الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » الإسلام و الغرب » الاستشراق

الاستشراق والتاريخانية العربية

علي دراجي

 

رسخ في الفكر العربي المعاصر أن الاستشراق بما تحمله نواته من معاني وبما يحف به من دلالات علامة على العلاقة المعقدة الشائكة بين الشرق والغرب «العرب والعجم» دار الإسلام والسلام ودار الكفر والحرب، وهي علاقة تتجاوز الآن واللحظة الراهنة إلى زمن المواجهة الأولى بين الديانتين التوحيديتين.

فمنذ أن أدركت الكنيسة خطر الديانة التوحيدية الناشئة وما تحمله من رؤى تهدد كيانها، تجند الآباء لمواجهة الإسلام بالفكر والمناظرة وأقام المسلمون صرحا عتيدا من علم الكلام للدفاع عن الملة بحجة العقل والرد على المناوئين من أتباع الديانات المحيطة، واضطلع بهذا الدور خاصة أنصار الاعتزال.

وظلت العلاقة بين الدارين متكافئة حتى تمكنت أوروبا الغربية بواسطة نهضتها من إحداث ثورة تتجاوز في عمقها وتأثيرها ومداها ما تحقق من ثورات كبرى في تاريخ الإنسانية، فتغيرت منذ تلك اللحظة علاقتها بالآخر وتحولت المكتسبات الفكرية والعلمية والعسكرية إلى آليات للهيمنة والسيطرة لا على دار الإسلام فحسب بل وعلى العالم بأسره، وهي حقيقة عبر عنها تودوروف بالقول «ومنذ ذلك العصر وعلى مدار نحو ثلاثمائة وخمسين سنة حاولت أوروبا الغربية استيعاب الآخر، إزالة الآخرية الخارجية وقد نجحت في ذلك إلى حد كبير فقد انتشر أسلوب حياتها وقيمها عبر مختلف أرجاء العالم وكما أراد كولمبوس فإن المستعمرين قد تبنوا عاداتنا وارتدوا ثيابنا» [1].

لم يحدث هذا بالنسبة إلى شعوب أمريكا وحدها وإنما أصبح حقيقة مشاهدة في العالم القديم نفسه، ما وقع منه تحت الاستعمار المباشر، وما اكتسحته رياح الحداثة العتية عبر وسائط الثقافة والسلع المصنعة وأنماط العيش المستوردة.

حققت أوروبا نجاحا لا مثيل له في تاريخ البشرية إذ غزت العالم بأسره: الشرق القديم المناوئ لها، نظيرها الديني والثقافي والجغرافي والأرض البكر في أمريكا المكتشفة حديثا.

تعددت آليات الهيمنة وتنوعت وسائلها وكان من أبرزها مثلما ذهب إلى ذلك تودوروف قدرة عجيبة على فهم الآخر، تقمصه عاطفيا والتوحد به مؤقتا، الاختباء في إهابه دون افتقاد مقومات الذات، وهذا ما يهيئ لفهم لغة الآخر ومعرفة سياسته وثقافته ونمط عيشه، ثم يأتي الطور الثاني الذي يستوعب فيه الغرب الآخر في عالمه الخاص، يطمس هويته ويسعى إلى أن تتحول هذه الذات المغايرة إلى صورة من الأنا دونها قيمة بالضرورة [2].

لم تختص أوروبا وحدها بمعرفة الآخر واستكناه جوهره فالاثنوغرافيا متجسدة في ما كتبه الرحالة العرب والجغرافيون وفي ما نقلته كتب الرحلات بل وفي ما رسمته كتب العقائد عن الأديان المحيطة، لكن أفق الرحلة ومجالها قد بلغا في الزمن الحديث حدا لم تبلغه البشرية من قبل، وتقلصت حدود العالم المجهول بالنسبة إلى الغرب باتساع دائرة المعرفة لا في المستوى الجغرافي فحسب بل وفي مجالات الحياة جميعها.فكان ذلك سببا لهيمنة لا مثيل لها في التاريخ.

هكذا نشأ الاستشراق وثيق الصلة بمقاومة الارتداد أولا وبالنزعة الاستعمارية ثانيا، كان منذ البدء محاولة لفهم الآخر وطمس هويته في آن واحد.

النزعة العدوانية الكامنة في الاستشراق هي التي وجهت إليه انتقادات العرب ورفض النتائج المترتبة عن قراءاته، ولكن موقف الممانعة لم يطمس أبدا جهود الاستكشاف التي أنجزها المستشرقون لعقل الموروث العربي والإسلامي، السيرة والفقه والكلام والأدب والفلسفة. طيلة قرن من الزمان «1860م-1960م» وهو جهد علمي لم يساهم فيه العرب كثيرا لما أصاب مجتمعهم من الفوات.

التاريخانية من ثمرات الاستشراق

تسربت جهود الاستشراق إلى فضاء الثقافة العربية فأصابت عدوى التاريخانية «Historicisme» علماء الأمة المحدثين، وهي حقيقة تجلت في مناهج القراءة التاريخية المنفصلة عن المعطى الإيماني، المكتفية بالحدث الإنساني في بعديه الزماني والمكاني. التاريخانية كما عرفها العروي وهو من أبرز دعاتها ومناصريها «هي النزعة التاريخية التي تنفي أي تدخل خارجي في تسبب الأحداث التاريخية، بحيث يكون التاريخ هو سبب وخالق ومبدع كل ما روي ويروى عن الموجودات» [3].

إنها بهذا المعنى تعبير عن رؤية فلسفية ترفع القراءة التاريخية إلى مستوى من الوعي ينفصل فيها الحدث التاريخي عن الميتافيزيقي فيصبح الإنسان وحده مالكا لمصيره واعيا وعيا موضوعيا بما حدث وبما هو حادث وبما يكون في مستقبل وجوده.

إنها التمثل العلمي الموضوعي لوقائع الماضي بعيدا عن العوامل الخارجة عن إرادة الإنسان «الله، القضاء، القدر، المعجزات…». التاريخانية إذن هي إخضاع التاريخ البشري للنزعة العقلانية الحديثة، إنها في منظور من آمن بها مشروع إيديولوجي كفاحي يرمي إلى تحرير العقل من قيود اللاعقل.

قاد هذا الاتجاه الفكري الناشئ عن ثمرات الاستشراق جهود النخبة العربية المثقفة في العقود الأخيرة من القرن العشرين، ووجه القراءة التاريخية للموروث العربي والإسلامي وجهة جديدة هي أقرب إلى التحرر من الرؤية السكونية للموروث، ومن النزعة الجامدة المرتكزة على قداسة السلف.

تجاوز الخطابات الدفاعية المنكفئة حول هوية ثابتة لا تتغير مع الزمن. فخطأ الأصولية من وجهة نظر ايبستيمولوجية كامن في أنها تعتبر «الأصول» مقولات لاتاريخية لا يمكن إخضاعها للتمحيص النقدي ولا يجوز وضعها تحت مجهر العقلانية الحديثة [4].

لكن هذه النخبة – وفي مرحلة ثانية من الوعي بالذات- سعت إلى التحرر أيضا من سلطة الاستشراق ونتائج قراءاته الملزمة، الإقرار بمقدماته ورفض ما ترتب عنها من النتائج هو الحقيقة التي عبرت عنها الخطابات العربية الحديثة والمعاصرة في رفضها للمركزية الغربية.

في نقد الفكر الاستشراقي

الموقف الرافض للاستشراق واضح وجلي في خطابات الفكر الإحيائي باعتبار رواده من آباء الكنيسة وتلامذتهم ولأن إدراك الرؤية الكنسية والدوافع الدينية حقيقة لا يمكن التعمية عليها [5] المستشرق في نظر الفقيه قسا كان أو باحثا استعماريا متعصبا للمسيحية متخفيا في ثوب أكاديمي يظل دائما صورة مستنسخة من باباوات العصر الوسيط المسكونين بمشاعر الكراهية للإسلام والمسلمين.

ولذلك فكل ما يترتب عن قراءاتهم للموروث الإسلامي يبقى مرفوضا لافتقاره للموضوعية من جهة، ولأنه يعبر عن موقف خارجي من جهة أخرى. ولكن موقف الرفض هذا لم يستتبعه تغير في منهج القراءة أو نقد للذات، فقط ظل الجهد منصبا على نقد الاستشراق وهدم أسسه ورفض نزعته التاريخانية، فحدث الوحي مثلا لا يمكن بحال أن يدرس ضمن أفق التاريخانية الغربية منفصلا عن المعطى الإيماني والمقدس. وفي النتيجة ظل هذا الموقف الإحيائي سكونيا، مطمئنا إلى تناسق بنيته الداخلية مكتفيا بالاجتهاد في حدود علومه المألوفة.

الاستغراب في مواجهة الاستشراق

نشأ في الفكر العربي المعاصر عن موقف الممانعة والرفض لسلطة الاستشراق تيار ثقافي يفترق عن الفكر الإحيائي الحبيس داخل أسواره الثقافية في اكتساب نخبه لقسط وافر من الثقافة الغربية، ولكنه يشترك مع الموقف الإحيائي في مطلب تحقيق الهوية المستقلة ومواجهة الآخر، لا بالانحياز إلى الموقف الدفاعي المعبر عن ضعف الأنا مثلما يفعل ذك الإحيائيون بل بمواجهة الآخر في عقر داره، قراءته ضمن حدود تاريخانيته، إنه تيار اليسار الإسلامي الذي اجتذب كثيرا من المثقفين، وإن كان حسن حنفي أول من ابتدعه وحرر أغلب مدوناته.

في مواجهة الاستشراق ابتدع حنفي «علم الاستغراب» وهو في نظره دراسة الآخر الغرب وتحويله إلى موضوع نظر، بمعنى قلب الأدوار وتبادل المواقع، فالغرب الغازي قد حولنا والعالم بأسره إلى موضوع للدرس عبر أجيال من المستشرقين الذين قرؤوا التراث الإسلامي بواسطة تاريخانيتهم حتى تحولت كتابات المستشرقين إلى مراجع لا غنى عنها لفهم الثقافة الإسلامية والموروث الإسلامي عموما.

ولقد آن الأوان في نظر حنفي لإنشاء علم جديد هو علم الاستغراب «ليعبر عن قدرة الأنا باعتبارها شعورا محايدا على رؤية الآخر ودراسته وتحويله إلى موضوع وهو الذي طالما كان ذاتا تحول كل آخر إلى موضوع» [6].

ولنشأة هذا العلم في نظر حنفي مبررات مختلفة منها:

- القضاء على المركزية الأوروبية، فقراءة الغرب من منظور الأنا يخلصنا من عقدة الشعور بالدونية تجاهه، لأننا بذلك سنضعه داخل بيئته الخاصة.

- تجاوز التصور السائد الذي يجعل الثقافة الغربية إطارا مرجعيا لقراءة الموروث العربي والإسلامي وهويرى في منهج القراءة هذا ضربا من التغريب النظري والمنهجي.

- التعبير عن موقف معرفي موضوعي ومحايد في النظر إلى الآخر فأنا الاستغراب في نظره أكثر نزاهة وموضوعية وحيادا من أنا الاستشراق.

- التوق إلى أن ينشأ عن علم الاستغراب علم جديد يتجرد من داء العنصرية الدفين الذي ارتبط بالوعي الأوروبي.

ولكن سرعان ما ينكشف وهم هذه المبادئ، إذ يتمثل حنفي الغرب غازيا، استعماريا وقهريا فتتحول صورته بالنسبة إلى الأنا إلى عدو تاريخي، لا منذ غزا نابوليون بونابارت مصر فحسب، بل ومنذ الحروب الصليبية وما سبقها من صراع مع دار الكفر [7].

الاستغراب بهذا المعنى إذن آلية من آليات الدفاع عن الذات والهوية الساكنة، رد فعل من جنس الفعل ذاته في مجابهة الاستشراق، وهو في موقفه هذا لا ينأى كثيرا عن الموقف الإحيائي الذي ينظر إلى الغرب وفق مفاهيم «الجاهلية والمادية والتفسخ الأخلاقي».

شرط تحقق الأنا في هذا المشروع أن يتقهقر الغرب وأن يعود إلى تخلفه، وأن يتخلى عن ريادته الحضارية. فالعلاقة بين الشرق والغرب من هذا المنظور مبنية على أن يتحقق أحدهما بموت الآخر، ولذلك انتهى حنفي في تأسيسه «لعلم الاستغراب» إلى استشراف وجداني للمستقبل يبشر بأفول حضارة الغرب وميلاد نهضة عربية جديدة على أنقاضها.

أوضح ما يمكن استجلاؤه من نتائج هذا المشروع الطوباوي خيانته لمبادئ التاريخانية التي ألزم بها نفسه في مستوى المنهج.

نحو تاريخانية عربية علمانية

أما موقف النخب الأكثر علمنة فيحمل من الخصوصيات ما يدفع إلى التأمل وإمعان النظر.

يعلن المثقف العلماني منذ البدء رفضه للمقولة الإحيائية والنزعة الدفاعية التي أقامت عليها مشروعها في مواجهة الاستشراق، يتبرأ من الصراع الفكري العقدي الذي ميز علاقة المستشرق بالفقيه ويرتفع فوقه.

يقول ادوارد سعيد مدافعا عن مقاصد نصه «الاستشراق» عندما أدرك أن الإحيائي وظفه ليكون سندا لمقولته الدفاعية السجالية «وفي نظرهم كانت فضائل كتابي هي بالتالي توضيح أخطار المستشرقين الخبيثة وإنقاذ الإسلام من براثنهم، ويصعب أن أرى أنني انتدبت نفسي للقيام بذلك» [8].

الاستشراق والاستشراق المعكوس يصدران في نظره عن منهج واحد، الاستشراق يؤبد صورة عن الشرق قائمة على الثبات، يدرس واقعا إنسانيا شديد التعقيد والتركيب، متعدد الأطياف والألوان بمنهج غير نقدي، ينتهي دائما إلى الإقرار بوجود واقع شرقي منفصل عن حركة التاريخ.

الغرب وحده في نظر المستشرق منخرط في تاريخ الكون، منسجم مع الحاضر. أما جماعات المؤمنين من أنصار الفكر الإحيائي فيؤكدون حقيقة الثبات التي تميز الشرق، إذ يرفضون مبادئ التاريخانية بإطلاق. النظرتان كلتاهما ترسمان حدودا جغرافية بين الشرق والغرب، من عالم المتخيل لا من حقيقة الطبيعة.

يذهب ادوارد سعيد إلى أن أساس الاستشراق الابستيمولوجي قائم على النزعة التاريخانية التي رسخها الموقف الفلسفي عند فيكو وهيجل وماركس ورانكه ودالثي وغيرهم من فلاسفة الغرب ومحصله أن التاريخ البشري صنيعة الإنسان وأن إدراكه ممكن الحدوث بواسطة العقل، وأنه بالتالي يمكن تحقيقه وفهمه ضمن سيرورة زمنية محددة وداخل نسق. ولأنه كذلك فهو يشمل التاريخ الإنساني كله وينسحب على شعوب الأرض جميعها.

هذا ما نطقت به تاريخانية الفلسفة الغربية أما ما أضمرته، ما سكتت عنه باعتباره من بديهيات الأمور فهو القول بأن هذا التاريخ الذي يوحد البشرية قد بلغ أوجه وأدرك مداه الأقصى، نقطة ذروته في أوروبا الغربية والغرب عموما، وأن كل تاريخ يخرج عن دائرة هذا التصور يظل معدوما حتى يلتحق بركب الحضارة الغربية الرائدة. [9].

وجه هذا التصور الاستشراقي فلاسفة الغرب ومؤرخيه فلم يعد الشرق القديم يعقل في أطروحاتهم الفكرية إلا باعتباره مرحلة من تاريخ البشرية يقتضي العقل تجاوزها والقطع معها. أما الشرق في صورته الراهنة فهو صورة للاستبداد وامتداد للدولة السلطانية، حافظ على بناه التقليدية، وعجز عن الولوج إلى العالم الحديث، عالم الحداثة الغربية.

لذلك لم ير فلاسفة الغرب ومفكروه حرجا في إضفاء المشروعية على الاستعمار واعتباره وسيلة لتحديث المجتمعات التقليدية فالمرور بالمرحلة الرأسمالية باعتبارها حلا لمسألة التخلف دفعت الخطاب الماركسي إلى القول بالاستعمار حامل الثقافة والوصي على نشرها في مجتمعات الفوات التاريخي. تجلى هذا خاصة في مواقف ماركس وانجلس من الاستعمار البريطاني للهند.

انتقل هذا الموقف الفكري الناشئ عن رؤية استشراقية مقيتة بما يحمله من استهجان للآخر، وتضخم للأنا الاستعمارية إلى فضاء الفكر العربي، فأصاب الماركسيين العرب بالحرج، وأنشأ بينهم جدلا حول علاقة الماركسية التاريخانية النزعة بالاستعمار.

انتقد ادوارد سعيد تأثر الماركسية بالموقف الاستشراقي وما انبثق عن ذلك من هيمنة للرؤية الامبريالية التي لم يستطع الفكر الماركسي الفكاك منها رغم انحيازه لمقولة العدل. كما انتقد الصلة الوثيقة التي انعقدت بين التاريخانية في ثوبها الماركسي والنزعة الكونية الزائفة التي تدعو إلى طمس الآخر وإدماجه قصرا في العالم الجديد فالمشكلة منحصرة في «التاريخانية وما ارتبط بها من شرعنة وكوننة للذات» [10].

وسلط سالم يفوت الضوء على علاقة الراشد بالمجبور عليه في الرؤية الماركسية لمجتمعات الشرق معتبرا أن ماركس وانجلز قد أخطآ في حصرهما مبدأ حق تقرير المصير داخل الدائرة الأوروبية دون غيرها من الشعوب الشرقية المستضعفة.

فتحديث مجتمعات الشرق عن طريق الهيمنة الاستعمارية تناقضه القراءات الماركسية الجديدة، في إشارة واضحة إلى اجتهادات سمير أمين وتمييزه بين المركز والمحيط والتطور اللامتكافئ القائم بينهما، وما ترتب عن هذه القراءة من إقرار بأن «نمو الرأسمالية في الأطراف لا يشكل على الإطلاق طريقا للانتقال نحو الاشتراكية» [11].

لم يمر هذا النقد الموجه إلى الخطاب الماركسي الواقع تحت سلطة الاستشراق دون أن يثير حفيظة المثقف العربي، نصير الماركسية الرافض لتأويل النص الماركسي تأويلا يفقده جوهره الإنساني، فنشأ نتيجة ذلك موقف تبريري يدافع عن الماركسية الأصيلة، ويعمل على تبرئة النظرية الماركسية مما ألصق بها من وصمة التشريع للاستعمار، وقد عبر عن هذا الموقف القائم على مفهوم المزايدة المحاكاتية «La surenchère mimétique» خاصة مهدي عامل في رده على قراءة ادوارد سعيد للصلة التي انعقدت بين التاريخانية الماركسية والامبريالية الغربية [12].

لم يؤد هذا الجدل في النتيجة إلى رفض التاريخانية أو القطع معها بإطلاق، كان موقفا علمانيا مشبعا بالنقد، ولكنه كان أيضا رؤية تصحيحية لتاريخانية مكبلة بالمركزية الغربية.

ليست الغاية وأد التاريخانية الوليدة في الثقافة العربية، وإنما غاية القصد إعادة النظر في المسلمات الفكرية والتاريخية التي رسخها الاستشراق عبر قرن من الزمان. «إن نهاية الاستشراق تتطلب إذن نهاية أشكال معينة من الفكر الماركسي وخلق نوع جديد من التحليل» [13].

اتجاه جديد في قراءة التاريخ، يتخطى مبدأ الحتمية الماركسي ولكنه لا يتجاوزه، يستثمره ويفتح من خلاله آفاقا للمعرفة. الماركسية المستحدثة تفيد بالضرورة من البنيوية ومن وجهة نظر ليفي ستروس وموقفه من التقدم الإنساني، إذ يرى أن تاريخ البشرية لم يكن أبدا ارتقاء وتطورا مستمرين، كان دائما تقدما ونكوصا، مكتسبات وخسائر «وقليلة هي اللحظات التي يكون فيها التاريخ تراكميا» [14].

قراءة لاهيغلية ولاماركسية بحسب عبارة يفوت، ولكنها ليست رفضا قطعيا للتاريخانية، إنما هي تحوير لمفاهيمها واتجاهاتها، إعادة نظر في التاريخ البشري ومفاهيم التقدم والتحضر من وجهة نظر انتروبولوجية.

هكذا وفرت علوم العصر المستحدثة «الأنتروبولوجيا، البنيوية، اللسانيات، علم الاجتماع…» للمثقف العربي وسائل لنقد التاريخانية الغربية وتصحيح مسارها. نزع «الغشاء الخادع عن مادة التاريخانية» [15] وتحوير مادتها وموضوعاتها إلى حقول معرفية متعددة، تحريرها من سلطة المؤسسة الامبريالية والتوظيف السياسي.

رفض «التاريخانية الماركسية المتأثرة بالاستشراق» واستدعاء العلوم الناشئة عنها لقراءة الموروث العربي والإسلامي هو جوهر هذا الموقف، الحامل لكثير من المفارقات. ولكن ألا يؤدي نقد الاستشراق والتاريخانية في آن إلى إضعاف تيار العلمنة في المجتمع العربي، قتل روح النقد والحس التاريخي وتأبيد مقالة التراث الساكن باسم الحفاظ على الذات؟

«الاعتراب والاغتراب» في نظر العروي يعبران عن خطإ في المنهج والرؤية: الاغتراب هو التماهي في الموقف الاستشراقي، هو التفرنج والوقوع في الاستلاب التام، ولكن الاعتراب في نظره استلاب أكبر، لأنه وتحت داعي الحفاظ على مقومات الأنا والهوية ومقاومة الاغتراب تعمد السياسة الرسمية في الدولة الوطنية إلى تقديس اللغة في أشكالها العتيقة وإحياء التراث «فتقديس اللغة أي تحجيرها في مستوى معين وأخذ الثقافة العتيقة كسمة تمييزية للقومية العربية هما تشجيع الاستمرار في الفكر الوسطوي ونفي موضوعية التاريخ» [16].

ينتهي العروي في قراءته لمفارقات العقل العربي إلى الإعلان عن موقف من الثقافة العربية يدعو إلى الحسم في التراث والقطع معه والانخراط في الحداثة الكونية، التجاوز والقطيعة هما السمتان البارزتان لهذه الدعوة الدالة على جرأة الباحث ورفضه منطق التوسط والمواءمة والانتقاء والتوفيق والتلفيق [17].

انتقد العروي الموقف الاستشراقي في ملاحظاته المنهجية على مؤلفات فون غرونباوم، أعلن عن ضيق أفق المستشرقين، وتعبيرهم عن البيروقراطية الغربية. ودعا إلى نوع مستحدث من المواجهة أساسه الخضوع لأصول البحث التاريخي القائم على مبدأ التخصص والتمييز بين الحقول المعرفية، أي تجاوز الموقف الوثوقي الاطلاقي الذي عبر عنه المستشرق في قراءته للموروث الإسلامي. المفارقة في هذا الموقف كامنة في رفض مقدمات الاستشراق وقبول نتائجه، نقد تاريخانيته الامبريالية واستثمارها في مستوى المنهج للقطع مع القديم والإقبال على ما هو متاح للبشرية جمعاء.

التاريخانية وحياد المؤرخ

النفي والإقرار هما السمتان البارزتان لموقف المؤرخ العربي الأكثر جرأة وحداثة: قارب هشام جعيط أكثر الموضوعات قداسة في الفكر العربي والإسلامي، الدعوة المحمدية في بعدها التاريخي. لم تكن المسألة أمرا مبتكرا، فقد اهتم بشخصية النبي كبار أدباء الغرب: فيكتور هوغو وغوته اشتغل بها الفكر الاستشراقي بدءا من منتصف القرن التاسع عشر من وجهة نظر علمانية تاريخية ما تزال بصدد التكوين، وحق لنا نحن العرب أن نستعيد موروثنا، أن نعلن كفاءتنا العلمية لقراءة ما نعتبره أساس ثقافتنا وحضارتنا ووجودنا بالاستناد إلى مكتسبات الحداثة.

عمل المؤرخ من وجهة النظر الحديثة هذه على الانحياز إلى موقف الحياد الايجابي نأى بنفسه عن الغايات الإيديولوجية التي سكنت المؤرخين إسلاميين وعلمانيين على السواء.

على المؤرخ أن يكون موضوعيا ومحايدا، أن يسعى فقط إلى تعميق المعرفة وإثرائها [18].

وقد تجسد الحياد في المنهج المعلن لمقاربة المقدس « فعلى المؤرخ المسلم أن يضع بين قوسين قناعاته الدينية عندما يدرس بزوغ الإسلام، فالحقائق الدينية يتناولها بالوصف والتحليل، بالبحث في التأثيرات والتطورات ويضعها في لحظتها التاريخية من دون الالتزام بالمعطى الإيماني وإلا يظل البحث وهو دائما خارجي لا يهتم إلا بالظواهر وليس بالحقائق العليا [19].

موقف الحياد هذا هو جوهر التاريخانية وأساسها، قراءة التاريخ باعتباره علما يجري على سطح الأرض بعيدا عن الحقائق الميتافيزيقية هو ما رسخته التاريخانية في الغرب، وما انتقل بواسطة عدوى الاستشراق إلى فضاء الثقافة العربية، فهل بإمكان المؤرخ أن يدرس موضوعه من لا موقع؟

يدرك المؤرخ أن المسألة المطروحة محفوفة بالمخاطر، وأن الضمير الإسلامي لم ينخرط بعد في تيار القراءة التاريخية، وأن العوائق أمام قراءة تدعي الانحياز للموضوعية العلمية ما تزال قائمة في الثقافة العربية الإسلامية، ولذلك يتجه بالخطاب إلى قارئ يدرك جيدا عمق إسلامه، يسعى جاهدا لرفعه إلى مستوى الوعي التاريخي الذي منه ينهض الخطاب التحليلي ويعمل على إقناعه بالقول «ويجب على القارئ أن يقتنع بأن هدفنا ليس المس بالمقدسات الإسلامية ولا بالذات النبوية وليس إقامة أحكام تقريضية ولا سلبية بالمثل» [2].

يشارك المؤرخ قارئه المسلم مشاعر الألم نفسها عندما يتعلق الأمر بتجريحات المستشرقين لشخص النبي من وجهة نظر أخلاقية أودينية يقول «وكم جرحنا من بعض كتابات المستشرقين الذين سمحوا لأنفسهم أن يسلطوا آراءهم على شخص محمد من وجهة أخلاقية أو دينية» [21].

المفارقة مرة أخرى كامنة في النفي والإقرار: نفي التحزب والأدلجة في قراءة التراث، إعلان الموضوعية والحياد، ثم إقرار الانحياز لأنا إسلامية بالضرورة وإن كان الحياد الموضوعي هدفها الأسمى. رفض الاستشراق والإفادة منه في آن، السعي إلى تحقيق استقلال الذات واعتماد الأسس التاريخانية وهي من ثمرات الاستشراق المؤدلج بالضرورة هي غاية المؤرخ البعيدة.

محصل هذه القراءة أن التاريخانية العربية، ساعية منذ نشأتها إلى تحقيق الانفصال المشروع عن الاستشراق ونزعته الاستعمارية، وقطع ما اتصل بينها وبين التاريخانية الغربية المتأثرة بالمركزية الغربية، وهي إذ تفعل ذلك تعيد بالضرورة قراءتها للآخر ولذاتها.

تطمح إلى الاستقلال ولكنها لم تصل بعد إلى مرحلة الإبداع الخالص، ولذلك تنشأ في الفكر العربي المفارقات بين تيار الهدم الجارف للرؤية الاستشراقية الساكنة ونظيرتها الإحيائية ولكن مع اعتماد الأسس المنهجية التاريخانية نفسها مع ما يترتب عنها من النتائج. وبعد فإذا كانت الموضوعية أمرا مستحيل التحقق، فإن التوق إلى تحقيقها أمر ممكن ومشروع.

______________________

[1]ـ تزيفتان تودوروف، فتح أمريكا، مسألة الآخر، ترجمة بشير السباعي، ط1، القاهرة 1992، ص259.

[2]ـ انظر: المصدر نفسه، ص 260. حيث يقول: « وهذا النجاح غير العادي يرجع ضمن أسباب أخرى إلى سمة محددة للحضارة الغربية اعتبرت على مدار زمن طويل سمة للإنسان من حيث هوإنسان ومن ثم فان ازدهارها عند الغربيين قد صار برهان تفوقهم الطبيعي إنها ويا للمفارقة قدرة الأوروبيين على فهم الآخرين».

[3]ـ عبد الله العروي، العرب والفكر التاريخي، ط2، الدار البيضاء دت، ص126.

[4]ـ انظر: ادوارد سعيد، تعقيبات على الاستشراق، ترجمة صبحي حديدي، ط1، عمان 1996، ص 104.

[5]ـ عن الموقف الإحيائي من الاستشراق، انظر على سبيل المثال:

- عبد الله محمد الأمين النعيم، الاستشراق في السيرة النبوية، دراسة تاريخية لآراء «وات – بروكلمان – قلهاوزن « مقارنة بالرؤية الإسلامية، ط1، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1997.

- عبد العظيم الذيب، المستشرقون والتراث، ط3، المنصورة 1992.

[6]ـ حسن حنفي، مقدمة في علم الاستغراب، ط1، بيروت 1992.

[7]ـ انظر : المصدر نفسه، ص 551.

[8]ـ ادوارد سعيد، المصدر نفسه، ص104.

[9]ـ ادوارد سعيد، المصدر نفسه، ص50.

[10]ـ المصدر نفسه، ص51.

[11] سالم يفوت، حفريات الاستشراق، في نقد العقل الاستشراقي، ط1، بيروت 1989.

[12]ـ مهدي عامل، هل القلب للشرق والعقل للغرب؟ ماركس في استشراق ادوارد سعيد، ط3، بيروت 2006، ص ص 28-33.

[13]ـ سالم يفوت، المصدر نفسه، ص67.

[14]ـ المصدر نفسه، ص71.

[15]ـ ادوارد سعيد، المصدر السابق، ص53.

[16]ـ عبد الله العروي، المصدر السابق، ص208.

[17]ـ انظر : عبد الله العروي، مفهوم العقل، مقالة في المفارقات، ط1، الدار البيضاء 1996، ص363. حيث يقول :» الحسم الذي نتكلم عليه قد وقع بالفعل في جميع الثقافات المعروفة لدينا ابتداء من القرن 16 م إلى يومنا هذا، لم تقبله جماعات محدودة هنا وهناك، لكنها بقيت معارضة ومحاصرة ولم تؤثر أبدا في اتخاذ القرارات، لم تثن المسؤولين عن السير في طريق « ما ليس منه بد « حسب عبارة إمبراطور اليابان بعد هزيمة 1945 أما التردد وعدم الحسم بدعوى التوسط فلم نلاحظه على هذا النطاق الواسع إلا في ثقافتنا».

[18]ـ هشام جعيط، في السيرة النبوية -2: تاريخية الدعوة المحمدية في مكة، بيروت 2007، ص7. حيث يقول : « وقد يختلط هذا التاريخ لدى المثقفين بالايديولوجيا من مثل الإسلامية أوالعلمانية اليوم وبالتالي فلا بد من التنبيه إلى أن مقاربتنا هنا لا علاقة لها بأي إيديولوجيا … المقصد هوتعميق المعرفة وإثراؤها في فترة عرف فيها علم التاريخ تقدما بالغا في الغرب لأن الغرب هوالذي أسس العلم الحديث في كل الميادين».

[19]ـ المصدر نفسه، ص 7.

[20]ـ المصدر نفسه، ص 5.

[21]ـ المصدر نفسه، ص 6.

 

نص محاضرة ألقيت في ندوة «الاستشراق وأثره في الثقافة العربية الإسلامية» وقد احتضنتها القيروان أيام 8 – 9 – 10 ديسمبر 2009.

المصدر: موقع العرب أون لاين

 
علي دراجي
تاريخ النشر:2010-07-10 الساعة 12:49:46
التعليقات:0
مرات القراءة: 3708
مرات الطباعة: 621
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan