الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم إسلامية » دراسات أصولية

العام والخاص والمحطات الثلاث في أصول الفقه

أحمد ولد محمد محمود

 

تعمل الدراسات الفكرية والنقدية في الوطن العربي بصفة عامة وفي المغرب بصفة بالغة، على تفكيك التراث وفحصه من أجل إعادة صياغته وتجديده ليتماشى مع متطلبات العصر الحديث، ومع شروط ومرتكزات المعرفة العلمية المعاصرة. لذلك فلا غرو أن يتبوأ علم أصول الفقه مكانة متميزة وخصوصية خاصة داخل هذه الدراسات، وذلك ليس لأنه العلم الذي يعبر عن أصالة الفكر الإسلامي، أو لأنه يتصدر العلوم الشرعية فحسب، بل لأنه يعدّ ـ وهذا هو الأهم بالنسبة لهذه الدراسات ـ العلم «الجامع بين المعقول والمنقول وأجل الفنون قدرا» [1] ولأنه «يأخذ من صفو الشرع والنقل سواء السبيل» [2] فهذا العلم يتألف من شطرين الأول: نقلي توقيفي، والثاني: عقلي، وهذا الشطر الأخير يتجاوب مع طبيعة هذه الدراسات التي تسعى إلى إحياء النزعة العقلانية وتأكيدها.

سنحاول في هذه السطور دراسة قاعدة أصولية ذات مكانة رئيسية ودور حاسم في تأسيس المفاهيم الشرعية، وهي العام والخاص. متتبعين هذه القاعدة عند ثلاثة مفكرين وهم الشافعي والغزالي والشاطبي، وقد اخترناهم لأنهم أسسوا هذه القاعدة على موقف يتسم بالجدة ويتصف بأنه طريقة مستقلة وأصيلة لبناء المعرفة الأصولية، فمعهم يمكن الاطلاع على حقيقة هذا العلم والتطورات التي شهدها دون غيرهم ممن ينتمون إلى هذا العلم من العلماء المتسلقين.

ونصحح أولا بعض الأخطاء التي تدور حول أسباب نشأة هذا العلم وفائدته العلمية وثمرته العملية. فهذا العلم يعرف بأنه القواعد التي يتوسل بها لاستنباط الأحكام من الأدلة وهو تعريف صحيح في مجمله خاطئ في تفصيله، فعندما تكون الأحكام المقصودة هنا هي الأحكام الخمسة من الواجب والمندوب والحرام... يكون التعريف خاطئا، لأن هذه الأحكام خاصة بالفقه وإدخالها في مسائل الأصول «من باب خلط العلوم بعضها ببعض»[3]، وعندما تكون هذه الأحكام تتعلق بالمعاني الحسية والصيغ العملية للمفاهيم الشرعية يكون التعريف صحيحا، لكن هذا التحديد للأحكام بهذا المعنى ظل غائبا عن الأذهان لوجود اعتقاد قديم وصلب يرى بأن المفاهيم الشرعية قد تحددت صيغها بصفة عفوية من خلال النصوص. وفي الحقيقة أنها تحددت بفضل القواعد الأصولية وإلا لما كان لهذه القواعد أي دور. وذلك عندما دفعت عنها الصعوبات التي كانت تعترضها وتتمثل في ثلاث صعوبات.

الصعوبة الأولى: وتتمثل في ورود المفاهيم عامة ومطلقة مثل: )أقيموا الصلاة(، )وآتوا الزكاة(، )ولا تقربوا الزنا(، )والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما(، فهذه الألفاظ عامة ومطلقة ولا يمكن امتثالها إلا بعد معرفة المعاني المحسوسة التي تشير إليها هذه الكلمات «فلو ورد من صادق عرف صدقه بالمعجزة ولم يعش إلا ساعة من نهار، وقال في تلك الساعة من سرق فاقطعوه، ومن زنى فاضربوه، والصلاة واجبة على كل عاقل بالغ، وكذلك الزكاة، ومن قتل مسلما فعليه القصاص، ومن كان له ولد فعليه النفقة، ومات عقب هذا الكلام ولم نعرف له عادة ولا أدركنا من أحواله قرينة ولا صدر منه سوى هذه الألفاظ» [4]، لو تحقق هذا المثال لكان باستطاعتنا إصدار الأحكام فنقول بأن الصلاة واجبة وكذلك الزكاة، والزنا حرام وكذلك السرقة. لكن هذا يبقى لعبا حقيقيا بالكلمات ما لم نحدد المقصود من هذه الكلمات: الصلاة، الزكاة، السرقة.. وبالتالي فلا بد من طريقة تمكن من الغوص في أعماق الأدلة لمعرفة المعاني التي تشير إليها هذه الكلمات.

الصعوبة الثانية: وتتمثل في الاشتراك بين الدلالة اللغوية والدلالة الشرعية وذلك أن الشرع قد تصرف في ذلك الوضع، على الأقل في وضع الشروط، فصارت نسبة الوضع الشرعي إلى مطلق الوضع العربي، كنسبة الوضع في الصناعات الخاصة إلى الوضع الجمهوري، فالصلاة كانت تعني الدعاء ثم صارت مخصوصة بأقوال وأفعال مخصوصة.

الصعوبة الثالثة: فتتعلق بالتشعب والتنوع في الأدلة داخل المفهوم الواحد والمحل الواحد، فقد أمر الله بالصلاة والزكاة لكنه كثر من أدلتهما وصيغهما فقال تعالى عن الصلاة مثلا )أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ( وقال )اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ( وقال )وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آَنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ(.. والأدلة من هذا النوع كثيرة فقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بنكاح المتعة ثم نهى عنه، وأمر بقتل الكلاب ثم نهى عنه، ومنع ادخار لحوم الضحايا ثم أجازه حتى قال أنس بن مالك (إنا لنذبح ما شاء الله من ضحايانا ثم نتزود بقيتها إلى البصرة) [5]. إن أكثر هذه الأدلة حرجا هو عندما يتوجه إلى المحل دليلان متفقان في الصدارة ومتعاكسان في الإشارة، وذلك مثل الجمع بين الأختين المملوكتين فقد سئل عنهما علي وعثمان فقالا أحلتهما آية وحرمتهما أخرى.

هذه هي الصعوبات التي كانت تعترض الأدلة الشرعية والمفاهيم الناجمة عنها، وظهرت القواعد الأصولية من أجل التغلب عليها، ولم ينته عمل تلك القوانين إلا لتتكشف المفاهيم وتنكشف عن صيغ اكتسبت مع مرور الزمن البداهة والصفة المطلقة. وهذا ما يجعلنا نقول بأنها توطدت بواسطة القواعد الأصولية وليس من خلال النصوص وحدها. وهو ما يؤكد عليه قول الشافعي عقب كل آية تعرض لها بأنها تحتمل معنيين فأكثر، ويؤكد عليه كلام الأصوليين اللاحقين بقولهم بأن دلالة العام على أفراده ظنية، وأن من سمع العموم قبل سماع التخصيص فيلزمه التوقف، وقولهم بأن الأدلة تنقسم إلى آحاد وتواتر والآحاد لا حجة فيها والمنقولات المتواترة تتوقف على مقدمات عشر ظنية والموقوف على الظنيات ظني، فهي تتوقف على (نقل اللغات وآراء النحو وعدم الاشتراك وعدم المجاز والنقل الشرعي والعادي والإضمار والتخصيص للعموم والتقييد للمطلق وعدم الناسخ والتقديم والتأخير والمعارض العقلي) [6]. وإذا كانت القواعد الأصولية من العموم والخاص وأخواتها ـ فهي لها أخوات مثلما لكان أخوات تعمل نفس العمل مثل أصبح وما زال ـ من المجمل والمبين والظاهر والمؤول والناسخ والمنسوخ والمطلق والمقيد هي التي يرجع إليها الفضل والامتياز في تجاوز هذه الصعوبات، فإن للعموم والخصوص المقام الأول والدور الحاسم. لذلك سنتناوله بالتفصيل على النحو التالي مؤرخين له بثلاث محطات.

المحطة الأولى: الشافعي والعموم اللفظي

يكتسب العام والخاص مكانة بالغة في تفكير الشافعي، فهما كلمتان ترافقانه عندما يكتب وعندما يكون في المواقف السياسية الأكثر خطورة في حياته، فيروى أنه عندما استدعي من اليمن بتهمة التشيع كان من الكلمات التي قالها للخليفة: «إن القرآن منه ما هو عام وما هو خاص» وكأنه بذلك يبرر ما قيل عنه لأن من كلامه، كعربي صميم، ما هو عام لا يوثق به، وخاص يوثق به، أما في الكتابة والتأليف فيصدق من قال بأنه كتابي الأم والرسالة هما كتابا الخاص والعام. ولا يقدم صاحب الرسالة تعريفا لهذا المركب اللفظي العجيب، ويكتفي ببعض الشروط العامة كقوله بأن ترك الاستفصال مع تعارض الأحوال يدل على عموم الحكم، أو بالتنويه بدوره في فهم الخطاب اللغوي والشرعي معا.

يقول الشافعي: «فإنما خاطب الله العرب بلسانها على ما تعرف من معانيها، وكان مما يعرف من معانيها اتساع لسانها وأن فطرته أن يخاطب بالشيء منه عاما ظاهرا يراد به العام الظاهر، ويستغني بأول هذا منه عن آخره، وعاما ظاهرا يراد به العام ويدخله الخاص، فيستدل على هذا ببعض ما خوطب به فيه وعاما ظاهرا يراد به الخاص وظاهرا يعرف في سياقه أنه يراد به غير ظاهره فكل هذا موجود علمه في أول الكلام أو وسطه أو آخره» [7].

وفي هذا النص أن قوانين اللسان العربي تتمحور حول العام والظاهر والخاص وسيضيف إليهما لاحقا الناسخ والمنسوخ ورغم بساطتها وقلتها العددية لكنها قوانين كانت من الخطورة بمكان، فقد مكنت الشافعي من بناء الشريعة بأقل عدد من العناصر وبأكبر ديمومة ممكنة. فهي بسيطة بملاحظة الأمثلة المقدمة فمنها قوله تعالى: )الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ( فدلالة الآية تفيد بأن جميع الناس من البدو والحضر والنساء والشيوخ والأطفال والمعوقين قد جمعوا ضد المسلمين، لكن العلم يحيط أن لم يجمع لهم الناس كلهم ولم يخبرهم الناس كلهم ولم يكونوا هم الناس كلهم. ومنها قوله تعالى: )إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ( فبين أن في هذه الآية العموم والخصوص فأما العموم منها ففي قول الله: إنا خلقناكم.. والخاص منها في قول الله: إن أكرمكم [8] هذه الآيات عند العرب سواء وليس يختلف عندهم وضوحها أما غيرهم ممن يجهل هذا اللسان فهي مختلفة عنده.

لقد كان الشافعي بهذه الأمثلة الواضحة بمثابة المعلم الفذ الذي يعلم بصغار العلم كباره، ومن هنا تتجلى خطورتها، فبعدها انتقل إلى الأدلة المعقدة والأحكام الشرعية ليطبقها عليها، فكما أن كلمة الناس ليست هي المعنى الحقيقي وكما أن من الجائز التحول من العام إلى الخاص فإنه جائز كذلك الانتقال من دليل إلى آخر ومن معنى شرعي إلى آخر يمثل معنى المفهوم وصيغته الباقية والسرمدية. ولا يهم إذا كان هذا الانتقال داخل الجنس الواحد أو خارجه، فكما أنه يصح عند الجويني في الورقات استثناء الحمير من الناس فتقول جاء القوم إلا الحمير يصح أيضا أن تنتقل من جنس من المعاني إلى جنس مغاير. فمثلا من أجل تحديد السرقة في الشريعة نواجه عدة أدلة متشعبة ومتنوعة لكن ما به الاشتراك غير ما به الامتياز، فيجب إذن تحويل الأدلة العامة كقوله تعالى: )وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا( وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده).. إلى الأدلة الخاصة التي تحدد المبلغ والمكان.

المثال الثاني: جاء الأمر بالصلاة في أوقات وكيفيات متنوعة كالصلاة الواردة في سورة المزمل لكن تلك الأدلة يجب تحويلها إلى الصلاة المخصوصة في الصلاة الخمس لتكون هي معنى الصلاة وصيغتها السرمدية، أما الأدلة الأخرى عن الصلاة فتبقى في طي النسيان فهي عامة، ونافلة زائدة، بهذه الطريقة راح الشافعي يبني الشريعة ويعطي للفقهاء الدرس النموذجي الذي يجب اتباعه مع الأدلة جميعا.

هذه الطريقة أدت بالفعل إلى تدوين الشريعة وذلك بتحديد المفاهيم حسب قواعد وحسب الطريقة العلمية لكنها أدت إلى مظاهر سلبية نوجزها في النقاط التالية [9]:

ـ كرست هذه الطريقة احتمالية النصوص وظنيتها, فالقرآن وهو أول الأدلة وأصل الشريعة الذي لا ينثني، ظني جميعا، فلم يذكر الشافعي آية من القرآن إلا وأعقبها باحتمال أو أكثر إلا آية اللعان فقط.

ـ بدلا من مراعاة التكامل بين الأدلة كرست طريقة الشافعي الفصل والتفرقة بينها من أجل انتقاء الأصلح، والأصلح هو ما يتناسب مع الاختيار المبيت والتجربة الناتجة عن الحس المشترك والرأي الأول.

ـ إعطاء السنة مكانا متميزا في بيان المفاهيم وتأسيسها فهي تمثل الأدلة الخاصة والبينة بينما يمثل القرآن الأدلة العامة والعام متروك دائما من أجل الخاص، ولهذا الاهتمام الشديد بالسنة سمي الشافعي عند أهل الحجاز بناصر الحديث، فالآيات القرآنية عامة ومجملة يجب تحويلها إلى مواقع معينة في السنة.

المحطة الثانية: الغزالي والعموم الخالي

كان العموم والخصوص عند الشافعي مفهومين عمليين مشبعين بالنصوص ويتم تفريع الأدلة عليهما لكنهما بعده صارا مبدأين نظريين لا علاقة لهما بالأحكام وبناء الأصول. وذلك بسبب تأثير علم الكلام ونزعته التجريبية وهكذا صار الاهتمام هو الاستدلال عليهما بعد أن كانا قانونين يجب الانطلاق منهما كحقائق. وهذا هو واقع المعرفة الأصولية في هذا العصر كما يشير إليه الدهلوي فيقول: «وعندي أن المسألة القائلة أن الخاص مبين ولا يلحقه بيان وأن العام قطعي كالخاص وألا ترجيح بكثرة الرواة.. وأمثال ذلك هو أصول مخرجة على كلام الأئمة وأنها لا تصح بها رواية عن أبي حنيفة وصاحبيه، وأنه ليست المحافظة عليها التكلف في جواب ما يرد عليها من صنائع المتقدمين في استنباطهم كما يفعل البزدوي» [10]. فهذه المواضيع الأصولية إن كانت لا تصح بها رواية عن أبي حنيفة، فأن لا تصح روايتها عن الشافعي أولى، فهي إذن ليست المواضيع الأصولية عند الأئمة، ولكنها مواضيع استحدثها الأصوليون لإشباع رغبة مشبعة واستغلال طاقة فكرية هائلة، وذلك لأن المقصود من القواعد استخراج الأحكام وتأسيس المفاهيم وهذه أمور قد تحققت مع الأئمة كما قال بكر بن العلاء القشيري المالكي: «بعد سنة مائتين قد استقر الأمر وليس لأحد أن يختار» [11].

الاستدلال على الأصول هي ميزة هذه المرحلة ويتفرع عنه مباحثات مماثلة له في أنها عقيمة ولا ينبني عليها أحكام، مثل التساؤل عما إذا كان العرب وضعوا صيغا للعموم أم لا؟ وإذا كان الجواب نعم فما هي هذه الصيغ؟ وهل العموم حقيقة بعد التخصيص أم مجاز؟ وما هو حكم من سمع العموم قبل أن يسمع التخصيص؟ وما هي المخصصات؟ وما هو القدر الذي يتوقف عنده المجتهد في طلب المخصصات؟ وما هو المجتهد؟ ... هذه هي الموضوعات المكونة لأصول الفقه كما وجدها الغزالي أمامه ولم يستطع أن يتجاوزها بقطيعة علمية لكنه نظم هذه المادة وعرضها عرضا منهجيا سيكون مثالا يحتذى به وسيمثل صيغة نهائية للأصول في العصر الكلامي والتعليم المدرسي.

يتعرض الغزالي أولا إلى تعريف العمومي فيقول هو: «اللفظ الواحد الدال من جهة واحدة على شيئين فصاعدا مثل الرجال والمشركين» [12]، ثم يقوم بحصر ألفاظ العموم التي تدل عليه بحسب الصيغة والوضع العربي ثم ينزل بعد ذلك إلى الموضوع الأهم والرئيسي ألا وهو موضوع الخلافات والنقاش والجدل، إنه موضوع البحث في هذه الصيغ ومدى إفادتها للعموم. والاتجاهات هنا ثلاثة تسمى بالأرباب، فقال أرباب العموم إن هذه الصيغ وهي أولا ألفاظ الجموع كالرجال والمشركين، الثاني من وما إذا وردا للشرط والجزاء مثل من أحيا أرضا ميتة فهي له. الثالث ألفاظ النفي كقولك ما جاءني أحد الرابع الألفاظ المؤكدة مثل كل وجميع، فقال أرباب العموم إن هذه الألفاظ موضوعة للعموم حقيقة وأصلا والدليل القوي على ذلك ما فهمه الصحابة رضوان الله عليهم إذ حكموا بما تقتضيه وما تشمله من الأفراد بدون تمييز، فحكموا بعموم قوله تعالى )يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ( على ميراث فاطمة بنت الرسول حتى نقل أبو بكر نحن (معاشر الأنبياء لا نورث) وقال أرباب الخصوص إنها موضوعة لأقل الجمع مثل واحد واثنان وما تجاوز ذلك الحد مظنون فلا بد من دليل عليه، وقال أرباب التوقف إنها مشتركة لم توضع لعموم ولا لخصوص فهي تفيد الشك، فهذا الموقف يمثل امتدادا للاتجاه السوفسطائي، مع أن من أنصاره أبو الحسن الأشعري والقاضي أبي بكر.

ويجب أن نلاحظ أن وراء هذا النقاش الجدلي اتفاق في المعنى تفرضه ذات البنية الفكرية الموحدة وهي أن العموم في كل الحالات ظني الدلالة ولا يفيد شيئا إلا بعد التخصيص، وهذا هو ما رفضه الغزالي. ويمثل هذا الرفض خلخلة لهذه البنية وإن لم تمثل معها قطيعة ...

يقول الغزالي في بيان الموقف المختار عندنا في إثبات العموم: «اعلم بأن هذا النظر لا يختص بلغة العرب فصيغ العموم محتاج إليها في جميع اللغات»، وفي هذا نقد خفي للشافعي الذي سبق أن قال بأن العام والخاص من صفات اللسان العربي وامتيازاته. ويقدم الغزالي أربع أدلة على إثبات دلالة هذه الصيغ للعموم وهي: «ثبوت الاعتراض على من أطاع الأمر العام، وسقوطه عن المطيع، ولزوم النقض والخلف عن الخبر العام، وجواز بناء الاستحلال على المحللات العامة». فلو قال السيد لعبده: أعط كل داخل، فإن أعطى كل داخل، كان يعتبر مطيعا عند جميع العقلاء وإن لم يعط إلا أشخاصاً محددين كالمعوقين أو القصار مثلا، بدعوى أن هذا اللفظ عام يجب تخصيصه، لكان عاصيا. وعندما يعترض معترض بأن هذا الأمر فهمه العبد بالقرائن وليس من اللفظ وحده، فإن الغزالي يرد بنفي كل قرينة، ويبقى الاستدلال صحيحا وقاعدة مطردة فلو قال نبي عاش ساعة واحدة: من قال لكم (أ) فقولوا (ب) ولم يزد في البيان لكان بالإمكان امتثال هذا العموم، وهذا هو منهج الصحابة فإنهم تمسكوا بالعمومات بمجرد اللفظ وانتفاء القرائن.

في هذا العموم الخالي من القرائن، يكون الغزالي قد قطع الطريق أمام الأصوليين الذين قالوا بأن العموم لا يفيد شيئا وحده. وإنما يمكن استيعاب أبعاد هذا الموقف بالتذكير بالمرجعية الصوفية التي كان يصدر الغزالي عنها. فتخصيص العموم هو محاولة للمعرفة وللبيان وإفساح الطريق أمام المداخلة العقلية لتأسيس القوانين، وهذه المطالب ليست محمودة عند الغزالي وزملائه من المتصوفة الذين يرون أن المعرفة تستقى من النور الإلهي والمجاهدة النفسية وتظهر عن طريق نور وإشارة تعجز اللغة عن التعبير عنها، كما يرون أن تبقى القوانين مفتوحة دون تحديد، ولذلك سئل أحدهم عما يجب في مائتي درهم، فقال: بالنسبة لنا الكل لله، وبالنسبة لكم خمسة دراهم، وما كتاب إحياء علوم الدين إلا طريق خفي في هذا الاتجاه، اتجاه الابتعاد عن قوانين المفاهيم والتركيز على أسرارها. ومع أن لهذا الموقف ملائمة للشريعة، إذ يمكن امتثال الأوامر دون تشوف إلى العلل والمصالح لكنه يبقى مع ذلك خيار وطريقة.

المحطة الثالثة: الشاطبي (العموم الاستعمالي وتوحيد الحقل)

لقد ارتبط اسم الشاطبي بالمقاصد الشرعية، التي يرى الكثيرـ باستثناءات قليلةـ [13] أن تجديده وتأصيله للأصول تم من خلالها، ونحن لا نرى فيها القيمة الكبيرة في تفكير الشاطبي، ذلك أن الإشكالية العتيدة في البحث الأصولي تكمن في الإجابة على سؤال واحد، وهو كيف يمكن أمام أدلة قائمة استكشاف المعرفة؟ وهو ما يسمى باستثمار المعاني من النصوص، وتتحدد الإجابة من خلال الموقف الأصيل من قاعدة العموم والخصوص وأخواتها من المجمل والمبين والمطلق والمقيد والظاهر والمؤول. فالمقاصد ليست عصا سحرية تمكن من استيعاب الشريعة دفعة واحدة لأن معرفتها لا تغنى شيئا دون معرفة الأدلة والنصوص الحاملة لها. من هنا أردنا أن نستشف مواقف التجديد عند الشاطبي من خلال موقفه من المقاصد، ولكن المقاصد الجزئية في هذا الدليل الجزئي أو ذاك.

في المسألة الثالثة من العموم والخصوص، وهي المسألة الأهم، لا يتعرض الشاطبي لصيغ العموم لأن ذلك من المطالب العربية فيجب أن تتقرر تلك الصيغ عند اللغويين ويأخذها الأصولي من عندهم كمسلمات، وإنما يهتم بعرض موقفه الذي يختلف مع الأصوليين والذي ينطلق من البحث في الدلالة الاستعمالية للعموم دون الدلالة اللغوية الوضعية، وهذا الموقف أكثر انسجاما مع القواعد العربية، التي تقول «إن الأصل الاستعمالي إذا عارض الأصول القياسي كان الحكم للاستعمالي» [14]، وبعد أن يقدم أمثلة على صحة الاعتماد على الأصل الاستعمالي، ككلام ابن خروف على الأسماء والصفات وكقول الغزالي في قوله صلى الله عليه وسلم (أيما إهاب دبغ فقد طهر): «خروج الكلب والثعلب عن ذهن المتكلم والمستمع عند التعرض للدباغ ليس ببعيد بل هو الواقع ونقيضه هو الغريب المستبعد». يقرر صحة هذا الأصل وصحة اعتماده ليس في اللغة فقط بل في الشريعة كذلك «وهو موافق لقاعدة العرب وعليه يحمل كلام الشارع بلا بد».

ولكن في هذا مخالفة صريحة للأصوليين الذين يرون أن اللفظ العام إذا خرج عن الوضع العربي فليس أمامنا طريق لمعرفة المقصود منه سوى تخصيصه بدليل من الحس أو من العقل. وأيضا مخالفة لما عرف عن العرب فقد فهموا من الألفاظ العامة دلالتها الوضعية الشمولية وإن كان سياقها يفيد أنها ليست مقصودة، وهم العرب الذين نزل القرآن بلسانهم، وذلك مثل قوله تعالى )إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ( فقال ابن الزبعري أنا أخصم لكم محمدا فجاءه فقال له فقد عبدت الملائكة والمسيح فكان الرد بدليل آخر وهو قوله تعالى )إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى( ومخالف كذلك لما أثر عن الصحابة عن قوله تعالى )وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ( ، فقد رأوا أنها موجهة إليهم كما لغيرهم حتى قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الظلم هو الشرك)، فهذا يدل على صحة الأخذ بالدلالة الوضعية حتى يأتي بيانها بدليل متصل أو منفصل.

حول هذه الاعتراضات يرى الشاطبي أن اللفظ العام إما أن يتطابق مع الدلالة اللغوي، وفي هذه الحالة فلا إشكال، وإما أن لا يتطابق معها، وحينئذ فقد صارت له دلالة أخرى حقيقية لا مجازية وهي الدلالة الاستعمالية، والدليل على صحتها: »ما ثبت في أصول العربية من أن للفظ العربي أصالتين أصالة قياسية وأصالة استعمالية».

 هذا على مستوى الألفاظ العربية أما على مستوى الألفاظ الشرعية فإذا تطابقت هذه الأخيرة مع الدلالة اللغوية فلا إشكال أيضا وإن لم تطابقها فقد صارت لها دلالة شرعية حقيقية لا مجازية، وذلك أن نسبة الوضع الشرعي إلى مطلق الوضع الاستعمالي العربي كنسبة الوضع في الصناعات الخاصة إلى الوضع الجمهوري، ويدل عليه أيضا ما اتفق عليه الأصوليون من وضع الحقيقة الشرعية. وهذا الوضع هو الذي تقرر في سور القرآن بحسب تقرير قواعد الشريعة ويحتاج فهمه إلى تمرن ومعايشة يومية للأدلة الشرعية ومقاصدها وهو ما يقوم به العلماء ويختصون به كما اختص أهل العربية بمعرفة مقاصد الوضع العربي. وإذا تقرر ذلك فليس في الآيات السابقة تخصيص أو لبس في دلالتها يرتفع بواسطة دليل من الخارج، فآية الظلم نازلة في قصة إبراهيم والسورة كلها نفي للشرك وعبادة النجوم والكواكب والأصنام وبالتالي فالظلم هنا هو ما يقوم به قوم إبراهيم من الشرك. وأما اعتراض ابن الزبعري فالخطاب موجه إلى العرب وكانوا يعبدون الأصنام ثم إن كلمة ما لما لا يعقل فكيف تشمل الملائكة والمسيح؟ لذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (ما أجهلك بلغة قومك يا غلام). إذن هذه هي النقطة الأولى الأساسية وتتعلق بنفس العمومات التي هي موضوع البحث الشرعي فهي قواعد صادقة العموم.

أما النقطة الثانية فتتعلق بمفهوم التخصيص أي بالمنهج فهو عند الأصوليين إخراج لبعض الأفراد التي يشملها اللفظ، وإن شئنا الدقة قلنا إخراج لبعض الأدلة ولبعض المعاني ولبعض الأحكام.. أما عند الشاطبي فنظرا للقول بأن العمومات صادقة بكل وجه فلم يبق للتخصيص حقيقة سوى أن يكون بيان لجهة العموم، أي الكشف عن معنى هذا الدليل المتعلق بهذا الموضوع أو ذاك، أو بهذا المفهوم أو ذاك، على اعتبار أن الحقيقة الشرعية مركبة من مجموعة من الأدلة يمثل كل واحد منها جزءا من المعنى لا المعنى ككل. وهذا يعني دمج الخاص في العام دون تمييز أو تفاضل ودون التفرقة بينهما، فلا يصح القول بأن أحدهما حقيقة والثاني مجاز بدليل «وجود الفرق عند أهل العربية بين قولك ما رأيت رجلا شجاعا وما رأيت أسدا يفترس الأبطال وأن الأول حقيقة والثاني مجاز والرجوع في هذا إليهم لا إلى ما يصوره العقل في مناحي الكلام». وثمَّة فرق ضئيل لشدة اتساعه، بين التخصيص عنده وعند الأصوليين فهو عند الأصوليين البيان الذي سيق عقب الحقيقة ليبين أن المراد المجاز وعنده بيان الذي سيق عقب الحقيقة ليبين المراد منه وبين البيان وبيان ما ببين السماء والأرض.

لقد لاحظ الشاطبي أن هذه النظرية تدعو إلى تأصيل علم الأصول، وتعيد إلى العمومات الشرعية ثقة الاستدلال بها، بدل القول بأنها ظنية وفي ذلك توهين لقيمتها، كما لاحظ أن هذا الموقف يكشف ويتكشف عن علم كثير وفقه جميل. لكن هذه المطالب لا تتحقق إلا بتحويل الكلام الوارد في هذا البحث من الألفاظ إلى الأدلة، وبالتمثيل بالأحكام بدل التمثيل بالجمل العربية وآيات الأخبار، وحينئذ يتحقق تحقيق فقه كثير وعلم جميل.

نلاحظ أولا: ظهور معنى جديد للحقيقة الشرعية. فإذا كانت هذه الأخيرة قواعد صادقة العموم فهذا يعني التسليم بها كحقيقة لا تقبل النقاش والجدل بحيث يكون البحث قاصرا على المعنى الذي تفيده، هذا بدلا من الطريقة القديمة التي بمجرد أن تسمع العموم تهجم عليه في طلب المخصصات وتوجيه الشكوك إليه.

نلاحظ ثانيا: واقع التركيب والازدواج المؤسس للحقيقة الشرعية. إن هذا التركيب يمثل مأزقا يجب التخلص منه في الرؤية القديمة، لأنه يفيد الاحتمال والظن، بينما المطلوب في البحث الشرعي هو الحق على التحقيق، واليقين الذي يجب أن يكون واحدا لا يتعدد. وبالتالي يجب أن يقترن المفهوم بدليل واحد وواحد فقط.. لكن هذا التعدد الآن هو دليل وآية على خصوبة الشريعة وغناها «فالخطاب الشرعي بوصفه خطابا لغويا يجعل صوغ قضايا شرعية انطلاقا منه تتناسب طرديا مع الإمكانيات المختلفة لإغلاقه، فثمة تعدد في إمكانيات إغلاق الخطاب الشرعي وتأويله بالاحتفاظ بدلالة ما بعينها وإلغاء سائر الدلالات الممكنة الأخرى.» [15].

نلاحظ أخيرا: أن كل تحديد لمفهوم شرعي ما انطلاقا من دليل معين لا بد أن يكون نسبيا ما دامت أدلة المفهوم قد زادت على الواحد. مثال ذلك أنه جاء الأمر بالصلاة والزكاة على أنحاء متعددة وبصيغ متنوعة كصلاة العشي والإبكار، وصلاة التهجد، وصلاة قرآن الفجر، والصلاة الوسطى، والصلاة قبل طلوع الشمس وقبل الغروب، والصلاة الركعتين لمن مس امرأة لا تحل له، والصلوات الخمس، والصلاة على الرسول. وكذلك الأمر في الزكاة، فقد أمر الله بالإنفاق والمواساة حتى لا تكون دولة بين الأغنياء، وزكاة إطعام اليتيم والمسكين في يوم ذي مسغبة، والزكاة في السر والخفاء، والزكاة المخصوصة، والزكاة من أحب المال إلى النفس وأغلاه، فهذه الأدلة مجتمعة هي أدلة الصلاة والزكاة، وإذا قال الأصوليون بأن الواجب هو الصلاة المخصوصة والزكاة المخصوصة، قلنا بأن هذا التقسيم راجع إلى الأصوليين لا إلى ما يصوره العقل في مناحي الشريعة.

 

[1] - مسلم الثبوت محب الله بن عبد الشكور علي، هامش المستصفى، ص3.

[2] - المستصفى في علم أصول الفقه للغزالي، دار الكتب العلمية، 1983، بيروت، لبنان، ص3.

[3] - الموافقات في أصول الأحكام للشاطبي، دار الفكر للطباعة والنشر، د.ت، ص13، المجلد 2.

[4] - المستصفى للغزالي، ص51، المجلد 2.

[5] - الرسالة للإمام الشافعي، تحقيق أحمد محمد شاكر، دار الفكر، ص273.

[6] - الموافقات للشاطبي، ص14.

[7] - الرسالة للشافعي، ص51-52.

[8] - الرسالة للشافعي، ص58 وما بعدها.

[9] - يجب أن نلاحظ أن هذه الانتقادات مستمدة من الانتقادات التي وجهها الأستاذ الجابري إلى القواعد اللغوية والنحوية، وذلك في كتابه تكوين العقل العربي فنفس المظاهر السلبية التي أدى إليها عمل الخليل بن أحمد في تدوين اللغة هي التي تحققت في عمل الشافعي فيما يخص تدوين الشريعة. فإذا كان عمل الخليل قد أدى إلى تحجير اللغة في أقيسة وحدود ثابتة لا تتغير ولا تتطور ولا تزول فإن قوانين الشافعي عملت نفس الشيء.

[10] - أصول الفقه، محمد أبو زهرة، دار الفكر العربي، ص21.

[11] - الإحكام لابن حزم، ص552، المجلد الأول.

[12] - جميع الإحالات بخصوص موقف الغزالي في هذا الموضوع، ترجع إلى المستصفى للغزالي، ص32 وما بعدها.

[13] - نشير بذلك إلى كتاب الأستاذ سالم يفوت، حفريات المعرفة العربية الإسلامية، التعليل الفقهي.

[14] - الإحالات هنا عن الشاطبي في الموافقات، ص153-165، المجلد الثاني.

[15] - حفريات المعرفة العربية الإسلامية التعليل الفقهي، سالم يفوت، ص229.

المصدر: مجلة فكر ونقد، العدد 72 (بتصرف)

 
أحمد ولد محمد محمود
تاريخ النشر:2010-05-06 الساعة 14:25:27
التعليقات:1
مرات القراءة: 4516
مرات الطباعة: 488
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan