الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم إسلامية » دراسات قرآنية

تفسير القرآن بالسنة

محمد بن عبد العزيز المسند

 

تفسير القرآن بالسنة هو المصدر الثاني من مصادر التفسير بالمأثور، وهو مصدر متفق عليه، وقد دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة، كما دل على ذلك النظر الصحيح.

فأما الكتاب فقد قال تعالى مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم: )وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ( (النحل 44). وهذا نص صريح في بيان الرسول للقرآن.

وأما السنة، فقد روى الإمام أحمد وأبو داود عن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه). قال ابن القيم رحمه الله بعد أن صحح هذا الحديث: وهذا هو السنة بلا شك [1]أي قوله: (ومثله معه) وكذا قال غيره [2].

وأما النظر الصحيح فإن العادة تمنع أن يقرأ قوم كتاباً ولا يستشرحوه، فكيف بكلام الله تعالى الذي فيه عصمتهم وبه نجاتهم وسعادتهم، وقيام دينهم ودنياهم. ولذا كان الصحابة رضي الله عنهم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عما أشكل عليهم

وقد قسّم الطبري رحمه الله التأويل إلى ثلاثة أقسام، فجعل الأول ما لا يوصل إلى علم تأويله إلا ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم، كالأوامر الإلهية، والحقوق والحدود، وما إلى ذلك مما مرجع تفسيره وتبيينه الرسول صلى الله عليه وسلم، إما بنص منه، أو بدلالة قد نصبها دالة على تأويله [3].

وقال السيوطي: (قال العلماء: من أراد تفسير الكتاب العزيز طلبه أولاً من القرآن … فإن أعياه ذلك طلبه من السنة، فإنها شارحة للقرآن وموضحة له. وقد قال الشافعي رحمه الله: كل ما حكم به الرسول صلى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن.

قال تعالى: )إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ( (النساء:105) في آيات أخر.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه) يعني السنة [4].

وقد أشكل قول الشافعي السابق، لكن يوضحه قول أبي الحكم ابن برجان في كتابه المسمى بالإرشاد حيث قال: ما قال النبي صلى الله عليه وسلم من شيء فهو في القرآن، وفيه أصله، قرُب أو بُعد، فَهِمَه من فَهِمَه، وعَمَهَ عنه من عَمَهَ.

قال الله تعالى: )مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ( (الأنعام:38).

ألا تسمع إلى قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الرجم: (لأ قضين بينكما بكتاب الله وليس في نص كتاب الله الرجم) [5].

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:السنة تفسر القرآن وتدل عليه وتعبر عنه [6].

وعن حسان بن عطية قال: (كان الوحي ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحضره جبريل بالسنة التي تفسر ذلك)[7].

ومصداق ذلك في قوله تعالى: )فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ* ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ( (القيامة:19,18).

أهمية تفسير القرآن بالسنة

وأما عن أهمية تفسير القرآن بالسنة، فقد روى سعيد بن منصور عن مكحول قال: (القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن) [8].

وقال يحي بن أبي كثير: السنة قاضية على الكتاب، وليس الكتاب بقاض على السنة.

وقد بين ذلك السيوطي بقوله: والأصل أن معنى احتياج القرآن إلى السنة أنها مبينة له، ومفصلة لمجملاته، لأن لوجازته كنوزاً تحتاج إلى من يعرف خفايا خباياها

فيبرزها، وذلك هو المنزل عليه صلى الله عليه وسلم، وهو معنى كون السنة قاضية على الكتاب، وليس القرآن مبيناً للسنة، ولا قاضياً عليها، لأنها بينة بنفسها، إذ لم تصل إلى حدّ القرآن في الإعجاز والإيجاز، لأنها شرح له، وشأن الشرح أن يكون أوضح وأبين وأبسط من المشروح [9].

أما الإمام أحمد رحمه الله فقد سئل عن هذا القول - أن السنة قاضية على القرآن - فتورع عن إطلاقه، وقال: ما أجسر على هذا أن أقوله، ولكني أقول: إن السنة تفسّر الكتاب وتبينه [10].

وقال الإمام الشاطبي رحمه الله: لا ينبغي في الاستنباط من القرآن الاقتصار عليه دون النظر في شرحه وبيانه وهو السنة، لأنه إذا كان كلياً، وفيه أمور كلية، فلا محيص من النظر في بيانه.

قال تعالى: )وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ( (النحل:44).

ويلاحظ في هذه الآية الكريمة أن الله عز وجل لما بين مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم في تبيين القرآن للناس ؛ ختم الآية بقوله: )وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(.

وفي هذا دليل على أن بيان الرسول صلى الله عليه وسلم لا ينافي تدبر الآيات، والتفكر فيها، والغوص في معانيها لاستنباط وجوه جديدة من البيان، وهذا يقودنا إلى مسألة أخرى وهي:

منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في التفسير

يقول الشيخ فهد الرومي في بيان منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في التفسير - وذلك حسب الاستقراء -: (لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم يطنب في تفسير الآية أو يخرج إلى ما لا فائدة في معرفته ولا ثمرة في إدراكه، فكان جل تفسيره بياناً لمجمل، أو توضيحاً لمشكل، أو تخصيصاً لعام، أو تقييداً لمطلق، أو بياناً لمعنى لفظ أو متعلقه) [11]

وقد أوجز ذلك القرطبي رحمه الله في تفسيره، فقال: «البيان منه صلى الله عليه وسلم على ضربين: بيان لمجمل في الكتاب كبيانه للصلوات الخمس في مواقيتها وسجودها وركوعها وسائر أحكامها … وبيان آخر وهو زيادة على حكم الكتاب كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها.»

ويفهم من هذا أنه صلى الله عليه وسلم اقتصر على بيان المعاني الضرورية التي لا تحتمل التأخير، أو التي لا سبيل إلى معرفتها إلا عن طريقه، وترك ما سوى ذلك للأمة ليعملوا عقولهم في التدبر والتفكر، ويدل على ذلك ما أخرجه البخاري رحمه الله عن أبي جحيفة قال: قلت لعلي رضي الله عنه: هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله ؟ قال: والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، ما أعلمه إلا فهماً يعطيه الله رجلاً في القرآن … الحديث.

قال الزمخشري في الفائق: ولم يزل الموثوق بهم من علماء الأمة يستنبطون معاني التنزيل، ويستثيرون دفائنه، ويغوصون على لطائفه، وهو الحمّال ذو الوجوه، فيعود ذلك تسجيلاً له ببعد الغور، واستحكام دليل الإعجاز [12].

ومما سبق يمكن أن نوجز أوجه بيان السنة للقرآن فيما يلي:

1- إزالة اللبس:

مثال ذلك ما أخرجه الشيخان، عن ابن أبي مليكة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: )من حوسب عُذّب(.

قالت عائشة رضي الله عنها: فقلت: أوليس يقول الله تعالى: )فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً( (الانشقاق:8) ؟ قال: (إنما ذلك العرض، ولكن: من نوقش الحساب يهلك) [13]

ومن الأمثلة على ذلك ما أخرجه الشيخان عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: لما

نزلت: )حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ( (البقرة:187).

عمدت إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض، فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر في الليل فلا يستبين لي، فغدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك، فقال: (إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار) [14].

2- تخصيص العام:

ومثاله ما أخرجه البخاري في صحيحه، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: لما نزلت: )الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ( (الأنعام:82) شق ذلك على المسلمين، فقالوا: يا رسول الله، أينا لا يظلم نفسه ؟  قال: (ليس ذلك، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه وهو يعظه: يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم) [15].

3- تقييد المطلق:

ومثاله قوله تعالى: )مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ( (النساء:11).

وقد جاء تقييد ذلك بالثلث كما، كما في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: الثلث، والثلث كبير، أو كثير [16].

قال ابن حجر رحمه الله: «فيه تقييد مطلق القرآن بالسنة» [17].

ومن الأمثلة أيضاً قوله تعالى: )وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا( (المائدة:38) فقد جاءت السنة بتقييد ذلك باليد اليمنى من المفصل.

4- تفصيل المجمل:

ومثال ذلك قوله تعالى: )وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ( (البقرة:43) وقد جاءت السنة القولية والفعلية  بتفصيل ذلك كما هو مبسوط في كتب الفقه 

5- بيان أن المنطوق لا مفهوم له:

ومثاله قوله تعالى: )وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ( (البقرة 283).

فقوله: )وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ(. لا مفهوم له كما بينت ذلك السنة، فقد ثبت في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي ودرعه مرهونة عند يهودي على ثلاثين وسقاً من شعير رهنها قوتاً لأهله، وكان ذلك في الحضر[18] فدلّ ذلك على أن منطوق الآية لا مفهوم له.

6- توضيح المبهم كأسماء الأشخاص والأماكن: ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى: )فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ( (الأحزاب:23).

فقد أخرج الحاكم عن عائشة رضي الله عنها أن طلحة رضي الله عنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (أنت يا طلحة ممن قضى نحبه) [19]

ومن الأمثلة أيضاً: قوله تعالى: )حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى( (البقرة:238).

فقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين وغيرهما أنها صلاة العصر [20].

7- بيان المراد باللفظ:

ومثاله قوله تعالى: )وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ( (الانفال:60).

فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقو ل: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي) [21].

ومن الأمثلة أيضاً ما أخرجه الإمام أحمد، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله عز وجل: )وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً( (البقرة:143) قال: (عدلاً) [22].

هذه هي أوجه بيان السنة للقرآن، ومن الأوجه التي يذكرها بعضهم:

8- النسخ: نسخ القرآن بالسنة:

وهذا الوجه مختلف فيه عند أهل العلم، فالمشهور عند أحمد عدم جوازه، وهو مذهب الثوري والشافعي.

ويستدلون بقول الله تعالى: )مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا( (البقرة:106)

وقوله تعالى: )قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي( (يونس:15).

وقوله: )وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ( (النحل:101).

واحتج بعضهم بما رواه الدارقطني عن جابر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كلامي لا ينسخ القرآن) وهذا لو صح لكان قاطعاً للنزاع، لكنه لم يصح كما نبه إلى ذلك أئمة الحديث [23].

وقالوا إن القرآن معجز، والسنة غير معجزة، فلا ينسخ المعجز من القرآن ما ليس بمعجز من السنة. واحتجوا أيضاً بأن السنة مبينة للقرآن، ولا يكون المبين للشيء ناسخاً له [24].

وذهب جمع من أهل العلم إلى جواز نسخ القرآن بالسنة، وهو رواية عن أحمد وقول أبي حنيفة ومالك [25]. وقال به الكوفيون [26] وحجتهم قوله تعالى: )وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى( (النجم:3-4).

واحتجوا أيضاً بأن الكل حكم الله تعالى ومن عنده، وإن اختلفت في الأسماء [27].

وفرّق بعضهم بين السنة المتواترة، وغير المتواترة، فجوّزوا نسخ القرآن بالسنة المتواترة المقطوع بثبوتها، ومنعوه بغيرها.. وبسط الكلام في هذه المسألة يطول، لكن الذي ظهر لي بعد النظر في أقوال المختلفين وأدلتهم أن هذه المسألة لا وجود لها أصلاً، فلم يرد نص من السنة ينسخ نصاً من القرآن.

والذين قالوا بالجواز لم يذكروا مثالاً واحداً صحيحاً يؤيد ما قالوه  وما ذكروه من الأمثلة وهو قليل جداً غير مسلّم لهم، إذ هو من قبيل البيان أو التخصيص، لا من قبيل النسخ. أو هو منسوخ بآيات أخر من القرآن يعضدها ما ذكروه من السنة، ولذا قال الشافعي رحمه الله: حيث وقع نسخ القرآن بالسنة فمعها قرآن عاضد لها والمعنى أن السنة لا تستقل وحدها بنسخ القرآن ولا تقوى على ذلك، لأنه أعلى منها منزلة.

وقال الزركشي في البرهان: كل ما في القرآن مما يدعى نسخه بالسنة عند من يراه، فهو بيان لحكم القرآن [28].

ومن أمثلة ما ذكروه في نسخ القرآن بالسنة: آية الوصية: )كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ( (البقرة:180).

قالوا إنها منسوخة بحديث: (لا وصية لوارث)، ولا يسلّم لهم ذلك، فإن الصواب أن هذه الآية نسخت بآية المواريث في سورة النساء، بدليل الحديث نفسه حيث جاء في أوله: (إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه).

وقد ذكروا أمثلة أخرى ذكرها الزرقاني في مناهله وأجاب عنها، وخلص إلى أن نسخ القرآن بالسنة وإن أمكن وقوعه عقلاً وشرعاً، فهو لم يقع حقيقة [29]، وهذا ما ظهر لي، والله تعالى أعلم.

المقدار الذي بينه النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن:

ومن المسائل المتعلقة بهذا الموضوع، والتي خاض فيها بعض من كتبوا في علوم القرآن من المعاصرين كالذهبي وغيره ؛ مسألة: هل بين النبي صلى الله عليه وسلم جميع معاني القرآن، أم أنه لم يبين إلا معاني آيات معدودة منه ؟.

قولان، الأول ينسبونه إلى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بناء على ما فهموه من كلامه في مقدمته حيث قال: «يجب أن يُعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن لأصحابه معاني القرآن، كما بيّن لهم ألفاظه، فقوله تعالى: )لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ( (النحل:44) يتناول هذا وهذا» [30].

والقول الثاني ذكره السيوطي في الإتقان (2/223) عن الخٌوَيِّي [31].

وقد ذكر الخلاف في ذلك وفصل أدلته الذهبي في كتابه (التفسير والمفسرون)، واختار قولاً وسطاً، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبين جميع معاني القرآن، وإنما بين أكثرها، وتبعه بعض الباحثين، وهو قول ثالث في المسألة.

ولست أوافقهما على ما فهماه من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من أن النبي صلى الله عليه وسلم بين كل لفظة في القرآن وكل آية، إفراداً وتركيباً (انظر التفسير والمفسرون 1/49).

والذي يظهر لي من كلام شيخ الإسلام أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما بين معاني القرآن التي تحتاج إلى بيان، أما ما لا يحتاج إلى بيان _وهو كثير في القرآن_ فلم يكن بحاجة إلى تبيينه، إذ هو واضح لا يحتاج إلى بيان، والقرآن إنما نزل بلغة العرب كما قال تعالى: )وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ( (إبراهيم:4). وقال تعالى: )بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ( (الشعراء:195).

فهذا ما ينبغي أن يحمل عليه كلام شيخ الإسلام رحمه الله، وهو ما يليق بمكانته ومنزلته، لذا لم أر من المتقدمين من ذكر هذا الخلاف، أو فهم هذا الفهم من كلام شيخ الإسلام، بل إن السيوطي رحمه الله - الذي نقل عنه الذهبي - قد نقل قول شيخ الإسلام ابن تيمية في الإتقان، ولم يتعقبه بشيء، ولا فهم منه هذا الفهم، بل أثنى على قول الشيخ في الجملة بعد أن ذكر مقدمته مختصرة، فقال: (كلام ابن تيمية ملخصاً، وهو نفيس جداً) (2/228).

وما أحسن ما قال الإمام ابن القيم رحمه الله في وصف حال المتأخرين ـ في عصره - وتصرفهم في كلام الأئمة، وتحميلها ما لا تحتمل، قال:  المتأخرون يتصرفون في نصوص الأئمة، ويبنونها على ما لم  يكن لأصحابها ببال، ولا جرى لهم في مقال، ويتناقله بعضهم عن بعض، ثم يَلْزَمُهم مِن طَرْدِه لوازم لا يقول بها الأئمة. فمنهم من يطردها ويلتزم القول بها، ويضيف ذلك إلى الأئمة، وهم لا يقولون به، فيروج بين الناس بجاه الأئمة، ويٌفتى به، ويُحكم به، والإمام لم يقله قط، بل يكون قد نص الإمام على خلافه [32]

وأما من قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبين من القرآن إلا آيات بعدد كالخويي وغيره فمرادهم _فيما يظهر_ البيان القولي، بخلاف ما هو بيّن بنفسه، أو بينته السنة الفعلية، فهو كثير في القرآن. وقد استدل أصحاب هذا القول بأدلة، منها:

1- ما أخرجه البزار وأبو يعلى، عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفسر شيئاً من القرآن إلا آياً بعدد، علمهن إياه جبريل.

وهذا الحديث لا يصح إسناده كما نبه على ذلك الإمام ابن كثير رحمه الله [33] وغيره، وعلى فرض صحته فإنه محمول على البيان القولي كما سبق _وهو قليل حسب ما ذكره السيوطي في آخر كتابه الإتقان (2/244)_. أو هو محمول على ما كان اجتهاداً منه صلى الله عليه وسلم كما تدل على ذلك رواية أبي يعلى: «كان لا يفسر شيئاً من القرآن برأيه [34]، وفي هذا تعليم لأمته ألا يقولوا في القرآن بمجرد الرأي.»

ويرى ابن جرير رحمه الله أن ذلك محمول على ما لا يُدرك علمه إلا ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم، كتفصيل المجمل من أمر الله ونهيه، وحلاله وحرامه، وحدوده وفرائضه، وسائر معاني شرائع دينه مما لا يُعلم تأويله إلا ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بتعليم الله إياه وذلك بوحيه إليه.. أما ما لابد للعباد من علم تأويله فقد بينه لهم النبي صلى الله عليه وسلم، وهو البيان العام الذي اقتضاه قوله تعالى: )وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(.

ثم قال ابن جرير رحمه الله: «ولو كان تأويل الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم _ أنه كان لا يفسر من القرآن شيئاً إلا آياً بعدد - هو ما يسبق إليه أوهام أهل الغباء، من أنه لم يكن يفسر من القرآن إلا القليل من آيه واليسير من حروفه؛ كان إنما أنزل إليه الذكر ليترك للناس بيان ما أنزل إليهم، لا ليبين لهم ما أنزل إليهم» [35].

2- قالوا: إن تفسير القرآن على وجه القطع لا يُعلم إلا بأن يُسمع من الرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك متعذر إلا في آيات قلائل، فالعلم بالمراد يُستنبط بأمارات ودلائل، والحكمة فيه أن الله تعالى أراد أن يتفكر عباده في كتابه، فلم يأمر نبيه بالتنصيص على المراد في جميع آياته [36].

والجواب: أن هذا القول مخالف لقول الله تعالى: )لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ(.

وقد سبق أن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن المعاني الضرورية التي تحتاجها الأمة، أو ما لا سبيل إلى بيانه إلا عن طريقه. أما ما سوى ذلك فهو إما أن يكون واضحاً لا يحتاج إلى بيان، أو هو متروك لاجتهاد الأمة في النظر والاستنباط بحسب الحاجة، ولذا ختم الآية بقوله: )وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(.

3- ومن حججهم: دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: )اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل( ؛ قالوا: لو بيّن النبي صلى الله عليه وسلم جميع معاني القرآن ما كان لتخصيص ابن عباس بهذا الدعاء من فائدة … وقولهم هذا إنما هو حجة على من قال إن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن جميع معاني القرآن، ولسنا نقول بذلك، فيكون دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس إنما هو في غير المعاني الضرورية التي بينها النبي صلى الله عليه وسلم مما يدخل في قوله تعالى: )وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(.

وحاصل الكلام أن هذه المسألة من المسائل التي أحدثها بعض المتأخرين، وتكلفوا ذكر الأقوال فيها وتفريعها، وسكت عنها السلف، سوى ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله في مقدمته، ولعل مراده مما ذكره: الرد على المتفلسفة وأهل الإلحاد في عصره الذين زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبلغ معاني كلام ربه بلاغاً مبيناً سوى الألفاظ، بل منهم من صرح بذلك بقوله: إن المصلحة كانت في كتمان معاني هذه الألفاظ، وعدم تبليغها للأمة، إما لمصلحة الجمهور، ولكونهم لا يفهمون المعاني إلا في قوالب الحسيات وضرب الأمثال، وإما ليُعمل الناس عقولهم ويكدحوا في استنباط معانيها، واستخراج تأويلاتها من وحشي اللغات وغرائب الأشعار طلباً للأجر[37].

وأهل السنة جميعاً متفقون على أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغ البلاغ المبين، وامتثل أمر ربه في بيان ما أنزل إليه من الذكر، وما لم يبينه بقوله، فهو إما لوضوحه، أو بينه بفعله. والله تعالى أعلم.

أهم مصادر التفسير بالسنة

إن أهم مصادر التفسير بالسنة: كتب السنة التي عنيت بجمع الأحاديث، كالصحاح والمسانيد والسنن.. وبعضهم قد خصص في مصنفه باباً أو كتاباً خاصاً بالتفسير، يذكر فيه ما بلغه من الأحاديث المسندة في تفسير القرآن الكريم. ومن آخر ما صدر في ذلك كتاب (جامع التفسير من كتب الأحاديث) في أربع مجلدات تحوي الأحاديث والآثار المروية في التفسير من الكتب الستة ومسند الإمام أحمد، قام بجمعها عدد من المختصين بإشراف خالد بن عبد القادر عقدة.

ومن الكتب الجامعة في ذلك، كتاب (مرويات الإمام أحمد بن حنبل في التفسير) في أربع مجلدات أيضاً، جمع وتخريج حكمت بشير ياسين.

ومن المصادر المهمة أيضاً: كتب التفسير بالمأثور، كتفسير ابن جرير، وابن كثير، والدر المنثور وغيرها من كتب التفسير بالمأثور.

الفرق بين التفسير النبوي، والتفسير بالسنة

لم أقف على قول أحد من أهل العلم في ذلك، والذي يظهر لي أن التفسير النبوي نسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فحيث فسّر النبي صلى الله عليه وسلم آية فإننا نطلق على ذلك: التفسير النبوي. أما التفسير بالسنة فهو متعلق بالمفسِّر نفسه (غير الرسول صلى الله عليه وسلم)، فحيث فَسًّر آية بحديث نبوي، فإن ذلك هو التفسير بالسنة. هذا ما ظهر لي، والله تعالى أعلم.

ضوابط تفسير القرآن بالسنة

هناك ضوابط عامة للتفسير، سواء تفسير القرآن بالقرآن، أو بالسنة، أو بأقوال الصحابة والتابعين، أو باللغة.

ما تفسير القرآن بالسنة خاصة، فيشترط فيه أن يكون المفسِّر عارفاً بالسنة النبوية رواية ودراية، مع التحرز من الضعيف والموضوع [38].

والمتأمل في بعض كتب التفسير يجد أن بعض المفسرين كحاطب ليل، لا يفرق بين الصحيح والضعيف، والشاذ والمعلل.. فمن فسر القرآن بكل ما يروى من الأحاديث دون تمييز، فقد قال على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم بغير علم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 [1] التبيان في أقسام القرآن، ص156.

[2] انظر: البرهان في علوم القرآن: 2/176 ، والاتقان: 2/467.

[3] انظر جامع البيان، 1/56.

[4] الإتقان: 2/225 .

[5] نقله عنه الزركشي في البرهان: 2/129.

[6] دقائق التفسير: 2/26.

[7] الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 1/39 .

[8] المصدر السابق.

[9] مناهل العرفان: 1/299.

[10] طبقات الحنابلة: 1/253.

[11]  بحوث في أصول التفسير: ص19.

[12] الفائق في غريب الحديث 3: /357.

[13] أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب من سمع شيئاً فراجع حتى يعرفه برقم 103، ومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب إثبات الحساب برقم 2876.

[14] أخرجه البخاري في كتاب الصوم، باب قول الله تعالى: (وكلوا واشربوا حتى يتبين..) برقم 1817.

ومسلم في كتاب الصيام، باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر برقم 1090.

[15] أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: (ولقد آتينا لقمان الحكمة..).

[16] أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب رثاء النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن خولة،   برقم 1233.

 ومسلم في الوصية، باب الوصية بالثلث، برقم 1628.

[17] فتح الباري: 5/368.

[18] أخرجه البخاري في كتاب الرهن، باب في الرهن في الحضر برقم  2373. ومسلم في المساقاة، باب الرهن  وجوازه في الحضر والسفر برقم 1603.

[19] أخرجه الحاكم في المستدرك 2/450. وصححه ابن حجر في الفتح: 8/518.

[20] انظر صحيح البخاري رقم 2773، ومسلم رقم 627.

[21] أخرجه مسلم في كتاب الإمارة  باب فضل الرمي، والحث عليه.. برقم 1917.

[22] المسند برقم 11052.

[23] انظر: الكامل في الضعفاء لابن عدي، برقم 368. وميزان الاعتدال للذهبي، برقم 1437، ولسان الميزان لابن حجر، برقم 379.

[24] انظر: نواسخ القرآن لابن الجوزي: 1/26.

[25] انظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس: 1/53.

[26] انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، 2/65.

[27] انظر: الناسخ والمنسوخ للكرمي، 1/34.

[28] البرهان في علوم القرآن: 2/43.

[29] انظر: مناهل العرفان: 2/ 172،173.

[30] انظر مقدمة الشيخ في التفسير: ص35. ومراده بالألفاظ هنا: الحروف، أي مجرد تلاوته كما صرّح بذلك في كتابه (بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية أهل الإلحاد) ص330، وكذلك ابن القيم  في (مختصر الصواعق المرسلة) ص510. 

[31] هو القاضي شهاب الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن خليل الخُوَيِّيّ (نسبة إلى خُوَيّ بأذريبجان) ت 693،

وفي بعض النسخ: الخوبي، وفي بعضها: الخويبي، وهو تصحيف. (انظر: سير أعلام النيلاء: 23/64، والبداية والنهاية: 17/669 بتحقيق التركي).

[32] الطرق الحكمية: ص231. وإذا كان هذا هو حال المتأخرين في عصر ابن القيم فكيف هم في حالنا !. 

[33] انظر تفسير ابن كثير: 1/7 حيث قال عن هذا الحديث: حديث منكر غريب 

[34] أخرجه أبو يعلى في مسنده برقم 4528.

[35] جامع البيان: 1/65،66.  

[36] نقله السيوطي عن الخويي في الإتقان: 2/223.

[37] ذكر ذلك ابن القيم في مختصر الصواعق:ص510، وفصل القول في ذلك شيخ الإسلام في (درء تعارض العقل والنقل) 1/9.

 [38] تفسير القرآن الكريم، أصوله وضوابطه لعلي العبيد: ص61.

المصدر: شبكة نور الإسلام

 
محمد بن عبد العزيز المسند
تاريخ النشر:2010-04-08 الساعة 13:29:01
التعليقات:0
مرات القراءة: 1827
مرات الطباعة: 514
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan