الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » الإسلام و الغرب » جدل حضاري

مبادئ الخطاب الإسلامي المعاصر في التعامل مع الحضارة الغربية

أ. فهمي هويدي

 

مهم للغاية أن نسعى لإنجاح حوار الحضارات والإسهام فيه، ومهم بذات القدر أن نتفق على مبادئ الخطاب الإسلامي التي ننطلق منها في التعامل مع الحضارة الغربية، لكن الأمر ليس سهلا ولا الطريق معبدا، ذلك أن ثمة ملاحظات سبع يتعين الانتباه إليها قبل الدخول في الموضوع وطرق ذلك الباب، وهذه الملاحظات هي:

الأولى: إن اعترافنا بأهمية الحوار بين الحضارات، لينبغي أن يتجاهل حقيقة أن الملف الخاص بذلك الحوار تراجع على نحو ملحوظ بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، كما أنه مرشح لأن يواصل تراجعه، ذلك أن التطورات التي أعقبت ما جرى في سبتمبر، خاصة ما تعلق منها بإعادة النظر في الإستراتيجية الأميركية وتنامي قوة التيار الداعي إلى بسط هيمنة الإمبراطورية الأميركية، الأمر الذي استصحب تراجعًا نسبيَّا للدور الأوروبي في دائرة القرار، ذلك كله أسهم في تغيير أجندة المجتمع الدولي، حيث لم تعد الولايات المتحدة تعنى بمسألة حوار الحضارات ولا بالتعددية، وإنما أصبح عنوان "الحملة الدولية لمكافحة الإرهاب" يحتل الأولوية القصوى، بل إن الميزانية التي خصصت لحوار الحضارات في الولايات المتحدة حولت إلى ما يسمى بمشروع "الدبلوماسية الشعبية ومبادرة الديموقراطية والتنمية"، الذي استهدفت به الولايات المتحدة تحسين صورتها في العالم العربي والإسلامي، ومعالجة بذور الكراهية المفترضة للسياسة الأميركية، وهو المجرى الذي يصب في النهاية في وعاء تجفيف منابع الإرهاب، ولعلي لا أبالغ إذا قلت إن حوار الحضارات في المفهوم الأميركي أصبح عنوانًا لتطلعات مرحلة ما بعد انهيار سور برلين ونهاية الحرب الباردة، أما مرحلة ما بعد 11 سبتمبر فلها عناوين جديدة، ليس الحوار بينها، وإنما الإملاء جوهرها، بحيث أصبح المطروح الآن بقوة هو كيفية تطويع الأفكار في العالم العربي والإسلامي، لكي تصبح أكثر تجاوبًا وملائمة للتصورات الغربية والأميركية بوجه أخص.

الثانية: إنني ألحظ في خطابنا العام اهتماما كبيرا بالحضارة الغربية دون الشرقية، ولست هنا بصدد الإقلال من شأن الأولى، التي لست بحاجة لأن أعدد إنجازاتها، لكنني أدعو إلى موقف متوازن لا يتجاهل الحضارات الشرقية أو الآسيوية، وفي المقدمة منها الهندية والصينية، التي هي حافلة بالقيم الإيجابية التي نحن أحوج ما نكون إلى الإفادة منها وتمثلها، وأذكر بأن الحضارة الغربية بالنسبة لنا هي جهد إنساني رائع في التقدم، لا هو نموذج أو مثل أعلى لنا، ولا هو الوحيد في الكرة الأرضية، وإنما هو أحد النماذج- أهمها في الواقع- لكنه ككل تجربة إنسانية، لها نجاحاتها وإخفاقاتها.

الملاحظة الثالثة: إنني أسجل تحفظا شديدا عن فكرة أن ما يحتاج إلى تصويب ومراجعة كله في الجانب المتعلق بنا، ولا شيء مطلوبا، في المقابل، من الطرف الغربي، ذلك أننا ونحن نعترف بأن لدينا سلبيات كثيرة تستدعي المراجعة وتوجبها، إلا أن الطرف الغربي يحتاج بدوره لأن يراجع سياساته، فضلا عن حساباته ومنظومة قيمه، إذن ليس صحيحا أن الغربيين يقفون منا موقف المعلم الذي يوجه تلاميذه، وما على الآخرين إلا السمع والطاعة، لكن الصحيح أننا جميعًا تلاميذ في ذات الصف، وكل ما حدث أنهم تفوقوا وصاروا الأوائل، ونحن تخلفنا، كثيرًا حقًا، لكننا لم نشهر إفلاسنا، ولدينا الكثير الذي يمكن أن نقدمه لهم، على الصعيد الاجتماعي والأخلاقي والإيماني على الأقل.

الملاحظة الرابعة: إنه من الخطأ البيّن أن يظن أن مجتمعاتنا وحدها هي التي تعاني من التطرف والأصولية، وإنما أزعم أن أمثال تلك الآفات موجودة في كل مجتمع إنساني، وأنها في العالم العربي والإسلامي أضعف منها في أقطار أخرى، ورغم الصدمة التي حدثت من جراء أحداث سبتمبر، إلا أنني أذكر بأن في إسرائيل حكومة أصولية فعلت بالفلسطينيين أضعاف ما فعلته أحداث سبتمبر بالأميركيين، من حيث عدد الضحايا وكمية الدمار على الأقل، كما أن الأصولية المسيحية المتحالفة مع الصهيونية تتحكم الآن في القرار السياسي الأميركي، وتقف وراء مخططات هيمنة الإمبراطورية الأميركية، وتفكيك وإعادة تركيب خريطة الشرق الأوسط، وهو ما يدعونا إلى القول بأن أفعال تلك الأصوليات أشد وطأة وأبعد أثرا وأشد خطرا، على الأقل من حيث إنها هناك في موقع اتخاذ القرار، وهو ما لم تبلغه الأصولية في عالمنا العربي والإسلامي، خصوصا بعد انهيار نظام "طالبان" في أفغانستان.

الملاحظة الخامسة: إنني أرجو ألا تغيب عنا حقيقة أن النموذج الذي نقدمه في ممارساتنا وحياتنا العملية سيظل وحده الذي يمكن أن يقنع الآخرين برقي مشروعنا وايجابية تعاليمنا وسمو شريعتنا، ويجب أن ندرك أننا مهما قلنا في مديح الإسلام وتبيان تفوق تعاليمه وانجازات حضارته، فإن الذين يتلقون ما نقوله سيضربون صفحا عن كل ذلك، ثم ينظرون إلى أحوالنا ويصدرون في ضوئها حكمهم النهائي، فإذا وجدوا في أحوالنا ما يؤيد كلامنا قبلوه، وإذا وجدوا تفاوتا بين الاثنين أو تناقضًا، صدقوا أحوالنا وكذبوا كلامنا.

الملاحظة السادسة: لا ينبغي ولا يعقل أن نجري حوارا مع الحضارات الأخرى بينما حوارنا مقطوع مع أهلنا وبني جلدتنا وأبناء حضارتنا، ولعلي لا أبالغ إذا قلت إن حوارنا مع الحوارات الأخرى لن يكلل بالنجاح إلا إذا حققنا نجاحًا، ولو نسبيًّا، في حوارنا مع أنفسنا وإخوتنا، ومع كل الساكنين في بيتنا العربي والإسلامي الكبير.

الملاحظة السابعة والأخيرة: أهم ما يعنينا في الأمر كله أن نكون أوفياء لديننا وصادقين مع أنفسنا ومع الله، فنحن لا نسعى ولا نتجمل في عيون الغرب، ورضا الله عندنا أهم من رضا الغرب وأهله ومن لف لفهم، وحين نحاول أن نستخلص المبادئ التي تعيننا على التعايش والتفاعل الإيجابي مع الغرب، فسعينا يستهدف إزالة التشوهات التي لحقت بصورة الإسلام وتعاليمه وروجت لها دوائر تعددت أهدافها، بأكثر مما يستهدف نيل ذلك الرضا من الغربيين، إننا نوضح التباسًا ولا نطلب عفوا أو إجازة من أي أحد، كما أننا بذات القدر لا نقدم اعتذارا لأحد.

إننا إذا أردنا أن ندخل إلى صلب موضوعنا فأرجو أن نتفق في البداية على أن القيم الدينية يمكن أن توظف لتحقيق الأهداف النبيلة والخيّرة، كما يمكن أن توظف في خدمة الأهداف الشريرة، ويصبح السؤال المهم للغاية هو: لماذا يتجه الناس حينا إلى الأهداف الأولى؟ ولماذا يتجمعون في حين آخر إلى الأهداف الثانية؟ وكلمة "لماذا" هنا تنصب على مجمل الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي أفرزت هذا الموقف أو ذاك.

في القرن التاسع عشر كان الاعتقاد الشائع بين المثقفين الأوروبيين أن الكاثوليكية والديمقراطية لا يجتمعان، وتبين لاحقًا أن ذلك اعتقاد خاطئ، لأن الديمقراطية الغربية تعايشت مع الكاثوليكية على النحو الذي يلمسه الجميع، في حين خرجت "محاكم التفتيش" من عباءة الكنيسة الكاثوليكية في القرن الثامن عشر، وفي أوائل القرن الماضي أشاع بعض الاقتصاديين إلى أن النجاح الاقتصادي الذي حققته دول شمال أوروبا راجع إلى الأخلاق البروتستانتية، في حين تنبئوا بأن الجنوب الكاثوليكي سيظل فقيرا، لكن ما إن انتصف القرن حتى تبين خطأ ذلك الادعاء، حيث نمت ايطاليا وفرنسا- في الجنوب- بوتيرة أوسع من أوروبا البروتستانتية، وفي وقت لاحق أرجع بعض الباحثين الازدهار الذي عاشت في ظله دول جنوب شرق آسيا إلى كون "الكنفوشية" تساعد على الحيوية الاقتصادية، لكن الأزمات التي واجهتها بعض تلك الدول دعت زعماء تلك الدول إلى القول بأن القيم الآسيوية تنطوي على خصائص سلبية.

بوسعنا والأمر كذلك، أن نضيف أن المجتمعات الإسلامية التي تعاني من التخلف الآن هي ذاتها التي عاشت في ظل نهضة عظيمة في طور سابق، الأمر الذي يبرئ ساحة التعاليم من المسؤولية عن الأوضاع البائسة التي يعيش في ظلها العالم العربي الإسلامي.

لقد استشهد كاتب إسرائيلي ببعض المعلومات التي ذكرتها توا لكي يدحض المقولة التي يروجها البعض عن تعذر اجتماع الديمقراطية مع الإسلام، وكان الكاتب شلومو افنيري، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة العبرية، يعلق بما كتبه على نتائج الانتخابات التركية الأخيرة التي نجح فيها حزب العدالة والتنمية ذو الجذور الإسلامية، وخلص في مقالته المنشورة في 22/12/2009 إلى أن المشكلة ليست في الإسلام ولكنها في غيبة الديمقراطية، التي إذا توافرت فإن الإسلام سوف يتعايش معها، كما تعايشت أوروبا مع الديمقراطية.

هذا المعنى ردده أيضا فريد ذكريا، رئيس تحرير مجلة "نيوزويك" الأميركية، الذي كتب مقالة نشرتها مجلة السياسة الخارجية (فورين بوليسي عدد نوفمبر وديسمبر)، الذي خلص فيه إلى تخطئة الباحثين والكتاب الغربيين الذين ذهبوا في تشهيرهم بالإسلام إلى حد اعتباره عدوا للتقدم، ومن ثم استسهلوا اتهامه بالمسؤولية عن تدهور الأوضاع في الدول الإسلامية، متجاهلين مسؤولية الخرائط السياسية والأداء السيئ في العالم الإسلامي عن تدهور تلك الأوضاع، وقال في هذا الصدد: «إن الذين يروجون لفكرة تعارض الإسلام مع الحداثة يقفون في ذات المربع الذي يقوده المتطرفون الذين يرفضون الحداثة والديمقراطية بحجة تعارضها مع الإسلام».

ما ذكره الكاتبان صحيح من حيث المبدأ، لكن أحد المشكلات التي تثار في هذا الصدد أن النخبة الغربية لا تكتفي بموقف التلاقي بين الإسلام والحداثة، ولكنها تريده تعاطيا مع الحداثة كما يفهمها الغربيون، وهو ما يمكن أن يعبر عنه بالحداثة "المستنسخة"، الأمر الذي يضعنا أمام مفارقة لها تأثيرها البالغ على العلاقة بين الإسلام والغرب، وتتمثل تلك المفارقة في أن الغربيين الذين يتبنون شعارات الليبرالية والتعددية والتعايش مع الآخر، يقبلون بهذه القيم على الصعيد الوطني ويرفضونها على المستوى العالمي، بمعنى أنهم إذا قبلوا بالتعددية الحزبية والسياسية فإنهم يرفضونها على الصعيد الحضاري، ويقبلون بالآخر المختلف سياسيًّا وفكريًّا، لكنهم غير قادرين على استيعاب فكرة أن يختلف الآخر حضاريا، وتلك إشكالية لا سبيل إلى حلها في الجانب المتعلق بالمسلمين، الذين من حقهم أن يكون لهم نموذجهم الحضاري الذي يختلف في مقاصده ومنظومة قيمه، وليس هناك ما يجبرهم على الالتحاق أو الانسحاق أمام النموذج الحضاري الغربي، ولا مفر هنا من الإشارة إلى أن شعور الغربيين بتفوقهم، وبكونهم الجنس الحضاري الغربي، وعدم وجود أي منافس لهم على وجه البسيطة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.

إن بعضًا مما يعتبره الغربيون عداء من جانب المسلمين للحداثة، هو في حقيقة الأمر "اختلاف" لم يحتملوه ويرفضون استمراره، انطلاقًا من تحفظهم عن مبدأ "المغايرة" وإصرارا من جانبهم على أن يكون الآخرون استنساخًا لهم، آية ذلك أن الحقل الاجتماعي، وكل ما يتعلق بالأحوال الشخصية وعلاقة الجنسين ببعضهما، أصبحت تتخلله اختلافات كثيرة بين النموذجين الغربي والإسلامي، ولعلي أشير هنا إلى ما طرأ على مفهوم الأسرة من تطور، والمحاولات اللحوحة من جانب المنظمات الغربية لإدخال زواج المثليّين، مثلا، ضمن نطاق الأسر الجديدة، واعتبار ذلك من قبيل "الحداثة" التي بلغتها بعض المجتمعات الغربية، وهو ما يؤدي إلى اتهام المجتمعات الإسلامية بالتخلف ورفض الحداثة في تجلياتها المختلفة.

كما يجرنا الحديث عن الاختلاف في النموذج الحضاري والمفارقة في تعاطي قيمه التعددية إلى حديث آخر عن مفارقة أخرى تتهم السلوك الغربي بالكيل بمكيالين فيما يخص حقوق الإنسان، وحق تقرير المصير بوجه أخص، وما الحاصل من قهر يومي للفلسطينيين إلا نموذج لذلك السلوك الذي يفتقد إلى العدل والإنصاف، ويتعارض مع أبسط مبادئ حقوق الإنسان، ومن أسف أن الموقف الغربي بشكل عام والأميركي بوجه أخص يقف في هذه القضية في صف المعتدي والغاصب، والمنكر على المظلوم حقه في أن يدافع عن نفسه.

إن السجل حافل بالملفات التي تندرج تحت ذات العنوان، وليس غائبا عن أذهاننا الدور الذي لعبته الدول الغربية في الدفاع عن حق سكان تيمور الشرقية في الاستقلال عن اندونيسيا، ثم إنكار تلك الدول ذات الحق على الشيشانيين والكوسوفيين في البلقان، وتجاهلهم لتطلعات مسلمي كشمير في الهند وسينكيانج في الصين وزنزبار في تنزانيا.

إذا أضفت إلى ما سبق تلك المعاملة التي تتسم بالتمييز والتعسف التي يلقاها المسلمون في الولايات المتحدة وفي بعض الدول الغربية، التي أصبحت تنظر إلى المسلمين جميعا باعتبارهم مشبوهين أو متهمين، فإن المشهد في جملته يستدعي السؤال التالي: هل يمكن أن يتعامل المسلم باطمئنان وثقة مع السلوك الغربي في حين تثقل ضميره تلك الهموم والأحزان، التي يرى الغرب إما ضالعا فيها أو مسؤولا عنها؟

ثمة سؤال آخر متصل بما سبق هو: ألا يعد ذلك السلوك الغربي تطرفا من شأنه أن يعبئ المشاعر الإسلامية بالغضب، الأمر الذي يهيئ الفرصة لتفريخ تطرف آخر على الجانب المقابل، يمثل رد فعل تصعب السيطرة عليه؟

إن حقائق الواقع لها تأثيرها القوي في تشكيل المواقف، على نحو ينعكس سلبا على مفعول التعاليم، وإذا كان قد قيل «إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن»، فتلك إشارة إلى أن التعاليم وحدها لا تكفي في صياغة سلوك الناس، اللهم إلا إذا كانوا قد ربوا عليها منذ نعومة أظفارهم وعاشوا في ظلالها طول الوقت، بحيث تظل الظروف مواتية لها، وهذه الأوضاع النموذجية تشكل استثناء في الواقع المعاش، من ثم فإن التعاليم تظل حدا أقصى لما يجب أن يكون عليه السلوك، يحتذيه الناس قدر الإمكان ويتطلعون إلى بلوغ مرتبته، فضلا عن أنها تظل المرجعية التي يسترشد بها ويحتكم إليها في تقييم سلوك الأفراد أو المجتمعات.

إن الموقف الفكري الإسلامي من الآخر، غربيًّا كان أم شرقيًّا، تحدده الضوابط التالية:

فالناس في المفهوم الإسلامي خلقوا من نفس واحدة، من أب واحد وأم واحدة، من ثم فعلاقة النسب تربط بينهم: )يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ( (النساء -1).

ليس ذلك فحسب، وإنما في كل إنسان نفخة من روح الله: )فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ( (الحجر-29)، من ثم فلكل إنسان كرامته التي ينبغي أن تصان، بصرف النظر عن لونه أو جنسه أو دينه، بمعنى أن استحقاق الكرامة مترتب على حقيقة واحدة، أنه إنسان: )وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا( (الإسراء- 70).

ثم إن الاختلاف بين الناس شأن أراده الله لحكمة قدرها، وهو الخالق القدير الذي كان بوسعه أن يخلق الناس أمة واحدة، كما أطلقهم من نفس واحدة:)وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ( (هود-118)، )وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ( (يونس -99).

والأصل أن يتعاون الناس في البر والخير، وذلك أحد مبررات الاختلاف الذي هو سنة من سنن الله في الكون: )يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ( (الحجرات-13).

وطالما أن الآخر له شرعيته في المفهوم الإسلامي، وأن المطلوب هو التعارف والتعاون في البر والخير، فمن الطبيعي أن تكون المسالمة هي الأصل الذي يتيح للتعاون المنشود أن يحقق المراد منه، وفي النداء القرآني: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً( (البقرة-208)، و )لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ( (الممتحنة-8)، )وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ( (البقرة -190).

هذه الآيات التي أوردناها تحث على مسالمة الجميع وتنهى عن العدوان عليهم، لكنها تعلق ذلك على شرط واحد هو رعاية حقوق المسلمين والكف عن مقاتلتهم أو فتنتهم في دينهم، أي أن المسلمين في منظومتهم الفكرية لا يبدؤون أحدا بعدوان، ولكنهم يمدون يد التعايش والتعاون مع الجميع، إلا إذا اعتدى أولئك على كرامة المسلمين وحرماتهم، وفي هذه الحالة فمن حقهم أن يردوا العدوان وان يذودوا عن كرامتهم، في هذه الحالة وحدها تصبح الجبهة المعتدية (دار حرب)، يجري عليها ما يجري على دار الحرب من أحكام، ويظل مصطلح دار الحرب عنواناً استثنائيًّا لحالة يعتدي فيها الآخرون على المسلمين، في حين أن العنوان الأصلي لعلاقة المسلمين بالعالم الخارجي أنه دار السلام أو أمة الدعوة.

هل يتعامل المسلمون مع الآخر انطلاقا من هذه المفاهيم؟

ردي على السؤال في شقين: الأول، إننا يجب أن نعترف بأن ثمة اتجاهات في العالم العربي والإسلامي التبست عليها المفاهيم فأساءت التعبير عن الرؤية الإسلامية، وكان سوء التعبير مقدمة لسوء التصرف، الأمر الذي يدعونا إلى ضرورة ترشيد تلك الاتجاهات وتصويب موقفها الفكري.

أما الشق الثاني فيتمثل في أن الانحرافات الفكرية التي نعاني منها هي من تجليات خلل في البيئة السياسية والثقافية في الداخل، وقهر وظلم يمارس من الخارج، فالطغاة والمستبدون يهيئون أجواء مواتية لغيبة التسامح وانطلاق العنف، ولا ينبغي أن نتوقع من الذين يجلدون الناس ويذلونهم، أن يستقبلهم الناس بالبشاشة والورود، أما القوى الكبرى التي تمارس العدوان على بلاد المسلمين أو تتضامن مع المعتدين وتزودهم بالمال والسلاح فينبغي ألا تفاجأ إذا رد الناس على ظلمهم بتصنيفهم ضمن دار الحرب، وتعددت اجتهاداتهم في صد تلك الحرب وردع المعتدين.

والأمر كذلك، فإنني أحسب أن المشكلة ليست في اعتدال المسلمين أو تطرفهم، وإنما هي- بالدرجة الأولى- في وطأة الظلم الذي يقلص تلقائيًّا من مساحة الاعتدال، ويغذي طاقات التطرف بغير حدود.

المصدر: مجلة الوعي الإسلامي

 
أ. فهمي هويدي
تاريخ النشر:2010-06-28 الساعة 14:16:53
التعليقات:0
مرات القراءة: 2639
مرات الطباعة: 617
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 

 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan