الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » تيارات و شخصيات » حركات وأحزاب

السلفية.. دورة النهوض والانتكاسة

أ. علاء النادي

 

من يطالع رؤى وأفكار السلفية في بدايات القرن المنصرم، ويعاين مآل الفكر السلفي تحت لحظتنا الراهنة من فواتح هذا القرن وتلك الألفية، لابد أن تعتريه حالة من الاندهاش لاتساع البون بين وعود البدايات ورهاناتها، وحصاد اللحظة في مآلها المعاش.

في البواكير كانت السلفية منهجا وروحا يسعيان إلى الذود عن هوية الأمة في وجه ما حاق بها من أخطار في ظل الهجوم الاستعماري الكاسح، وما كانت السلفية هنا تعتني بحال الانغلاق والتشرنق، ومحاولة استعادة الماضي، والاستغراق في الحرفية النصوصية، فقد كانت تلك النزعة السلفية تهتم من جملة ما تهتم، بل كان في صدارة اهتماماتها كسر الجمود، وإطلاق طاقة الاجتهاد والتجديد، باعتبار أن العلل التي تمسك بخناق الأمة تعود إلى مسبب رئيسي، مؤداه الابتعاد عن القيم الفاعلة في التعاليم الإسلامية، والركون إلى التقليد، وعدم مكافأة روح العصر، وتقديم إجابات ناجحة على التحديدات التي تفرضها المستجدات التاريخية.

بين عبده والأفغاني

كانت هذه الحمولة الدعوية التبشيرية للسلفية هي الحاكم في الحركية الاجتهادية لكل من محمد عبده والأفغاني، فهما لم يكتفيا بالبعد العقدي في أدبيات وتجربة السلفية الوهابية، بل حاولا أن يزوداها بكل الممكنات التي تجعل من السلفية اتجاها تفكيريا، قادرا على امتلاك البوصلة لصياغة الحاضر وبناء المستقبل لعالم الإسلام، وانتشاله من وهدته السحيقة وحالة التراجع الحضاري إلى وضع القدم الراسخ على أعتاب استعادة الذات، والانطلاق بالمشروع الحضاري الإسلامي صوب الحراك والتشغيل.

حدث بين عبده والأفغاني من الاختلافات ما جعل زاوية الرؤية لكل منهما تختلف عن الآخر، فمال الأول إلى ضرورة التريث وتعميق الفعل الناهض في التربة المجتمعية، حتى تمتلك حركة التغيير أدوات فعلها الناجز، وآل الأخير إلى ثورية سياسية ترى في مقارعة الاستبداد والعمل على إزالة سلطانه واجب الوقت ومهمات اللحظة التي ينبغي توفير مستلزماتها والوفاء بمتطلباتها.

لكن تباعد الرؤى بين الرجلين لم يكشف عن نكوص في جذر التوجه الأساسي الخاص بالمنزع السلفي القائم على روح الاجتهاد والتغيير.

شهدت مدرسة الأفغاني امتدادا لها، تمثل في الشيخ محمد رشيد رضا، صاحب مدرسة المنار، والذي كانت جل أطروحاته في المرحلة التي سبقت سقوط الخلافة تتميز بالتجديد والحداثة، القائمين على الوفاء للاتجاه السلفي التفكيري، الذي دشنه محمد عبده والأفغاني، لكن حمولة الاجتهاد في أفكار رشيد رضا آلت إلى التراجع عقب سقوط الخلافة، فأضحى صاحب المنار منهمكا أكثر في تحديات اللحظة السياسة، وما خلفته من تداعيات، لكن هذا التراجع لم يشكل في المآل النهائي رِدة كاملة وقطيعة نهائية مع الروح السلفية لأدبيات الأفغاني ونهجه.

البنا ينـزل بسقف العقلانية

استمر التراجع في حمولة الدعوة السلفية في مجال الاجتهاد والعقلانية مع حسن البنا، وريث رشيد، فرغم أن الشيخ حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين تحدث في أدبياته عن الاجتهاد، وأكد أن من خصائص دعوته أنها سلفية، إلا من يضع رؤى رشيد رضا حيال نظيرتها لدى البنا في كثير من القضايا، يلحظ مدى التراجع في النهج العقلاني التجديدي.

وقد يعود هذا في جانب رئيسي منه إلى التطور الكبير في مجال العمل الإسلامي، وظهور وتكثيف التجلي الحركي له، واستقطابه أعدادا وفيرة من القاعدة المجتمعية، وما قد يفرضه ذلك على البعض من صياغة الأدبيات، ووضع السياسات، بما يتلاءم ونوازل واقع الحال، حيث الاشتباك مع القاعدة الجماهيرية وأهمية مراعاة ذهنيتها، بخلاف ما كانت عليه الأمور في الحقب السابقة لبداية المشروع الإصلاحي لدى البنا، حيث كانت العلاقة بالجماهير والمتحصل من محاولات التأطير ضعيفة لصالح العمل الكثيف في الفضاء النخبوي، ومجال الاجتهاد في اجتراح الرؤى لدى رواد السلفية الذين سبقوا البنا.

انتكاسة مشرقية وتألق مغاربي

وبغض النظر عن الأسباب والمسببات، فالشيء الذي يمكن القطع به في ميدان معاينة فحص وجرد المردود في إطار الدعوة السلفية، في الإطار التجديدي الداعي إلى الاجتهاد والتجديد، وتقديم أطروحات تناسب تحديات اللحظة، أنها شهدت دورة من التراجع المتوالي في النسخة المشرقية، وفي ذات الوقت كانت السلفية التجديدية بعطاءاتها وطروحاتها تشهد بزوغا وتألقا في فضاء المغرب العربي.

فقد أينعت سلفية عبد الحميد بن باديس، وحركة العلماء المسلمين في الجزائر، والتي شكلت رافعة للعمل التحريري، والبحث عن سبل الانعتاق من رق الاستعمار.. والجمود في آن واحد، وقدمت إجابات تتسم بالتسامح في شأن العلاقة بين العروبة والإسلام، وغيرها من القضايا التي كانت تأخذ الإجابة عنها طابع الحدية والتصادم في المشرق العربي.

كانت الروح السلفية ودعوتها التجديدية تشهد بزوغا أكبر في المغرب على يد علال الفاسي، والذي يصفه البعض ويصف دعوته بـالسلفية الليبرالية، وليس هناك أدق في توصيف طروحات الفاسي من ذلك الاستشهاد الذي نقله المفكر العربي د. محمد عابد الجابري عن علال الفاسي في كتابه الصادر عام 1948، والمعنون بالحركات الاستقلالية في المغرب العربي؛ يقول الفاسي: «لئن كانت السلفية في باعثها الحنبلي ترمي لتطهير الدين من الخرافات التي ألصقت به والعودة إلى روح السنة المطهرة، فإنها لا تقصد من وراء ذلك إلا تربية الشخصية الإسلامية على المبادئ التي جاء بها الإسلام بصفته المتكفل بصلاح الأمة في دنيها ودنياها.

وبذلك فهي حركة تتناول نواحي المجهود الفردي لصلاح المجتمع، وتتطلب فتح الذهن البشري لقبول ما يلقى إليه من جديد، وقياسه بمقياس المصلحة العامة، ولكن هذا الإعداد الفردي لا يقصد منه إلا تقوية التضامن بين الجماعة الإسلامية على أساس الإخاء الإسلامي أولاً، والإنساني ثانيا، وذلك ما يستوجب كثيرا من التسامح مع المخالفين، في الوقت الذي يدعو فيه للوقوف صفا واحدا في الدفاع عن الإسلام وعن الأمم الإسلامية كلها.

والدفاع عن الإسلام وأممه يستدعي بالطبع قبول المبادئ التي تعطي الفرد حرية العقيدة وحرية الفكر، وتعطي الأمم الحق في تقرير مصيرها، واختيار النظم التي تريدها، وحرية العقيدة تستوجب حرية التألب من أجلها، والتجمع النضالي من أجلها بالوسائل السليمة المشروعة، وتقرير المصير واختيار النظم يستوجب حرية الجماعة في التعبير عن رأيها، وإبداء ما تريده من أشكال الحياة، وكلا الأمرين لا يتم إلا بطريقة التنظيم الذي جاء به العصر من جمعيات وأحزاب ونقابات» (محمد عابد الجابري،المشروع النهضوي العربي، قراءة نقدية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1996، ص83).

هذا الاقتباس يكشف عن مدى التألق الذي وصل إليه طرح السلفية التجديدية كإطار للتفكير، ويوضح في ذات الوقت مدى التراجع المذهل لهذا النهج لصالح رؤى متكلسة ومتصلبة!!.

ومن المفارقات اللافتة للنظر أن رؤية الفاسي لم تجد من د. الجابري - والذي لا يمكن بحال حسابه على الإسلاميين- سوى الاقتناع بجدواها وقدرتها على الحضور في مشهد الحاضر وأفق المستقبل، يقول الجابري: «لقد كانت هذه السلفية الوطنية الجديدة في المغرب برنامجا للعمل وأفقا للتفكير، ونحن لا نتردد في القول إنها تصلح أن تكون برنامجا للعمل وأفقا للتفكير في المستقبل» (المصدر السابق، ص 84).

لقد توقف تنامي السلفية الوطنية المجددة في المغرب، بينما كانت ظاهرة الإحياء الإسلامي في المشرق تشهد في حقبتي الخمسينيات والستينيات الاستمرار في التراجع، والذي وصل ذروته في حقبة الستينيات بتأسيس خطاب انعزالي انكفائي لدى سيد قطب، والذي جاءت أفكاره لتشكل قطيعة مع فكريات البنا التي ظلت تحتفظ في بعض جوانبها بوميض من خمائر السلفية التي دشنها الرواد الأوائل للإحيائية الإسلامية.

ولم يكن غريباً بعد ذلك أن تستلهم حركات السلفية الجهادية مقولات سيد قطب وتتغذى عليها، وتوظفها كسند مرجعي. حتى نهاية حقب الستينيات وبداية السبعينيات، ظلت السلفية دعوة عامة يشترك تحت ظلالها جل الحركات والأطروحات الإسلامية، مع اختلاف في التوجهات والرؤى وطرق الاستلهام، ولم تكن قد تحولت بعد إلى اتجاهات وحركات حازت الوصف السلفي، وهو الأمر الذي أخذ في التفشي والوضوح، حتى تأكدت وترسخت معالمه في حقب الثمانينيات والتسعينيات، وما زال يصحبنا مشهده في فواتح الألفية الثالثة.

الانقلاب المعاصر

حملت السلفية المعاصرة ذات التشكيلات الحركية والدعوات الممنهجة أفكارا تشكل انقلابا تاما على السلفية الإحيائية، فلم يكن لها من حظوظ تذكر في ميادين الاجتهاد والتجديد، وما عرفت طريقا للاشتباك مع إشكاليات المجتمع وهمومه، ولم يكن يعنيها أن تقدم بديلاً يمكن من خلاله المساهمة في استئناف دورة الفعل الحضاري الإسلامي بعد طول انقطاع.

جل ما نادت به الفكرة السلفية في طورها الجديد هو تكريس مفهوم الإتباع للسلف الصالح، وإشاعة نص السنة الصحيح، ومحاربة ما شاب صفاء التوحيد من دواخل، وإظهار شديد الحرص على الجانب الطقوسي من التعاليم الإسلامية، مع شديد النكير على الإسلاميين الذين يحاولون الالتحاق بكل المناشط الاجتماعية والسياسية على قاعدة محاربة الحزبية، وعدم شرعية العمل الجماعي، الذي دخل هو الآخر لائحة البدع التي جندت السلفية ننفسها لمحاربتها.

أكثر من سلفية

غير أن توالي المحكات وتزايد التحديات الموضوعية أمام العالم الإسلامي، لم يبق السلفية على حالها هذه، فقد نشطت الحركة السلفية، وشهدت متوالية انشطارية أفضت إلى توزع المعسكر السلفي إلى عديد من الاتجاهات يصل الاختلاف بينها إلى حد التناقض، إذ لم يعد معطف السلفية قادرا على أن يجمع سلفية (جهادية) تدعو إلى الانقلاب على أنظمة الحكم وزلزلة عروشها، وسلفية (حركية) أخذت في التكيف مع متطلبات الواقع وجنحت إلى إعادة رسم خرائط سلوكياتها وسياستها بل وتنظيراتها، على قاعدة العمل من داخل الرواق المجتمعي، والتوسل بأدوات الفعل الاجتماعي المؤطر من جمعيات وحركات وأحزاب، وسلفية تسمى بـ(العلمية) هنا وبمسمى آخر هناك، تتبنى الفكر الانسحابي، وتدعو إلى طهارة المعتقد، وعدم منازعة الأمر أهله، فلا يجوز لديها مناكفة السلطان، سواء أكان ذلك بالوسائل الخشنة أم بالأدوات العامة، فكلاهما يشكل في نظرها نزعة خوارجية تتعاكس مع المنطوق السلفي الداعي للطاعة، وعدم شق عصا الجماعة.

ليس من اليسير التحدث عن مدرسة سلفية واتجاه سلفي حاكم وعام، بعد أن تشظت الدعوة السلفية وتوزعت بين مدارس واتجاهات وحركات، ولكن ما يمكن ملاحظته اتساقا مع السرد التاريخي في دورته الدلالية، أن ثمة رؤى مغايرة ذات نفس اجتهادي بدأت تأخذ طريقها، والمفارقة هنا أن هذه الرؤى تعيد الدورة التاريخية للسلفية لبداياتها، حيث تبزغ هذه الرؤى بشكل رئيسي في المشرق العربي، بعد أن كانت حظوظ الإحياء السلفي متوفرة بشكل رئيسي وشبه تام في حقب الأربعينيات والخمسينيات في الفضاء المغربي.

ورغم أن هذه الرؤى تنطلق بها شخصيات من أمثال سلمان بن فهد العودة وعائض القرني ومعاصريهما في السعودية، وحاكم المطيري وأترابه، ومن قبلهم الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق في الكويت، إلا أنها في الحاصل النهائي لم تصل بعد إلى مستوى حركية الاجتهاد المطلوب، والطرح الذي يمكن أن يعول عليه في بناء تصور منطقي ومتماسك لمشروع حضاري إسلامي، يمتلك إمكانات الحضور، وينفذ إلى صفحة الواقع المعاش. وأمام هذا الفريق تحديات جسام ومسالك وعرة، حتى يصل بالسلفية الإحيائية إلى سابق عهدها من النهوض، بعد أن شهدت دورات من التراجع والانتكاس.

موقع الشهاب

 
أ. علاء النادي
تاريخ النشر:2009-03-20 الساعة 13:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 2555
مرات الطباعة: 609
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan