الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » قضايا فكرية » وجهات نظر

عقدة النقص

د. مصطفى السباعي

 

الشعور بالضعف والنقص عقدة من العقد النفسية التي تؤثر على الفرد تأثيراً سيئاً في سلوكه الاجتماعي، وتؤثر على الأمة تأثيراً ضاراً في سيرها الحضاري، ولا يأتي الرجل بجلائل الأعمال إلا حين يكون واثقاً من نفسه، مطمئناً في سيره، مستيقناً من هدفه، ولا تخلد الأمة في التاريخ إلا حين تؤمن برسالتها، وتستوثق من صحة عقيدتها، وتندفع في طريق الحضارة تملأ نفوس أفرادها العزة، وتمتلئ أيديهم من القوة ويتميزون على غيرهم بخلق عظيم، أو علم جليل، أو رسالة نبيلة يحملونها إلى العالمين.

ومن المستحيل على أمة تشعر بالتخلف عمن جاورها، أو بالضعف عن مقاومة خصومها، أو بالمهانة من عقيدة تؤمن بها، أن تجاري ركب الحضارة، أو تفوز في ميدان كريم من ميادينها بالسبق، أو تدفع عن نفسها أذى الخصوم والأعداء، أو تفرض احترامها على الأقرباء والبعداء.

ومنذ أفقنا من رقدتنا في العصر الحديث، وفتحنا أعيننا على سلطان هذه الحضارة على بلادنا وسبقها لنا في مختلف الميادين، أصابتنا عقدة من العقد النفسية الخطيرة على كيان الأمم هي «عقدة النقص» فقد أصبحنا نعتقد أننا أضعف من الغربيين قوة وسلطانا فلا سبيل إلى التحرر من نفوذهم، وأوهى منهم عقيدة ونظاماً فلا طريق إلا أن نسلك طريقهم، ونخضع لمقاييس حضارتهم وأخلاقها ما دمنا قد خضعنا لها في مبتكراتها ومخترعاتها، وكان لعقدة النقص هذه أثر كبير في تخلفنا الحضاري والفكري والسياسي والاجتماعي، وكانت كل محاولاتنا «العاطفية» للنهوض واللحاق بالأمم المتقدمة القوية، تتبدد كالهباء أمام الواقع المؤلم الذي نعيش فيه، حتى تخلصنا من «عقدة النقص» السياسي، فاستطعنا أن نطرد الاستعمار، ونحقق الاستقلال، ونلفت أنظار العالم إلينا، ونجعل الذين لا يزالون يحلمون باستمرار السيطرة علينا والاستغلال لشؤوننا، يحسبون لنا ألف حساب، ويجمعون أمرهم شركاء وحلفاء للكيد بنا حتى لا نسرع في الوثبة، ولا نمضي قدماً في طريق الخلاص، وهذا هو الواقع الذي نحياه الآن: توثب من جانبنا، وتربص حذر من جانب أعدائنا، هم يحسبون أنهم قادرون على إيقاف سير القدر، ونحن نعتقد أن القدر قد أراد لنا أن نحطم القيد، ونبدأ مما وقفنا عنده منذ مئات السنين: طريق القوة والمجد والسيادة، وســنُغــذِ السير في هذا الطريق حتى تتم إرادة الله والأمة، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

كان حرياً بنا أن نتدبر نتائج الخلاص من «عقدة النقص» السياسي عندنا، وما جنيناه من ثمار سريعة النمو، شهية المذاق، وأن يغرينا ذلك بالخلاص من «عقدة النقص» في الميادين الفكرية والاجتماعية، فنعيد النظر إلى عقيدتنا وتراثنا، نظر الأمة القوية المتحررة مما فرض عليها في عصور الضعف من مقاييس وأفكار وثقافات واتجاهات، ويومئذ ننطلق في البناء انطلاق الحر يختار الأصلح له ولو لم يرق في أعين الناس، ويجتنب الأضر به ولو رغب فيه الناس جميعاً.

ولكننا لم نفعل ذلك حتى الآن، فلا يزال الجو الفكري عندنا مثقلاً بعقدة النقص، في كل ما نعالجه من مشكلات اجتماعية، نستحسن في الغالب كل ما يستحسنه الغربيون ونستقبح كل ما يستقبحونه، دون أن نسمح لأنفسنا بالجرأة في نقد ما يستحسنون أو يستقبحون، خذ لذلك مثلاً معالجة موضوع المرأة، وما أثير ويثار حول مواضيع كالتعدد وغيره، إنك لتلمس جو «التبعية» وضعف «الاستقلال الفكري» ومجاراة الغربيين في الصد والإقبال والصول والهجر، في أكثر ما تسمعه أو تقروه حول هذا الموضوع، وقل أن تجد فيه أثراً «للشخصية المستقلة» و «الدراسة المتحررة العميقة» للأوضاع الاجتماعية في بلادنا.

وخذ لذلك مثلاً آخر هذا الأدب الجنسي الذي طغى على صحافتنا ومجلاتنا الأدبية والفكرية، حتى لتحسب أن هناك خطة مبيتة لإثارة غرائز الجنس في المراهقين والمراهقات. فالصور غالباً ـ سواء كان على غلاف المجلة أو في ثناياهاـ هي صور الممثلات من «نجوم» السينما والتلفزيون، والمناظر كلها مناظر فتاة تلعب أو تلبس أو تتحلى بأحدث الأزياء وأجمل المظاهر. وهذا كلّه في مجلات عربية محترمة، يشرف عليها أناس محترمون، وتنفق عليها حكومة عربية إسلامية لحماً ودماً، لم يفتها أن تحلي الصفحات الأولى لجميع أعدادها منذ صدرت حتى الآن بصورة فتاة عربية أو أجنبية حسناء، كأن البلاد التي تصدر فيها تلك المجلة أو البلاد العربية الأخرى قد خلت من صورة عامل يحرث، أو قائد يخطب أو عالم يبحث، أو أستاذ يدرس، أو أديب يكتب، أو جندي يحمل السلاح، أو ثكنة تخرج الأبطال، أو كأن صور هؤلاء لا تجعل المجلة محببة على قلوب قرائها!..

فيم كل هذا؟ ولم كل هذا؟ لا لشيء! إلا لأن صحافة الغرب هكذا تفعل، أو هكذا يقال أنها تفعل، أما أنا فلم أر ولم ير غيري مجلة علمية غربية تصدر وهي تلتزم دائماً أن لا تنشر على غلافها إلا صورة فتاة حسناء، ولكن كيف نثبت للغربيين أن عندنا صحافة راقية؟ وكيف نبرهن للعالم أننا تطورنا وتمدنا؟!

على أن عقدة النقص هذه التي ضربنا لها بعض الأمثلة، بدأت تنحل في نفوس أعداد من شباب هذا الجيل، وبدأ الاعتزاز بشخصيتنا المستقلة يقوى تياره يوماً بعد يوم، مما يوجب على المصلحين والمسئولين رعاية هذا التيار والأخذ بيده، حتى ندعم استقلالنا السياسي باستقلالنا الفكري وتأتي نهضتنا الرائعة كاملة منسجمة يأخذ بعضها بحجز بعض، وحتى يأتي اليوم الذي يصدق فيه علينا مرة أخرى قول الله تبارك وتعالى: )كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ(.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* نشر في مجلة حضارة الإسلام

مسلم أون لاين

 
د. مصطفى السباعي
تاريخ النشر:2010-05-06 الساعة 15:10:51
التعليقات:0
مرات القراءة: 2210
مرات الطباعة: 569
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan