الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » تيارات و شخصيات » أعلام

عبد الله بن ياسين داعية الغرب الإسلامي

د. إدريس الشنوفي

 

تبدأ قصة دعوة المرابطين بحج يحيى بن إبراهيم زعيم حلف صنهاجة إلى البيت الحرام، ولقائه بالفقيه أبي عمران الفاسي بالقيروان، حيث دار بينهما حوار حول الأوضاع الدينية والمذهبية بموطن الملثمين (بلاد شنقيط)، ثم دله هذا العالم على وجاج بن زلو فقيه مدرسة المرابطين بنفيس، الذي اختار له بدوره تلميذه الشاب عبد الله بن ياسين مرشدا ومصلحا دينيا ... عبد الله بن ياسين القائد الذي استرخص وباع نفسه للدعوة والجهاد! وإلا فمن يستطع ـ ولو كان من أبناء الدعوة أحياناـ أن يترك بلده ويغامر في صحراء مجهولة العواقب ... لدعوة قوم لا يعرفون القمح إلا أن يمر بهم بعض التجار فيتحفونهم به! فجعل منهم سادة الغرب الإسلامي في زمن قياسي!

من هنا ظهرت الملامح والخطوات الأولى لتلك الحركة الإصلاحية، الهادفة إلى الرجوع إلى ينابيع الإسلام الصافية المخلصة من كل الشوائب الوثنية والبدعية الضالة.

على أي، فغير بعيد أن تتشكل رابطة فكرية وروحية ومذهبية بين علماء أهل السنة والجماعة خلال هذا العصر لمواجهة المد الشيعي والتصدي للانحرافات الدينية، ولهذا فمن الممكن أن يوجد من العلماء المالكيين من ينتمون لهذه الرابطة والسلسلة، وهم الذين عرضوا على يحيى بن إبراهيم اصطحاب مرشد ومعلم لمبادئ الإسلام وأحكامه وفق المذهب السني المالكي، كما يرجح أن يكون أبو عمران الفاسي قد ندب يحيى إلى حرب ازناتة وبورغواطة، وللقضاء على الفوضى السياسية والعقدية التي كان المغرب يتخبط فيها، حيث كثرة القوى السياسية المتصارعة وكثرة المشعوذين والمتنبئين.

وهكذا قبل الداعية المجاهد عبد الله بن ياسين المغامرة للقيام بمهمة تبليغ الرسالة، فكان رباطه بنهر السنغال مركزا لخلق وعي جماعي مرتكز على تبني مفهوم الأمة, الذي هو أوسع من مفهوم القبيلة، إذ اجتمع فيه مستجيبون وأتباع من قبائل مختلفة وعصبيات متنابذة.

 واسترخص المرابطون أنفسهم في سبيل تحقيق هدفهم المنشود المتمثل في بناء مجتمع مثالي، فقد «كان الرباط بمثابة النواة الأولى والنموذج الأمثل الذي كانت الرابطة تسعى إلى تحقيقه، لذا فكان كل عضو من أعضائها يناضل من أجل تحقيق هذا النموذج الاجتماعي والسياسي الذي تربى داخله وعاش في أحضانه، فالمرابطي ... لم يكن يناضل من أجل سراب سياسي، بل من أجل تحقيق وتعميم نموذج مصغر من حياة المرابط ...»(1).

لتحقيق ذلك المجتمع الإسلامي المنشود كان عبد الله بن ياسين لا يتوانى في معاقبة من تخلف عن صلاة الجماعة، بل حتى من فاتته ركعة واحدة منها حسب ما ترويه المصادر التاريخية(2)،  كما عمل على تأهيل وتدريب رجال أخذوا على عاتقهم فريضة الجهاد شمالا وجنوبا، إذ «لما كمل معهم ألف من الرجالات، قال لهم شيخهم عبد الله بن ياسين: «إن ألفا لن تغلب من قلة، وقد تعين علينا القيام بالحق والدعاء إليه وحمل الكافة عليه، فاخرجوا بنا لذلك، فخرجوا إلى قبائل لمتونة وكدالة ومهمومة حتى أنابوا إلى الحق واستقاموا على الطريقة»(3).

 ويذكر ابن أبي زرع(4) أن عبد الله بن ياسين لما رأى إعراض قبائل صنهاجة التجأ إلى تلك الجزيرة الصغيرة التي جعلها رباطا له، ثم بدأ يرد عليه الناس التائبون «فأخذ ... يقرئهم القرآن، ويستميلهم إلى الآخرة ويرغبهم في ثواب الله تعالى ويحذرهم أليم عذابه حتى تمكن حبه منهم في قلوبهم، فلم تمر عليهم أيام حتى اجتمع له من تلاميذه نحو ألف رجل من أشراف صنهاجة، فسماهم المرابطين للزومهم رابطته، وأخذ هو يعلمهم الكتاب والسنة والوضوء والصلاة والزكاة وما فرض الله عليهم من ذلك، فلما تفقهوا في ذلك وكثروا أقام فيهم خطيبا فوعظهم وشوقهم إلى الجنة، وخوفهم من النار، وأمرهم بتقوى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأخبرهم بما في ذلك من ثواب الله تعالى وعظيم الأجر، ثم دعاهم إلى جهاد من خالفهم من قبائل صنهاجة، وقال لهم: يا معشر المرابطين إنكم جمع كثير، وأنتم وجوه قبائلكم ورؤساء عشائركم، وقد أصلحكم الله تعالى وهداكم إلى صراط مستقيم، فوجب عليكم أن تشكروا نعمته عليكم وتأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر وتجاهدوا في سبيل الله حق جهاده، فقالوا: أيها الشيخ المبارك مرنا بما شئت تجدنا سامعين مطيعين ... فسار كل رجل منهم إلى قومه وعشيرته ... فخرج عبد الله بن ياسين، فجمع أشياخ القبائل ورؤساءهم وقرأ عليهم حجة الله ودعاهم إلى التوبة ... فلما يئس منهم قال لأصحابه: قد أبلغنا الحجة وأنذرنا، وقد وجب علينا الآن جهادهم، فاغزوهم على بركة الله تعالى، فبدأ أولا بقبيلة كدالة ... ثم سار إلى قبائل لمتونة ... ثم سار إلى قبائل مسوفة حتى أذعنوا وبايعوه على ما بايعته قبائل لمتونة وكدالة. فلما رأى ذلك قبائل صنهاجة ولمتونة سارعوا إلى التوبة وإلى مبايعته وأقروا له بالسمع والطاعة ... وأخذ يغزو القبائل حتى ملك جميع بلاد الصحراء ...».

ويورد صاحب "الحلل"(5) أن الشيخ أبا محمد عبد الله بن ياسين لما رأى استقامة لمتونة واجتهادهم، أراد أن يظهرهم ويملكهم بلاد المغرب، فقال لهم: «إنكم صبرتم، ونصرتم دين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد فتحتم ما كان أمامكم. وستفتحون - إن شاء الله - ما وراءكم، فأمرهم بالخروج من الصحراء إلى سجلماسة ودرعة ...»، وذلك لحرب مغراوة بني خزر لظلمهم وطغيانهم، بعد أن «كتب إليهم وكاك اللمطي بما نال المسلمين ... من العسف والجور من بني وانودين أمراء سجلماسة ... فدخلوها غلابا وقتلوا من كان بها من أهل مغراوة، وأصلحوا من أحوالها وغيروا المنكرات، وأسقطوا المغارم والمكوس ...»(6)،  كما قسم ابن ياسين خمس الغنائم على الفقهاء والصلحاء، وأحرق الدور التي كانت تباع بها الخمور(7).

يشير أحد الباحثين إلى أن سجلماسة ودرعة كانت منطقة لصراع بين التيار السني والخارجي والشيعي(8)على الخصوص، والذي انتهى لصالح المذهب المالكي مع مجيء المرابطين. هذا المذهب الذي أصبح خطا وحدويا بصبغته الثورية والإصلاحية التي برز بها، خاصة في المراحل الأولى للدولة المرابطية التي وجدت فيه سندا ودعما لمشروعية تحركاتها الوحدوية.

هكذا تمكن المرابطون عبر حملاتهم العسكرية من تطبيق الشريعة الإسلامية وتعميم مذهب الإمام مالك، وفرض مبادئه عن طريق الجهاد والنهي عن المنكرات وإبطال البدع والانحرافات والظلم والفساد ... «وكل هذه المبادئ، التي كانت ذات طابع سني وديني، كانت تبطن أهدافا سياسية تتلخص في فرض إطار فقهي يلتزم به الجميع، وتقوم بفرضه سلطة سياسية موحدة»(9).

 إذ رغم انتشار الإسلام منذ الفتح، فإن مبادئه لم تكن تطبق بشكل موحد ووفق رؤية موحدة، فكثيرا ما امتزجت العادات المحلية والتأثيرات الدينية السابقة و"اجتهادات" بعض المتنبئين بجوهر الدين الإسلامي الصحيح، نموذج بورغواطة وحاميم وغيرهما. ولهذا شن المرابطون حملة شعواء على كل هذه البدع وجاهدوا معتنقيها بدافع ديني بالأساس، كما هو الشأن بالنسبة «لقتال بورغواطة المرتدين عن الإسلام»(10).

 أضف إلى هذه الانحرافات الدينية والعقدية، استمرار وجود ديانات سابقة للإسلام كاليهودية والمسيحية. فقد انتشرت هذه الأخيرة خصوصا بعد نهاية الوجود الروماني، إذ تشكلت عدة إمارات مسيحية، أو ما كان يسميها الفاتحون "الروم"، مثل إمارة يوليان الغماري في الشمال خاصة سبتة، وإمارة الكوشيين بمنطقة درعة، ثم إمارات يهودية كإمارة زاكورة التي تكونت ما بين ق.7و8م، والتي انهارت بعد استيلاء المرابطين على عاصمتها زاكورة(11).

لقد أصبح هذا الوضع المزري يستدعي استنفار دعوة إسلامية جديدة قوية، ولقد بدا واضحا أن تطور الأحداث في منطقة الغرب الإسلامي قد جعلت من عبد الله بن ياسين الرجل المناسب لقيادة إصلاح هذه الأوضاع، وأهلته للعب دور حاسم في دعم الإسلام واسترجاع هيبة المسلمين  وتوحيد الغرب الإسلامي في سابقة تاريخية.

وبينما يقوم عبد الله بن ياسين بأداء واجبه الرسالي وفتح المناطق والبلدان تلو الأخرى، أصيب في إحدى المعارك الفاصلة بجروح بليغة، فجمع شيوخ المرابطين وأوصاهم قبيل وفاته أن: «..كونوا ألفة وأعوانا على الحق وإخوانا في ذات الله تعالى، وإياكم والمخالفة والتحاسد على طلب الرياسة، فإن الله يوتي ملكه من يشاء، ويستخلف في أرضه من أحب من عباده ...»(12). 

 بهذه الكلمات الرائعة المضيئة ودع عبد الله  الإمام والزعيم والمرشد الديني أصحابه المرابطين في سبيل الله تعالى بعد أن أدى الأمانة، وبعد أن قاد مسيرة الإسلام الصحيح بتفان وتضحية قل نظيرهما، وليترك لأتباعه مهمة مواصلة الطريق الذي رسم خطوطه العريضة ... لتتوحد أنحاء الغرب الإسلامي لأول مرة تحت سلطة إسلامية واحدة ... فرحم الله مثل هؤلاء العظماء الذين لهم فضل عظيم علينا بعد الله تعالى، وتقبلهم عنده في الشهداء، ورحم كل من يعمل ويضحي لإقامة الدين في النفس والحياة ولتكون كلمة الله هي العليا، ورحم الله قافلة الحرية والدعوة والتضحية وأهل الفضل والمسلمين أجمعين، وهدى الناس إلى دينه من جور النظم الظالمة والأديان، وأبدلهم ضيق الدنيا ومرارتها بسعة وسعادة الدنيا والآخرة ... آمين، والحمد لله رحمن ورحيم العالمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)ـ محمد شقير، (التنظيمات السياسية بالمغرب)، منشورات المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي، مطبعة المعارف الجديدة، البيضاء، 1993، ص.14.

(2)ـ ينظر البكري، ج.II، ص.357.

(3)ـ العبر، ج.VI، ص.243.

(4)ـ  القرطاس، ص.158- 159.

(5)ـ الحلل الموشية، ص.22.

(6)ـ العبر، ج.VI، ص.243-244، وينظر كذلك القرطاس، ص.162-163.

(7)ـ القرطاس، ص.163.

(8)ـ العربي السهلي، (المدراريون في سجلماسة)، ص.20.

(9)ـ شقير، تطور الدولة في المغرب، ص.171.

(10)ـ الاستبصار، ص.314.

(11)ـ شقير، تطور الدولة في المغرب، ص.173.

(12)ـ القرطاس، ص.167.

المصدر: مسلم أون لاين

 
د. إدريس الشنوفي
تاريخ النشر:2010-06-07 الساعة 15:59:58
التعليقات:1
مرات القراءة: 2053
مرات الطباعة: 1649
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan