الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم إسلامية » دراسات قرآنية

القراءات الحداثيّة للنصّ القرآني

الصحبي عتيق

 

تمثل نصوص الوحي (القرآن والسنة) المصدر المركزي والتأسيسي للمعاني والمفاهيم والقيم التي تعطي للثقافة والحضارة مشروعية الاستمرار وهي المصادر التشريعية الأصلية والمرجعية العليا التي تمنح الشرعية في الإسلام، وهي بالطبع ليست على درجة واحدة من حيث الثبوت والدلالة والقابلية للتأويل، فهناك كليات ثابتة ومبادئ عامّة وهناك مجملات واسعة ونصوص ظنية تحتمل وجوها شتّى من الفهم والتنزيل على الواقع وتأخذ أشكالا تبعا لتجارب الإنسان و ظروف الحياة المتطورة، وهناك أحكام قطعية لا تتأثر بظروف الزمان والمكان، وهناك أشكال من التنزيل ارتبطت بعهد نزول الوحي فلا بدّ من فهمها على ذلك المعنى بحيث لا تتجاوز المقدار المأثور عن الشّارع في ذلك كمسألة التشريعي وغير التشريعي والتّعبّدي والمعلّل في الأحكام عند علماء الأصول، يقول الإمام محمّد الطاهر ابن عاشور: «ولذلك كان واجب الفقيه عند تحقّق أنّ الحكم تعبّدي أن يحافظ على صورته وأن لا يزيد في تعبّديّتها كما لا يضيّع أصل التّعبّديّة... فإنّ كثيرا من أحكام المعاملات التي تلقّاها بعض الأئمّة تلقّي الأحكام التّعبّديّة قد عانى المسلمون من جرّائها متاعب جمّة في معاملاتهم» و في هذا المجال لابدّ من تحديد معنى شرح السنة لنصوص القرآن حتى لا يختلط ما هو تشريع ثابت بما صاغه الواقع الخاص المتلبّس بعهد التنزيل، وهناك ما تركه الشارع عفوا لا نسيانا وتركه للاجتهاد وخاصة في مجال السياسة الشرعية والمعاملات المالية وتوزيع الثروة والأدوار التي تسند للمرأة في المجتمع.

وهنا لابدّ من التفريق بين:

- مفهوم الدين بما هو وضع إلهي مُوحى به لا تؤثّر فيه ظروف الزمان والمكان ويعبّر عن الحق في نصوص مقدّسة.

- مفهوم المعرفة الدينية وأحوال التدين الظرفية و التاريخية التي تعبّر عن اجتهاد بشري مرشحة للتغيّر والانفتاح.

والخطأ الكبير هو في إضفاء المطلق على النسبي الزمني فيؤول الأمر إلى تقديس الفهوم البشرية التاريخية أو إضفاء النسبي على المطلق الإلهي المقدّس فيؤول الأمر إلى إخضاع الثوابت والقواطع المحكمة إلى النسبية والتاريخية. ومن ثمّ يقع الاختلال والاختلاط في الوعي بين صورة الثابت والمتحوّل.. وهذا محور القراءات الحداثية المعاصرة للنص الديني وخاصّة القرآني. وأبرز أصحاب هذه القراءات الكاتب بالفرنسية د. محمد أركون ـوهو فرنسي من أصل قبائلي ـ وقد تولى ترجمة كتبه هاشم صالح ود.عبد المجيد الشرفي وهو مؤسّس كرسي الفكر الإسلامي والحضارة العربية بجامعة تونس ود.نصر حامد أبو زيد وعلي حرب وتلامذتهم.

المفاهيم الأساسية: النص (الوحي)، اللغة، الحقيقة

إنّ ما تسعى إليه القراءات الحداثية هو "أنسنة" الخطاب القرآني بمعنى نقله من مستواه الإلهي المقدس إلى مستواه الأرضي وجعله مفتوحا على المقاربات النصية ذات البعد الحداثي فيطبّقون على النص القرآني المدارس المعاصرة للسانيات كالبنيويّة وهي فهم النص من خلال تركيبته الأدبية والقرائن التي تحفه، (حامد أبو زيد) والتّفكيكية وهي الانفلات من قيود النص وإلزاماته عبر تحطيم أسس النص وبنيته (علي حرب) والسيميائيّة وهي دراسة الإشارات وهي تشمل الكلمات والأصوات ولغة الجسد واللوحات والنصوص (أسس السيميائية، دانيال تشاندلر، المنظمة العربية للترجمة) يقول نصر حامد أبو زيد: «إنّ الكلام الإلهي لا يعنينا إلاّ منذ اللحظة التي تموضع فيها بشريّا» (النّصّ، السّلطة، الحقيقة). ذلك أنّ النّصّ عند هؤلاء ليس إلاّ إفرازا صراعيّا تبلور وتشكّل عبر الزمن ليصبغ على نفسه صفة القداسة والمعنى اللاهوتي ليصبح فيما بعد مصدر الاستمداد والهيمنة... لذلك فهو ظاهرة ثقافية تتصارع فيها كل مظاهر الوعي الذي ساد المحيط الثقافي في تلك المرحلة. فالحقيقة الموحى بها لا وجود لها إنّما هي ما يصنعه الإنسان وهو يمارس عملية التعقّل والفهم عبر التاريخ، يقول عبد المجيد الشرفي: «إنّ النّاس لا يعثرون على الحقيقة بل ينجزونها» (الإسلام بين الرسالة والتاريخ) فلا وجود عندهم لحقائق ثابتة جوهرية متعالية بل هي نسبية متحوّلة حسب تطوّر الوعي وضمن سياقاته الاجتماعية والثقافيّة وليس لأيّ مصدر مهما كان أن يزعم لنفسه امتلاك الحقيقة.

إنّ أصحاب هذه القراءة الحداثية يعتبرون التفاسير الموروثة حول الخطاب القرآني فرضت عليه قيودا بصفته الوحي المطلق الإلهي في مصدره ولغته (أركون: من التفسير الموروث) فهذه القراءات تنظر إلى الوحي القرآني نظرتها إلى أيّ خطاب آخر وتحاول إخضاعه إلى قوانين التطوّر الاجتماعي تبعا لظروف الزّمان والمكان المتأثرة بالأبنية الثقافية للواقع. وهذه المفاهيم الجديدة للنّصّ واللغة والحقيقة تنتهي إلى:

1- نزع القداسة عن النصوص.

2- إخضاع كل شيء للنقد والمراجعة وسنن التطوّر الاجتماعي.

3- القطيعة المعرفية مع التفاسير السائدة ونقد التراث التفسيري و تبخيسه.

4- الأنسنة بمعنى استقلال الإنسان بالمعرفة ورفضه لكل بعد غيبي.

5- تطبيق المدارس المعاصرة للسانيات على النص القرآني.

الأسس والمنطلقات

إلى جانب هذه المفاهيم حول اللغة والنص والحقيقة والتي تمثل أدوات منهجية لهذه القراءات الحداثية فإنها تسعى إلى تقديم جهاز من المفاهيم يمكنها من امتلاك النتائج المعرفية والنهايات المنطقية ومن ثم إحلالها مكان المفاهيم المعتمدة لدى الأصوليين بعد تقويضها. وهذه القراءات تقدم مقولاتها بطريقة صريحة أحيانا ومقنّعة وخفية أحيانا أخرى، متجنبة الصدام مع عقائد الأمة والمؤسسات الدينية الرسمية. وتنبني على مجموعة من الأسس أهمها:

- العلمانية: (علمنة المعرفة واستبعاد الغيب):

وهي مسار تطوري للمجتمع الأوروبي ولها تعبيرات ثقافية واجتماعية وسياسية تصدر عن مقتضيات العقل المتحرر من كل سلطة دينية, حيث يتعالى العقل ويتحوّل إلى مرجع أعلى للمعاني والقيم (هاشم صالح، مقال في الحداثة، مجلة الوحدة). إن أصحاب هذه القراءات يعتمدون العلمانية منطلقا فكريا لهذه «الحفريات المعرفية». والعلمانية عندهم مسار لازم للقطع مع الزمن الأسطوري والمرور إلى مرحلة العقلنة (الشرفي، لبنات، سلسلة معالم الحداثة) فالعلمنة التي جاءت بها الوضعية المادية هي الخطوة الأولى لتأسيس المرحلة الحديثة للتاريخ البشري وتحريره من البعد الغيبي. والعلمانية تشمل جوانب التفكير والثقافة وإلغاء سلطة المؤسسة الدينية والحيلولة دون تدخلها في توجيه الحياة السياسية ليتحول المجتمع إلى مصدر أعلى للقيم والأخلاق. وتناسى هؤلاء أن كل فكرة إنما هي «تتخلق في رحم المجتمع بنجاحاته وإخفاقاته، وكذلك تستجيب لمطالبه وحاجاته العامة» (والتعبير للدكتور رفيق عبد السلام).

- التاريخيّة: (الربط بالبيئة الجغرافيّة والطبيعية):

لقد سعى رواد الحداثة الأوائل إلى سلب المشروعية عن الكنيسة, وانتهى الأمر إلى غلبة مفهوم «تاريخية الأفكار» - كل الأفكار- وخضوعها لمنطق الزمان والمكان. وهذا المفهوم نشأ في صلب الثقافة الأوروبية ثم انتقل إلى الثقافة العربية، والتاريخية تهدف إلى ربط النصوص بالبيئة الجغرافية والطبيعية والبشرية والقبائلية لشبه الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي, فتصبح دلالات الألفاظ مرتبطة بعهد التنزيل, فينتفي مفهوم الحقيقة الثابتة والمعنى الصواب ليفتح المجال لتعدد المعاني وتجددها بحسب ما يمليه تجدد المعايير والقيم (أركون، قضايا في نقد العقل الديني).

- النسبية:

وتعني تجريد القرآن من صفتي الإطلاقية والتعالي ونزع البداهة والقداسة عن الوحي، يقول أبو زيد: «إن كل الخطابات تتساوى من حيث هي خطابات وليس من حق واحد منها أن يزعم امتلاكه الحقيقة» وتهدف هذه القراءات من خلال هذه المراجعة لكل المسلّمات إلى ضرب النص كمرجعية مقدّسة وعليا، مفارقة لإطار الزمان والمكان, ومن ثم ضرب الطابع الإلزامي لكل النصوص وضرب فكرة الحاكمية وفكرة الحقيقة التي يمثلها الوحي. وهذا مدخل للاجتراء على كل النصوص فلا تبقى قواطع ولا ثوابت ولا تخوم. وإذا جاز تخطى حدٍّ من حدود الله جاز إسقاط كل الشريعة كما قال الإمام الشاطبي, وهنا يكمن الخطر المنهجي لهذا المنزع.

إن هذه الأسس تمثل في الواقع أزمنة معرفية وأطوارا عرفها المجتمع الغربي باعتباره الفضاء الحضاري الذي تشكلت فيه هذه الأفكار منذ انطلاق حركة الإصلاح الديني, التي استهدفت تفكيك السلطة الدينية والزمنية للكنيسة, وحررت فهم نصوص الكتاب المقدس من وصايتها.

الاستشراق والقراءات الحداثية

امتدت الهواجس والمخزونات الفكرية والنفسية التي خلفتها حركة الإصلاح إلى حركة الاستشراق التي كرست تفسير ظاهرة الوحي تفسيرا ماديا واعتبار حقائقه غير مطلقة ولا ثابتة, واعتبار الحضارة الغربية مركز العالم, ومصدر الحقائق, ومهد العلوم. (انظر محمد البهي: الفكر الإسلامي الحديث).

يتحدث المفكر والكاتب إدوارد سعيد عن «رؤية الاستشراق الإمبريالية»... وكيف ينقل الاستشراق ذاته أو يعيد إنتاجها من عهد إلى عهد. و يتساءل كيف نستطيع أن نعالج ظاهرة الاستشراق الثقافية التاريخية بوصفها نمطا من العمل الإنساني دون أن نحقّق في الوقت نفسه في رؤية التحالف بين العمل الثقافي والنزعات السياسية؟ إن رواد القراءات الحداثية اجتهدوا في نقل مصطلح «القراءة» بالمفهوم الغربي إلى الثقافة الإسلامية بلوازمه, التي يرفضها فكرنا الإسلامي عموما, واستمدوا المفاهيم والأدوات المنهجية -ليس من دون وعي- من أعمال المستشرقين.

وعليه فإن هذه القراءات الحداثية لا تنفصل عن أطروحات الاستشراق وتهدف إلى إعادة توجيه الحضارة الإنسانية وفق مفاهيم وأدوات العقل الوضعي وتكريس التبعية للعقل الغربي وأصحاب هذه القراءات «خلفوا المسيحيين في النقد التاريخي لمصادر الإسلام ومنشئه» كما قال الأستاذ محمد الطالبي الذي وسم هذا التيّار بـ «الانسلاخسلامية» وهي تعني: «اختيار تأسيس الحداثة على أساس الانسلاخ من الإسلام» (انظر كتاب ليطمئن قلبي).

وتنتهي هذه القراءات إلى:

- الفوضى في التأويل بالخروج على قوانين التفسير والتأويل وفق قواعد اللغة العربيّة وأساليبها وأسرار التشريع ومقاصده بحسب ما وضعه علماء أصول الفقه من طرق الاستنباط بقواعدها اللغوية والشرعية.

- التلاعب بالنصوص عبر إبطال مدلولاتها.

- التحرر من كل قيد وضابط في فهم النصوص وتأويلها، ومن ثم التحرر من سلطة النص الذي تكونت في ظله ثوابت العقل الإسلامي.

- إعادة توجيه الثقافة والتفكير وفق مفاهيم بوحي من العقل الوضعي ومن ثم تكريس التبعية للعقل الغربي.

وفي الأخير، لئن كان العقل الإسلامي يملك مفهوما واضحا للتعامل مع النصوص (الاجتهاد) فهو ما زال يتلمّس طريقه لإعادة إنتاج المعرفة والإبداع وفق مفاهيم الوحي.

المصدر: صحيفة العرب القطرية (بتصرف)

 
الصحبي عتيق
تاريخ النشر:2010-06-05 الساعة 15:16:14
التعليقات:0
مرات القراءة: 2027
مرات الطباعة: 586
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan