الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » شؤون دولية

في الحاجة إلى مقاربة عقلانية للدور التركي

د. بشير موسى نافع

 

أعاد الاعتداء الإسرائيلي على قافلة الحرية، ومقتل المتضامنين الأتراك التسعة على ظهر السفينة مرمرة، تسليط الأضواء من جديد على الدور التركي النشط في المشرق، وأطلق عاصفة من الاهتمام العربي بجارتهم الكبيرة. لم يكن للدولة التركية من دور يذكر في تنظيم أو إدارة أو إطلاق الحملة خلف القافلة، اللهم إلا دعوات الخارجية التركية للدولة العبرية بأن لا تعترضها وأن تترك سفن الإغاثة للمرور إلى قطاع غزة.

بيد أن بشاعة الاعتداء على القافلة ولَّد الانطباع في أنقرة بأن ثمة نية إسرائيلية لاستهداف تركيا وتوجيه الإهانة لحكومة العدالة والتنمية. والأرجح أن الحكومة التركية عملت منذ اللحظة التي نشرت فيها أنباء ما حدث على السفينة مرمرة على تحويل الأزمة إلى فرصة. خلال ساعات من وصوله إلى أنقره، تحدث رئيس الحكومة التركية الطيب أردوغان إلى الشعب ونوابه من على منصة البرلمان، مؤكداً أن الحادث يمثل لحظة تحول في السياسة التركية الخارجية، وقال للإسرائيليين بلا مواربة إن اختيار العداء لتركيا سيكون مكلفاً. وفي الأيام القليلة التالية، عملت الدبلوماسية التركية في مجلس الأمن على إصدار بيان رئاسي من المجلس يدين التصرف الإسرائيلي ويطالب بتشكيل لجنة تحقيق دولية للكشف عن حقيقة الأحداث، كما عملت عبر إدارة أوباما على توجيه إنذار للحكومة الإسرائيلية بضرورة الإفراج عن المتضامنين المعتقلين، وإعادة جثث الضحايا. وقد سربت أوساط حكومية للصحافة التركية تقارير تفيد بأن حكومة العدالة والتنمية ستقوم بالتحلل من كافة الاتفاقات التي عقدتها الحكومات السابقة مع الدولة العبرية خلال النصف الثاني من التسعينيات.

 لم يفُتْ رئيس الحكومة أردوغان في كلمته أمام البرلمان التركي إعادة التوكيد على موقف حكومته من الحصار المفروض على غزة. ووعد بأن تركيا (وكان لافتاً بالطبع أن يتحدث باسم تركيا وليس باسم الحكومة وحسب)، وإن تخلى الآخرون عن مسؤولياتهم، لن تدير ظهرها لأهالي القطاع المحاصر. ولكن حتى بدون اللغة المباشرة لرئيس الحكومة التركية، لم تخفَ عن الرأي العام العربي الجدية البالغة التي اتسم بها تعامل الأتراك مع الحدث.

منذ العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في نهاية 2008، والعرب يراقبون باهتمام بالغ التوتر المتصاعد في العلاقات التركية - الإسرائيلية، وقد أدهشتهم في المقابل الخطوات المتسارعة التي اتخذتها الحكومة التركية خلال السنوات القليلة الماضية للتقارب مع المحيط العربي. كما أدهشهم الموقف التركي - البرازيلي من الملف النووي الإيراني، ومحاولة البلدين، التي لم تَرُقْ للدولة العبرية وعدد من القوى الغربية، إيجاد مخرج للأزمة.

بيد أن ثمة بعداً آخر لهذا الاهتمام؛ فهناك تاريخ عثماني مديد يربط بين العرب والأتراك، لم يمر على نهايته سوى عقود قليلة. وسواء في قاعات الدرس، أو في أوساط الرأي العام العربي، لم تنجح الدولة العربية القُطرية في تقديم سردية مقنعة، يمكن لها أن تسوغ إدانة الحقبة العثمانية أو القطيعة معها. الحنين العربي للماضي العثماني، يعززه بحث العرب عن دولة قائدة، بعد انسحاب كبريات الدول العربية من مسؤولياتها.

 في تصدي تركيا العدالة والتنمية للاستهتار الإسرائيلي، وفي حرص تركيا الحثيث على تعميق الروابط مع جوارها العربي، بدا وكأن العرب وجدوا ضالتهم. صور أردوغان وأعلام الجمهورية التركية (التي هي الأعلام العثمانية) رفعت عالياً في المظاهرات الاحتجاجية التي اجتاحت المدن العربية، من غزة وصنعاء والقاهرة إلى الدار البيضاء. ولم يخش المتظاهرون العرب تذكير حكامهم ووزراء خارجيتهم بضرورة التعلم من نظرائهم الأتراك. ورغم أن بعضاً من الأجداد استغرب يوماً أن تكون اسطنبول وليس بغداد أو دمشق أو القاهرة مقراً للخلافة الإسلامية، فقد اكتشف قطاع من العرب في صلابة أردوغان صورة تذكرهم بأن تلك البلاد كانت يوماً حاضنة الخلافة.

ما يتطلبه تقدير الدور التركي اليوم شيء من المقاربة العقلانية. تركيا العدالة والتنمية لن تتحول إلى دولة ممانعة، كما سوريا وإيران مثلاً؛ بمعنى أنها ستبقى حريصة على علاقاتها الغربية، بما في ذلك عضوية حلف الناتو والمثابرة على طلب عضوية الاتحاد الأوروبي، حتى وهي تدرك أن الدول الأوروبية الرئيسية تمضي الوقت في تعاملها مع الملف التركي، لا أكثر.

ورغم أن المسؤولين الرئيسيين في حكومة العدالة والتنمية، بما في ذلك رئيس الجمهورية عبد الله غُل، لم يستبعدوا قطع العلاقات الدبلوماسية مع الدولة العبرية، فالأرجح أن مثل هذه الخطوة ليست على جدول أعمال الحكومة التركية الآن، وإن اتخذت يوماً فلأن الدولة العبرية دفعت أنقرة دفعاً إلى اتخاذها.

الحقيقة، أن السياسة الخارجية لحكومة العدالة والتنمية تقوم على تعددية الأبعاد ودوائر الاهتمام، والارتباط التركي بالمعسكر الغربي ليس بعداً أصيلاً في هذه السياسة وحسب، بل هو أيضاً وثيق الصلة بماضي تركيا، الذي كان إسلامياً وعثمانياً وأوروبياً كذلك. وربما ليس من مصلحة تركيا ولا مصلحة أصدقائها العرب، أن تنقلب على علاقاتها الغربية، لا بالمعنى السياسي ولا بالمعنى الثقافي. أحد عناصر قوة تركيا الجديدة أنها غربية ومشرقية في الآن نفسه.

ومن الضروري أيضاً إدراك أن تركيا العدالة والتنمية تمر بطور انتقالي، طور يتعلق بإعادة اكتشاف الذات والتاريخ، وتحديد المتطلبات الإستراتيجية لبناء دولة حرة وقوية ومؤثرة. في هذا الطور الانتقالي، ثمة ثوابت ومسلّمات للجمهورية تتعرض الآن للانتقاد والإنشاء من جديد، وثوابت ومسلمات أخرى يجري التخلي عنها. ولكن هذا طور انتقالي إصلاحي وليس ثورياً؛ بمعنى أنه سيأخذ زمناً ما لينضج ويتبلور. ولذا، فليس بالضرورة بعد أن تكون كل خيارات الرؤية الإصلاحية لحكومة العدالة والتنمية قد أصبحت خيارات للدولة التركية بمؤسساتها الأمنية والعسكرية والمدنية.

التدافع على روح تركيا وملامحها لم يزل على أشده، وسيحتاج أردوغان نجاحاً في معركة تعديل الدستور، وربما يحتاج دستوراً جديداً، وفوزاً ثالثاً في الانتخابات البرلمانية، قبل أن يتمكن من غرس جذور رؤيته الإصلاحية عميقاً في تربة الجمهورية التركية العصية، وأن تصبح خياراته الكبرى حول دور تركيا وموقعها وعلاقاتها خيارات الدولة أيضاً. المهم في كل ما يجري أن هذه الخيارات تجد صدى واسعاً في صفوف الشعب التركي بفئاته المختلفة.

الأهم من ذلك كله، في النهاية، أنه مهما كان تقدير الدور التركي، فعلى العرب أن يدركوا، شعوباً وقوى سياسية، أن تركيا، الشقيقة العثمانية القديمة، الصديقة والحليفة الجديدة، لن تقوم مقامهم، ولا يجب أن تفعل. صلابة الموقف التركي في مواجهة السياسات الإسرائيلية، ودفاع حكومة أردوغان عن القضايا العادلة في الجوار العربي والإسلامي، لا يجب أن يعفيا العرب، حكومات وقوى سياسية، من مسؤولياتهم.

تركيا لن تحل محل مصر المنسحبة من دورها، لا يجب أن تغض النظر عن التكبيل الطائفي للعراق، لن تعوض صمت السعودية، ولا انكفاء الجزائر على نفسها. إن كان في الموقف التركي من إيجابية، فيجب أن تتحول هذه الإيجابية إلى قوة دافعة لإصلاح الشأن العربي، لخوض معركة إعادة بناء الدور العربي، مهما كانت التكاليف.

ومن الجدير ربما التذكر بأن تغييراً ملموساً في توازن القوى، وانقلاباً إيجابياً في أوضاع المشرق العربي - الإسلامي، لن يتحققا بدون دور عربي موازٍ للدور التركي.

المصدر: موقع صحيفة العرب القطرية

 
د. بشير موسى نافع
تاريخ النشر:2010-06-20 الساعة 13:55:36
التعليقات:0
مرات القراءة: 2955
مرات الطباعة: 448
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan