الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » قضايا فكرية » وجهات نظر

الأسس المنهجية في رسائل النور نظرات في الشكل والمضمون وفقه التنزيل

د. وسف حمداوي

 

إن انتشار الفكر المادي الإلحادي في الأوساط التركية، فرض ضرورة المواجهة العلمية والعملية الممنهجة على مستوى النظر والتطبيق، والتخطيط والإجراء، استجابة للمستجدات الطارئة في ساحة الصراع والتدافع بين دائرة الإيمان ودائرة الكفر.

هذه المستجدات والتحديات، دفعت النورسي في ضوء نشاطه الديني، ودفاعه عن بيضة الإسلام إلى اختيار منهج علمي رصين، يناسب طبيعة المرحلة، ويتفاعل معها بإيجابية وإقدام دون الوقوع في فخ الاحتواء والذوبان، أو التهور والانفعال وردود الأفعال. وقد تنوعت تجليات هذا المنهج العلمي وتعددت وجوهه على مستويات عدة، كان من أهمها الشكل، والمضمون، والتطبيق، أو بعبارة أخرى الصياغة، والمحتوى، والتنزيل، فالنورسي رحمه الله استطاع بذكائه وعلمه وصدقه أن يجدد الخطاب الديني في أسلوبه وعبارته ومضمونه ومحتواه وآليات تطبيقه في الواقع المعاصر؛ فكان بذلك نموذج المفكر النبيه، والعالم اللغوي النحرير، والمفسر الضليع الذي فقه تحديات عصره، وحدد المنهج المناسب لها، وفيما يأتي أتناول بعض أسس هذا المنهج في مستوياته الثلاث وقد تناولتها في ثلاثة مطالب وهي:

المطلب الأول: منهج الصياغة والتحليل.

المطلب الثاني: منهج عرض المحتوى والمضمون.

المطلب الثالث: منهج التطبيق والتنزيل.

منهج الصياغة والتحليل

إن الباحث عن الأسس المنهجية لصياغة وتحليل المشروع النوري في رسائل النور، يدرك تكامل الأجناس المعرفية، وتعاونها لتشكيل خطاب إسلامي متين، غايته بناء الإنسانية، ومعالجة مشاكلها، والبحث في أسباب ارتدادها وانحدارها، وهذا التكامل ينم عن قدرة بديع الزمان سعيد النورسي على استحضار العلوم التي حصلها في مرحلة طلبه وتوظيفها في كتابة موسوعة شاملة رغم الظروف الصعبة التي لم تسمح له بالرجوع إلى الكتب والمصادر قصد التحقيق، ولكن رغم هذا فقد استطاع أن يؤلف مشروعا فكريا متكاملا قادرا على المواجهة والتحدي، والبناء بشهادة علماء عصره، ومن جاء بعده، ويرجع هذا النجاح إلى التوفيق الإلهي الذي أحاط به ثم القدرات العلمية التي منحها الله إياه، يقول رحمه الله «والدليل على أن الرسائل ليست من بنات أفكاره أنه هناك من الرسائل ما قد كتب في ست ساعات، وأخرى في ساعتين وبعضها في ساعة واحدة وأخرى في عشر دقائق. فأنا أقسم أنه لو كانت لي حدة ذكاء سعيد القديم، وقوة حافظته، لما تمكنت أن أكتب في عشر ساعات، ما كتب آنذاك في عشر دقائق، ولا يمكنني أن أكتب في يومين ما كتب في ساعة، فنحن إذن مع أننا مفلسون ليس لنا شيء إلا أننا أصبحنا خداما ودلالين في معرض أغلى المجوهرات»[1].

هذا العطاء الإلهي المقرون بإخلاص بديع الزمان، وجديته، وشدة غيرته على أوضاع الأمة الإسلامية، كان له ما يميزه من السمات المنهجية التحليلية عن سائر العطاءات المعرفية في زمانه، على مستوى أسلوب الصياغة ووسائل الإيصال، وعلى مستوى المصادر والأسانيد العلمية المعتمدة في تحليل القضايا. وفيما يلي أذكر أهمها مختصرة في أسس جامعة لفروع منهجية متنوعة.

أولا: أسس الصياغة ووسائل الإيصال:

الجمالية في الأسلوب وعدم التصنع، والصدق في التعابير، ومراعاة الكلام لمقتضى الحال، والتزام الدقة في الأحكام؛ الالتزام بالأخلاق الإسلامية في التعامل مع المخالف، حوارا ونقدا وهجوما وبناء؛ تقريب القضايا إلى الأذهان بالتصوير الفني والتمثيل الحسي؛ الوحدة الموضوعية في تحليل المسائل، والترابط المنهجي للأفكار والمعاني، وانتظامها في نسق واحد يخدم الموضوع المقصود بالتناول؛ إطالة النظر وعمق التدبر والتأمل وقوة الصبر على تقليب المسائل المدروسة من زوايا مختلفة؛ الإبداع في التقسيم والتصنيف على مستوى الإطار والمحتوى؛ اختيار المصطلحات القرآنية والابتعاد عن المصطلحات الفلسفية؛ توظيف المصطلحات الشرعية واللغوية والقواعد الشرعية في تحليل القضايا؛ توظيف بعض المصطلحات الصوفية وإخضاعها لمنهجية التخلية والتحلية؛ توظيف العلوم العصرية الحديثة في سياق الدفاع عن القضايا الإسلامية؛ التدرج من الأصل إلى الفرع ومن الكل إلى الجزء؛ عرض الحقائق الإسلامية في حدود المعقولية والواقعية، والابتعاد عن التعميم والتجريد الفلسفي؛ تعاون العقل والقلب والروح والنفس في صياغة الخطاب؛ دمج القراءة الكونية بالقراءة القرآنية في تحليل القضايا وتفسير الظواهر؛ تنويع الأدلة، وتكثير طرق الاستدلال (العقل والنقل والكشف)؛ العالمية والشمول والانفتاح على سائر الأفاق المادية والروحية ومخاطبة الكيان الإنساني من حيث كونه مخلوقا كونيا يتفق مع سائر الكائنات في مهمة التسبيح؛ تعدد المسالك في البناء والتحليل (الوصف والاستنباط والبرهان والقياس والاستقراء والتشبيه...).

ثانيا: أسس التحليل ومصادر المعالجة:

هيمنة القرآن ومركزيته في معالجة القضايا وتحليل مسائلها؛ اتباع توجيهات السنة النبوية الشريفة وتطبيقاتها الفعلية المتمثلة في شخص النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده؛ التأمل في عالم الإنسان وعالم الكائنات وعالم الغيب، واستنباط أصول العلاج من خلال الاعتماد على القرآن الكريم بمقاصده، ووجوه إعجازه وشمولية تشريعه؛ اعتماد العلوم الشرعية والعلوم العصرية الحديثة والمعارف الفلسفية والصوفية والمنطقية مستندا أساسيا لبناء المسائل وتحليلها في ضوء القرآن الكريم؛ الالتزام بالنظر الكوني والشمولي إلى سائر القضايا والمشاكل؛ دراسة القضايا في ضوء سياقها العلمي والتاريخي؛ الاعتماد على المعطيات التاريخية والمصادر المعرفة الإسلامية في معالجة القضايا الإنسانية؛ الانطلاق من التغيرات الجديدة التي فرضتها نتائج الصراع بين أهل الحق والباطل وجعلها موطنا للتفكير لا مصدرا للعلاج؛ الاستفادة من تجارب الحضارات الأخرى وتوظيف إيجابياتها في صياغة المشروع الإسلامي العالمي.

منهج عرض المضامين والمحتويات

لقد نجع النورسي في اختيار المضامين المناسبة للمستجدات المعاصرة في ساعة الصراع بين الإسلاميين والعلمانيين، وتجلى ذلك في حسن تحديده للقضايا الكبرى، وقدرته على حصرها في كليات واضحة المعالم، قادرة على مواجهة الشبهات المادية التي زرعها تلامذة الفلسفة المادية في الأوساط الاجتماعية؛ وقد تمثلت هذه الكليات في ثلاثة أبعاد:

أولها وأهمها البعد الإيماني ثم يليه البعد الحقوقي ثم يليه البعد العلائقي أو التواصلي إن صح التعبير، وقد كان يجمع هذه الأبعاد في عناصر أو مفردات مقاصد القرآن وهي التوحيد والنبوة والحشر والعدالة مع العبودية، وفي هذا المطلب أذكر بعض الثوابت المنهجية لتفعيل هذه القضايا وتوظيفها في سياق معالجة المشاكل الطارئة في الواقع الإسلامي، وأختصرها في الأسس الآتية:

ـ صياغة المقاصد القرآنية والقضايا الإنسانية الأساسية اعتمادا على تنوع البراهين العقلية والنقلية وربطها بواقع الإنسان.

ـ تقديم هذه القضايا بلغة تناسب العصر وتستجيب لتحدياته ومستجداته.

ـ التجرد من النقاشات والجدالات الفارغة والاشتغال بمجال الإصلاح القلبي والعقلي لبني آدم.

ـ عرض المضامين وفق معادلة حسن إدارة الصراع مع العدو وتجنب المعارك الهامشية، والابتعاد عن المواضيع السياسية رعاية لمصلحة الدعوة الإسلامية.

ـ تحويل القضايا الإيمانية من الأبحاث النظرية إلى حقيقة ترتبط بكافة أوجه النشاط الإنساني.

ـ اعتماد منهج الاستقراء في عالم الكائنات، وعنصر الاستدلال بالقياس والتمثيل والتشبيه والجدل والمناظرة والتاريخ أساسا للبرهنة على حقيقة القضايا الإيمانية وأهليتها في معالجة المشاكل الإنسانية المعاصرة.

ـ الانطلاق من طبيعة الإنسان وحقيقته ورغباته وميولاته للكشف عن أهمية الأصول الإيمانية لتحقيق السعادة البشرية.

ـ اعتبار القضايا الإيمانية هي القاعدة الصلبة لبناء التصورات الكلية عن الكون والحياة والإنسان.

ـ التأمل في أضرار الشرك والكفر ونتائجه السلبية، واعتماد ذلك أساسا لبيان محاسن الإيمان وكمالاته وآثاره الإيجابية على الإنسان.

استلهام المنهج القرآني في عرض الحقائق الإيمانية انطلاقا من ضرب الأمثال وقص العبر والحكايات والشواهد التاريخية والاستدلال بأدلة الأنفس والأفاق.

ـ إحداث الصلة بين معطيات العلم الحديث ومعطيات العلوم الشرعية في بناء هذه القضايا وتحليلها.

ـ توظيف المعطيات العلمية المعاصرة في سياق تزكية الإنسان وترقيته إيمانيا ومعرفيا.

ـ الاستمداد من عالم القرآن وعالم الأفاق وعالم الأنفس منهج النظر وقواعد التدبر.

ـ جعل القرآن الكريم القاعدة الصلبة لتوجيه العلوم والمعارف نحو خدمة الإنسان المعاصر ومعالجة مشاكله.

ـ اعتماد أسماء الله الحسنى في قراءة أسرار الكون وتوظيف ذلك في معالجة القضايا الإيمانية.

ـ معالجة القضايا وتأكيد حقائقها بناء على النظر في مآلاتها ونتائجها ومنافعها وثمارها والكشف عن سلبيات أضدادها.

ـ الاهتمام بالإنسان وترشيد حركته في الوجود وتلبية حاجته العقلية والقلبية وحمايته من أفكار الضلالة والإلحاد عن طريق إحداث منهجية المقارنة بين تلميذ القرآن وتلميذ الفلسفة المادية.

ـ رد الأفكار الباطلة وهدم المسالك الضالة عن طريق أسلوب الكشف عن سمو التشريعات القرآنية وعظمتها على سائر التشريعات الوضعية.

ـ صياغة الرؤية الرشيدة لبناء شبكة العلاقات الاجتماعية السليمة بناء على القيم الإسلامية العظيمة والقيم الإنسانية المشتركة.

ـ قيام المنهج التغييري والإصلاحي على البنية التحتية في ضوء فقه الأولوية والإحاطة بالتحديات والاستجابة لمستجدات القائمة في ساحة الصراع بين الحق والباطل.

ـ تحديد القواعد والمناهج الوقائية لإحكام العلاقة مع الغرب تأثيرا وتأثرا.

ـ التفريق بين السلبي والإيجابي في تصنيف الحضارات وبناء منهج التعامل معها.

ـ ضرورة التمييز بين دائرة الاعتقاد ودائرة المعاملات أثناء التعامل مع حضارة الغرب.

منهج التنزيل والتطبيق

القارئ للملاحق في فقه دعوة النور وغيرها من الرسائل يقف على التدابير الوقائية والأسس الرئيسة لحماية الدعوة الإسلامية من الفناء وضمان تطبيق المشروع الإسلامي، وتنزيله في الواقع بحكمة وتدرج. ويمكن اختصار هذه التدابير والأسس في النقاط الآتية:

ـ إطالة النظر وعمق التدبر والاستنارة في التفكر.

ـ الصدق والإخلاص والتضحية والخدمة والعيش للآخرين.

ـ إنكار الذات والفناء في الأخوة وترك الأنانية والغرور.

ـ الزهد في الدنيا والتمسك بأخلاق العفة والرجولة.

ـ الاشتغال بتربية النفس وتزكيتها عن طريق المعراج القرآني بمدارجه الأربع (الفقر والعجز والشفقة والفكر).

ـ عدم التأثر بالظروف والانتقام للنفس والاستجابة لرد فعل.

ـ التضحية من أجل المبدأ والثبات عليه وتحدي العراقيل والابتلاءات، والانطلاق من رحم المحنة.

ـ فقه التحديات وإدراك الأولويات وتجنب المعارك الهامشية.

ـ معرفة العدو الحقيقي واجتناب الخصومة مع الآخرين ورعاية قيم المحبة والوحدة والاتحاد والتعاون والتكامل.

ـ ترك الاشتغال بالسياسة والتوجه نحو خدمة الحقائق الإيمانية.

ـ التخطيط والتنظيم وإحداث التواصل بين خدام القرآن وإشاعة المحبة بينهم وإزالة أسباب العداوة المفسدة لوحدتهم وتماسكهم.

ـ تكوين طلاب القرآن وجمعهم على خدمة متن رسائل النور دون الارتباط الشخصي بصاحبها رغم اختلاف مشاربهم وطبائعهم.

ـ إشاعة معاني التفاؤل وشحذ الهمة وتقوية العزيمة ومحاربة اليأس والكسل.

ـ جعل الواقع موطنا للتفكر والتدبر لا مصدرا للعلاج.

ـ الاستجابة للتحديات والمشاكل الطارئة وترك التجريد والسباحة في عالم الخيال والتنظير.

ـ تغليب العمل على النظر والحال على القول والترجمة الفعلية للمكتوب سلوكا وتواصلا وتضحية ودعوة.

ـ توحيد القبلة نحو خدمة الحقائق القرآنية، وتقريبها إلى العقول بأساليب وعبارات واضحة تصل إلى جميع طبقات المجتمع.

ـ الالتزام بالنقد الإيجابي والصريح للمخالف دون الوقوع في الجدل العقيم الذي يصنع العداوة والبغضاء.

هذا إلى جانب مجموعة من الأسس والمعاني والمفردات المنهجية صادفتها وأنا أتأمل في سر شيوع رسائل النور في تركيا وسائر العالم وإقبال الناس عليها رغم اختلاف مشاربهم وتعدد تخصصاتهم وتنوع ميولاتهم، ويمكن أن أختمها بجملة فريدة مفادها أن القلم الذي يكتب بنور الصدق والإخلاص، ويكون مداده هو التضحية والفناء من أجل الآخرين، وتكون أوراقه هي مصائب الأمة ومشاكلها، لا شك أنه سيجد في مقبلات الأيام، ترجمة فعلية، وتنزيلا واقعيا، لما كتب في حياة المسلمين، وغيرهم من الحنفاء الباحثين.

وفي الأخير، أقول إن الحديث عن المنهجية عند النورسي شكلا ومضمونا، جسما وروحا إطارا ومحتوى متشعب المسالك كثير التفاريع، لا يمكن الإحاطة به في هذه الورقة التي لا تروم سوى التفاعل مع طلاب بديع الزمان والتواصل معهم قصد الإفادة من علمهم وأخلاقهم والارتواء بنور إخلاصهم؛ ذلك أن رسائل النور هي موسوعة شاملة لقضايا العصر تعددت مناهجها بتنوع المجالات المدروسة، فهناك المنهج الدعوي والمنهج الكلامي الجدلي والمنهج الإصلاحي النقدي والمنهج البنائي الهدمي وغيرها من المناهج التي يصادفها الباحث وهو يقرأ رسائل النور من أولها إلى أخرها.

[1] أنظر الملاحق في فقه دعوة النور ص: 181-182.

المصدر: موقع نور أونلاين

 
د. وسف حمداوي
تاريخ النشر:2010-06-16 الساعة 12:36:11
التعليقات:0
مرات القراءة: 1808
مرات الطباعة: 607
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan