الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » الإسلام و الغرب » الاستشراق

مسيحيٌ والقرآن: إيران تكرِّم باحثا استثنائياً

جيري رايان

 

جيري رايان[1]:  في بداية السنة الماضية، منحت وزارة الثقافة في جمهورية إيران الإسلامية جائزتها العالمية السنوية للكتاب لكتاب (المائدة: قراءة للسورة الخامسة من القرآن) الصادر أساسا بالفرنسية[2] "Le Festin: Une lecture de la sorate al-Mâ’ida".

دعي مؤلف الكتاب إلى طهران لاستلام الجائزة من الرئيس محمود أحمدي نجاد، ثم طلب منه أن يعرض نتائجه على جمعٍ من الأكاديميين في طهران في الجامعة الشيعية الرئيسية في قم، حيث سعى لإبهار مستمعيه المشككين ابتداء، كما دعي للمحاضرة في حلقة للطلبة (غير مخطط لها في رحلته).

والمفارقة في كل هذا أن المؤلف، ميشيل كويبرس، الكاثوليكي البلجيكي، وهو عضو في جماعة رهبان المسيح الزهاد، تم نفيه من إيران في 1989. لقد عاش كويبرس في تبريز في رهبنة نائية يديرها الأخوان، ثم طُلب منه لاحقا من قبل أخويته أن ينشئ مؤسسة في طهران. وفي جامعة طهران درس الفارسية والثقافة الإيرانية. ولكن عندما نفي بعض الطلبة الإيرانيين من بلجيكا، قامت الحكومة الإيرانية بإجراء مماثل بنفي مواطنَين بلجيكيين، كان أحدهما كويبرس. حينها انتقل كويبرس إلى مصر حيث تعلم العربية وحصل على عمل ككاتب في معهد الدراسات الشرقية ، التابع للدومنيكان. ثم لما علم مدير المعهد أن كويبرس موهوب في تحليل النصوص، اقترح عليه أن يطبق مهاراته على القرآن. إنه راهب متدين لم يرد شيئا سوى أن يعيش مع الزهاد، ولكنه أصبح باحثا بمحض الصدفة.

في ذلك الحين، تعرَّف كويبرس إلى أعمال رولان مينيه، أحد أتباع الجمعية اليسوعية، المتخصص في تحليل البنى البلاغية في الكتاب المقدس، فأرسل كويبرس إلى مينيه نسخة من مقال حلَّل فيه بعض سور القرآن. إذ ظن أن نفس العقلية الساميَّة الكامنة في الكتاب المقدس يمكن إيجادها في تركيب القرآن.

يختلف منهج مينيه المطبق على الكتاب المقدس ومنهج كويبرس المطبق على القرآن تمام الاختلاف عن النقد التاريخي المعهود. فهو منهج يحلل النصوص المقدسة كما هي، سعياً إلى فهم البنى الكامنة (التركيب البلاغي) التي توحد الأجزاء المتنافرة، بادي النظر، من النص. وفرضيته هي أن المنطق الحاكم لها يختلف كثيرا عن المنطق اليوناني والروماني، وأن فهم المنطق الخاص لها هو مفتاح قفل النصوص.

للوهلة الأولى، يبدو القرآن لقارئه كتابا مؤلفا من سلسلة من الأجزاء، معروضة في بنية واضحة بسيطة  مماثلة لتدفق الوعي الأدبي. بالطبع، يمكن أن يقال الشيء ذاته عن بعض الكتب المقدسة. ذلك أن الأنبياء، مثلا، غالبا ما يعلنون بروح واحدة أقسى المصائر المأساوية جنبا إلى جنب مع الوعود الحاسمة بالمجد. ففي التوراة نجد الفروض العبادية المبتذلة بل القاسية جنبا إلى جنب مع الدعوة السامية للعدالة الاجتماعية وحب الله والجار، وكأن جميع ذلك يقع في سلة واحدة. لقد أكد مينيه أن هذه المتجاورات الكتابية هي بالفعل منسجمة، ولكنها تنتمي إلى نمط مختلف، وهذا ما نحتاج لاكتشافه. وقد أكد كويبرس الأمر ذاته بالنسبة للقرآن، وذلك بإلقائه الضوء على براعة تعقيداته وجماله وانسجامه (هنا يشير بعض الباحثين المسلمين إلى أن هذه الأوصاف ليس مدهشة قط لأولئك الذين يؤمنون أن كلمات القرآن هي عينها التي أوحاها الله إلى نبيه). إن أدوات منهج كويبرس وتطبيقها معقد، بل مربك، ابتداء على الأقل، بالنسبة للعقل الغربي؛ ولكن نتائجه مبهرة.

في بداية القرن التاسع عشر، طبق باحثون غير مسلمين في الغرب تقنيات عديدة مشتقة من العلم الحديث (النقد التاريخي والأدبي، اللسانيات، الخ) في دراستهم للقرآن. هذه المحاولات قوبلت بالرفض والازدراء من قبل المسلمين، بسبب ابتداعها، وبسبب لهجتها الهجومية. في المقابل، طبق كويبرس منهجه بحصافة واحترام. وقد انصب اهتمامه في كتابه على سورة واحدة حيرّت الباحثين المسلمين لقرون وأثارت العديد من التأويلات.

لقد اعتاد الباحثون المسلمون تحليل القرآن آية فآية، من غير التفات إلى السياق الأدبي المباشر أو تحليل الارتباطات فيما بين الآيات[3]. وبغية حل التناقضات الظاهرية في القرآن، يلجأ المفسرون التقليديون إلى آية قرآنية يبين فيها الله أنه ينسخ حكما ليأتي بحكم آخر هو خير منه[4]. قاد هذا الفهم المفسرين لتقديم الأحكام المشددة على تلك التي تبدو أكثر اعتدالا. أما كويبرس فيوضح في دراسته أن الآية المقصودة هنا إنما تشير إلى أحكام موسى وليس إلى أحكام القرآن.

تُعنى السورة الخامسة، فيما تعنى، بالعلاقة بين المسلمين واليهود والمسيحيين. فكثير ما تشير إلى الرسول الموصوف في سفر التثنية والإعداد، وتختم بدعوة عيسى إلى المائدة الإلهية. وحينا تشير السورة إلى "أهل الكتاب" (اليهود والمسيحيين) كأعداء للإسلام. وفي مواطن أخرى، يبدو أن هذه العداوة تنطبق فقط على أولئك الذين لم يتبعوا تعاليم موسى وعيسى والأنبياء عموما. لأسباب تاريخية، عُدت الآيات التي تغذي الهوية الإسلامية وتحرِّم التحالف مع اليهود والنصارى قاطعة. يرى كويبرس أن تناسق السورة يؤكد على القيم العالمية للإسلام. فمشهد المائدة الغامضة حين يطلب عيسى )مائدة من السماء تكون عيدا لأولنا وآخرنا( (5:114) يرتبط نصيا بجزء سابق من السورة نفسها (5:3) حيث يعلن الله )اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي(. الآيتان اللتان تظهران في بداية ونهاية السورة، متناسقان ومتساوقتان و"مؤسستان". وعلى الرغم من أن المسيحيين شُجعوا على دخول الميثاق الإسلامي، فقد حكم على الأديان بالتعايش. يبين  كويبرس، باستخدام منهجه البلاغي، أن أحد المعاني المقصودة من السورة هو أن الله قد شرع أربعة أديان (الإسلام اليهودية الصابئة والمسيحية). ولولا أنه أراد ذلك )لجعلكم أمة واحدة( ولكنه بحكمته العظيمة فعل العكس، وذلك )ليبلوكم فيما آتاكم(، )فاستبقوا الخيرات لعلكم تفلحون( (5: 48).

جائزة كويبرس التي غابت عن رادار الإعلام الغربي، هامة ومنبئة. ذلك أن المؤسسة الدينية الإيرانية لم تستمع إلى كويبرس فحسب بل كانت راغبة في التعلم منه، وهذا ما يفند الرؤى السائدة عن إيران ـ وعن المسلمين في العالم عموما. ومع ذلك فإن الجائزة لا تشكل بالضرورة فتحاً في العلاقات الإسلامية المسيحية. فالإسلام في النهاية يضم اتجاهات متعددة ومختلفة وأحيانا معادية؛ بالنسبة لبعض المسلمين فإن رسالة طهران يمكن أن تبدو اقترابا من التجديف. مع ذلك، فالجائزة تشير إلى إمكانية الحوار في المستقبل. إنها اتصال بالإسلام ورؤيته للقداسة المطلقة لله، ورؤيته للمجتمع وحسن ضيافته، صفات قادت مسيحيين مثل لويس ماسينون وشارلز دي فوكولد إلى تقدير كبير لهذه القيم في تراثهم نفسه.

في كتابه (عبور تخوم الأمل)، يقول البابا جون بول الثاني عن الاختلافات بين المسيحيين:

لماذا سمح الروح القدس بمثل هذه الانقسامات؟ يمكن أن يكون هناك جوابان عن هذا:

جواب سلبي: هذه الانقسامات نتيجة لخطايا الناس.

الإجابة الأخرى ايجابيةٌ: أليس من الممكن أن تكون هذه الانقسامات طريقا يقود ويستمر في قيادة الكنيسة لاكتشاف الثراء المتعدد المستكنّ في الإنجيل؟ ولولا ذلك لما اكتشافنا هذا الثراء.

على الإنسانية أن تكافح للوحدة عبر التعددية في أشكال التفكير والعبادة في كل الثقافات والحضارات. أليس ممكنا أن يكون هذا الواقع أكثر انسجاما مع حكمة الله، وخيره وعنايته؟

أليس من الممكن أن يحملنا هذا على الحوار الديني؟ إذا كان ذلك كذلك، فإنه يوافق إلى حد ما، رسالة السورة الخامسة.

  

 

مجلة Commonweal . January 15, 2010

ترجمة: د.سامر رشواني

المصدر: مسلم أون لاين



[1] عمل لسنوات طويلة في أمريكا اللاتينية مع رهبان المسيح الزهاد ، ويعيش الآن في الولايات المتحدة.
 [2] Le Festin: Une lecture de la sourate al-Md'ida. By Michel Cuypers. Rhetorique

semitique. Paris: Lethielleux, 2007. Pp. 453.

وقد ترجم إلى الإنجليزية في 2009 بعنوان: The Banquet. A Reading of the Fifth Sura of the Qur`an

 

3 هذا الكلام غير دقيق مطلقا، وهو صادر عمن يبدو غير متعمق في تاريخ العلوم القرآنية؛ ذلك أن علما خاص من علوم القرآن قد نشأ وتخصص في البحث في أوجه الترابط والتناسب فيما بين الآيات القرآنية منذ القرن الخامس للهجرة، على الأقل. بل لقد ألفت تفاسير كاملة للقرآن من منظور الكشف عن هذا التناسب والترابط والانسجام بين آيات القرآن وسوره. ويكفي أن نذكر هنا تفسير البقاعي (نظم الدرر في تناسب الآي والسور) الذي يقع في نحو عشرين مجلدا.  

 

[4] يقصد قوله تعالى: )ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها( البقرة: 106. وما يذكر كاتب المقال ليس بدقيق أيضا، فالنسخ بالنسبة للمفسرين والأصوليين هو آخر الحلول التي يُلجأ إليه عند تعذر التوفيق بين الآيات باعتماد الطرق الأخرى المعروفة لديهم: من التخصيص والتقييد وغيرها.

 

 
جيري رايان
تاريخ النشر:2010-04-19 الساعة 15:31:21
التعليقات:0
مرات القراءة: 2442
مرات الطباعة: 674
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan