الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم إسلامية » عقائد ومذاهب

رفع التعارض المنسوب إلى الأشاعرة فـي نظـرية التعليل

سليمان بن الحسن القراري

 

الحمد لله، كما ينبغي لجلال وجهه، وعظيم سلطانه، والشكر له، كما يجب لجزيل نعمائه، وكثير ألطافه، والصلاة والسلام على رسوله، وعلى آله وأصحابه.

أما بعد، فلقد سلك الأشاعرة في أصول الفقه، مسلك أئمة الدين، في إثبات علل الأحكام الشرعية، فأثبتوا القياس الشرعي، بعدما أقاموا الأدلة على تعدية الأحكام الشرعية، عند اتحاد الوصف الجامع بين الأصل والفرع، ووضعوا للتعليل ضوابط وجعلوها قانونا، فلا يُطمع في تعليل كل حكم من أحكام الشريعة، بل هي تنقسم و«الضابط: هو أن كل ما انقدح فيه معنى مخيل، مناسب، مطرد، لا يصدمه أصل من أصول الشرع، فهو معلل، وما لم يتجه فيه ذلك، فالأصل فيه التعبد»[1]، ومنهم من تجاوز هذه الضوابط، إلى حد استنطاق بعض الأحكام التعبدية، والخروج منها بجملة من الأسرار والمعاني، ليس لتعدية معانيها، وإنما للدلالة على أنها أحكام شُرعت على الجملة لمصالح العباد، وإن غاب عنا ذلك على التفصيل[2]. 

وتجاوز اهتمام الأشاعرة بالتعليل هذا الحد، فانصب أكثر في وضع اللبنات الأولى لعلم المقاصد، فالقفال الشاشي (توفي365ﻫ) وضع كتابا في مقاصد الشريعة سماه «محاسن الشريعة»، ومن بعده الجويني (توفي478ﻫ) الذي يُعد ـ بوضعه للتقسيم الخماسي لأصول الشريعة ـ واضع لبنات علم المقاصد[3]، ويليه تلميذه الغزالي (توفي505ﻫ) باعتباره حلقة مهمة في تطوير الفكر المقاصدي، إلى مجيء شيخ المقاصديين الشاطبي (توفي790ﻫ) الذي اكتملت عنده صناعة هذا العلم، بتأليفه كتاب الموافقات.

والمطلع على هذه العناية الكبيرة، التي أولاها الأشاعرة لموضوع التعليل، يتبادر إليه أن الأشاعرة لم يسبق وأن كان لهم موقف من التعليل، إنما لمجرد الاطلاع على مؤلفاتهم الكلامية، التي تناولت موضوع التعليل العقدي، يجد نفسه أمام موقفين لا جامع بينهما في الظاهر.

فالآمدي (توفي631ﻫ) في كتابه العقدي «غاية المرام» يقول: «مذهب أهل الحق، أن الباري تعالى خلق العالم وأبدعه لا لغاية يستند الإبداع إليها، ولا لحكمة يتوقف الخلق عليها»[4]. أما في كتابه الأصولي «الإحكام» فيقول: «الأحكام إنما شرعت لمقاصد العباد، أما أنها مشروعة لمقاصد وحِكَم فيدل عليه الإجماع والمعقول»[5]. فيقيم الأدلة على إثبات ما نفاه في علم الكلام. وهو متكلم يعترض على مقولة «الغرض» ويشدد النكير على القائلين بها، ولو كان هذا الغرض في فعل الله عائدا إلى العباد دونه تعالى[6]، ثم وهو أصولي يقول: «والغرض إما أن يكون عائدا إلى الله أو إلى العباد، ولا سبيل إلى الأول لتعاليه عن الضرر والانتفاع، ولأنه خلاف الإجماع، فلم يبق سوى الثاني»[7]. معللا ما ذهب إلية بقوله: «لو كان التكليف بالأحكام لا لحكمة عائدة إلى العباد، لكان شرعها ضررا محضا»[8]. ومن قبله الرازي في «مفاتيح الغيب» قال في معرض تفسيره آية: )رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاٌ( [آل عمران آية: 191] «أما أهل السنة، فيقولون: إلا بالحق، وهو دلالتها على وجود الصانع وعلمه وقدرته، وأما المعتزلة فيقولون: إلا بالحق، أي لم يخلق ذلك عبثا، بل لغرض صحيح»[9]. إنما حين فرض عليه المقام في كتابه الأصولي «المحصول» التأكيد على  أن الأحكام مشروعة لغرض المصالح العائدة إلى العباد، استدل بالآية نقسها على نفي العبث عن أفعاله تعالى[10]. بل وفي كتابه «الأربعين» الذي ألفه في علم الكلام، نجده يشدد النكير على من قال بالغرض في الأفعال الإلـهية، ويقيم الأدلة على إبطال مذهب القائلين بجوازه[11]، وفي محصوله نراه يميل إلى  مذهب القائلين بوجوبه بقوله: «والحكيم إذا أمر عبده بشيء، فلا بد وأن يزيح عذره وعلته، ويسعى في تحصيل منافعه ودفع المضار عنه»[12].

والدارسون لموضوع التعليل حاولوا رفع هذا التعارض قدر الإمكان، بإيراد جملة من التفسيرات، إذ لا يستقيم مع إثبات التعليل الأصولي، أنكار التعليل العقدي ـ من حيث إن التعليل الأصولي يقوم على التعليل العقدي ـ والأشاعرة في الوقت الذي اضطروا فيه، إلى تعليل الأحكام الشرعية، لأجل إجراء القياس عليها، كانوا يعقدون في مؤلفاتهم الكلامية أبوابا في إبطال التعليل، حتى وصفوا بالتناقض في هذا المجال، وقبل الخوض في الموضوع نطرح إشكالا: لماذا لم يتول متقدمو الأشاعرة معالجة هذا الموضوع بأنفسهم، وقد نُسب إليهم التناقض فيه؟ خصوصا إذا عرفنا أن معظمهم كانوا متكلمين أصوليين، وفقه المقاصد الذي يقوم على نظرية التعليل، يقتضي من الأصولي المتكلم رفع مثل هذا التضارب، إضافة إلى أنهم كانوا يعلمون أن الشريعة وضعت للإفهام، فلِما انصرفوا عن تبيان مذهبهم في التعليل ولم يلتفتوا إليه؟ وعلى أي فسأحاول ـ بعون المولى تعالى ـ قراءة موضوع التعليل عند الأشاعرة، بتتبع موقفهم منه عقديا وأصوليا، ومحاولة تفسير عباراتهم الأصولية المشيرة إلى تعليل الأحكام الشرعية، بما يتلاءم مع مقولاتهم الكلامية الدالة على نفي التعليل العقدي.

موقف الأشاعرة من نظرية التعليل العقدي

بعدما أقر الأشاعرة بالحكمة الإلهية كباقي المتكلمين، وبأن أفعاله تعالى لا تخلو من الحِكم، قالوا إن هذه الحكمة لا تكون مفسَّرة بالأغراض أو معتبرة بها، لأنها صفة تقتضي مطلق المشيئة، والقول بتعليلها ينافي كمالها[13]، فلم يثبتوا وراء هذه الحكمة الإلهية، إلا العلم والإرادة والقدرة[14]. ولعل الذي قاد الأشاعرة  إلى هذا الاعتقاد، ملاحظتهم جريان بعض أفعاله تعالى على خلاف المصالح، كالابتداء بالضرر المحض، الذي لا يتعقبه نفع، ولا تتعلق به عبرة، ومع ذلك يكون تعالى بفعله هذا حكيما[15]، فلا يكون فعله لغرض، بل يكون لعينه حكمة لا لمعنى زائد على ذلك[16]. فإذا كانت الحكمة على هذا المعنى، فإن فعله تعالى يكون وفق الإرادة والمشيئة، وعلى أيِّ وجه وقع يكون فعله مُحكما، فلا يكون بخلو أفعاله من الأغراض جائرا ولا عابثا، كيف وهو «لا يصادف لغيره ملكا، حتى يكون تصرفه فيه جورا»[17]. ذلك أن الأفعال إنما تنقسم باعتبار الأغراض في الشاهد، فما صدر منها عن غرض صحيح، كان الفعل محكما والفاعل حكيما، وما إن تجردت هذه الأفعال من ذلك، كان الفعل عبثا والفاعل عابثا، وهذا لا يقاس عليه أمر الغائب بحال[18]، لأن الحكمة الإلهية المتعلقة بصفة العلم تكون قديمة، لا يستقيم قياسها على الحكمة المحدثة المخلوقة، وكما هو معروف، الحكمة المعتبرة بالأغراض، إنما تقوم على أوصاف الحسن والقبح، فيكون الفعل في الشاهد محكما، لأجل اشتماله على غرض حسن غير قبيح، وهذا غير لائق بالحكمة القديمة، للإجماع على أن أوصاف الحسن والقبح حادثة، الأمر الذي قاد الأشاعرة إلى القول بقدم الحكمة الإلهية المتعلقة بصفة العلم، على غرار الحكمة الحادثة المتعلقة بالفعل[19]. 

والذي قصده الأشاعرة عموما من الحكمة ما قابل الذات، وهو المعنى القائم بها أزلا، لكونه تعالى حكيما فيما لم يزل، وليس من صفة قديمة تشمل الحكمة إلا صفة العلم، وبالصفتين الإرادة والقدرة تترجح الحكمة وتتحقق، فلا يكون للأغراض مدخل في الصفات القديمة، وإلا قيل بقدم الأغراض، وهو ما تأباه المشاهدة للعالم الحادث، ويوضح هذه المسألة أبو الحسن الأشعري (المتوفى324ﻫ) بقوله: «إن الأمر لو كان كما قال مخالفونا، إن أفعاله ـ تعالى ـ تكون حكمة بعلل متعاقبة أو مقترنة أو سابقة، استحال مع ذلك القول بحدوث العالم وقدم محدثه، وذلك أنه لو كان كذلك، لم تخل تلك العلل من أن تكون قديمة أو حادثة، فإن كانت قديمة وجب لقدمها قدم معلولها، وهي الفعل الواقع لأجلها، لاستحالة تقدم العلة على معلولها، وإن كانت حادثة، ولعلل ما صارت حكمة، اقتضت العلل عللا إلى ما لا نهاية لها وذلك محال»[20].

بجانب هذا سلك الأشاعرة في إبطال القول بالتعليل، طرقا عدة من بينها، إبطال قاعدة التحسين والتقبيح العقليين، التي تبنى عليها مسألة التعليل وتتفرع منها، ذلك أنهم يرون بأن طريقة مخالفيهم في تعليل أفعاله تعالى ـ خصوصا المعتزلة ـ في أنها حكمة معتبرة بالمنافع والمضار التي تتعقبها، يؤدي إلى اعتقاد حاجة الباري تعالى إلى الانتفاع، ذلك أنه كما يحسن أفعالنا في الشاهد، وقوعها على وجه الحاجة والانتفاع، وإذا لم يكن للفعل وجه من وجوه الحاجة أو المنفعة، أخرجه ذلك من أن يكون له إلى الفعل داع، حيث يُختار الفعل لما فيه من النفع واللذة، ودفع المضرة فقط، وإذا كان الأمر على هذا النحو أدى القول بالتعليل لمثل ذلك في فعله تعالى، وهو غير لائق به، فإن قال المعلِّلون بجواز حدوث الفعل، من قبل الفاعل في الشاهد دون داعي الحاجة، فقد نقضوا قاعدتهم وهدموا أصولهم[21].

وإن قيل إن لم تفسر الحكمة بالمصلحة، فكيف يكون تعالى حكيما؟

يقال إن الحكمة عند الأشاعرة لا تكون معتبرة بجلب المنافع ودفع المفاسد كما في الشاهد، فالأشعري كثيرا ما يفرق بين  المصلحة والحكمة، ورأى أن فعله تعالى لا يخلو من حكمة متوخاة، لكن قد يخلو من صلاح ومصلحة، وذلك كالفساد الواقع على الأبدان بالعلل، فإنه فعل يرجع إلى الحكمة، دون أن تكون ثمة مصلحة لمن فعل فيه ذلك، فلا تكون حكمته تعالى معتبرة بالمصلحة، وإن تجردت كل أفعاله تعالى من المصالح، ما نقص ذلك من حكمته، بل يكون حكيما على أي وجه جاءت أفعاله، فلا الصلاح ولا الأصلح من مقتضيات الحكمة[22].

وإذا كان الأشعري بهذا القدر حاول نقض مذهب الخصم، من خلال إبطال مسألة اقتران المصالح بأفعاله تعالى، أو ما يعرف بمراعاة المصالح، حتى يتسنى له الإتيان على أصل المعلِّلين بالبطلان، فإنه في الوقت نفسه، لا يسعه إلا الاعتراف بالمصالح الظاهرة  في أفعاله تعالى[23]. الأمر الذي يكشف لنا جانبا من جوانب الخلاف بينه وبين المعتزلة، فملاحظة جريان المصالح في أكثر أفعاله تعالى، حقيقة لا ينكرها إلا جاحد، وهذه الحقيقة دفعت بالمعتزلة إلى اعتقاد كون مراعاة المصلحة من مقتضيات الحكمة الإلـهية، أما الأشعري فإن مجرد اقتران أكثر الأفعال الإلـهية بالمصالح، لا يُعد بالنسبة إليه دليلا على لزوم مراعاتها في جميع أفعاله تعالى، ومثّل لذلك بالفساد الواقع على الأبدان بالعلل، فإنه فعل من أفعال الله تعالى التي لا يُرجى من ورائها صلاح[24]. وهذا لا وجه له عند المعتزلة، حيث إن الفساد الواقع على الأبدان، بالبلايا والأسقام وما جرى مجراه من الإيلام، لا يخلو من صلاح، يعود على صاحبه بالأعواض، التي لو علم قدرها لخيّر دوامها على زوالها[25].

كما اعتمد الأشعري أيضا، في إبطال مذهب المعلِّلين، على نفي قاعدة التحسين والتقبيح العقليين في أفعال الشاهد، للإطاحة بنظرية الصلاح والأصلح، باعتبارها نظرية تقوم على تحسين العقل وتقبيحه في أفعال الغائب[26]. لكن وإن كانت هذه الطريقة التي اعتمدها الأشعري كافية لإبطال وجوب التعليل عند المعتزلة، فهي غير مجدية لإبطال جوازه عند الماتريدية، ذلك أن التحسين والتقبيح في أفعال العباد، لا يقتضي من قائليه اعتقاد نظرية الأصلح في أفعال الله تعالى، فالماتريدية قالوا بالتحسين والتقبيح العقليين على الوجه الذي قاله المعتزلة، لكنهم لم يرتبوا على ذلك ما رتبه المعتزلة من القول بوجوب الصلاح والأصلح، وهذا ما تنبّه إليه أبو المعالي الجويني، فسلك في الرد على المعتزلة مسلكا جدليا يقوم على التسليم بالتحسين والتقبيح في أفعال الشاهد، بغرض الإبانة عن فساد نظرية الأصلح، ذلك أن مقتضى أصل المعتزلة، أنه يجب على الله تعالى الأصلح للعباد، ورد هذا الزعم إلى الشاهد يخيبه، حيث إن الواحد منا، لا يوجب عليه العقل أن يصلح غيره أقصى الإمكان، الأمر الذي يؤكد فساد مذهبهم، وأنه لا حقيقة لنظرية الأصلح في الشاهد عقلا، فضلا عن القول بها في الغائب[27].

وهذا الذي عوَّل عليه الجويني في الرد على المعتزلة، لا يصدق إلا على بعض المعتزلة وهم البغدادية، لقولهم بوجوب الأصلح في الدنيا، أما بشر بن المعتمر ـ وهو المؤسس الفعلي لمدرسة بغداد الاعتزالية ـ ومن مضى على طريقته من معتزلة البصرة قاطبة، فلا يرد عليهم مثل هذا الاعتراض، لاتفاقهم على أن الأصلح غير واجب قبل التكليف الشرعي، فلم يبق إلا مسلك الأشعري للرد عليهم، وهو إبطال قاعدة التحسين والتقبيح في الشاهد، وهذا ما صرح به الجويني بقوله: «فأما البصرية، فإن ناجزناهم على الأصل الأول، ومنعناهم تحسين العقل وتقبيحه، وأوضحنا أن لا واجب على الله تعالى، ففي ذلك صدهم عن مرامهم»[28].

وعليه فإن أقوى دليل، استند إليه الأشاعرة في إبطال التعليل، قولهم بأن أفعاله تعالى لو كانت معلَّلة بالأغراض، لكان ناقصا لذاته مستكملا بتحصيل ذلك الغرض[29]، لأن الغرض المعلَّل به، إما أن يعود إلى الله تعالى، أو يعود إلى الغير، والأول ممتنع اتفاقا، فلم يبق إلا عوده على الغير، وهذا إما أن يكون أولى بالباري تعالى أو لا، فإن كان الثاني، لم يكن له حظ من الحمل على الفعل، بل يقع الفعل بترجيح مختار، وما وقع كذلك ليس من الغرض في شيء، أما إن كان الفعل أولى بالباري من الترك، كان الاتصاف بالأولى كمال، وقد حصل بواسطة، فيكون للغير مدخل في تحصيل الكمال لواجب الكمال بالذات، وهو محال[30]. وأجيب عنه بأن الله تعالى حكيم، واجب الحكمة لذاته اتفاقا، والحكيم لا يفعل المرجوح والمساوي من غير مرجح لأنه عبث، وهو يفعل الراجح الأولى للغير، ليستكمل به هذا الغير، ولا يلزم من كون إيجاد الفعل أولى بالنسبة إلى الغير، أن يكون ذلك الإيجاد أولى بالنسبة للفاعل، ولا شك أن ذلك عين الكمال، وخلافه عين النقص[31].

ومن بين الاعتراضات، أنه من المسلم به ـ عندنا وعندكم ـ أن إرادة الله نافذة لا محالة، وعلى أصلكم أنه لا يريد القبيح ولا يفعله، فكيف لو اعتبرنا قبيح الأفعال التي تصدر عن العباد من إيجادهم، أما يستلزم ذلك اعتقاد حدوث ما لا يريده الله في ملكه، مما يدل على بطلان ما ذهبتم إليه من تعليل أفعاله تعالى بالمصالح. فالمعتزلة لا يرد عليهم هذا الاعتراض، لأجل أن الإرادة عندهم محدثة موجودة لا في محل، ولو اعتبروا كونه مريدا لذاته، لصح القول بأنه مريد لسائر القبائح[32]، ومع ذلك جاء جواب القاضي عبد الجبار على أصل الخصم فقال: «والأصل في الجواب عن ذلك من طريق العلم، هو أن نقول: ما يريده الله تعالى، لا يخلو إما أن يكون من فعل نفسه، أو من فعل غيره، فإن كان من فعل نفسه ثم لم يقع، دل ذلك على عجزه وضعفه، لأن من حق القادر على الشيء، إذا خلص داعيه إليه أن يقع لا محالة، حتى إن لم يقع دل على أنه غير قادر عليه، وإن كان ما يريده من فعل غيره، فإما أن يريده على طريق الإكراه والحمل، أو على طريق الاختيار، فإن أراده على طريق الإكراه ثم لم يقع، دل على عجزه عن السبب الذي يوصله إلى الحمل والإكراه، فأما إن أراده على طريق الاختيار، من دون أن يعود نفعه أو ضرره إليه ثم لم يقع، لم يدل على عجزه ونقصه، لأن المرجع بالعجز زوال القدرة، وليس يجب إذا لم يقع أمر من الأمور من الفاعل المختار أن يدل على عجزه»[33].

أما الماتريدية فبعدما أقروا ـ كباقي المتكلمين ـ بأن الله تعالى مريد بإرادة قديمة، رفعوا الاعتراض كعادتهم بالتوفيق بين الإرادة الإلهـة وكسب الأفعال على الحقيقة، فقالوا الإرادة في كتاب الله نوعان، إرادة قدرية كونية خَلقية، وأخرى أمرية شرعية، فالأولى هي المشيئة الشاملة لجميع الموجودات،كقوله تعالى: )فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء( [الأنعام:125].

أما الثانية فهي الإرادة المتضمنة للمحبة والرضا، كقوله تعالى )يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ( [البقرة:185] فالله تعالى وإن خلق أفعال العباد على غير ما تقتضيه الإرادة الشرعية فلا يستلزم ذلك اعتقاد حدوث ما لا يرضاه في ملكه، لكونها إرادة تتحقق بواسطة الاختيار، أما الإرادة الكونية لما كانت تتحقق بواسطة الاضطرار لم يجز اعتقاد وقوع ما لا يريده في مكله[34].

وهذا التقسيم الذي وضعه الماتريدية للإرادة الإلهـية أصله قوله تعالى: )ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ( [فصلت:11] والشاهد، مخاطبته تعالى السماء والأرض بالانقياد لأمره، إما طوعا حيث الإرادة الشرعية التي تتحقق اختيارا، أو طبعا حيث الإرادة الكونية التي تتحقق اضطرارا.    

موقف الأشاعرة من نظرية التعليل الأصولي

سلك الأشاعرة في أصول الفقه، مسلك أئمة الدين، في إثبات علل الأحكام الشرعية، فأثبتوا القياس الشرعي، بعدما أقاموا الأدلة على تعدية الأحكام عند إتحاد الوصف الجامع بين الأصل والفرع، ووضعوا للتعليل ضوابط، بل وتجاوز اهتمامهم بالتعليل هذا الحد، فانصب في وضع اللبنات الأولى لعلم المقاصد. لكن هذه العناية الكبيرة التي أولاها الأشاعرة للتعليل الأصولي، على ما يبدو جاءت مناقضة لمذهبهم العقدي في التعليل، ولقد حاول الدارسون لموضوع التعليل، رفع هذا الاشكال الذي وقع فيه الأشاعرة، وذلك بمحاولة تفسيره وكشف حقيقته قدر الإمكان، بإيراد جملة من التفسيرات، وأبعدها ـ في اعتقادي ـ ما ذكره تاج الدين السُّبكي (توفي771ﻫ) بقوله: «وقد ادعى بعضهم الإجماع، على أن الأحكام مشروعة لمصالح العباد، وهذه دعوى باطلة، لأن المتكلمين لم يقولوا بتعليل الأحكام بالمصالح، لا بطريق الوجوب ولا الجواز، وهو اللائق بأصولهم»[35]. ولما كان ابن السُّبكي ـ وهو المتكلم الأشعري ـ أصوليا، حاول أن يضع تفسيرا للعلة الشرعية، لأجل القياس الشرعي، يتفق مع مذهبه الكلامي، فجاء بجديد ذكره والده علي بن عبد الكافي (توفي756ﻫ)، في مختصر له سماه (ورد العلل في فهم العلل) مفاده: «المراد أن العلة باعثة على فعل المكلَّف، مثال حفظ النفوس، فإنه علة باعثة على القصاص، الذي هو المكلف المحكوم به من جهة الشرع، فحكم الشرع لا علة له ولا باعث»[36].

وبهذا التفسير ظن السُّبكيَان ـ رحمهما الله تعالى ـ أنهما قد وَفَقا بين الفقهاء الذين صرحوا بمقولة الباعث في أحكامه تعالى، وبين المتكلمين الأشاعرة الذين نفوها، والحق أن هذا التوفيق ليس إلا «تأكيدا لإنكار التعليل، بل هو خروج عن الموضوع، لأن الناس يتكلمون في تعليل أحكام الشارع، لا في تعليل أفعال المُكَلَّف، فهذا التأويل للتعليل عند الفقهاء يبدو أشبه بالهزل منه بالجد»[37]. وكما لا يخفى أن إبطال الإجماع، على أن الأحكام مشروعة لمصالح العباد، هو الدعوى التي يجب إقامة الدليل على صحتها، وحتى من تجرأ على إنكار هذا الإجماع، فإنه لم يعترف بالعلة الشرعية أصلا، واعتمد في القياس الشرعي على تشبيه الشيء بالشيء على ما يغلب في النفس[38]، ذلك أن التصريح بالعلة الشرعية، هو في حد ذاته اعتراف بتعليل الأحكام الشرعية.

   ويأتي شمس الدين الأصفهاني (توفي688ﻫ)  بمحاولة لرفع الإشكال، فقال في كتابه شرح المحصول للرازي: «ندعي شرعية الأحكام لمصالح العباد، ولا ندعي أن جميع أحكام الله تعالى لمصالح العباد»[39]. وهذا ـ في اعتقادي ـ فرار من الزحف، لأن الأحكام الشرعية على وفرتها، لم يخل حكم منها من مصلحة، وصاحب المحصول نفسه يؤكد ذلك بقوله: «إنا لما تأملنا الشرائع، وجدنا الأحكام والمصالح متقارنين، لا ينفك أحدهما عن الآخر، وذلك معلوم بعد استقرار أوضاع الشرائع»[40]. أما بدر الدين الزركشي (توفي794ﻫ) فبعدما نقل في كتابه (البحر المحيط) إجماع الفقهاء على تعليل الأحكام الشرعية، أشكل عليه ذلك بالأصل المشهور عند متكلمة الأشاعرة القاضي بعدم التعليل، فجاء بجديد مفاده أنه: «لا منافاة بينهما ـ الفقهاء والمتكلمون ـ لأن الأحكام غير الأفعال»[41]. وهذا التفريق بين أفعال الله تعالى وأحكامه الشرعية، مسلك مخترع، لم يقل به أحد من المتكلمين، والأشاعرة أنفسهم لم يسبق وأن اصطلحوا عليه، وإن ثبت عن أحدهم القول به، فلعدم رسوخه قدمه في الكلام، ذلك أن أحكامه تعالى هي خطابه القديم ـ حسب مذهب الأشعرية ـ ولو قيل بجواز تعليلها بالمصالح، فإن الاعتقاد بجواز قدم هذه المصالح هو مما يقتضيه هذا القول أيضا، لذا لا يبعد أن يكون هذا التفريق، الذي قاله الزركشي مختلقا لم يقل به أحد من متكلمة الأشاعرة[42] مما يعني أنه ـ وهو صاحب المحيط ـ لم يحط كفاية بمذهب القوم. 

ومن الحنفية ابن الهمام (توفي861ﻫ) جاء بتوفيق مفاده: «أن الخلاف لفظي، مبني على معنى الغرض، فمن فسَّره بالمنفعة العائدة إلى الفاعل قال لا تعلل، ولا ينبغي أن ينازع في هذا، ومن فسَّره بالعائدة إلى العباد قال تعلل، كذلك لا ينبغي أن ينازع فيه»[43]. وهذا الذي قاله صاحب (المسايرة) ليس إلا تعبيرا عن مذهبه الماتريدي، لأن الأشاعرة نازعوا المُعلِّلين في الغرض، ولو كان عائدا بالفائدة إلى العباد، ولم يقبلوه، كما هو الحال مع الغزالي (توفي505ﻫ)[44] والآمدي (توفي631ﻫ)[45] والسُّبْكيَين[46]، ومن قبلهم الأشعري الذي يعتبر أول من رفض ـ من الأشاعرة ـ مصطلح الغرض، ولو باعتبار عوده إلى الفاعل، معللا ذلك بقوله: «لابد أن يكون فيه ـ الغرض ـ وجه من الوجوه، التي له ما يرشده من استحماد إليه، أو دفع رقة داخلة عليه في نفسه، أو وجه من الوجوه... فإن خلا من هذه الوجوه، خلا من أن يكون له إلى الفعل داع، ولم يؤثر الفعل مع كونه حكيما»[47]. وهذا الذي صرح به الأشعري، لم يرق شيخ الاسلام ابن تيمية (توفي728ﻫ) الذي بدوره اهتم بموضوع التعليل، حيث رأى أن فعله تعالى لا يخلو من عود الحمد والثناء إليه، بل من واجب العباد أن يحمدوه ويشكروا ألطافه، وليس في ذلك ما يشير إلى الاستكمال[48]، وهو مذهب الجمهور وقول جميع الصحابة والتابعين[49]. والظاهر أن الشيخين اتفقا على أن للغرض معنى يعود إلى نفس الفاعل، فالأشعري رأى في ذلك استكمالا للفاعل، وهو يتنافى مع الكمال الإلهي، الأمر الذي أرغمه على رفض مقولة الغرض مطلقا، أما ابن تيمية، فلم ير في ذلك استكمالا، فتمسك بظاهر النصوص التي تخبر بعود الحمد والثناء إلى الله تعالى.

وهذا الإشكال واجه المعتزلة من قبل، حيث ذهب أبو الهذيل (توفي235ﻫ) إلى أن الحكيم منا، قد يفعل لغرض أن الفعل حسن لا غير، دون ارتقاب ما يجره من مصلحة إلى نفسه، وتبعه في هذا أبو هاشم الجُبّائي (توفي321ﻫ)[50] ومن بعده القاضي عبد الجبار (توفي415ﻫ)[51]. والذي دفع بالمعتزلة إلى القول بأن الغرض قد لا يعود منه على نفس الفاعل شيء، هو تصحيح قياس الغائب على الشاهد، حتى لا يُعترض على مذهبهم في التعليل بالأغراض، فالقاضي عبد الجبار سلك المذهب نفسه للخروج من اعتراض فحواه «كيف يمكنكم قياس الغائب على الشاهد، ـ في مسألة الغرض ـ ومعلوم أن أحدنا كما لا يختار القبيح، إلا لجهله بقبحه وحاجته إلى ذلك، كذلك لا يختار الحسن إلا لجر منفعة أو دفع مضرة، فقولوا مثله في الغائب»[52]. فرد بقوله: «إن أحدنا كما يختار الحسن لما ذكرتموه من النفع ودفع الضرر، فقد يختاره لحسنه ولكونه إحسانا... قد ثبت أن الله تعالى فاعل للحسن وعالم به، فلا يخلو إما أن يفعله لاحتياجه إليه، وذلك مستحيل عليه، أو يفعله لحسنه وكونه إحسانا على ما نقوله»[53]. وهذه مبالغة، إذ من المحال أن يختار الواحد منا الحسن لا لغاية، وأقلها طلب الاستكمال الذي تتوق إليه النفوس، ومع ذلك لا يُقال في حقه تعالى ما قيل في حقنا، وإنما قد ثبت أنه متفرد بأفعاله متوحد بها، فدل على أنه متفرد بالأغراض المجردة من كل العوائد إليه، متوحد بها أيضا.

وإذا رجعنا إلى تفسير ابن الهمام، وجدنا الطاهر بن عاشور يردد التفسير ذاته في كتابه (التحرير والتنوير) بقوله: «فإن جميع المسلمين اتفقوا على أن أفعال الله تعالى ناشئة عن إرادة واختيار، وعلى وفق علمه، وإن جميعها مشتمل على حكم ومصالح... وإنما الخلاف في أنها أتوصف بكونها أغراضا وعللا غائية أم لا»[54]. وعلى هذا فإن الأشاعرة يرفضون مقولة الغرض، ويقرون بالفوائد والغايات التي هي المصالح، والذي يميز هذا عن ذاك، أنه إذا ترتب على فعل أثر، فمن حيث إنه ثمرته يسمى فائدة، ومن حيث أنه في طرف الفعل يسمى غاية، ثم إن كان سببا لإقدام الفاعل يسمى بالقياس إلى الفاعل غرضا، وإن لم يكن فغاية فقط، وأفعاله تعالى تترتب عليها حكم وفوائد لا تعد، وهي غايات ومنافع راجعة إلى الخلق، لا غرض أو علة لفعله[55]. 

إنما هذا التفسير سرعان ما يفقد أهميته حين نجد الأشاعرة يصرحون بجواز خلو أفعال الله تعالى من المصالح، وإن لم يجز خلوها من الحِكَم، لأن الحكمة لا تفسر عندهم بالمصلحة، يقول الأشعري: «ليس مجرى  قولنا في الشيء إنه صلاح ومصلحة وأصلح، مجرى قولنا فيه إنه حكمة أو صواب أو حق، لأن كثيرا من الأشياء قد يكون حكمة وحقا وصوابا، ولا يكون في نفسه صلاحا ومصلحة»[56]. وهذا الذي قاله شيخ الأشاعرة عوَّل عليه أتباعه جميعا، وهو على خلاف ما قاله  شيخ الزيتونة، من كون الأمة متفقة على أن جميع أحكامه تعالى مشتملة على مصالح، وخلاف الجم الغفير من الأشاعرة، مع غيرهم في هذا لا يُعد اتفاقا، يقول الرازي موضحا ذلك: «اتفقت المعتزلة على أن أفعال الله تعالى وأحكامه معللة برعاية مصالح العباد، وهو اختيار أكثر المتأخرين من الفقهاء، وهذا عندنا باطل»[57].

ونجد من المعاصرين، من نظر إلى أصل الإشكال المطروح نظرة شكلية، فادعى بعضهم أن مذهب الأشاعرة في التعليل، إنما جاء متضاربا نتيجة عزوفهم عن مقولة الصلاح والأصلح ـ التي أصلها المعتزلة ـ باعتبارها مقدمة للتعليل بالأغراض، وهو رأي محمد العروسي[58] وأحمد الريسوني[59]، ومن اختيارات الطاهر بن عاشور[60]، وقد أشار إليه من قبل الزركشي[61]. وهذا ـ في اعتقادي ـ اتهام للأشاعرة بالفرار من الزحف، وهم ليسوا أقل شأنا من الماتريدية الذين علَّلوا أفعاله تعالى بالأغراض، ولم يقدهم اعتلالهم إلى أيَّ مقدمات أو إلزامات اعتزالية.

أما البوطي فقد تفرد عن غيره في تفسير الإشكال، وخرج بجواب مفاده: «أن العلة المتنازع فيها في علم الكلام، هي غير العلة المقول بها في علم الأصول، حيث إن العلة الأولى هي العلة العقلية، وقد أنكر الأشاعرة التعليل بها، أما الثانية فهي العلة الجَعْلِيَّة وقد علَّل بها هؤلاء، وبهذا يرتفع الإشكال»[62]. والذي يشوب هذا التفسير رغم وجاهته، هو إن كان المقصود من العلة العقلية، تلك التي تعارف عليها الفلاسفة، فإن المعتزلة أنفسهم رفضوا التعليل بها، لما تنطوي تحته من شناعات ميتافيزيقية، وإن كان المقصود من العلة العقلية شيئا آخر، وجب بيانه وتقريره، ثم إن كان المقصود من العلة الجعلية، تلك التي تعارف عليها الأصوليون، فإن السُّبْكيَين ـ وهما من الأشاعرة ـ قد أنكراها بصورة مطلقة، واصطلحا على مفهوم آخر للعلة الشرعية، وإن كان المقصود من العلة الجعلية شيئا آخر، وجب بيانه وتقريره أيضا.

وبعد طول مطاف، يمكن أن نلمس مما تقدم طرفا من الحقيقة، بداية لا يشك أحد أن ثمة اقتران، بين الأحكام الشرعية والمصالح في تصرفات الشريعة، وهو اقتران ملحوظ لا يسعنا إلا الإقرار به، وإن خلا حكم من هذه الأحكام الشرعية من مصلحة ظاهرة، اقتضى حصول الظن الغالب بثبوت مصلحة خفية فيه، لمَّا حدد الشارع علاقة غير منفكة بين الأحكام والمصالح، وعلى هذا المذاق علَّل الأشاعرة. فالعقل عندهم، بمعزل عن ملاحظة هذه العلاقة الشرعية، التي اقترنت فيها الأحكام بالمصالح، لا يستقل بحكم التعليل مطلقا، لأن خلو الأحكام الشرعية من المصالح أمر جائز. وكأن الذي رفضه جمهور الأشاعرة إنما هو التعليل العقلي، فليست الأحكام الشرعية مرتبطة بالمصالح، كارتباط العلة العقلية بالمعلول، لأن من طبيعة أي رابطة حتمية أن لا يتخلف فيها الأثر عن المؤثر، ولما ثبت كون المصالح لم ترتبط بالأحكام إلا بعد ورود السمع، علمنا أن اقتران كل منهما بالآخر إنما هو مجرد تزاوج جرت به عادة الشرع، بمعنى أنه تعليل جاء به حكم السمع، وليس لحكم العقل مدخل فيه، وجوبا ولا جوازا.  

لذا فإن الأشاعرة، يرون أن أفعاله تعالى وأحكامه، جاءت مقترنة بالمصالح العائدة إلى العباد، اقترانا جرت به عادة الشرع، لا اقتران علة بمعلول، فرفضوا التعليل العقلي بشقيه الكلامي والأصولي. ففي علم الكلام لاحظوا الخير والشر، الصلاح والفساد، الصواب والباطل، في أفعال العباد، فرفضوا تعليل أفعال الله تعالى بالمصالح، لأنه هو الخالق لهذه الأفعال حسنها وقبحها، قال الرازي: «إنه خالق أفعال العباد، وذلك يمنع من القول بأنه تعالى يراعي المصالح»[63]. وهو المذهب الذي مضى عليه عموم الأشاعرة[64]. فع   أما في علم الأصول، فلاحظ الأشاعرة أن الأحكام الشرعية تتبعها المصالح، فلم يخل حكم منها إلا وجاء مقرونا بمصلحة ظاهرة أو خفية، فقالوا إن الله تعالى شرع الأحكام، وجعلها مقرونة بالمصالح العائدة إلى العباد في عادة الشرع، وهذا الاقتران لا يدل على مراعاة هذه المصالح في الأحكام الشرعية عقلا.

وهذا الذي انتهينا إليه، تنبَّه إليه شيخ الإسلام ابن تيمية من قبل حين قال: «وهم ـ الأشاعرة ـ لا يقولون أنه لا يفعل مصلحة ما، فإن هذا مكابرة، بل يقولون إن ذلك ليس بواجب عليه، وليس بلازم وقوعه، ويقولون إنه لا يفعل شيئا لأجل شيء، وإنما اقترن هذا بهذا لإرادته لكليهما، فهو يفعل أحدهما مع صاحبه، لا به ولا لأجله، والاقتران بينهما مما جرت به عادته، لا لكون أحدهما سببا للأخر»[65]. وإن لم ينشرح صدر الزركشي (توفي794ﻫ) لمثل هذا التفسير[66]، فإن الأشاعرة أنفسهم أشاروا إليه، فالرازي كتب في محصوله: «إنا لما تأملنا الشرائع وجدنا الأحكام والمصالح متقارنين، لا ينفك أحدهم عن الآخر، وذلك معلوم بعد استقرار أوضاع الشرائع، وإذا كان كذلك، كان العلم بحصول هذا مقتضيا ظن حصول الآخر وبالعكس، من غير أن يكون أحدهما مؤثرا في الآخر وداعيا إليه»[67]. ومن قبله إلكيا الطبري (توفي504ﻫ) قال: «ونحن إذا جوزنا أن يتعبد عباده بما شاء، ولكن الذي عرفناه من الشرائع أنها وضعت على الاستصلاح، دلت آيات الكتاب والسنة وإجماع الأمة على ملائمة الشرع، للعبادات الجبلية والسياسات الفاضلة، وأنها لا تنفك عن مصلحة عاجلة أو آجلة... وهذا لا يعلم إلا بالشرع، وأن العقل لا يدل على أن عند وقوع أحد الفعلين، يقع الآخر على سبيل الاختيار، إذ لم يكن المختار ممن ثبتت حكمته»[68]. وهذا ما عوّل عليه بعض الأشاعرة في تفسير الإشكال[69].

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.



1- الغزالي: المنخول ص: 385  (حققه وخرج نصه وعلق عليه) محمد حسن هيتو – دار الفكر –  دمشق ط2 /1400هـ 1980م.  

[2] - الريسوني أحمد: نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي ص: 191   – دار الأمان – المعهد العالمي  للفكر الإسلامي ط.2 /1424هـ 2003 م

[3] - البدوي يوسف أحمد محمد: مقاصد الشريعة عند ابن تيمية ص: 76   - دار النفائس - الأردن ط1./1421هـ 2000م

[4]- الآمدي: غاية المرام في علم الكلام ص: 224  تحقيق حسن محمود عبد اللطيف – المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية - القاهرة

5-  الآمدي : الإحكام في أصول الأحكام 3/ 411  راجعها ودققها جماعة من العلماء– دار الكتب العلمية - بيروت

[6]- حسن الشافعي: الآمدي وآراؤه الكلامية ص: 442 - دار السلام - ط1 /1418هـ 1998م.  

7- الآمدي: الإحكام 3/412

8- الآمدي: المصدر نفسه 3/412 

9- الرازي فخر الدين: مفاتيح الغيب 19/108  المشتهر بالتفسير الكبير - دار الفكر - ط3 /1405هـ 1985م.

10- الرازي فخر الدين: المحصول في علم أصول الفقه 2/328  – دار الكتب العلمية – ط1 / 1408 هـ 1988م. 

11- الرازي فخر الدين: الأربعين في أصول الدين 1/350 - مكتبة الكليات الأزهرية-  القاهرة ط1 /1406هـ  

12- الرازي: المحصول 2/329

[13]- ابن فورك محمد بن الحسن: مجرد مقالات الشيخ الأشعري ص: 141 (تحقيق وضبط) أحمد عبد الرحيم السـايح، مكتبة الثقافة - الدينية بالقاهرة ، ط1/1425 هـ - 2005م. 

[14] - ابن تيمية: منهاج السنة النبوية 1/141  - (تحقيق) محمد رشاد سالم - مكتبة ابن تيمية -القاهرة ط2 /1409هـ 1989م.

15- ابن فورك: مجرد مقالات الأشعري ص:142   

16- ابن فورك: المصدر نفسه ص: 142   

[17]- الغزالي أبو حامد: قواعد العقائد ص: 204  تقديم الدكتور رضوان السيد - دار اقرأ - ط1 /1403هـ 1983م.

18- الغزالي: المنخول ص: 11   

19- الغزالي أبو حامد: الاقتصاد في الاعتقاد ص: 105 - دار الكتب العلمية – بيروت لبنان ط 1 /1409هـ 1988م    

20- ابن فورك: مجرد مقالات الأشعري ص: 142   

21- ابن فورك: مجرد مقالات الشيخ الأشعري ص: 143   

22- ابن فورك: المصدر السابق ص: 127-128

23- ابن فورك: المصدر السابق ص: 127

24- ابن فورك: المصدر السابق ص: ص 128

[25]- القاضي عبع الجبار: شرح الأصول الخمسة ص:485  تعليق الإمام أحمد بن الحسين بن أبي هاشم ، حققه وقدم له الدكتور عبد الكريم عثمان – مكتبة وهبة  ط3 /1416هـ 1996م.

26- ابن فورك: مجرد مقالات الشيخ الأشعري ص 131

[27] - أبو المعالي الجويني: الإرشاد ص: 289 (حققه وعلق عليه وقدم له وفهرسه) محمد يوسف موسى و علي عبد المنعم عبد الحميد - مكتبة الخانجي – ط.3/1422هـ 2002م.

28- الجويني: الإرشاد ص 295

29- الإيجي عضد الدين: المواقف في علم الكلام ص: 231-232  - عالم الكتب – بيروت. 

[30] - تاج الدين السبكي: الإبهاج في شرح المنهاج  3/40  كتب هوامشه وصححه جماعة من العلماء– دار الكتب العلمية – ط1 /1404هـ 1984م.

[31] - محمد شلبي: تعليل الأحكام ص: 100 عرض وتحليل لطريقة التعليل وتطوراتها في عصور الإجتهاد والتقليد  - دار النهضة العربية  ط. 2/1401هـ 1981م

32- القاضي عبد الجبار: شرح الأصول: ص: 440-444 

33- القاضي عبد الجبار: شرح الأصول: ص: 466

34- شرح العقيدة الطحاوية  ص: 116 -117  ـ المكتب الاسلامي ـ بيروت. ط.4/1391هـ 

35- تاج الدين السبكي: الإبهاج 3/62

36- تاج الدين السبكي: المصدر السابق 3/41

37- الريسوني: نظرية المقاصد ص: 207

[38] - الزركشي: البحر المحيط في أصول الفقه  5/126 راجعه عمر سليمان الأشقر - وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ـ الكويت. ط.2  /1413هـ 1992م.

39- الزركشي: المصدر السابق 5/123

40- الرازي: المحصول 2/332

41- الزركشي: البحر المحيط 5/122

42- الرازي: الأربعين 1/350

[43] - ابن أمير الحاج: التقرير والتحبير في علم الأصول 3/ 190 شرح على تحرير الإمام الكمال بن الهمام - دار الفكر - ط1 /1417هـ 1996م.

44- الغزالي: قواعد العقائد ص: 91   

45- حسن الشافعي: الآمدي  وآراؤه الكلامية ص: 442  

46- السبكي: الإبهاج 3/62

47- ابن فورك:  مجرد مقالات الأشعري ص: 143  

48- ابن تيمية تقي الدين: مجموع الفتاوى 8/89- 90 جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم مكتبة المعارف – الرباط [

49- محمد العروسي: المسائل المشتركة بين أصول الفقه وأصول الدين ص: 282 - دار حافظ – ط. 1/1410 هـ 1990م [

50- القاضي عبد الجبار: شرح الأصول ص: 307   

51- القاضي عبد الجبار:  شرح الأصول ص: 307  

52- القاضي عبد الجبار: شرح الأصول ص: 307   

53- القاضي عبد الجبار: المصدر نفسه ص: 307   

54- ابن عاشور: التحرير والتنوير 1/379-380 - دار سحنون - للنشر بتونس ط/1984  

  الشيخ البناني: حاشية البناني على شرح الجلال 2/233  - 55ـدار الفكر- يروت/1402هـ 1982م

56- بن فورك: مجرد مقالات الأشعري ص: 128 

57- الرازي: الأربعين 1/350[57]

58- العروسي: المسائل المشتركة ص: 296   

59- االريسوني: نظرية المقاصد ص: 208   

60- ابن عاشور: التحرير والتنوير 1/380-381

61- الزركشي: البحر المحيط 5/124[61]

62- البوطي سعيد رمضان: ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية ص: 96-97 - مؤسسة الرسالة – ط4. 1402هـ/1982م.  

[63]- الرازي: المحصول 2/334 و الأربعين: 1/352

64- العروسي: المسائل المشتركة ص: 296 

65- ابن تيمية: منهاج السنة النبوية 1/464

66- الزركشي: البحر المحيط 5/125

67- الرازي: المحصول 2/332

68- الزركشي: البحر المحيط 5/127

69- الزركشي: المصدر السابق 5/127

المصدر: مسلم أون لاين

 
سليمان بن الحسن القراري
تاريخ النشر:2010-04-20 الساعة 15:44:21
التعليقات:0
مرات القراءة: 2683
مرات الطباعة: 451
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan