الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » اللغة و الأدب

الضمير

أ. مصطفى لطفي المنفلوطي

 

أتدري ما هو الخُلُق عندي؟

هو شعور المرء أنه مسؤول أمام ضميره عما يجب أن يفعل.

لذلك لا أُسمِّي الكريم كريماً حتى تستوي عنده صدقة السر وصدقة العلانية، ولا العفيف عفيفا عندي حتى يعف في حالة الأمن كما يعف في حالة الخوف، ولا الصادق صادقاً حتى يصدق في أفعاله صدقه في أقواله، ولا الرحيم رحيماً حتى يبكي قلبُه قبلَ أن تبكيَ عيناه، ولا المتواضع متواضعاً حتى يكون رأيه في نفسه أقل من رأي الناس فيه.

التخلق غير الخلق، وأكثر الذين نسمِّيهم فاضلين متخلقين بخلق غير الفضيلة، لا فاضلون لأنهم يلبسون هذا الثوب مصانعةً للناس، أو خوفاً منهم، أو طمعاً فيهم، فإن ارتقوا عن ذلك قليلاً لبسوه طمعاً في الجنة التي أعدّها الله للمحسنين، أو خوفاً من النار التي أعدّها الله للمسيئين.

أما الذي يفعل الحسنة لأنها حسنة، أو يتقي السيئة لأنها سيئة فذلك منْ لا نعرف له وجوداً، أو لا نعرف له مكاناً.

لا ينفع المرءَ أن يكون زاجره عن الشر خوفُه من عذاب النار، لأنه لا يعدم أن يجد بين الزعماء الدينيين من يلبس الشر لباس الخير فيمشي في طريق الرذيلة وهو يحسب أنه يمشي في طريق الفضيلة، أو خوفه من القانون، لأن القوانين شرائع سياسية وُضعت لحماية الحكومات لا لحماية الآداب، أو خوفه من الناس، لأن الناس لا ينفرون من الرذائل بل ينفرون مما يضرُّ بهم، رذائل كانت أم فضائل، وإنما ينفعه أن يكون ضميره هو قائده الذي يهتدي به، ومناره الذي يستنير بنوره في طريق حياته.

ومازالت الأخلاق بخير حتى خذلها الضمير وتخلّى عنها، وتولّت قيادتها العادات والمصطلحات، والقواعد والأنظمة، ففسد أمرها واضطرب حبلها، واستحالت إلى صور ورسوم وأكاذيب وألاعيب؛ فرأينا الحاكم الذي يقف بين يدي الله ليؤدِّي صلاتَه وأسواط جلاّديه تمزِّق على مرأى منه ومسمع جسم رجل مسكين لا ذنب له عنده إلا أن يملك صبابة من المال يُريد أن يسلبه إياها، والأمير الذي يتقرَّب إلى الله ببناء مسجد قد هدم في سبيله ألف بيت من بيوت المسلمين، والفقيه الذي يتورّع من تدخين غليونه في مجلس القرآن، ولا يتورَّع عن مخالفة القرآن نفسه من فاتحته إلى خاتمته، والغني الذي يسمع أنين جاره في جوف الليل من الجوع فلا يرق له ولا يحفل به، فإذا أصبح الصباح ذهب إلى ضريح من أضرحة الأولياء، ووضع في صندوق النذور بدرة من الذهب قد ينتفع بها من لا حاجة به إليها، والمومس التي تتصدّق بنفسها ليلة في كل عام على روح بعض الأولياء، وعندها أنها قد كفَّرت بذلك عن سيئاتها طول العام!

إلى كثير من هذه النقائص التي يزعم أصحابها ويزعم لهم كثير من الناس أنهم من ذوي الأخلاق الفاضلة والسيرة المستقيمة.

الخلق هو الدمعة التي تترقرق في عين الرحيم كلما وقع نظره على منظر من مناظر البؤس، أو مشهد من مشاهد الشقاء.

هو القلق الذي يُساور قلب الكريم ويحول بين جفنيه والاغتماض كلما ذكر أنه ردَّ سائلاً محتاجاً، أو أساء إلى ضعيف مسكين.

هو الحمرة التي تلبس وجه الحي خجلا من الطارق المنتاب الذي لا يستطيع رده، ولا يستطيع مدّ المعونة إليه.

هو اللجاجة التي تعتري لسان الشريف حينما تحدثه نفسه بأكذوبة ربما دفعته إليها ضرورة من ضرورات الحياة.

هو الشرر الذي ينبعث من عيني الغيور حينما تمتد يد من الأيدي إلى العبث بعرضه أو بكرامته.

هو الصرخة التي يصرخها الأبيّ في وجه من يحاول مساومته على خيانة وطنه، أو ممالأة عدوِّه.

الخلق هو أداء الواجب لذاته، بقطع النظر عما يترتّب عليه من النتائج، فمن أراد أن يُعلِّم الناس مكارم الأخلاق فليُحي ضمائرَهم، وليبثَّ في نفوسهم الشعور بحب الفضيلة، والنفور من الرذيلة بأية وسيلة شاء، ومن أي طريق أراد، فليست الفضيلة طائفة من المحفوظات تُحشى بها الأذهان، بل ملكات تصدر عنها آثارُها صدور الشعاع عن الكوكب، والأريج عن الزهر.

.............................

*النظرات، مصطفى لطفي المنفلوطي، (ج3)، دار الجيل، بيروت، 1984م، ص: 159-162.

 
أ. مصطفى لطفي المنفلوطي
تاريخ النشر:2010-05-15 الساعة 11:25:08
التعليقات:0
مرات القراءة: 2462
مرات الطباعة: 487
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan