الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » تيارات و شخصيات » أعلام

جمال الدين القاسمي: السلفية الإصلاحية في بلاد الشام

حازم زكريا محي الدين

 

شهدت بلاد الشام في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ولادة حركة سلفية تحمل الهم الإصلاحي، وكان لهذه الحركة دور فاعل في قضايا النهضة والتغيير التي كانت تعيشها بلاد الشام في تلك المرحلة، مارسته من موقع التواصل الفكري والروحي مع مصادر الإسلام ونصوصه الصحيحة الثابتة، ومن موقع الاستيحاء لنموذج التجربة الإسلامية الأولى (النبوية والراشدة) في إنتاج المعرفة، وممارسة السلطة والقيم السياسية المتمثلة بشكل رئيس في الحرية والعدل والمساواة والشورى.

وقد اجتهدت هذه الحركة في سبيل تأسيس نواة المقاربة النقدية للتراث الإسلامي، حيث بدأنا نرى علي يدي علمائها أولى المحاولات الفكرية لنقد بعض الكتب والتيارات والمدارس والقيم التراثية وفق منظور ورؤية إصلاحية تجديدية تجعل معيار القبول والرفض مدى القرب والبعد من حقيقة الدين الإسلامي كما تجلت في مرحلة ما قبل تشكل المذاهب الفقهية والعقدية الإسلامية، من جهة، بالإضافة إلى درجة القرب والبعد من معايير العقل العلمي الحديث، ومدى تحقيق أماني المسلمين المشروعة في استعادة الحضارة والسيادة واستئناف حالة التقدم المرجوة من جهة أخرى.

ولعل أهم ممثلين لهذه الحركة في الفترة المعنية هما الشيخ جمال الدين القاسمي (1866-1914م)، والشيخ طاهر الجزائري (1852-1920م). وسوف نركز هنا على الشيخ جمال الدين القاسمي.

السيرة والإنتاج العلمي

وُلد جمال الدين القاسمي في مدينة دمشق في عام (1866م) لأسرة دمشقية عُرفت بالعلم والفضل. وقد تلقى مبادئ العلوم العربية والشرعية على يد والده العلامة محمد سعيد القاسمي (ت1900م) الفقيه والمؤرخ والأديب والعالم بالموسيقى الذي كان المحضن الأول لتنمية آفاقه الدينية والعلمية والفكرية، ثم تابع تحصيله العلمي على يد مجموعة من شيوخ مدينته، من أهمهم شيخ الشام في زمنه الشيخ بكري العطار(ت 1902م). وكان من رواد حلقة الشيخ الإصلاحي عبد الرزاق البيطار (ت 1916م) رائد الحركة السلفية المستنيرة في بلاد الشام في العصر الحديث الذي حرره من قيود التقليد والجمود المذهبي، ودفعه دفعاً إلى عالم الاستنارة في فهم الشريعة والدين، وفتح عينيه على أحوال العصر وثقافته ومشاكله، وأخذ بيديه في مسالك العمل الإصلاحي العام. وكانت تربطه صلات الأخوة والصداقة مع كثير من رجال العلم والإصلاح في عصره من مثل محمد عبده، ورشيد رضا، وطاهر الجزائري، وشكيب أرسلان، ورفيق العظم، وعبد الحميد الزهراوي، ومحمود شكري الآلوسي (العراق)، ومحمد نصيف (الحجاز)، ويمكننا أن نستنتج من طبيعة هذه العلاقات الفكرية، ومن تحليل المراسلات الفكرية والعلمية التي كانت تدور بينهم، وجود تيار فكري إصلاحي سلفي مستنير بدأ ينشط في الوقت نفسه في مصر والشام والعراق والحجاز، وقد تضافرت جهود هؤلاء العلماء جميعاً على رفع بنيانه، وتبيين ملامحه، وتفصيل أفكاره، والدعوة إلى تعميقه وتطويره حتى يعم العالم الإسلامي بأكمله.

وتتجلى أركان هذا التيار السلفي الإصلاحي في الانطلاق من قاعدة النص الشرعي الصحيح، ومقتضيات العقل العلمي الثابت، والعمل الدؤوب من أجل استعادة النهضة الإسلامية التي كانت يعيشها العالم الإسلامي في قرونه الأولى.

وفي الحقيقة، فقد كان القاسمي في بداية أمره شافعياً أشعرياً نقشبندياً مثل كثير من طلبة العلوم الشرعية في دمشق في عصره، ثم بدأت بالتدريج تتكون لديه ولدى مجموعة من أصدقائه نوازع الاهتمام بالمنهج السلفي في تناول قضايا العقيدة والفقه من خلال قراءة ومدارسة بعض الكتب التي تُعنى بالأصول والكتاب والسنة. وقد حدث أنه كان يجتمع في شبابه (في عام 1895م) مع بعض زملائه في حلقة علمية تقوم بدراسة الأحكام الشرعية من مواردها الصحيحة في الكتاب والسنة، ومقرونة بالأدلة الأصولية عليها، وكانت هذه الحلقة تحرص أيضاً على مناقشة واقع الأمة من حولهم، وما يحدث فيه من أمور تبعد بهم عن روح الدين ومقاصده السمحة، فما كان من بعض الشيوخ المقلدين والمتربصين بمن يفكر في الخروج عن قبضتهم العلمية وسلطتهم الروحية إلا أن رفعوا أمرهم إلى السلطات العثمانية التي عقدت لهم محكمة عُرفت في تاريخ دمشق بحادثة المجتهدين.

وعلى الرغم من أن هذه المحكمة قد انتهت دون أن تصيب القاسمي وأصدقائه بأي أذى، إلا أنها شكلّت علامة بارزة على ولادة الحركة السلفية الإصلاحية في دمشق.

مارس القاسمي التدريس الديني في بعض مساجد دمشق ونواحيها، وبعد وفاة والده سنة (1898م) أخذ مكانه في التدريس في جامع السنانية أحد أعرق الجوامع في مدينة دمشق. وقد سافر القاسمي إلى عمان، والقدس، ويافا، وبيروت، والمدينة المنورة. وكان يمتاز بعشقه للعلم والمعرفة والسعي الدؤوب لاكتسابهما من أي مصدر وقع بين يديه، وكان يتمتع بحرية في الفكر، وتعمق في العلم، وبمقدرة كتابية فائقة أعانته على الإكثار من الكتابة والتأليف، وكان معروفاً بالسخاء المادي والمعنوي، وبخاصة على صعيد الاعتناء بالآخرين ورعايتهم علمياً وتربوياً. وسافر إلى مصر في عام (1903م) والتقى بالشيخ محمد عبده وأعجب به وبأفكاره الإصلاحية إعجاباً كبيراً، وقد ظهر أثر هذا الإعجاب في نقله الكثير من أقوال وآراء عبده في تفسيره "محاسن التأويل"، فضلاً عن تأثره بأسلوب عبده الحر والسلس في الكتابة حيث أقلع منذ ذلك التاريخ عن أسلوب السجع الذي كان يتبعه في معظم مؤلفاته السابقة، إلى أسلوب الترسل والكتابة الحرة البعيدة عن القيود الشكلية والزخارف اللفظية، والغوص في الوقت نفسه وراء المعاني والأفكار، والتعبير عنها بأسهل عبارة وأجملها.

ترك لنا القاسمي ثروة علمية كبيرة تزيد على الثمانين كتاباً، يأتي في مقدمتها تفسيره الشهير "محاسن التأويل" الذي يُعد أول تفسير كامل للقرآن الكريم (طُبع في عشرة مجلدات) في بلاد الشام في العصر الحديث، وبذلك يمكن لنا أن نصف القاسمي بأنه رائد حركة التفسير في بلاد الشام. وتكمن أهمية هذا التفسير بأن القاسمي قد دوّن في مقدمته أصولا منهجية للتفسير نقلها بشكل رئيس من كتب الشاطبي وابن تيمية ومحمد عبده، شكّلت هذه الأصول في مجموعها مقدمة منهجية للعمل التفسيري نقلته من مجرد نقل لأقوال العلماء والمفسرين المتقدمين إلى عمل منهجي منضبط بأصول علمية تعصم المفسر من الانحياز العلمي أو المذهبي أو الأيديولوجي. ويُحسب للقاسمي في هذا التفسير أنه فتح صدره لأقوال العلماء من جميع المدارس المذهبية والعقدية من سنة ومعتزلة وشيعة وزيدية وإباضية وسلفية ومذهبية وصوفية.. وعاملهم جميعا، على الرغم من التزامه شخصياً بأصول المنهج السلفي، على قدم المساواة بأسلوب علمي دون ممارسة أي إقصاء أو اتهام مسبق، ولم يجعل لنفسه أي سلطان على هذه الأقوال إلا سلطان الدليل النقلي الصحيح والدليل العقلي الثابت. وبذلك يمكن أن نقول بأن القاسمي قد رسّخ في تفسيره هذا قيم الوحدة الثقافية والدينية بين المسلمين، ومارس بشكل عملي مبدأ الأولوية للدليل العلمي وليس للمذهب أيا كان هذا المذهب. ومما يحسب للقاسمي أيضاً أنه قدّم من خلال تفسيره بعض اللفتات الفكرية التي أطلّ من خلالها على الواقع الديني والاجتماعي من حوله نقداً وتصويباً، وبذلك يمكن لنا أن نضم القاسمي إلى قائمة المفسرين في العصر الحديث الذين ساهموا من خلال تفاسيرهم في تغيير الواقع من حولهم وإصلاح أحوال مجتمعاتهم والأخذ بيدها إلى قيم الإسلام ومقاصده السمحة. ويأتي كتاب "دلائل التوحيد" للقاسمي في المقام التالي بعد تفسيره في الأهمية العلمية، فقد انضم القاسمي من خلال كتابه هذا إلى ركب الأفغاني وعبده وحسين الجسر الذين دافعوا عن العقيدة الإسلامية بأسلوب علمي عصري. حيث لم يدخر القاسمي جهداً في ذكر الأدلة النقلية والكلامية والفلسفية والكونية القديمة والحديثة على السواء لإثبات مقومات العقيدة الإسلامية، ولإقامة البراهين على المؤاخاة التامة بين العلم والإيمان، وعلى إثبات أن العلم الحق هو الطريق المأمون للدين الحق.

هذا فضلا عن حرصه في كتابه هذا على إظهار الدور الحضاري والاجتماعي والنفسي للدين في بناء المدنية وترقيتها، وفي إقامة العمران البشري وفق أسس إنسانية تضمن له التماسك والازدهار، وتقيه من عوامل الانحطاط وعلل السقوط.

يقول القاسمي مقرراً المعاني السابقة: «اتفقت كلمة الفلاسفة والحكماء العقلاء على أنه لا كمال للإنسان مطلقاً، بل لا وصول له إلى التمسك بأهداب الآداب، واقتباس أنوار الاستبصار إلا باقتفاء آداب الدين، والأخذ بهديه القويم، والسلوك على صراطه المستقيم.. وبالجملة فدين الأمة هو مدرسة أخلاقها، ودستور عقولها، ومصباح حياتها، وقانون وجودها. فلا تشرف عواطف الأمة.. وتتزكى سرائرها إلا بالعقائد الصحيحة، ولا يُصان نظامها من الخلل والتفرق إلا بالدين، ولا يندفع خطر الفوضى التي تهوي بالشعوب من الهلكة إلى مكان سحيق إلا بالإيمان الصحيح، فبقدر تمكن العقيدة من نفوس أفراد الأمة تكون سعادتهم، وقوام حياتهم، والعكس بالعكس».

ونذكر من مؤلفات القاسمي المهمة الأخرى، "موعظة المؤمنين من اختصار إحياء علوم الدين"، الذي كتبه إثر عودته من سفره إلى مصر (عام 1903م) ولقائه بالشيخ محمد عبده، وسؤاله له عن أفضل الكتب التي يمكن أن تقدّم للعامة وتُدرّس لهم، فأشار عليه عبده بكتاب إحياء علوم الدين للغزالي بشرط تجريده من الآثار الضعيفة والموضوعة، والقصص والحكايات المختلقة والواهية. ومن مؤلفاته المطبوعة الأخرى، "قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث"، و"دلائل التوحيد"، و"تاريخ الجهمية والمعتزلة"، و"إصلاح المساجد من البدع والعوائد"، و"الفتوى في الإسلام". وقد نشر أربع رسائل في أصول الفقه، منها رسالة في أصول الفقه عند الظاهرية، ونشر أيضاً رسالة نجم الدين الطوفي في المصلحة، وقد أثار بنشره هاتين الرسالتين ضجة كبيرة في بيئته العلمية التي لم تكن تعترف إلا بالمذاهب الفقهية الأربعة وكتبها في الفقه والأصول.

وتجدر الإشارة إلى أنه قد غلب على كتابات القاسمي أسلوب الإكثار من نقل النصوص من المصادر القديمة وبعض المراجع الحديثة، وسردها بشكل حرفي في مؤلفاته دون أن يتبعها بتحليل أو ترجيح أو نقد في حالات كثيرة، ويظهر هذا الأسلوب بشكل خاص في تفسيره "محاسن التأويل"، لدرجة أن القاسمي قد تعرض للنقد من بعض الكتّاب في عصره، مثل محمد كرد علي (ت 1953م) الذي اتهمه بأنه قد اكتفى «في أكثر تآليفه ببسط آراء غيره»، ونحن وإن كنا نتفق بشكل عام مع هذا النقد الموجه إلى أسلوبه في التأليف الذي حرمنا من الوقوف بشكل مباشر على شخصيته العلمية، ومعرفة طبيعة ومدى إضافته المعرفية في الميادين الكثيرة التي عالجها في كتاباته بشكل أوضح، إلا أننا نرى أن القاسمي بنقله الشيء الكثير من نصوص العلماء النوعية التي لم تكن معروفة في نهاية القرن الماضي وبداية القرن العشرين مثل نصوص ابن حزم والشاطبي وابن تيمية وابن القيم والطوفي وابن عربي الأندلسي، فضلاً عن النصوص الكثيرة التي نقلها عن علماء الشيعة والمعتزلة والإباضية، قدّم مادة علمية جديدة ومختلفة قياساً بالمادة العلمية المعروفة في ذلك العصر، وبذلك أسهم في تنشيط الحركة العلمية، وفتح الآفاق أمامها، وكسر الاحتكار الصوفي والمذهبي للساحة المعرفية في تلك المرحلة، وأسهم في تهيئة البيئة العلمية لتقبّل الدعوة إلى استئناف الاجتهاد، وإعادة التفكير في التراث الإسلامي بعيداً عن التصنيفات المذهبية والطائفية الضيقة، وساهم بشكل أو بآخر من خلال هذه الطريقة في التصنيف في إشاعة وتعزيز روح الأخوة والتسامح بين أبناء المذاهب والمدارس والفرق الإسلامية، ومن يقرأ كتابه "تاريخ الجهمية والمعتزلة" يجد مصداق هذا الكلام.

 هذا فضلاً عن أننا نعتقد أنه كان يستغني في كثير من الحالات عن التحليل والنقد لأنه كان يصدر أصلاً في اختياره للنصوص المنقولة عن موقف معرفي خاص به، فنحن إذا قمنا بتحليل هذه النصوص وسألنا أنفسنا لماذا اختارها دون غيرها من النصوص الكثيرة، فسنعرف بالضبط ما هو موقفه الشخصي من القضية التي سرد النصوص فيها، وسنعرف ماذا يريد أن يقول لنا من خلال هذه النصوص المختارة بعناية وقصد مسبق.

وهنا نستطيع أن نقول باطمئنان أنه كان يسعى من وراء كل النصوص التي كان يحشدها في مؤلفاته إلى إعادة ربطنا بالنصوص الإسلامية الثابتة والصحيحة، وبالنصوص الحية التي تحمل عبق الاجتهاد والتفكير العلمي الأصيل، وإعادة تذكيرنا بالشخصيات العلمية الإسلامية التي كسرت طوق التقليد، وكوّنت لأنفسها رؤية علمية مستقلة بعيداً عن قيود الاجترار والتكرار والتقليد التي كبّلت العقل الإسلامي، ومنعته من الاستمرار في عطائه الإبداعي المواكب لحركة الحياة، والمتفاعل مع إكراهات الواقع ومآزقه التاريخية.

الأفكار الإصلاحية

يشترك القاسمي مع غيره من رجال الإصلاح الشوام في الرؤية الإصلاحية العامة التي تتمثل بضرورة الأخذ بمدخل التغيير الداخلي للأمة عن طريق تعميم التربية والتعليم وإصلاح مؤسساتهما، وخصوصاً المؤسسة التعليمية الدينية وتجديد أساليبها ومناهجها التربوية حتى تصبح قادرة على مواكبة العصر الذي تعيش فيه وتستجيب لهمومه وتحدياته المعرفية والتاريخية. والدعوة إلى تبني قيم الحرية السياسية والدعوة إلى مشاركة الأمة في صناعة السلطة عن طريق أهل الحل والعقد والمجالس النيابية.

ولعل الإضافة الخاصة بالقاسمي تتمثل في تبنيه مبادئ وروح الدعوة السلفية الإصلاحية التي وقفت في وجه التقليد المذهبي والطائفية الدينية، والطرقية الصوفية التي جمّدت العقل الإسلامي، وأعاقته عن ممارسة دوره في الشهود الحضاري والمشاركة التاريخية الفاعلة في زمنه. ونظراً لريادة موقفه في الدعوة إلى الاجتهاد، سنقوم بإلقاء نظرة عامة على رؤيته في هذه القضية التي شكّلت فيما بعد مشغلا رئيساً من مشاغل الحركة الإصلاحية في بلاد الشام في العصر الحديث.

ـ الاجتهاد والتقليد:

تحدى القاسمي السلطة التقليدية للعلماء الرسميين الذين يستمدون هيبتهم من تقليد المذاهب الفقهية الراسخة السلطة في المجتمعات الإسلامية آنذاك، وذلك عندما دعا إلى الاعتراف بكافة المذاهب الفقهية بما فيها مذاهب الشيعة والزيدية والإباضية، وإلى تحري الحكم الشرعي المدعوم بالدليل الصحيح بغض النظر عن المذهب الذي قال به، لذلك وجدناه لا يتحرج من الأخذ في بعض المسائل من الشافعية والمالكية والحنابلة والشيعة، وبعض العلماء المستقلين مثل ابن حزم وابن تيمية على السواء طالما صحّ عنده الدليل الشرعي. لأن الله تعالى قد تعبدّنا باتباع الأحكام الشرعية المؤيدة بالأدلة الصحيحة ولم يأمرنا باتباع مذهب أو فقيه معين، ولأنه تعالى لم يضمن العصمة لأحد.

ومن أجل تدعيم موقفه المستنير هذا كان القاسمي لا يألوا جهدا في عرض التجربة الفقهية الإسلامية في مراحلها الأولى وخصوصا مرحلة الأئمة الأربعة التي اتسمت بالتجرد عن التقليد، والبحث عن الدليل الصحيح، وتقديمه على آراء أصحاب المذاهب أنفسهم.

وأنفق القاسمي جهداً علمياً كبيرا في تحقيق ونشر كتب أصول الفقه بوصفها الكتب التي تعيد إلى المسلمين عقلية الاستدلال والاستنباط الفقهي، وتقطع الطريق على كل من يحاول فرض حكم شرعي دون أدلة قوية تؤيد القول به، أو فرض مذهب فقهي دون غيره على المسلمين. وعن طريق هذه النظرة المنفتحة ساهم القاسمي مع غيره من العلماء المصلحين في غلق أبواب التعصب المذهبي بين المسلمين، وفي الدعوة إلى استئناف الاجتهاد الفقهي، والخروج بالأمة من مضايق الكتب الفقهية المتأخرة إلى فضاء النظر الاجتهادي المستقل المدعوم بالمنهجية الأصولية العلمية الضامنة لسير العملية الاجتهادية بعيدا عن أدعياء العلم والمتاجرين به، وبعيداً في الوقت نفسه عن العابثين وأصحاب المصالح الخاصة، وخصوصاً السياسية منها التي تستخدم التعصب والفرقة المذهبية لترسيخ سلطتها، وضمان نفوذها في مجتمع فقير جاهل تقليدي، وترى في ظهور طبقة من العلماء المستقلين والمجتهدين تحدياً كبيراً لقبضتها المحكمة على هذا المجتمع الذي لا يرى إلا رأي حكامه ومن يدور في فلكهم من الشيوخ الذين خانوا رسالة العلم التنويرية لمصلحة تثبيت سلطة الحاكم ضمانا لمصالحهم الخاصة.

وعلى الرغم من الحملة النقدية الشديدة التي شنها القاسمي على التقليد والمقلدين إلا أنه لم يقع في حفرة التطرف والغلو، فقد كان حريصا على إظهار الاحترام لأئمة المذاهب وعلمائها، والتقدير لدورهم العلمي في استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها المقبولة، وكان يدعو إلى عدم هجر مؤلفات أصحاب المذاهب الفقهية بشرط البحث دائماً عن الأدلة المعتبرة للأحكام الواردة فيها.

ولم ينس القاسمي أيضاً في أثناء هجومه على الطرق الصوفية والبدع الكثيرة التي ينشرها أصحابها أن يقف موقف الاعتدال والإنصاف من روح التجربة الصوفية القائمة على الإخلاص والزهد والتقرب إلى الله تعالى. ولم يتردد في إنصاف كبار علماء التصوف وتبرئتهم مما يُنسب إليهم من الغلو في الدين والخروج عن ثوابته، وقد اجتهد في سبيل وضع ميزان علمي نحكم من خلاله على الآخرين نستطيع من خلاله تضييق دائرة التكفير والاتهام بالخروج عن دائرة الدين، ونعرف الطريقة المثلى للتعامل معهم، وذلك عندما قال: «لا عبرة برمي شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وأمثالهما رحمهم الله تعالى بالإلحاد، مثل النصير الطوسي، وابن عربي، وبعض الأشاعرة، أو المتأولين لآيات الصفات وآثارها، فإن ذلك منه ومن أمثاله حمية مذهبية، وغيرة على نصرة ما ذهب قوي لديه... وابن عربي، حقُّ الباحث معه، المنكِر عليه، أن ينكر عليه موضعاً لا يحتمل التأويل، ويقول: ظاهره إلحاد. إلا أن الرجل له عقيدة نشرها أولاً، ومذهب في الفقه حسن، فمثله لا يسوغ رميه بالإلحاد. وحينئذ فيقال: كلامه مُشكل، إلا أن عقيدته صحيحة. فالأولى الإعراض عن المشكلات من كلامه وعدم مطالعتها، إذ لعل لها معاني عنده. وأمثال هذا مما يخفف من الرمي، والإلحاد فافهم».

وفي الحقيقة، فقد كان القاسمي منسجماً مع نفسه ومع دعوته إلى الاجتهاد عندما رفض أن تتحول آراؤه واجتهاداته الفكرية والفقهية الخاصة إلى مذهب خاص به لأنه لا يرى أي مشروعية دينية أو علمية لعملية تحويل آراء العلماء إلى مذاهب فقهية متَّبعة، فالاجتهاد يجب أن يبقى مفتوحا للإضافة والتطوير والنقد، ويجب أن تُحصر عملية الاتباع من قِبَل عموم المسلمين للأدلة الشرعية التي يتوصل إليها المجتهد، ويمارس الاجتهاد انطلاقاً منها، وليس لرأي المجتهد نفسه. فلا حصانة مطلقة لأي مجتهد، ولا توجد أية ضمانة شرعية وعلمية لصواب جميع الآراء التي يصل إليها باجتهاده لمجرد أنه أصاب الحق في قليل أو كثير منها.

ـ الرؤية السياسية:

لا نجد للقاسمي نصاً فكرياً يعرض فيه رؤيته وأفكاره السياسية بشكل مباشر وواضح، ولكننا على الرغم من ذلك فإننا نستطيع أن نتعرف على الملامح العامة لفكره السياسي من خلال مجموعة من نصوصه الفكرية القصيرة التي حفظها ونقلها لنا ابنه ظافر القاسمي. ونستطيع أن نقرر استناداً إلى هذه النصوص أنه كان من بين أنصار الدولة العثمانية والداعين إلى المحافظة عليها لأنها دولة المسلمين في ذلك العصر، وهي الدرع الواقي لهم من محاولات الدول الغربية لغزو بلادهم، والسيطرة على مواردهم الاقتصادية.

ولكن على الرغم من إيمان القاسمي بضرورة المحافظة على الدولة العثمانية إلا أنه كان في الوقت نفسه يدعم كل محاولة سلمية تسعى لإصلاحها، وتوفير عناصر القوة والثبات لها من داخلها، والتي يقف على رأسها في نظره إشاعة الحريات العامة، وتنشيط الحياة الدستورية، وتنظيم الحياة الإدارية والقانونية فيها. وقد استخدم هيبته الدينية، ومعرفته الفقهية والأصولية الراسخة لإسباغ الشرعية الدينية على الدستور والقانون بشرط أن يستلهما روح الشريعة الإسلامية ومبادئها ومقاصدها، وأن يكون الهدف منهما هو رعاية المصالح العامة التي لا قوام للأمة إلا بها. وقد دعا إلى تنشيط الحياة البرلمانية، وانتخاب مجلس استشاري من ذوي الكفاءات العلمية والخبرات العملية يقف على رأسه السلطان يضمن للدولة العثمانية حياة نيابية شوريّة تكون مهمتها إدخال الإصلاحات العامة، ومتابعة تنفيذها في كل الميادين والصُعد.

وكان في مقابل ذلك لا يألو جهدا في سبيل تعرية الاستبداد ومواجهته، وتحميله المسؤولية عن تراجع وتقهقر الأمة الإسلامية، ودعوته إلى ضرورة مشاركة الأمة عن طريق رجال العلم والرأي والخبرة فيها في صناعة القرار السياسي، والاضطلاع بشؤون المحاسبة والمراقبة على القائمين على شؤون السلطة التنفيذية.

 

1 نذكر من هؤلاء المفسرين على سبيل المثال: محمد عبده، رشيد رضا، طنطاوي جوهري، محمود شلتوت، عبد الحميد بن باديس.

2 يقول القاسمي في كتابه دلائل التوحيد: "كلما ازداد المرء علماً بالفنون الكونية، ورسخت قدمه في العلوم الطبيعية، ازداد بموجد الكون معرفةً وبالآيات الدالة عليه بصيرةً، وكلما قلّت معارفه ابتعد عن الخالق بنسبتها... وبالجملة فالعلم الصحيح أعظم باعث للاعتقاد والإيمان، واكبر سائق إليه، وأن الإنسان كلما ازداد علماً ازداد يقيناً وجزماً". دلائل التوحيد، ضبط خالد عبد الرحمن العك، ط1، بيروت، دار النفائس، 1412هـ/ 1991م، ص351ـ 353.

3 جمال الدين القاسمي، دلائل التوحيد، ص 348ـ 350.

4 محمد كرد علي، المذكرات، دمشق، مطبعة الترقي، 1368هـ/1949م، 3/688

5 نقلا عن ظافر القاسمي،جمال الدين القاسمي وعصره، ط1، دمشق، مكتبة أطلس، 1385هـ/1965م، ص 273 ـ 274.

المصدر: بيبلو إسلام

 
حازم زكريا محي الدين
تاريخ النشر:2010-06-13 الساعة 15:15:20
التعليقات:0
مرات القراءة: 2736
مرات الطباعة: 537
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan