الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم إسلامية » دراسات أصولية

نظرية الاعتبار في الفقه وأصوله

عبد الكريم عكيوي

 

إن غرض علم الأصول هو بيان كيفية اقتباس الأحكام الشرعية واستخراجها من الأدلة، ولهذا ارتبط علم أصول الفقه بالخطاب الشرعي من جهة واضعه، ومن جهة أنواعه وأقسامه، ومن جهة فهمه ومعرفة دلالته، ومن جهة العمل به وتنزيله على محله. فكان خلاصة ما قدّمه المنهج الأصولي، هو طريقة فهم الخطاب الشرعي واستيعاب معناه أولاً، ثم العمل به في موضعه وتنزيله على محله.

ولما نظر الأصوليون في الخطاب الشرعي، قرروا من البداية أن النظر فيه قائم على المعرفة بلسان العرب، ولهذا قاموا بتحليل الخطاب الشرعي من جهة اللغة، واشترطوا فيمن ينظر في النص الشرعي أن يكون عالماً بلسان العرب. وأدرك الأصوليون أيضاً أن المعرفة بهذا الجانب اللغوي من الخطاب الشرعي، كثيراً ما لا يفي بالغرض الذي هو فهم هذا الخطاب وإدراك معناه الصحيح، ولهذا قرروا أن هناك عناصر غير لغوية تدخل في فهم الخطاب، وأن هذه العناصر كثيراً ما تكون بعيدة عن النص المنظور فيه ومنفصلة عنه. فإذا كان الناظر العارف باللغة، يدرك العناصر اللغوية التي يتوقف عليها النص بالنظر فيه منفرداً، فإن العناصر غير اللغوية لا تظهر في النص الشرعي المنظور فيه، وإنما تتوارى عنه في جهات أخرى، فلابد من عمل آخر وهو العبور إلى هذه العناصر، والبحث عنها في مواضعها، ثم ضمها إلى النص المنظور فيه وإلحاقها به فينظر فيه باعتبار ذلك كله.

ثم أدرك الأصوليون أيضاً أن الخطاب الشرعي تتلبس به مقتضيات، ويرد في سياقات خاصة، وإن هذه المقتضيات والسياقات قد تنفصل في النقل عن نصوصها، بعد أن كانت ملابسة لها في الوقوع. فيجب على الناظر في الخطاب الشرعي أن يعبر بنظره إلى ملابسات النص وظروفه، فيضمها إليه ويعتبر بها في نظره.

ولما كان القرآن الكريم والسنة النبوية وحدة متكاملة، أدرك علماء الأصول أن النص الواحد من القرآن الكريم أو السنة الشريفة لا يستغني عن غيره من النصوص، فهو بمنزلة لبنة في بنيان الشريعة، يقوم بغيره من أجزاء البناء، ويشد غيره، وإن فائدته معزولاً عن غيره أضعف منها إذا كان موصولاً بغيره، مضموماً إلى ما سواه. ولهذا كان منهج الأصوليين، عند النظر في النص الشرعي، يقوم على النظر في النص أولاً من جهة عناصره اللغوية وتراكيبه من حيث العربية، ثم تقليب النظر بعد ذلك في سائر أجزاء الوحي والتماس المناسبات بين النص وسائر النصوص الأخرى، فكلما وجد نص له صلة ووجه مناسبة بينه وبين النص المنظور فيه، فإنه يضم إليه ويستصحبه الناظر وهو ينظر في النص، وعلى هذا الأساس نص الأصوليون على مجموعة من الثنائيات مثل العام والخاص، والمطلق والمقيد، والمحكم والمتشابه.. وكلها إشارة إلى هذا المنهج، وأن النص من هذا الصنف لابد عند النظر فيه من الاعتبار بما يتصل به من الصنف الآخر، فيعتبر أحدهما بالآخر.

وأدرك الأصوليون أيضاً أن للنصوص والأدلة والأحكام من الفائدة، وهي في حالة الاجتماع وضم بعضها إلى بعض، ما لا يكون لها إذا نظر في كل نص أو حكم لذاته منفرداً عن غيره معزولاً عما سواه.

ولهذا ولع الأصوليون بضم الأشباه والأمثال بعضها إلى بعض، واعتبار النظائر بعضها ببعض.

ونص الأصوليون، عند العمل بالنص وتنزيله على محله، على عناصر أخرى من غير جنس النص، منفصلة عنه في الزمان والمكان، بل إن هذه العناصر متجددة بحسب الزمان والمكان اللذين يراد العمل فيهما بالنص، فلا يجوز للمجتهد الغفلة عنها.

فهذه هي صورة الاعتبار في علم أصول الفقه، فإن المنظور فيه هو النص الشرعي بقصد معرفة فقهه، ثم تنزيله على محله، وإن هذا القصد لا يتحقق بالوقوف عند هذا النص المنظور فيه، والاكتفاء بما يفيده في الظاهر، وما يتبادر منه بحسب وضعه من جهة العربية، وإنما يجب مجاوزة ذلك والعبور منه إلى غيره والالتفات إلى جهات أخرى، والتماس المناسبات وأوجه الصلة بين المنظور فيه وما سواه مما هو خارجه وبعيد عنه. وقد عبّر الشاطبي عن هذا الأصل في قوله: إن «المجتهد متى نظر في دليل على مسألة احتاج إلى البحث عن أمور كثيرة لا يستقيم إعماله الدليل دونها».

وأشار إليه أيضاً في الحكم بالغلط على الوقوف عند ظواهر النصوص، فقال: «اتباع ظاهر القرآن الكريم على غير تدبر ولا نظر في مقاصده ومعاقده، والقطع بالحكم ببادئ الرأي والنظر الأول.. ألا ترى أن من جرى على مجرد الظاهر تناقضت عليه الصور والآيات وتعارضت في يده الأدلة على الإطلاق والعموم».

وفي الاعتبار عند تنزيل النص على محله، قال: «اقتضاء الأدلة للأحكام بالنسبة إلى محالها على وجهين:

أحدهما: الاقتضاء الأصلي قبل طروء العوارض.

والثاني: الاقتضاء التبعي وهو الواقع على المحل مع اعتبار التوابع والإضافات، كالحكم بإباحة النكاح لمن لا أرب له في النساء ووجوبه على مَن خشي العنت.. وبالجملة كل ما اختلف حكمه الأصلي لاقتران أمر خارجي.. إن الدليل المأخوذ بقيد الوقوع معناه التنزيل على المناط المعين، وتعيين المناط موجب في كثير من النوازل إلى ضمائم وتقييدات لا يشعر المكلف بها.. إذا اقترن المناط بأمر محتاج إلى اعتباره في الاستدلال فلابد من اعتباره».

وذكر ابن القيم أن الاستنباط المطلوب إنما هو استنباط المعاني والعلل ونسبة بعضها إلى بعض، وإن ذلك قدر زائد على مجرد فهم اللفظ، «إذ موضوعات الألفاظ لا تنال بالاستنباط، وإنما تنال به العلل والمعاني، والأشباه والنظائر ومقاصد المتكلم، والله سبحانه ذم مَن سمع ظاهراً مجرداً فأذاعه.. ومعلوم أن هذا الفهم قدر زائد على معرفة موضوع اللفظ وعمومه أو خصوصه، فإن هذا قدر مشترك بين سائر مَن يعرف لغة العرب، وإنما هذا فهم لوازم المعنى ونظائره ومراد المتكلم بكلامه، ومعرفة حدود كلامه بحيث لا يدخل فيها غير المراد، ولا يخرج منها شيء من المراد».

ومن المعاصرين يقول الطاهر بن عاشور: «... يقصر بعض العلماء ويتوحل في خضخاض من الأغلاط، حين يقتصر في استنباط أحكام الشريعة على اعتصار الألفاظ، ويوجه رأيه إلى اللفظ مقتنعاً به، فلا يزال يقبله ويحلله ويأمل أن يستخرج لبه، ويهمل ما قدمناه من الاستعانة بما يحف بالكلام من حافات القرائن والاصطلاحات والسياق...».

وفي كلامه على الاجتهاد وإن منه الاعتبار بأدلة الشريعة بعضها ببعض وعدم الوقوف على النص الواحد دون غيره، قال: «ولقد هدانا الله إلى هذا بما أمر به من الاعتبار في أدلة الشريعة، وبذل الجهد في استجلاء مراده، حصل لنا ذلك من استقراء آيات كثيرة من الكتاب وأخبار صحيحة من السنة. وقد ذم أمماً في وقوفهم عند الظواهر وإعراضهم عن النظر والاستنباط».

ومن المعاصرين أيضاً، يقول الدكتور أحمد الريسوني في بيانه أن النص الشرعي قد يكون له معنيان، أحدهما غير مقصود، «وقد يكون المعنى الأول وهو الظاهر، وهو المتبادر إلى الفهم، ولكن بمزيد من التأمل والتدبر وبالاحتكام إلى القرائن التفسيرية المساعدة يتبين أن للنص مقصوداً هو غير ما يتبادر إلى الذهن من ظاهر الألفاظ...».

ويقول الدكتور طه عبد الرحمن: «ليس المقصود الشرعي من النص صيغة أو أسلوباً، وإنما هم أمر مضموني يستخرج من هذه الصيغة أو هذا الأسلوب، وقد يكون استخراجه قريباً أو بعيداً، فإن كان الأول فإن المضمون يتبادر من اللفظ بأول النظر ونكتفي فيه ببادئ الرأي. وإن كان الثاني، فإننا نحتاج إلى مجاوزة الدلالة المباشرة والغوص في باطن النص غوصاً يتفاوت سعة وعمقاً، مع التوسل في ذلك بالأدلة الزائدة على اللفظ، وهي صنفان: أحدهما أدلة مقالية مكونة من سياقات الكلام أو من نصوص أخرى. والآخر: أدلة مقامية مشتملة على أسباب النزول وملابسات السنة، وظروف الممارسة العامة، وعلى ما تواتر من القوانين والقواعد المشرعة إلى وقت ورود النص».

فصورة الاعتبار ومعناه، الذي هو العبور من المنظور فيه إلى غيره من النظائر واللوازم والنقائض، حاضر عند الأصوليين، إمّا باستعمال لفظ الاعتبار ذاته، أو بصيغ أخرى، مثل الالتفات، والمراعاة، والاستصحاب وغيرها من الصيغ القريبة من معنى الاعتبار، فنجدهم مثلاً يقولون:

- اعتبار المصالح.

- اعتبار المقاصد.

- اعتبار مآلات الأفعال.

- اعتبار القرائن.

- اعتبار العرف والعادة.

- اعتبار الكليات بالجزئيات والجزئيات بالكليات.

- اعتبار الحكم والغايات.

وجميع هذه القضايا، إنما استعمل فيها لفظ الاعتبار لأن العناصر المعتبر بها منفصلة عن المنظور فيه، فلابد من العبور إليها واستحضارها والالتفات إليها، لأنها تقع خارج المنظور فيه.

فهذه صورة الاعتبار عند الأصوليين والفقهاء على جهة الإيجاز والاختصار.

المصدر: كتاب نظرية الاعتبار في العلوم الإسلامية

 

 
عبد الكريم عكيوي
تاريخ النشر:2010-05-31 الساعة 15:38:23
التعليقات:0
مرات القراءة: 4090
مرات الطباعة: 498
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan