الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم إسلامية » دراسات فقهية

فتوى ماردين‏:‏ بين توظيف المتشددين ومراجعات العلماء

د. علي جمعة

 

في خطوة مهمة وضرورية نحو مواجهة جماعات العنف وتيارات الفكر التكفيري في العالم الإسلامي‏,‏ عقد مؤتمر ببلدة ماردين التركية لمناقشة فتوى الفقيه الحنبلي ابن تيمية الحراني الشهيرة بفتوى ماردين.

والتي استخدمتها كثير من الحركات المتطرفة في تبرير ما يقومون به من أعمال تخريب وتدمير وقتل للنفس الإنسانية الآمنة باسم الإسلام‏.‏ وقد كنت مدعوا لحضور هذا المؤتمر ولكني شغلت ساعتها بتأبين فضيلة الإمام الراحل الدكتور محمد سيد طنطاوي‏,‏ ومع ذلك حرصت على الوقوف على ما انتهى إليه ذلك المؤتمر نظرا لأهمية موضوعه‏,‏ خاصة وقد حضره نخبة من علماء الأمة الإسلامية من بلدان شتى‏,‏ من بينها المملكة العربية السعودية وتركيا والهند والسنغال والكويت وإيران والمغرب وإندونيسيا‏.‏

وقد تناول المؤتمر محاور أربعة‏,‏ اهتم المحور الأول بفتوى ماردين‏: الزمان والمكان والظروف والملابسات‏.‏ والمحور الثاني‏:‏ مفهوم الموطن والمقر في الفقه التقليدي وفي ضوء العولمة والاتصالات الحديثة‏.‏

والمحور الثالث‏:‏ أهمية الفتوى في سياق التاريخ الإسلامي‏.‏ أما المحور الرابع فتناول‏:‏ فهم الجهاد‏:‏ ظروف القتال المسلح وقواعد الاشتباك‏,‏ كما تم تعريفها من قبل ابن تيمية وميثاق الأمم المتحدة‏.‏

ويرجع تاريخ فتوى ابن تيمية إلى ما قبل‏700‏ عام عندما سئل الفقيه ابن تيمية -رحمه الله- عن بلد ماردين هل هي بلد حرب أو بلد سلم؟ وهل يجب على المسلم المقيم بها الهجرة إلى بلاد الإسلام أم لا؟ وإذا وجبت عليه الهجرة ولم يهاجر‏,‏ وساعد أعداء المسلمين بنفسه أو ماله‏,‏ هل يأثم في ذلك؟ وهل يأثم من رماه بالنفاق وسبه به أم لا؟ فأجاب‏:‏

«أحمد لله‏.‏ دماء المسلمين وأموالهم محرمة حيث كانوا في ‏[ماردين‏]‏ أو غيرها‏.‏ وإعانة الخارجين عن شريعة دين الإسلام محرمة‏,‏ سواء كانوا أهل ‏[ماردين‏]‏ أو غيرهم‏.‏ والمقيم بها إن كان عاجزا عن إقامة دينه وجبت الهجرة عليه‏.‏ وإلا استحبت ولم تجب‏.‏ ومساعدتهم لعدو المسلمين بالأنفس والأموال محرمة عليهم‏,‏ ويجب عليهم الامتناع عن ذلك‏,‏ بأي طريق أمكنهم‏,‏ من تغيب‏,‏ أو تعريض‏,‏ أو مصانعة‏.‏ فإذا لم يمكن إلا بالهجرة تعينت‏,‏ ولا يحل سبهم عموما ورميهم بالنفاق‏,‏ بل السلب والرمي بالنفاق يقع على الصفات المذكورة في الكتاب والسنة‏,‏ فيدخل فيها بعض أهل ماردين وغيرهم‏.‏

وأما كونها دار حرب أو سلم‏,‏ فهي مركبة فيها المعنيان‏,‏ ليست بمنزلة دار السلم التي تجري عليها أحكام الإسلام‏,‏ لكون جندها مسلمين‏,‏ ولا بمنزلة دار الحرب التي أهلها كفار‏,‏ بل هي قسم ثالث يعامل المسلم فيها بما يستحقه‏,‏ ويقاتل ‏(الصحيح‏:‏ ويعامل‏)‏ الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه» (مجموع فتاوى ابن تيمية ‏241240/28).‏

ويعد مؤتمر ماردين تحولا نوعيا في التعامل مع الجماعات المتطرفة وأسانيدها‏,‏ فالمؤتمر لم يهدف إلى مصادرة الفتوى أو نفيها وإثبات عدم صحتها‏,‏ كما أنه لم يسع إلى التشكيك في روافدها الشرعية‏,‏ بل على العكس من ذلك خلص المؤتمر إلى الإشادة بها والتأكيد أن ابن تيمية موافق ومتبع لعلماء المسلمين في فتاواهم في هذا الشأن‏,‏ ولم يخرج عنهم‏,‏ وسعى المؤتمر إلى تجريد الفتوى من التوظيف السلبي لها من قبل الجماعات المتشددة‏,‏ على غرار آيات قرآنية وأحاديث نبوية أولها أولئك المتشددون بغير المقصود منها‏,‏ إضافة إلى تأكيد المؤتمر على أنه لا يمكن بحال من الأحوال أن تكون فتوى ماردين متمسكا ومستندا لتكفير المسلمين‏,‏ والخروج على حكامهم‏,‏ واستباحة الدماء والأموال‏,‏ والغدر بمن يعيشون مع المسلمين أو يعيش المسلمون معهم بموجب علاقة مواطنة وأمان‏,‏ بل هي فتوى تحرم ذلك كله‏, فضلا عن كونها نصرة لدولة مسلمة على دولة غير مسلمة‏.‏

ولمواجهة التوظيف السلبي لفتاوى علماء المسلمين القدامى واستخدامها لتبرير عمليات تخريبية‏,‏ فقد دعا العلماء المشاركون في المؤتمر إلى التجديد الديني‏,‏ والانطلاق من فتاوى العلماء المسلمين القدامى باعتبارها ثروة كبيرة‏,‏ راعت الظروف الزمانية والمكانية المعاصرة لهم‏,‏ على أن يجدد العلماء المعاصرون مثلما فعل العلماء السابقون‏,‏ من خلال إيجاد أحكام شرعية تتوافق مع مستجدات العصر‏.‏

ونبه المشاركون أيضا إلى خطورة إسقاط الفتاوى القديمة على الواقع الجديد‏, منوهين بوجود جدل دائم وصحي ما بين التراث والواقع‏,‏ إذ بات من الأهمية بمكان مراعاة المصالح والمفاسد والأحوال والمآلات‏.‏

وخلص المؤتمر إلى اعتبار دول العالم جميعها -باستثناء الدول التي تخوض حربا ضد المسلمين- ‏(فضاء سلام‏),‏ إذ قلما يوجد بلد لا يعيش فيه مسلمون‏,‏ ويتمتعون فيه بحقوق المواطنة‏,‏ كما أكد المشاركون في المؤتمر أهمية اجتماع العلماء المسلمين للنوازل المستجدة ووضع الحلول لها‏,‏ ومراجعة آراء العلماء السابقين وفتاواهم‏,‏ ومنها فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية‏,‏ والوقوف على زمانها ومكانها‏,‏ والظروف التي أدت إلى إصدارها‏.‏

وإننا في هذا الوقت الذي نعيشه في عالم أضحى الإسلام فيه المتهم الأول بالإرهاب ودعم العنف والتطرف‏ ‏لفي أشد الحاجة إلى نقض وتمحيص ومراجعة تلك الشوائب والتهم التي لحقت بالإسلام والمسلمين‏,‏ سواء من الجماعات المتطرفة في الداخل‏,‏ أو من الإعلام الخارجي الموجه‏,‏ والمدفوع في أحيان كثيرة‏, وقد ترك لنا الأوائل الأدوات والمعايير التي من خلالها نُزيل غبش تلك الشوائب‏,‏ ونعرف الصواب من الخطأ‏,‏ والصحيح من الباطل‏,‏ سواء مما ورد في تاريخنا وتراثنا أم مما يفد إلينا من غيرنا‏,‏ وبتلك المعايير وذلك المنهج لنا وقفة مع فتوى ابن تيمية من حيث التوثيق والفهم‏.‏

إذن تحدثنا عن مؤتمر ماردين وفتوى ابن تيمية الخاصة بأهل تلك البلدة في وقته‏,‏ وأشرنا إلى اختلال الفهم الذي وقع فيه بعض المتشددين حين تعلقوا بهذه الفتوى دون الرجوع إلى أهل العلم والاختصاص.

ليبينوا فحوى هذه الفتوى ومعناها والسياق الذي قيلت فيه‏.‏ والذي أدى إلى هذا الاختلال هو عدم الوقوف فضلا عن الدربة والاستخدام للمنهج العلمي في كيفية توثيق النصوص وفهمها لدي علماء المسلمين‏,‏ فالمنهج العلمي عند المسلمين يتكون من أركان لا غنى عنها‏,‏ هي‏:‏ الطالب‏,‏ والمعلم‏,‏ والمنهج‏,‏ والكتاب‏,‏ والمناخ العلمي الملائم‏,‏ وهي أركان إذا غاب أحدها اختلت العملية التعليمية برمتها‏.‏ وهو ما حدث عندما انتقى غير المتخصصين فتوى ابن تيمية بشكل محرف‏,‏ فحرفوا كلمة (ويعامل الخارج عن شريعة الإسلام) بكلمة (ويقاتل الخارج عن شريعة الإسلام‏),‏ وبذلك برروا أعمال القتل والعنف والتخريب وترويع الآمنين ضد المسلمين وغير المسلمين‏,‏ والنص الصحيح لفتوى ابن تيمية عن بلدة ماردين هو‏: «وأما كونها دار حرب أو سلم فهي مركبة‏: فيها المعنيان‏,‏ ليست بمنزلة دار السلم التي تجري عليها أحكام الإسلام‏, لكون جندها مسلمين‏,‏ ولا بمنزلة دار الحرب التي أهلها كفار‏,‏ بل هي قسم ثالث يعامل المسلم فيها بما يستحقه‏,‏ ويعامل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه‏»,‏ وهو ما ورد في الفتاوى المصرية لابن تيمية‏,‏ ولكن ليس في النسخة المطبوعة المتداولة في خمسة أجزاء‏,‏ وإنما جاءت صحيحة في النسخة المخطوطة بمكتبة الأسد الوطنية بسورية‏,‏ وأكد ذلك العلامة ابن مفلح الحنبلي المتوفى ‏763‏ هـ‏,‏ وهو تلميذ لابن تيمية‏,‏ حيث أوردها على الوجه الصحيح في كتابه‏:‏ (الآداب الشرعية والمنح المرعية) ص‏212.‏

وكذلك وردت في كتاب‏:‏ (الدرر السنية في الأجوبة النجدية) لبعض علماء السعودية لمعاصرين ‏(251/12).‏

وقد حفظ الله تعالى كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم من التحريف والتصحيف‏,‏ ولذلك ورد الوحي بالتلقي من أفواه العلماء ليطابق المكتوب المقروء‏,‏ حتى إن بعضهم وقع في تحريف بعض الآيات فسخر الله له من يرد عن كتابه‏,‏ ومن ذلك ما أورده العسكري في تصحيفات المحدثين ‏(26/1)‏ والذهبي في ميزان الاعتدال ‏(37/3):‏ أن رجلا قرأ ‏(وجعل السقاية في رجل أخيه‏), فصححها له الحاضرون‏: و)جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ( [يوسف:70].‏

 أما في السنة فقد أورد ابن الصلاح في مقدمة علوم الحديث ‏(ص‏143)‏ مثالا على ذلك‏,‏ وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن الذين يشققون الخطب‏.‏ أي يتقعرون في الكلام ويتكبرون على الناس بهذا‏,‏ فقرأها أحد الرواة ‏(الحطب‏)‏ بالحاء المهملة‏,‏ فقال بعض الحاضرين من الفلاحين‏:‏ يا قوم كيف نعمل والحاجة ماسة‏.‏

إن غياب التوثيق في فتوى ابن تيمية أدى إلى تحريفها بشكل أهدر كثيرا من دماء المسلمين وغيرهم‏,‏ بل أضر بمقاصد الشريعة وأهدافها‏,‏ وتسبب في تشويه صورة الإسلام والمسلمين ووصمهما بالتطرف والعنف‏.‏

هذا وإن كانت القاعدة عند العلماء أن دعوى الوهم في التفسير أسهل من دعوى التصحيف في الأصل إلا أن من استخدم نص ابن تيمية المحرف قد وقع في الأمرين معا‏,‏ لأن التفسير مبني على صحة الأصل‏.‏ فهم قد جانبهم الصواب في توثيق النص وقراءته‏,‏ وأخطؤوا أيضا في فهم الكلمة المحرفة من خلال السياق وسابق الكلام ولاحقه‏,‏ وأمارة ذلك الاقتران والازدواج الواردين في نص الفتوى بين قوله‏:‏ (ويعامل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه) وقوله‏:‏ (يعامل المسلم فيها بما يستحقه) إذ لو كان المراد - كما فهموا- ويقاتل الخارج لما كان هناك داع لقوله بعدها‏:‏ بما يستحقه لأن الخلاف ليس في كيفية القتال‏, وإنما في إقرار القتال ومشروعيته‏.

وبهذا نرى كيف أن التحريف في النص أدى إلى خطأ في الفهم‏,‏ وإلى أن يستخدمه قاصرو الفهم في ترويع الآمنين‏,‏ وبالتتبع يجد العاقل العالم أن كثيرا من المشكلات والأحداث الجسام التي وقعت في التاريخ الإسلامي كانت مبنية على خطأ في توثيق نصوص العلماء وخطأ فهمها‏.

إن افتقار المتلقين لفتوى ابن تيمية وافتقادهم للمنهج العلمي عند المسلمين قد أحدث هذا التحريف والتشويه لفتوى هذا العالم‏,‏ وسبب ذلك أنهم يستسهلون التقليد الأعمى دون التأكد من حقيقة الأمور‏,‏ والتبصر ببواطنها ومعرفة عواقبها‏,‏ ورغبة الناس في أن تستسهل طريق العقل عملية قديمة جدا‏,‏ فهو لا يكلفهم شيئا‏,‏ خاصة أنه ليس في خدمة العلم‏,‏ ولا تحت عباءة المنهج‏, أما العلم فيحتاج إلى الاحتراق به‏,‏ وإلى إعمال العقل أيضا فيه‏.

فلابد علينا أن نمتلك الأدوات الضرورية اللازمة لفهم أدوات التعامل مع الموروث الإسلامي أو أن نرشد إلى الطريق في ذلك‏,‏ مع ضرورة حفظ التمييز بين الأصلين المنزهين ‏(الكتاب والسنة‏),‏ وبين سائر التراث الذي اجتهد في إنتاجه المسلمون من علوم وفكر‏,‏ وفقه وفتاوى‏,‏ ورؤى وواقع تاريخي‏.‏

وإننا نحذر من العقلية الخرافية وتداعياتها‏,‏ وننبه إلى أن هذا النمط القديم الجديد الذي يبرز كل حين فيحدث جلبة وضوضاء‏,‏ من أجل أن يلفت لنفسه الأنظار‏,‏ ويحقق اشتياقه الذي ضل عنه‏,‏ ويوظف تراثنا وموروثاتنا لخدمة أهدافه‏,‏ مستغلا حالة الاختلال في الفهم‏,‏ والبعد عن التوثيق‏,‏ والتمسك بالتقليد الأعمى دون وعي ولا سبيل لنا بمواجهته سوى بالتسلح بالمنهج العلمي‏, المرتبط بالتوثيق والتمحيص والفهم‏,‏ وهو المنهج الوسطي الذي يتحراه القائمون على العملية التعليمية في الأزهر الشريف وغيره من الجامعات والمعاهد المعتبرة في العالم الإسلامي‏,‏ ولا يسعنا إلا ما ورد عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه لمن لا يجيد العلم وأدواته‏, فنقول‏:‏ (هلا سألوا إذ لم يعلموا‏,‏ إنما شفاء العي السؤال)‏.

المصدر: موقع د.علي جمعة

 
د. علي جمعة
تاريخ النشر:2010-07-31 الساعة 13:36:15
التعليقات:0
مرات القراءة: 3241
مرات الطباعة: 632
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan