الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم إسلامية » أخلاق وتزكية

الضَّبْط والعدالة بين حفاظ القرآن والسنة

محمد سعيد بكر

 

يُعَدُّ الضَّبْط والعدالة شرطين أساسيين لقبول رواية المحدِّثين، والخلل في أحدهما أو كليهما يُقلِّل من قيمة المُحدِّث، ويُنزل من درجة حديثه بالتالي من أعلى مراتب الصحة إلى الحسن والضعيف أو الموضوع الذي لا أصل له.

والضبط أمر يتعلق بالجانب الفني المتخصص للراوي، وهو يعني: الحفظ والإتقان والتيقظ التام من لحظة التحمل وحتى لحظة الأداء للمحفوظ.

أما العدالة: فهي مَلَكَة شخصية يكتسبها الراوي تُعزِّز صدقَه وصلاحه وتقواه ومروءته ورجاحة عقله وانضباطه على العموم بضابط الشرع الصريح والعرف الصحيح، حالُه كحال الشهود في القضايا المختلفة ممن قال فيهم ربنا: )وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ( [الطلاق:2].

هذان الشرطان للحافظ من حُفّاظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يضمن صحة الإسناد وسلامته من الخلل، وبالتالي التأكد من سلامة المنقول بسلامة الناقل ذاته.

ولا يمكن الفصل بين العدالة والضبط أبداً؛ إذ هما صنوان في الحكم على الراوي، وهما متمِّمان لبعضهما بعضاً، فلا نقبل -مثلاً- حديثاً من راوٍ عَدْل لكنه لا يَضْبِطُ ولا يحفظ جيداً، وإن كنا نستسقي به الغمام، ولا نقبل الحديث من ضابط متقن حافظ غير أنه مختلٌّ في عقيدته، مشكوك في مروءته، مطعون في صدقه وتقواه.

وإن الجهود المضنية التي بذلت في الحكم على الرواة جرحاً وتعديلاً بناءً على هذين المؤشِّرين، سبقتها جهود جبارة في بناء المعلم أو الشيخ لتلاميذ من هذا النوع ضَبْطاً وعدالة، وما تبع ذلك من إرادة وهمَّة عالية لدى هؤلاء الحفاظ حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه، فصرتَ تُطلق على البخاري -مثلاً- وصف: «أمير المؤمنين في الحديث»، وكذا مسلم وأحمد وغيرهم ممن حاز أوسمة الثقة والحجة والتثبُّت.

إن هذه الصورة المشرقة عند كبار المحدِّثين في حمل المتن والسند على حدٍّ سواء دون تخليط ولا تدليس أو غيرها من العلل الخفية أو الجروح الظاهرة، ما كان ينبغي أن تفوت أهل القرآن الذي هم أحق بهذه الشروط وأهلها من أهل الحديث، كيف لا، والقرآن هو المصدر الأول للتشريع، وهو كتاب الله المعجز المتعبَّد بتلاوته وأحكامه، الممنوع تلاوته بالمعنى، المكروه أن يأتي عليه اللحن الخفيُّ عدا عن بطلان قراءته بلحن جليٍّ )الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ( [البقرة:121].

إن مِن ألزمِ لوازم حُفّاظ القرآن الكريم أن يحرصوا على الضبط التام لما يحفظون من مبتدأ المصحف أو الجزء أو السورة إلى المنتهى، حفظاً متقناً، بلا تردد أو تلعثم، مع إعطاء الحروف حقَّها ومُستَحقَّها، وكل ذلك يندرج تحت بند الضبط، لا حفظاً من أجل الاختبار والمسابقة فحسب، وإنما من أجل الصلاة والإمامة لأنه: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) رواه البخاري، بل من أجل استدعاء الدليل وحضوره في المواقف الحياتية كلها.

أما العدالة، فإن كتاب الله تعالى نور، ونور الله لا يُهدى لعاصٍ، ولا استهانة في شأن العدالة، ولاسيَّما أن مادة القرآن هي مادة تحصيل العدالة، ليس للحافظ فحسب، وإنما للأمة وللناس أجمعين.

العدالة للحفاظ -صغاراً كانوا أو كباراً- مطلوبة؛ لأنها من أصل آداب التلاوة؛ إذ لا ينبغي للحافظ أن يلهو مع من يلهو، ولا يسهو مع من يسهو؛ لعظيم ما يحمل من قرآن كريم في صدره: )إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً( [المزمل:5].

العدالة لأهل القرآن إنما تتركَّز بشكل مكثَّف عند من يُتْبِع محفوظه بعمل، كما كان محمد صلى الله عليه وسلم الذي ما إن ختم القرآن حفظاً إلا وختمه عملاً، يشهد لذلك عائشة رضي الله عنها -كما في البخاري- حيث قالت: «كان خلقه القرآن».

العدالة لابد لها من منهاج يُربِّي، وشيخ مربٍّ؛ حتى يأخذ الطلاب العلم والأدب جميعاً، وإلا فإننا على موعد مع جيل يحفظون القرآن (لا يكاد يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) كما جاء في البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم.

إن حُفّاظ القرآن أو حُفّاظ الأجزاء والسور القرآنية مدعوون للإفادة من شروط حُفّاظ الحديث؛ حيث العدالة المتناهية )فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ( [التغابن:16]، والضبط الجازم الحازم مطلوب حتى نصل إلى مرحلة تُخرِّج فيها مؤسسة القرآن -مسجداً كانت أو جمعية تحفيظ أو مدرسة- أمراءَ المؤمنين في حفظ القرآن، ثقاتٍ أثباتاً وحججاً، أو كما يطيب للبعض أن يسميهم: (آية الله)؛ فآية الله الحافظ يحفظ آية الله أو سوره أو قرآنه الكريم كله.

إننا إذا ركزنا على هذين الشرطين كشرطين ثابتين من شروط الإعلان عن حفاظنا وإشهارهم -حتى ولو طال الزمن- فإننا نحفظ لمكة هيبتها، ونجعل للحفظ وزنه، ثم إننا نتخلص من ظواهر الترهل والضعف العام، ولا نجد مشكلة كبيرة وقتئذ في المراجعة أو ترميم الحفظ؛ لأن دافعاً ذاتيّاً يغرس في نفس الحافظ يحدو به إلى أن يحرص على حفظه الذي تعب أيَّما تعب فيه حتى حصل على وسامه ونيشانه، فالمراجعة برنامج ذاتي للحافظ، ليظل ضابطاً دون تفلُّت، والعبادة والخلق الكريم وصفاء التوحيد كلها مما يتابعها الحافظ للقرآن في نفسه، حتى لا يتردَّى منحنى العدالة لديه وهو يدري أو لا يدري، وهذه المتابعة ممتدة مستمرة إلى أن يلقى الحافظ ربه سبحانه: )وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ( [الحجر:99].

ومن نسي شروط العدالة وأسرف على نفسه يوشك أن يتفلَّت منه القرآن؛ لأنه في حينها سينسى نفسه عدا عن نسيان القرآن ذاته. قال تعالى: )وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا الله فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ( [الحشر:19].

والقرآن العظيم محفوظ من الله تعالى: )إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ( [الحجر:9]، فلا يقولنَّ قائل: لا داعي لشرط العدالة أو الضبط عند حفظ القرآن، بل لا داعي للحفظ نفسه؛ لأن الله تعالى حافظٌ كتابه رغم المؤامرات والمكائد!

وهذا قول مردود، وإن حُفّاظ القرآن يعون تمام الوعي أن حفظهم إنما يعود عليهم بالخير والنفع والحفظ والأمن، ولا يعود على القرآن ذاته؛ فحافظ القرآن محفوظ محروس من الله، ويجدر به أن يظل على عدالته وضبطه، وأن يختبر ذلك مرة ومرة؛ حتى لا يخسر هذه البركات الحسان. روى الترمذي بسند صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقال لصاحب القرآن يوم القيامة: اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها». ولا أظن أن ذلك الكلام يقال لحافظ الحديث الشريف، وإن كان له من الله تعالى الثواب الكريم.

وختاماً: فإن العجلة غالباً ما تُنتج سوء ضبط وضعف إتقان، ولا يُفلح معها تحصيل عدالة وتزكية، خصوصاً أننا نحتاج إلى وقفات نُرمِّم بها بعض التشوهات، فالتريث التريث، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما روى عنه البخاري قال: (إن البر ليس بالإيضاع). و(الإيضاع): هو العجلة.

والخير كل الخير في الحفظ المكين يحمله الصدر الأمين: )بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ( [العنكبوت:49].

عَدْلٌ وضَبْطٌ لا نُفَرِّق بينها                     يا حافظ القرآن الزم ثغرها

احذر من التفريط تغدو مُفلحاً                وعليك بالرحمن يجمعُ شملها

المصدر: مجلة الفرقان

 
محمد سعيد بكر
تاريخ النشر:2010-05-15 الساعة 11:08:53
التعليقات:0
مرات القراءة: 1609
مرات الطباعة: 507
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan