الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم إسلامية » دراسات أصولية

الوسطيّة بين الفكر المقاصدي والفكر الحركي

الصبحي عتيق

 

كثر الحديث عن الوسطية وأصبح لها رواج في الساحة الفكرية، وقد وُسّع نطاق استعمال هذا المصطلح حتى غدا فضفاضا ضبابيا ومَرْكبا لكل تيّار حتى لأولئك المتحللين من نصوص الشريعة المروّجين للغثاء المستحدث والذين جعلوا من الوسطيّة ستارا لمواجهة أصول الإسلام ودعاته، وربما توظَّف الوسطيّة لشرعنة العلمانية وتبرير الانحراف والتسيب باسم الاعتدال والتسامح _وهما جوهر الوسطية_ وكأن الإسلام لا يحمل ثوابت ولا يملك تخوما.

وسطية الفكر والحضارة: الرازي وابن عاشور

وبالعودة إلى السياق القرآني ومن خلال تفسير قوله تعالى: )وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ( (البقرة: 143)، وبالعودة إلى مفسرين من مدرستين مختلفتين وهما الإمام الرازي صاحب "مفاتيح الغيب" والإمام ابن عاشور صاحب "التحرير والتنوير"، تفيد الآية كل معاني الاعتدال والقصد والخير.

أمّا الرازي فقد ذكر أنّ العلماء اختلفوا في تفسير الوسط وذكر قوليْن، القول الأوّل: أن الوسط هو العدل، والدليل عليه الآية والخبر والشعر والنقل والمعنى، أما الآية فقوله تعالى: )قَالَ أَوْسَطُهُمْ( (القلم: 28) أي أعدلهم، وأما الخبر فما رُوي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أمّة وسطاً، قال: عدلاً»، وقيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم أوسط قريش نسباً، وقال عليه الصلاة والسلام: «عليكم بالنمط الأوسط» وأما الشعر فقول زهير:

هم وسط يرضى الأنام بحكمهم... إذا نزلت إحدى الليالي العظائم

وأما النقل فقال الجوهري في "الصحاح": )وكَذَلِكَ جَعلنَاكُم أمَّةً وَسَطًاً( أي عدلا.ً وأما المعنى فمن وجوه، أحدها: أن الوسط حقيقة في البعد عن الطرفين ولا شك أن طرفي الإفراط والتفريط رديئان، فالمتوسط في الأخلاق يكون بعيداً عن الطرفين فكان معتدلاً فاضلاً. وثانيها: إنما سمي العدل وسطاً لأنه لا يميل إلى أحد الخصْميْن، والعدل هو المعتدل الذي لا يميل إلى أحد الطرفين. وثالثها: لا شك أن المراد بقوله: )وكَذَلِكَ جَعلنَاكُم أمَّةً وَسَطًاً( طريقة المدح لهم؛ لأنه لا يجوز أن يذكر الله تعالى وصفاً ويجعله كالعلة في أن جعلهم شهوداً له ثم يعطف على ذلك شهادة الرسول إلا وذلك مدح فثبت أن المراد بقوله: (وسطاً) ما يتعلق بالمدح في باب الدين، ولا يجوز أن يمدح الله الشهود حال حكمه عليهم بكونهم شهوداً إلا بكونهم عدولاً، فوجب أن يكون المراد في الوسط العدالة. القول الثاني: أن الوسط من كل شيء خياره، قالوا: وهذا التفسير أولى من الأول؛ لأنه مطابق لقوله تعالى: )كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ( (آل عمران: 110) انظر: مفاتيح الغيب للرازي.

أمّا ابن عاشور فقد فسّر الوسط في هذه الآية بالخيار لقوله تعالى: )كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ( وفسّره بالعدول. ويرى أنّه من أجل ذلك صار معنى النفاسة والعزة والخيار من لوازم معنى الوسط عرفاً فأطلقوه على الخيار النفيس كناية؛ لذلك فإن الآية «لما أخبرت أن الله تعالى جعل هذه الأمة وسطاً وعلمنا أن الوسط هو الخيار العدل الخارج من بين طرفي إفراط وتفريط علمنا أن الله تعالى أكمَلَ عقولَ هذه الأمة بما تنشأ عليه عقولهم من الاعتياد بالعقائد الصحيحة ومجانبة الأوهام السخيفة التي ساخت فيها عقول الأمم، ومن الاعتياد بتلقي الشريعة من طرق العدول وإِثبات أحكامها بالاستدلال استنباطاً بالنسبة للعلماء وفَهْماً بالنسبة للعامة». (تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور).

فالوسطية في فكر الأقدمين تعني العدل والخير (عدول خيار) وقد قرنت في الآية بالشهادة على الناس بمعنى إقامة نموذج العدل والخير في السياسة والاقتصاد وفي مختلف مناحي تنظيم وجود الإنسان فردا ومجتمعا «لتمثل حال الأمة شاهدا على إمكانية إعمار الحياة بالدينّ» فتشهد على الناس جميعا وتقيم بينهم العدل والقسط وتضع لهم الموازين والقيم. والوسطية تنصرف للحضارة والثقافة بصفة عامة بما تعنيه من تكامل وتوازن وجمع بين كل الثنائيات: الروح والجسد، الفرد والمجتمع، العقل والوجدان، التفكير والشعور.. والوسطيّة هي رؤية متوازنة تضمّ كلّ أبعاد الإنسان الروحية والعقلية والجسدية والوجدانية والعلاقة بالكون بسننه ونواميسه لتحقيق التناغم والانسجام والوفاق سيرا نحو التقدم الحضاري. والوسطية تمثل أكثر الملامح الأساسيّة أهمّية في التصوّر الإسلامي وفي منهج التعامل مع النصوص من حيث الاعتدال والتيسير.

هذا عن الوسطية في الحضارة والثقافة الإسلامية في فكر الأقدمين، أما الوسطيّة اليوم، فهي تختلف عن فكر الأقدمين وتطرح كرد فعل في المجال السياسي والحركي على "التطرف في كل صوره وأشكاله" وبدأت الوسطية تتوسّع وتتشكّل لتشمل "الوسطيّة السياسية" و"الوسطية الاقتصادية" و"وسطية الفتوى" و"وسطية الجهاد".. وهي تُعنَى بالمجال السياسي والحركي أكثر من غيره وتنصرف عند إطلاقها إلى منهج الاعتدال في الحركات الإسلامية أو ما يُعرف بـ "الإسلام السياسي" فتأخذ الوسطية منحى سياسيا حركيا في مقابلة التطرف باعتماد خطاب إسلامي معتدل. فلا معنى لإقحام توجهات الوسطية الحركية على النصوص القرآنية ومحاولة الاستدلال عليها من النصوص أو إعادة تفسيرها لتأصيل هذا المنهج، ما يوقع في إسقاطات لا تنهض دليلا على الوسطية الحركية، إنّما الوسطية الحركية اجتهاد جديد ومنهج معاصر ورؤية تلتزم بمحكمات الشرع ومقتضيات العصر والواقع المتغير دون تنكر لتراث الأمة وتتميز بما يلي:

- المحافظة على تكاملية المشروع الإسلامي ورفض تجزئته.

- إضفاء النسبية على التفاسير التقليدية ورفض الأنساق المغلقة والسعي إلى التجديد في كل قضايا الفكر الإسلامي.

- الاستفادة من الأفكار الحداثية والسعي إلى إخضاعها للمرجعية الإسلامية.

- الإصلاح السلمي وتجنب العنف باستثناء ظروف الاحتلال الأجنبي، فلم يعد العنف من فكر الحركة الإسلامية الوسطية بل تستدعيه ظروف خاصة، فقد حصل تراجع واضح عن خيار العمل المسلح واستعمال العنف، وهذا التراجع حصل بأثر كبير من التجارب ودروس الفشل التي خاضها الإسلاميون إلى جانب التحول الحاصل في فكرة إقامة الدولة وتعاظم الدور الدولي والتدخل الأجنبي في البلدان العربية، خاصة بعد آثار الحادي عشر من سبتمبر، ما يجعل رهان استهداف السلطة عسير المنال إلى جانب الاصطدام بصلابة الدولة (الأمنية والعسكرية)، ما جعل هذه الحركات تدفع ثمنا باهظا وتكاليف ضخمة في المواجهة العنيفة (النهضة في تونس والإخوان في سوريا والجبهة في الجزائر) (أنور أبو طه، مقال في: الخطاب الإسلامي إلى أين؟).

- الواقعية بمعنى الاعتراف بالواقع ومكوناته الأساسية والتعامل معها دون قفز عليها ولا تجاهل لدورها. ويعني هذا تخفيض السقوف المبدئية في اتجاه مقادير كبيرة من "البراغماتية" في السياسة واتباع منهج المرونة القابل بالمتاح والمستطاع والخضوع لقانون الممكن بالاستناد إلى قوله تعالى )لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا(، وقوله: )فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ( تأصيلا لهذا المنهج.

- المشاركة السياسية والعمل ضمن الإطار الدستوري المتوافر والقبول بالتعددية والديمقراطية واحترام حرية الاعتقاد والتعبير وحقوق المواطنة ومحاولة تأصيل فكر فقهي ونظري يستوعب هذه المفاهيم مع اختلاف في درجات القبول وتبني منهج المرونة على مستوى الممارسة تجاه الدولة والقانون والمعارضة (العمل المشترك مع الشيوعيين والليبراليين والقوميين) والسعي إلى إيجاد علاقات مع القوى الدولية والإقليمية. فلقد نادت الحركات الإسلامية في بداية نشاطها بهدفين كبيرين: إقامة الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة الإسلامية. ولكن هذين الهدفين أصبحا غير ممكنين في الواقع الراهن وتدريجيا بدأ الاتجاه نحو التعديل والواقعية. (مؤسسة كارنيجي الأميركية: الحركات الإسلامية والمسار الديمقراطي في العالم العربي، تقرير مارس 2006).

وهذه الأطراف تقوم بمراجعات ذات طابع سياسي وحركي (استراتيجي وتكتيكي) ومراجعات ذات طابع نظري في العلاقة بالغرب وفي مراعاة موازين القوى الدوليّة وفي ترتيب الأولويات بين الهوية والحرية والعدالة الاجتماعية وفي معاني تطبيق الشريعة وهل تسبق الحرية وهل بمقاصدها أم بكل أشكالها وهل تقبل بالمرحلية، وفي دور المرأة في المجتمع وفي الفعل السياسي وأساليب التغيير وفي التعامل مع قيم الحداثة وفي وجاهتها قبل ضغطها وفي معايير الحكم الرشيد ووحدة المرجعيات القانونية ومعايير الحقوق والحريات العامة والخاصة...إلخ.

مسألة التأصيل الشرعي بين الفكر التقليدي وسطوة الحداثة

التأصيل هو بحث في كل مسألة عن أصل شرعي لها من خلال النصوص أو السيرة النبوية أو التجربة الراشدة أو في أقوال علماء الأمة المشهود لهم بالعلم والالتزام الأخلاقي. وهذه المرجعية تمثل إطارا يحكم سياق الموقف بحثا عن وجود شرعية في جذور "الأصول" تؤسس أو تشرع لهذا المسلك أو الموقف أو الرأي. فالتأصيل يعني «أن يكون كل ما يصدر عن العقل من رؤى وأفكار ذات طبيعة نظرية أو ذات بُعد عملي موافق للأصول الدينية بل نابع عنها إما بصفة مباشرة وإما بصفة غير مباشرة». (النجار عبد المجيد، مشاريع الإشهاد الحضاري3)؛ فالتأصيل هو الانسجام مع الإطار التشريعي الصادر عن مصادر الوحي الكريم والبحث في كل مسألة عن حكم نابع من هذه المنظومة وغير خارج عن حدود الشريعة، وبالبحث في "الأصول" و "المرجعية" ينتهي الأمر إلى:

- البحث في القياس عن علل فرعية.

- البحث في فهم الدلالات الالتزامية منطوقا ومفهوما وهو بحث في مسالك استثمار النص وجدلية العلاقة بين حركات الألفاظ ومنطق المعاني والتأويل.

- البحث في "المقاصد القريبة" بتعبير العلامة محمد الطاهر ابن عاشور وهي الكليات الخمس مع تفعيلها وتوسيعها.

- البحث في "المقاصد العالية" وهي الموازنات بين المصالح والمفاسد وهذا في مجال المسكوت عنه أو الاجتهاد فيما لا نص فيه ولا نظير يُقاس عليه. وهذه كلها طرق لاستمداد الحكم التفصيلي الذي يتعلق بكل فعل.

واليوم، تُطرح قضايا معاصرة في السياسة والاقتصاد والاجتماع والطب من واقع التشابك بين الفكر التقليدي والفكر الحداثي الذي يخترق الأمة ويضغط عليها بسطوة القوة التكنولوجية والإعلامية والمالية والعلمية والعسكرية في زمن النظام العالمي الجديد ليجعل الأمة وطلائعها (حركات وأحزابا وعلماء ومثقفين) بين «مسايرة الواقع الضاغط وهمّ الحفاظ على الهوية كما تتجلى في النص». وأمام سطوة هذه الحداثة واستحقاق الواقع الضاغط يصبح التأصيل عملا صعبا؛ لأنه يلاحق الواقع المتغير، وهذا الواقع أنتجت أغلبُ مفاهيمه في حقل حضاري مرجعيته غربية؛ لذلك يغدو التأصيل عملية معقَّدة للبحث عن حكم لكل عمل في النصوص الدينية والتراث الفقهي والتاريخ الإسلامي أو بالبحث عن أفق للتجديد والاجتهاد جمعا بين ثوابت النصوص ورعاية مقاصد الشريعة وتحقيق مصالح الأمة بعيدا عن التبسيط القائم على الترقيعات والاستعارات من الفكر الغربي ونقلها إلى الفكر الإسلامي وعزلها عن سياق نشأتها وفضائها الثقافي والحضاري وأرضيتها الاجتماعية والتاريخية التي أفرزتها كالديمقراطية والتعدديّة والتداول على السلطة والمواطنة وحقوق الإنسان.

التأصيل المقاصدي للوسطية: ابن عاشور نموذجا

لا يمكن بحال إغفال العلامة محمّد الطاهر ابن عاشور في التأصيل المقاصدي، فهو صاحب التجديد في المقاصد بعد الإمام الشاطبي وصاحب قواعد جليلة في الفكر المقاصدي ورائد في الفكر الترتيبي والتركيبي المنظّم للاجتهاد وقد أدركته الحركة الإسلامية بتونس في آخر حياته فلم تكن له صلة عضوية بها إلا أنه أفاد بفكره المقاصدي كل الباحثين عن أصول العمل الحركي في الفكر الإسلامي. و كان رحمه الله إماما كبيرا في الفكر الوسطي إلا أنه لم يلق حظه كما قال الشيخ محمد الغزالي رحمه الله. والعلامة ابن عاشور يطرح اصطلاح"السماحة" للتعبير عن الوسطية ويعتبر مراعاة الفطرة من حكمة السماحة لميل الإنسان بفطرته لليسر والرفق.

-الفطرة والسماحة:

السماحة هي (سهولة المعاملة في اعتدال، فهي وسط بين التضييق والتساهل، وهي راجعة إلى معنى الاعتدال والعدل والتوسط، ذلك المعنى الذي نوه به أساطين حكمائنا الذين عنوا بتوصيف أحوال النفوس والعقول، فاضلها ودنيّها، وانتساب بعضها من بعض، فقد اتفقوا على أن قوام الصفات الفاضلة هو الاعتدال، أي التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط؛ لأن ذينك الطرفين يدعو إليهما الهوى الذي حذرنا الله منه في مواضع كثيرة، منها قوله تعالى: )وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ( (ص: 26) (ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية)

فالتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط هو منبع الكمالات، وقد قال تعالى في وصف الأمة أو وصف صدرها: )وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا(، وروى أبو سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في معنى الآية: «إن الوسط هو العدل»، أي بين طرفي الإفراط والتفريط... وبه فسر قوله تعالى: )قَالَ أَوْسَطُهُمْ( أي أعلمهم وأعدلهم، وقد شاع هذا المعنى في الوسط.

فالسماحة عند ابن عاشور: «السهولة المحمودة فيما يظن الناس التشديد فيه، ومعنى كونها محمودة أنها لا تفضي إلى ضر أو فساد» ( ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية) ووصف الإسلام بالسماحة ثبت بأدلة القرآن والسنة، فقد قال تعالى: )يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ( (البقرة/185) وقال: )وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ( (الحج/78) وقال عليه الصلاة والسلام: (أحب الدين إلى الله الحنفية السمحة) (البخاري). وقال الإمام الشاطبي: «إن الأدلة على رفع الحرج عن هذه الأمة بلغت مبلغ القطع» (الشاطبي: الموافقات) يقول ابن عاشور:«لقد ظهر للسماحة أثر عظيم في انتشار الشريعة وطول دوامها فعلم أن اليسر من الفطرة لأن في فطرة الناس حب الرفق ولذلك كره الله من المشركين تغيير خلق الله فأسنده إلى الشيطان إذ قال عنه: )ولآمرنّهم فليبتكنّ آذان الأنعام ولآمرنّهم فليغيّرنّ خلق الله( (النساء/119)» (ابن عاشور،المقاصد) ويقول ابن عاشور: «إن حكمة السماحة في الشريعة أن الله جعل في هذه الشريعة دين الفطرة، وأُمور الفطرة راجعة إلى الجبلة، فهي كائنة في النفوس، سهل عليها قبولها، ومن الفطرة: النفور من الشدة والإعنات، قال تعالى: )يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا( (النساء/28 )، وقد أراد الله تعالى أن تكون شريعة الإسلام شريعة عامة ودائمة، فاقتضى ذلك أن يكون تنفيذها بين الأمة سهلا، ولا يكون ذلك إلا إذا انتفى الإعنات.» (ابن عاشور،المقاصد) وهكذا ربط الإمام ابن عاشور السماحة بالفطرة التي اعتبرها أصل المقاصد ووصف الشريعة الأعظم بل يرى «أنّ جميع أصول الإسلام وقواعده تنفجر من ينبوع معنى الفطرة» (ابن عاشور،أصول النظام الاجتماعي في الإسلام) ويعنى وصف الإسلام بأنه فطرة الله «أن الأصول التي جاء بها الإسلام هي من الفطرة ثم تتبعها أصول وفروع هي من الفضائل الذائعة المقبولة فجاء بها الإسلام وحرض عليها إذ هي من العادات المتأصلة في البشر والناشئة عن مقاصد من الخير سالمة من الضرر راجعة إلى أصول الفطرة» (ابن عاشور، المقاصد). والفطرة عنده هي «الخلقة، أي النظام الذي أوجده الله في كل مخلوق، ففطرة الإنسان هي ما فطر عليه أي خلق عليه الإنسان ظاهرا وباطنا، أي جسدا وعقلا. فمشي الإنسان برجليه فطرة جسدية ومحاولة أن يتناول الأشياء برجليه خلاف الفطرة واستنتاج المسببات من أسبابها والنتائج من مقدماتها فطرة عقلية واستنتاج الشيء من غير سببه المسمى في علم الاستدلال بفساد الوضع خلاف الفطرة العقلية.» (ابن عاشور، المقاصد) فالشريعة الإسلامية تدعو إلى تقويم الفطرة والحفاظ على أعمالها وإحياء ما اندثر منها وتخليصها من الشوائب التي اختلطت بها. لذلك يقول ابن عاشور: «ونحن إذا أجلنا النظر في المقصد العام من التشريع نجده لا يعدو أن يساير الفطرة والحذر من خرقها واختلالها.» بل يذهب ابن عاشور إلى اعتبار الفطرة مدار الأحكام الشرعية فما أفضى إلى خرق كبير في الفطرة يعدّ ممنوعا (المحرّم) وما أفضى إلى حفظ كيانها يعدّ واجبا (الواجب) وما كان بين ذلك فهو منهي عنه أو مطلوب (المندوب والمكروه) ومالا يمسها يعد مباحا (المباح).ولا يرى ابن عاشور مانعا من الاستفادة من الآخر فالحضارة عنده من الفطرة لأنها من آثار حركة العقل الذي هو من الفطرة وأنواع المعارف الصالحة تدخل في الفطرة لأنها نشأت من تلاقح العقول وتفاوضها. وبهذا المعنى الذي ذكره ابن عاشور تندرج كل المكتسبات البشرية الصالحة لأن الحقيقة ضالة المؤمن والحقائق من الفطرة أيضاً.

الضرورة العامة المؤقتة عند الإمام ابن عاشور

يرى ابن عاشور أن من مقاصد الشريعة أن تنفذ في الواقع وتحترم وتمتثل لها الأمّة، والشريعة تسلك لتحقيق ذلك مسلكين:

- مسلك الحزم في إقامة الشريعة )تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا( (البقرة/229) وقال عليه الصلاة والسلام: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ) (البخاري).

- مسلك التيسير، ويرى ابن عاشور أنّ فطرية الشريعة يعني أنّ أحكامها مبنية على التيسير، كما «أنّها تعمد إلى تغيير الحكم الشرعي من صعوبة إلى سهولة في الأحوال العارضة للأمّة أو الأفراد». )وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ(، )إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ(، ومن هنا جاءت قواعد «رفع الحرج» و «المشقة تجلب التيسير»، وكذلك تشريع الرخصة. يقول الإمام ابن عاشور: «وقد حافظ الإسلام على استدامة وصف السماحة لأحكامه فقدّر لها أنها إن عرض لها من العوارض الزمنية أو الحالية ما يصيّرها مشتملة على شدة انفتح لها باب الرخصة المشروع». وقد اعتبر ابن عاشور «أن الفقهاء لا يمثلون إلاّ بالرخصة العارضة للأفراد في أحوال الاضطرار».

وفي هذا الإطار يقسم ابن عاشور الضرورة إلى ثلاثة أنواع:

- ضرورة عامة مطردة كانت سبب تشريع عام، كالسلم والمساقاة والمزارعة، (فكان حكمها حكم المباح باطراد).

- ضرورة خاصة مؤقتة تحت جاء بها القرآن والسنة، ويقول: «قد اقتصر الفقهاء عليها في تمثيل الرخصة».

- ضرورة عامة مؤقتة، «وذلك أن يعرض الاضطرار للأمة أو طائفة عظيمة منها تستدعي إباحة الفعل الممنوع لتحقيق مقصد شرعي... ولاشكّ أنّ اعتبار هذه الضرورة عند حلولها أولى وأجدر من اعتبار الضرورة الخاصة»، وهذا النوع مغفول عنه لغلبة النظرة الفردية والتجزيئية والغفلة عن خطاب الأمة في منهج الاستنباط الأصولي. بل يرى أنه قد يطرأ من الضرورات ما هو أشدّ من ذلك، فالواجب رعيه وإعطاؤه ما يناسبه من الأحكام. وهذا الفقه يمكن أن يكون قاعدة تستمدّ منه الحركات الإسلامية مناهج الاجتهاد وأصول الفعل السياسي تحت أسقف غير إسلامية كالنموذج التركي والحضور الإسلامي في الغرب والتعامل مع «الشرعيات الدستورية» أو الحاكمة في العالم العربي والإسلامي، فهذه هي الضرورات العامّة المؤقتة عند الإمام ابن عاشور. يقول الونشريسي: «الصواب غير منحصر في العزيمة، وإن كان الأفضل الأخذ بالعزيمة تورّعا واحتياطا واجتناباً لمظان الرّيْب والتهَم»، ويقول الإمام عز الدين ابن عبد السلام : «إنّ المصلحة العامة كالضرورة الخاصة».

التأصيل الفقهي والحركي: القرضاوي نموذجا

العلامة القرضاوي جمع بين الفقه والمقاصد والدعوة والعمل الحركي السياسي وهذا يندر بأن يجتمع في شخص واحد، وهو يُعدّ في قول الشيخ راشد الغنوشي «من أهم إن لم يكن الأهم على الإطلاق من بين رموز الإسلام الفقهي والحركي في التعبير عن ضمير أمة تعيش حالة من اليتم في غياب مشروعية إسلامية عليا ذات مصداق في النطق باسم أمة الإسلام... وهو شيخ الإسلام في هذا العصر»، (انظر المداخلة الممتازة للشيخ راشد الغنوشي في ندوة أصول القرضاوي، الدوحة 17 صفر 1431).

قام العلاّمة يوسف القرضاوي ببلورة معاني الوسطية بتكامل وعمق فهو يعتبرها من أبرز خصائص الإسلام ذاكرا الكثير من مظاهرها: وسطية الإسلام في العبادات والشعائر، وسطية الإسلام في الأخلاق، وسطية الإسلام في التشريع... ويعبر عنها أيضا بالتوازن أي التوسط أو التعادل بين طرفين متقابلين أو متضادين، بحيث لا ينفرد أحدهما بالتأثير، ويطرد الطرف المقابل، ويذكر أمثلة من ذلك: الربانية والإنسانية، الروحية والمادية، الأخروية والدنيوية، الوحي والعقل، الماضوية والمستقبلية، الفردية والجماعية، الواقعية والمثالية، الثبات والتغير، وما شابهها ومعنى التوازن بينها: أن يفسح لكل طرف منها مجاله، ويعطي حقه بالقسط أو بـ«القسطاس المستقيم»، بلا وكس ولا شطط، ولا غلو ولا تقصير، ولا طغيان ولا خسران، مستدلاّ بقوله تعالى: )وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ(، (الرحمن: 7-9). (القرضاوي، الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم)

والوسطية عند القرضاوي مدرسة في المقاصد بين «المعطلة الجدد»، الذين يزعمون أنّ الدين جوهر لا شكل فيسرفون في تأويل آيات الكتاب فيلتقي مع الشيخ ابن عاشور الذي يقول: «وهو رأي كل قاصد لإبطال الشريعة» و«الظاهرية الجدد»، الذين يقفون عند ظواهر النصوص بمعزل عن علل الأحكام ومقاصد الشرع وهم «الذين يحصرون مظان العلم في الظواهر والنصوص» كما يذهب ابن عاشور والشاطبي. ويدعو الشيخ القرضاوي إجمالا إلى التركيز على خمسة أنواع من الفقه ضمن تصور متكامل يجمع بين الفقه الجزئي والقواعد الأصولية والمقاصد والفقه الحركي بتعقيداته وخلافاته الكثيرة وهي:

1- فقه المقاصد ويراد بالمقاصد: الغايات والعِلَل والحِكَم التي تناط بها الأحكام الشرعية، فيما يتصل بالعقيدة والعبادات والمعاملات والأخلاق والآداب.

وتتمثل مرتكزات المدرسة الوسطية عند الشيخ القرضاوي فيما يلي:

• البحث عن مقصد النص قبل إصدار الحكم.

• فهم النص في ضوء أسبابه وملابساته.

• التمييز بين المقاصد الثابتة والوسائل المتغيرة.

• الملاءمة بين الثوابت والمتغيرات.

• التمييز في الالتفات إلى المعاني بين العبادات. والمعاملات (القرضاوي، مقاصد الشريعة بين المقاصد الكلية والنصوص الجزئية).

2- فقه الأولويات ويُقصد بفقه الأولويات: «العلم بالأحكام الشرعية التي لها حق التقديم على غيرها بناء على العلم بمراتبها وبالواقع الذي يتطلبها»، فتقديم حكم على آخر يكون بناء على:

فقه بأحكام الشرع وبمراتبها، وبالأهم منها من المهم، وبالقطعي منها من الظني، وبالأصل منها من الجزء.

فقه بالضوابط التي يتم بناء عليها ترجيح حكم على آخر في حالة التزاحم أو في غير حالة التزاحم.

فقه بالواقع والظروف التي يتحرك فيها الداعية. (د/محمد الوكيلي، فقه الأولويات - دراسة في الضوابط).

3- فقه السنن الكونية.

4- فقه الموازنات.

5- فقه الاختلاف (انظر دراسة أحمد الراشد حول الوسطية عند العلامة القرضاوي، إسلام أولاين).

وهذه الأنواع تشتمل على فقه جليل يساهم في الوضوح النظري وتجلية الرؤية أمام العاملين في حقل الدعوة والعمل الإسلامي في الفكر والعمل.

المصدر: جريدة الراية القطرية

 
الصبحي عتيق
تاريخ النشر:2010-06-10 الساعة 13:49:50
التعليقات:0
مرات القراءة: 4402
مرات الطباعة: 570
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan