الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » إسرائيليات

صهيونية ونازية

أ. ميشيل كيلو

 

لو سألت عشرة عرب عن علاقة الصهيونية بالنازية، لنفى تسعة منهم وجود أية علاقة بينهما، ولقال ثمانية من العشرة إن النازية كانت عدو الصهيونية اللدود، وإن انتصارها في الحرب العالمية الثانية كان من شأنه منع الصهاينة من إقامة دولة خاصة بهم في فلسطين، والحيلولة دون انتزاعها من العرب وطردهم منها.

هذا الوعي العربي العام الذي يعتقد بوجود تناف جوهري متبادل بين حركة عرقية هي النازية وحركة سياسية تقوم على مزاعم دينية وعرقية هي الصهيونية، ساد منذ صعد هتلر إلى الحكم في مطالع ثلاثينات القرن الماضي، وتعزز بفضل خطب عاصفة كان يلقيها ضد اليهود، وسياسات تصفية مدروسة ينتهجها حيالهم، جعلت عامة مواطنينا يؤمنون بوجود عدو مشترك كان يهدد الألمان والعرب هو “اليهودية العالمية”، ويقتنعون بضرورة دعم ألمانيا في سياساتها الرامية إلى القضاء عليها، وإلى إنزال هزيمة عسكرية تقضي على بريطانيا الاستعمارية التي احتلت فلسطين كي تساعد اليهود على إقامة دولة لهم فيها، وعملت بدأب لتحقيق وعدها.

في الظاهر، كان يبدو أن المعركة المستعرة بين ألمانيا واليهود تفيد العرب، أما في الواقع، فإن ما حدث كان يكذب هذا الانطباع القائم على معطيات الشعور والانفعال والمفتقر إلى معرفة حقيقية بما كان يجري من وقائع على الأرض، هذا بعضها:

بعد وصول هتلر إلى السلطة بفترة قصيرة، أرسل الصهاينة الألمان إليه برقية تؤيد قوانين نورنبرغ، التي كان قد اعتمدها سياسة رسمية لألمانيا النازية حيال اليهود، وتقوم على الفصل العرقي بين الآري واليهودي الألمانيين. قال الصهاينة في برقيتهم إنهم كرروا مرات كثيرة في الماضي مطالبتهم بهذا الفصل، ولم يجدوا من يقبلها قبل هتلر، لذلك يعلمونه بتأييدهم الفصل العرقي في المدارس والسكن والعمل، ويتعهدون بتأييده في تطبيقها.

رحبت السلطات النازية بموقف المنظمة الصهيونية، مع أنها لم تنل في آخر انتخابات بلدية عرفتها مدينة برلين عام 1932 غير 3،2% من مجموع أصوات يهود المدينة. من تلك البرقية فصاعداً، اعتمدت الحكومة النازية المنظمة الصهيونية مندوباً رسمياً عن يهود ألمانيا الذين كانت أغلبيتهم الساحقة مناوئة أو معادية لها، وشرعت تتواصل وتنسق معها في كل شأن يتصل باليهود الألمان. هكذا توصل الطرفان إلى اتفاقية خاصة بهجرة أغنياء اليهود من ألمانيا التي أقامت مستعمرات على حدودها مع هولندا تدربوا فيها على القتال والعمل الزراعي الذي كان ينتظرهم في فلسطين. وقد أدار الصهاينة هذه المستوطنات التي دربت عشرات آلاف المهاجرين وأرسلتهم إلى فلسطين، بعد أن عملت على إقناع البلدان الغربية بإغلاق حدودها أمام يهود ألمانيا، فلم يبق لدى هؤلاء من خيار غير الانضمام إلى الحركة الصهيونية والهجرة إلى “أرض الميعاد”، أو الفرار بطرق غير شرعية إلى سويسرا.

وللعلم، فإن من المؤكد تاريخياً أن الصهيونية تخلت عن اليهود الفقراء وتركت مصيرهم لآلة القتل النازية المنظمة. ثمة اتفاق ثانٍ عقد بين النازية والصهيونية منح اليهود تعويضات عن ممتلكاتهم مقابل إمداد ألمانيا بما تحتاج إليه من سلع ومواد أولية، والقيام بفتح أسواق البلدان الغربية أمام سلع الدولة النازية، بما يمتلكه الصهاينة من صلات ونفوذ ووسائل خاصة.

أخيراً، تعهد الصهاينة بمساعدة السلطات النازية على دحر المعارضة الشيوعية والاشتراكية، وأمدوها بما توافر لديهم من معلومات حولها، ومنها على سبيل المثال إبلاغ المخابرات النازية بأماكن وجود الإذاعات السرية التي كان الشيوعيون يبثون عبرها دعاياتهم المضادة للنازية ويوصلون رسائلهم إلى أنصارهم وأعضاء حزبهم.

في النهاية، وبعد نشوب الحرب، أقيمت هيئة ارتباط رسمية بين السلطات العسكرية والأمنية النازية وبين مخابرات الحركة الصهيونية، ومنح الألمان صهاينتهم بطاقات خاصة تخولهم الدخول إلى أي مكان أو تجمع يهودي في البلدان التي احتلوها. وهناك أدلة تؤكد أن إسحاق شامير أخبر النازيين بموعد انتفاضة عاصمة بولونيا وارسو التي دفعت طريقة سحقها مئات آلاف اليهود إلى مغادرة أوروبا، فذهب كثير منهم إلى فلسطين.

لم تكن ألمانيا حليفة العرب، قبل الحرب أو بعدها، واقتصرت سياساتها على السعي إلى استخدامهم ضد الإمبراطورية البريطانية عبر التلاعب بعواطفهم وتأليبهم ضدها، ليس لأنها أرادت تحريرهم منها، بل دفعهم إلى مقاومتها وإضعافها، بحيث لا تقوى على مقاتلة ألمانيا بكل ما في حوزتها من إمكانات عسكرية وبشرية، ينتمي جزء كبير منها إلى المستعمرات، فإن أحجم عن الانخراط في القتال إلى جانبها وقاتل ضدها، كان في ذلك مساعدة هائلة الأهمية للجانب الألماني. هذا الموقف، الذي كان دعائياً بصورة أساسية، برز على أحسن صورة خلال ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق، وما تخللها من صدامات عسكرية مع الاستعمار البريطاني.

تقول الوثائق إن القيادة الألمانية قررت الاكتفاء بإرسال عدد قليل من الطائرات لدعم الثورة، وإنها أمرت طياريها بالمرور في أجواء سوريا، فوق مدينة حلب تحديداً، لتهيّج مشاعر المسلمين والعرب وتدفعهم إلى التصرف بطرق تخدم ألمانيا وتدعم معركتها ضد بريطانيا، مع أنها كانت تعلم مسبقاً أن طائراتها لن تحدث فرقاً كبيراً في موازين القوى، وأن طياريها سيكونون ضحايا سياساتها الاستعراضية التي لا تقوم على أية أسس عسكرية أو استراتيجية سليمة.

أما في فلسطين، ورغم قيام هتلر باستقبال مفتيها، فإن السياسة الألمانية لم تكن تعلم بتهجير اليهود إليها، بل كانت ضالعة في إعدادهم كمستوطنين، وفي غض النظر عن تدريبهم على انتزاعها بقوة السلاح من العرب، رغم علم ألمانيا أن الصهاينة كانوا يرقصون في العرس الآخر: عرس المعسكر الغربي/ الليبرالي المعادي لها الذي زودوه بمعلومات ثمينة عنها وجندوا جزءاً من المهاجرين للقتال إلى جانبه ضدها، فعرفوا كيف يفيدون من الطرفين المتحاربين، ويأخذون من كل منهما ما أرادوه، من دون أن يكترثوا لمصير فقراء اليهود الذين سلموهم للقتل في ألمانيا، ومن دون أن يعادوا في الوقت نفسه الدول الغربية التي أغلقت حدودها في وجه يهود ألمانيا وأوروبا المحتلة نازياً، فحالت دون نجاتهم.

أفاد الصهاينة من الجانبين المتحاربين، وضربوا عرض الحائط بأي مبدأ أو عاطفة حيال ما أسموه في ما بعد “شعبهم اليهودي”، وعندما هزمت ألمانيا في الحرب، سارعوا إلى البكاء على “ضحايا المحرقة”، وطالبوا بتعويضات عن يهود لم يكونوا يوماً صهاينة أو “إسرائيليين”، فكانوا شريكاً مباشراً في واحدة من أشنع عمليات الإبادة الجماعية والعداء للسامية عرفها تاريخ العالم الحديث.

لم يحدث شيء بعد الحرب إلا وكان غرضه طمس هذه الحقائق وحجبها عن أعين ووعي البشرية عامة والعرب خاصة. هكذا فبركت الدعاية أكاذيب متنوعة منها أكذوبة تحالف العرب مع ألمانيا النازية، كأن العرب كانوا مستقلين وقادرين على تقرير أمورهم بحرية ولم يكونوا مستعمرين لا قرار لهم، أو كأن ألمانيا كانت تتعامل معهم كحلفاء وليس كورقة تستخدمها لتحسين مواقعها في العراك الكبير مع أعدائها. ومنها أن الصهيونية هي ممثل اليهود الذي دافع عنهم فرداً فرداً، واستمات لإنقاذهم من براثن النازية وكره الغرب. ومنها أن من قتلوا خلال الحرب كانوا يهوداً جميعهم، مع أنه هلك مئات آلاف الآريين الأقحاح في معسكرات الاعتقال والعمل، وقتل عشرات ملايين الروس والبولونيين والأوروبيين، بينما استمر قتل الأسرى من جنود ومدنيي هذه الأمم إلى ما قبل هزيمة ألمانيا بساعات. ومنها أخيراً أكذوبة أن الصهيونية كانت نقيض النازية وعدوها الذي لا يلين ولا يهادن، بينما تقول الحقائق إنها كانت عكس ذلك تماماً، وإن تعاونهما غطى معظم ميادين نشاطهما وسياساتهما، التي قامت على العرقية والعنف والعدوان.

لو قامت جامعاتنا بدراسات علمية وموثقة لعلاقات العرب مع ألمانيا النازية، لأكدت الأدلة أن الصهيونية تحالفت مع النازية وساعدتها على “الحل النهائي” للمسألة اليهودية في ألمانيا ومناطق أوروبية عديدة احتلتها، ولأسهمت الحقيقة في إنهاء أكذوبة الدفاع الصهيوني عن اليهود في ألمانيا وأوروبا، ولأظهرت أن النازية سخرت العرب لخدمة أهدافها الخاصة، مثلما يسخرهم في أيامنا غيرها من دول كبرى وعظمى لخدمة مصالحها: تارة باسم فلسطين وطوراً باسم غيرها.

المصر: دار الخليج

 
أ. ميشيل كيلو
تاريخ النشر:2010-07-28 الساعة 13:38:03
التعليقات:0
مرات القراءة: 1555
مرات الطباعة: 509
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan