معلن بالفساد في الأرض. فضلاً عن ذلك أن يكون عالماً بما يخصه من أمور الدين من العبادات والسياسة والأحكام، مؤدياً للفرائض، متجنباً لجميع الكبائر،مستتراً بالصغائر، رفيقاً بالناس، غير غافل، شجاع النفس، كريم وغير مبذر، والأهم من كل ذلك، أن يكون قائماً بأحكام القرآن وسنن رسول الله. وفي هذا رد على القائلين بجواز الإمامة في عموم المسلمين، وهي دعوات بدأت تجد صدى لها من قبل بعض الطامحين ممن امتلكوا أسباب القوة والسلطة. وكان لابن حزم آراؤه في تولية الإمامة معتمداً السوابق التاريخية في ترجيحها وهي عقد الإمامة يصح بوجوه، أولها، أن يعهد الإمام إلى إنسان يختاره إماماً بعد موته، وإن مات ولم يعهد إلى أحد، فمن الأفضل أن يبادر رجل مستحق للإمامة، فيدعو لنفسه، ولا منازع له، وأخيراً أن يصير الإمام عند وفاته، اختيار خليفة المسلمين إلى رجل ثقة أو أكثر من واحد. هذه الوجوه التي أقرها ابن حزم تتمحور بين الوراثة والغلبة، ومقصده من وراء ذلك، الوصول إلى نتيجة ذات اتجاهين، أولاها، إضفاء المشروعية على السوابق التاريخية، وثانيها، تبرير الممارسات السياسية في عصره. لاشك أن ابن حزم كان واقعاً، وهو يصوغ نظريته هذه، تحت تأثير عقيدته السياسية من جهة، وواقع عصره من جهة أخرى، أما واجبات الإمام فإن ابن حزم يعد الإمام مصدر السلطات والنفوذ، فلا وجود لسلطة دنيوية فوق سلطته. فضلاً عن هذه الواجبات الدينية، فإنه يقدم نصائح عملية للإمام هي بمثابة استكمال لواجباته على الصعيد الدنيوي، حيث لا فصل بين السلطات الدينية والدنيوية، فالإمامة ليست وظيفة دينية فحسب، بل هي وظيفة سياسية، وفيما يتعلق، بوحدة الإمامة وتعددها نرى ابن حزم، متمسكاً بمبدأ وحدة الإمامة، فالمسلمون أمة واحدة والشريعة واحدة، فيجب أن يكون للأمة إمام واحد، لذلك لا يجوز مبدأ تعدد الأئمة على صعيد الواقع السياسي. أما واجبات الأمة تجاه الإمام، فإن ابن حزم لم يمنح أية سلطة أو صلاحية للأمة في تسمية أو اختيار الإمام، وحصر هذا الامتياز في شخص الإمام نفسه، وإن منح الأمة صلاحية خلع الإمام، أمر يتنافى مع ميول ابن حزم السياسية وتحمسه لمساندة الخلافة الأموية وطاعتها، ويتقاطع مع ما كان يدعو إليه من اجتماع الكلمة، وتجنب الفتن والدماء. وهذا ما جعله يحيط الإمامة بالكثير من الضمانات ولا يتركها عرضة للأهواء والميول، فهو أولاً: يقصد بالشرع، ظاهره، الذي لا يقبل الظن والتأويل، وثانياً: يوجب على الأمة إذا ما تثبتت من خروج الإمام على الشرع، أن تنصحه وتراجعه، فإن عاد إلى الحق، يبقى محتفظاً بإمامته ولا يحق خلعه، أما إذا امتنع فيتوجب خلعه. إن الأوضاع السياسية التي شهدتها الأندلس في مستهل القرن الخامس الهجري، التي عصفت بحالة النظام والأمن، ودفعت الأمة إلى معترك من الفتن المضطرمة  أدت إلى تصدع جبهتها وإشاعة التحلل في صفوفها، وأدت بالتالي إلى انهيار السلطة المركزية وتمزيق شمل الأمة ووحدتها، واندفاع القوى المتناحرة للوصول إلى السلطة.

وبعد ابن حزم تناول المؤلفان سيرة الطرطوشي [4] وعصره الذي شهد حالة من الضعف والتشرد وانهيار الأنظمة السياسية التي شهدتها الدولة العربية الإسلامية في مغربها ومشرقها، إذ عايش حالة التشظي التي عصفت ببلاد الأندلس بعد سقوط الخلافة الأموية، وفي المشرق حيث حط الرحال به، لم يكن الواقع بأحسن حال، فالخلافة العباسية كان قد مضى عليها زمن طويل من التسلط البويهي والسلجوقي، وفي الطرف الآخر، حيث أمضى الشطر الثاني من حياته، كانت الخلافة الفاطمية في مصر قد أفل نجمها، وفي كتابه (سراج الملوك) يشير إلى منزلة السلطان، الذي ترتبط به وتتمحور حوله، ومن أجله كل الأنظمة بما فيها الرعية، ونراه يرسم صورة مثالية لما ينبغي أن يكون عليه الحاكم، والمحكوم في أربع وستين باباً، هي بمثابة دستور يعمل بموجبه ولاة الأمر، وحول رأيه في وجوب السلطة فإنه يعرفها بأنها "خلافة النبوة في إصلاح الخلائق، وليس فوق السلطان العادل منزلة إلا نبي مرسل أو ملك مقرب" وفي هذا إشارة منه، إلى أن النبي مكلف بتبليغ الرسالة، وكذلك، هو السلطان الذي يقوم بمهام النبي، الدينية والدنيوية باعتباره خلفاً له، وبذلك أوجب طاعة السلطان شرعاً وعقلاً، فهو يقوم بأمور شرعية، فضلاً عن واجباته الدنيوية في إصلاح المجتمع، وسيادة العدل. أما وحدة السلطة، فنرى أن الطرطوشي يعاني من الازدواجية الدينية والسياسية، فالخلافتان تتنافسان على السيادة، مؤكداً على غرار من سبقه على وحدة السلطة التي بدونها لا تستقيم الأمور، كما لا يستقيم سلطانان في بلد واحد. وفيما يتعلق بموقف الأمة من السلطان فقد ذهب الطرطوشي بعيداً في إعلاء مكانة السلطان، لذلك فإن طاعته واجبة، وهي مقرونة بطاعة الله، ولا يحق للأمة الاعتراض عليه، أو العمل على عزله أياً كانت سياسته وتصرفاته، وبذلك يسوغ الطرطوشي شرعاً، وضرورة السلطة المطلقة التي تعلو على المساءلة والمحاسبة، ويمهد لسلطانه الانفراد بالحكم في أمة مهمشة لا دور لها!!.

أما الخلافة عند ابن الأزرق[5] فهي نيابة عن الشارع في حفظ الدين، وسياسة الدنيا، وبهذا يسمى القائم بها خليفة، لخلفه رسول الله (ص)، وإماماً تشبيهاً له بإمامة الصلاة. ومن هذا المنطلق، فإن مؤسسة الخلافة ليست دينية الطابع بل واجباتها تشمل الأمور الدنيوية، من هنا أوجب نصب الخليفة وهذا الوجوب عند ابن الأزرق شرعي لا عقلي، وهو بذلك يتماشى مع الفكرة السنية التي أولت الشرع أرجحية وأسبقية على العقل، وإن أي محاولة للاستغناء عن السلطان، باطلة شرعاً وعرفاً، واستناداً إلى ذلك، يجب أن تستمر الخلافة، بغض النظر عن الظروف التي تسودها، ويحدد ابن الأزرق الشروط التي يجب أن تتوفر فيمن يتصدى لهذا المنصب (الذكورية، الحرية، البلوغ، العقل، النجدة، الكفاية، سلامة الأعضاء والحواس)، ولا يشترط في الخليفة العلم والاجتهاد، كما لا يشترط فيه العدالة، ولا تنقص خلافته في حالة الحجر عليه. هذه الشروط، دفعت ابن الأزرق لأن يجيز تعدد الأئمة في آن واحد، لكنه لا يجيز تعدد السلطة في البلد الواحد، وبذلك يضحي بوحدة الأمة السياسية، ويفتح الباب واسعاً أمام الطامحين، ومن يملكون القوى للاستحواذ على السلطة. أما طرق التولية عنده فتعتمد على القوة فهي –حسب رأيه- الحكم الفيصل التي تضفي الشرعية على صاحبها، وليس بالأمة سوى الإقرار بشرعيته، وإعلان طاعتها له عن طريق البيعة وفضلاً عن ذلك،  فللخليفة الحق في أن يسمي ولي عهده.

 

الخلافة والحركات الفكرية

 يبحث المؤلفان في إشكالية العلاقة بين الخلافة العباسية وقوتها العسكرية، استناداً إلى دراسة تحليلية لحركة أحمد بن نصر الخزاعي[6] الذي تأثرت حركته بالأوضاع السياسية القلقة التي خلفتها وفاة الخليفة الرشيد، وتنازع ولديه الأمين والمأمون على عرش الخلافة، وفي خضم هذا التنافس وعدم وضوح الرؤية الآنية والمستقبلية لدى كثير من الفئات ظهرت حركة المطوعة، كرد فعل على تردي الأوضاع العامة وفقدان الأمن، فدعا أصحابها الناس إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والعمل بكتاب الله، وسنة نبيه. إلا أن معارضة الخزاعي لم تتوقف عند هذه الحدود بل تجاوزت لتطال شخصية الخليفة وسياسته وإخضاعها للانتقاد، لكن الخلافة أبدت مرونة في التعامل مع هذا التصعيد، وهذا ما حفز الخزاعي وغيره من المعارضين للانتقال من الموقف النظري إلى بلورة الفعل المؤثر ليطال الخليفة نفسه، وهذا ما أدى إلى إدانة الخزاعي بتهمة أعلنها الخليفة - إصراره على رفض مجاراة الخلافة في قضية خلق القرآن- وحددت عقوبته استناداً لمقاصد غير معلنة، عدتها الخلافة خروجاً على الثوابت التي أقرها والتزامها التيار المحسوب عليه، والتي تمحورت حول النقد الخفي، والدعوة غير المباشرة لتصحيح الاتجاه، دون المساس بالمحتوى، فجاءت عقوبته إشارة مقصودة لمن يتبنى هذه المتغيرات، ويسعى لتحقيقها على صعيد الواقع السياسي.

وفيما يتعلق بالخيارت الفكرية في المواجهة بين الخلافة العباسية والتسلط السلجوقي، يعرض المؤلفان لحقيقة توزير يحيى بن محمد بن هبيرة[7] في عهد الخليفة المقتفي لأمر الله، وقد حدد أولوياته في اتجاهين رئيسين، أولهما: التحرر من التسلط السلجوقي، وثانيهما: مواجهة المد الفاطمي، فعلى مستوى الاتجاه الأول، اتضحت خيارات الوزير مبكراً، مؤشرة قناعته من أن السبيل للنفاذ من تراكمات عهود التسلط، هو المواجهة المستندة على القوة المعتمدة أساساً على الإمكانيات الذاتية، ولم يكن الوزير بغافل عن أن هذا الخيار صعب نيله، في خضم هيمنة سلجوقية مشددة، قصدت تجريد الخلافة من أسباب قوتها، فسخر إمكانياته جميعها في مساندة، ودعم سياسة إحياء نفوذ الخلافة، ومنهجها الفكري في اتجاهين مترافقين، دعم أحدهما الآخر على المستوى الداخلي، ففي الوقت الذي كان يعمل فيه على تهيئة وقيادة القوة العسكرية التي حققت هدف الخلافة في التحرر من التسلط السلجوقي، كان يرنو إلى الداخل لإعادة ترتيبه وفق منهجه كعالم حنبلي، اتصف بشدة تمسكه بالسنة والأثر، وسلامة العقيدة.

 أما على المستوى الخارجي، فقد كان هاجس الوزير، يتمحور حول وضع حد للوجود الفاطمي الذي لم يزل نفوذه الفكري والسياسي، يقلق الخلافة العباسية. ويبدو أن الوزير استطاع –إلى حد ما- من ترجمة برنامجه على الواقع السياسي والفكري بدعم من الخليفة المقتفي لأمر الله، إلا أن وفاة الخليفة، وتولية ابنه يوسف سمح لتيار آخر بالتبلور والنفوذ ضمن مؤسسته، لم يكن على وفاق مع الوزير، الأمر الذي أدى إلى  موت الوزير مسموماً، وإذا كان الوزير لم يستكمل تحقيق، ما استهدف برنامجه على المستوى الداخلي، إلا أن جهوده على المستوى الخارجي، حققت للخلافة ما سعت إليه في إقصاء الخلافة الفاطمية عن مضمار التنافس الديني والسياسي على العالم الإسلامي.


 

[1] - هو محمد بن الطيب بن محمد، الملقب بأبي بكر، القاضي المعروف بابن الباقلاني، ولد في البصرة ونشأ فيها، ثم رحل إلى بغداد ودرس على علمائها، وانتقل إلى شيراز، بطلب من عضد الدولة البويهي لمناظرة أهل الاعتزال في مجلسه، وعهد إليه بتعليم ولده "صمصام الدولة" وله وضع كتاب التمهيد، عاد إلى بغداد واستقر فيها إلى أن توفي.

[2] - هو أبو الحسن علي بن محمد الماوردي مؤلف كتاب (الأحكام السلطانية) وقد اختلف المحدثون في تحديد تاريخ تأليف الكتاب مما أدى إلى اختلافهم في شخصية الخليفة الذي كلفه بتأليفه، هل هو القادر بالله أم القائم بالله.

[3] - علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب يكنى بأبي محمد، ويلقب بابن حزم الأندلسي، اختلف المؤرخون في نسبه، إذ ذهب بعضهم على أنه من أصل فارسي في حين يرجعه آخرون إلى أصل اسباني نصراني. ومهما يكن الأمر، فإن ابن حزم، يعد عالماً عربياً أندلسيأ.

[4] - هو محمد بن الوليد بن محمد بن أيوب الفهري الأندلسي الطرطوشي، كني بأبي الوليد، وعرف بأبن أبي رندقة، نسب إلى مدينة طرطوشة عاصمة مملكة سرقصطة، له العديد من المؤلفات أهمها كتاب يعارض به كتاب إحياء علوم الدين للغزالي

[5] - هو محمد بن علي بن محمد بن مسعود الأصبحي، يكنى بأبي عبد الله، يلقب بالأزرق، ولد بمدينة مالقة وانتقل إلى غرناطة لاستكمال مشواره المعرفي، إذ درس النحو والفقه وأصول الدين والمنطق.

[6] - هو أبو عبد الله أحمد بن نصر بن مالك بن الهيثم الخزاعي، كان لقبيلته خزاعى دور مميز في أحداث الدولة العباسية في مبتدئها وقيامها.

[7] - هو يحيى بن محمد بن هبيرة بن سعد الشيباني الدوري البغدادي، يرجع نسبه إلى معد بن عدنان.

 
عزيزة سبيني
تاريخ النشر:2009-10-21 الساعة 13:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 6473
مرات الطباعة: 817
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan