الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » الأسرة والمجتمع » مجتمعيات

أسوأ من البطالة

د. جلال أمين

 

 لم يكن الموقف جديدا عليّ، ولكنني أشعر بصدمة كلما صادفته، وكأنني أصادفه لأول مرة.

شابان يقفان عند مدخل باب السينما، لا يزيد عمر أي منهما على الثلاثين، ووظيفتهما الوحيدة التأكد من أنك تحمل تذكرة الدخول، وربما رافقك أحدهما إلى داخل الصالة ليريك مقعدك.

ليس في هذا أي شيء غريب. ولكن الصدمة جاءت من طريقة معاملتهما لي، أنا وزوجتي، بمجرد أن أعطيتهما التذكرتين. بدا من أول كلمة نطقا بها أنهما لا يفكران إلا في البقشيش. كنا قد وصلنا قبل بدء الفيلم بنصف ساعة، فإذا بهما يعرضان علينا أن نجلس في المقهى التابع للسينما، ويعدان بأنهما سيأتيان لإخبارنا بمجرد حلول موعد الدخول.

استسخفت الطريقة المهينة التي كانا يتكلمان بها. ووجدت الموقف قبيحا جدا: شابان وسيمان، يرتديان بدلتين أنيقتين (لابد أن إدارة السينما اشترطت ذلك)، ويقبلان أن يتسولا البقشيش بهذه الطريقة.

ما إن مشيت خطوتين أخريين حتى اعترض مسيري شاب آخر، له نفس المظهر، وبجانبه فتاة محجبة تعاونه في عمله. فما هو هذا العمل يا ترى؟ إنه يعرض علىّ أن أشترك في مسابقة لم أفهم فحواها بالضبط، ولكنني فهمت من كلامه أنني إذا نجحت في المسابقة سوف أحصل على هدية.

بعد أن استعدت هدوئي، رجعت إلى أحد الشابين اللذين استقبلاني عند دخولي، وسألته بضعة أسئلة:

ما الذي يقصده هذا الشاب الذي يعرض علىّ هدية؟

إنه مندوب شركة سياحية تحاول أن تروج لنشاطها وهذه المسابقة والهدية جزء من عملية الترويج.

سألته: أي كلية تخرج منها (إذ كنت شبه متيقن من أنه حاصل على شهادة جامعية).

قال: إن معه شهادة في الحاسب الآلي.

وزميله؟

خريج تجارة إنجليزي.

هل أنت متزوج؟

نعم، ولى طفلان، أحدهما سنتان والأخرى عمرها ستة أشهر.

هل تقيم مع أسرتك أو أسرة زوجتك؟

لا، نعيش في شقة بالإيجار.

وما قيمة الإيجار.

أربعمائة وخمسون جنيها.

لا تغضب منى إذا سألتك عن راتبك.

مائتا جنيه.

وهل تعمل زوجتك؟ــ كيف تعمل ولنا طفلان في هذه السن؟ وإذا افترضنا أن خرجت زوجتي للعمل، فمتى نتقابل، وأنا أعمل من الرابعة بعد الظهر إلى الثانية عشرة ليلا؟

هل لك وظيفة أخرى في الصباح؟

لا، لأنهم أحيانا يطلبون منا العمل في الصباح بدلا من المساء.

هكذا اتضحت لي أهمية البقشيش. ليس فقط أهميته، بل إنه مسألة حياة أو موت. هل من المستغرب إذن أن يقابلني هو وزميله، بهذه الطريقة المهينة؟

تركته وذهبت إلى دورة المياه.

رأيت رجلا آخر واقفا على الباب ينتظر وصولي.

هذا الرجل يختلف عن الآخر في العمر، ولكنه لا يختلف عنه في الشعور بالذل. كان أكبر سنا وأكثر هزالا، ويفصح وجهه عن سوء التغذية، كان هذا المنظر أيضا مألوفا لي، ولكنه يصيبني كلما رأيته بشعور لا يخلو من غضب. ليس غضبا من الرجل ولكن مما اضطره للوقوف هذه الوقفة.

لم يكن المسكين يعرف ما الذي يمكنه أن يصنع، وما الخدمة التي يمكن أن يقدمها لي في هذا المكان لكي يحصل على مكافأة.

ولكنه يعرف أهمية حصوله على هذه المكافأة التي لا يفعل أي شيء لاستحقاقها. هل هذا هو بالضبط سبب الشعور بالذل المرسوم على وجهه؟ خمّنت أن هذا الرجل لا يحصل على أي راتب على الإطلاق، فإذا كان صاحب السينما قد تعطف على زميله الشاب بمائتي جنيه، فالأرجح أنه عرض على هذا الرجل الخيار بين وظيفة بلا راتب، أو عدم التعيين على الإطلاق، فقبل أملا في عطف الزبائن.

هذه الظاهرة منتشرة الآن في مصر أكثر بكثير مما نظن. وظائف لابد أن عددها الآن يصل إلى ملايين، في القطاع المسمى بالخدمات. بائع السلعة أو خدمة، يعرف أن المشترى يتوقع أن يحصل منه على خدمة صغيرة إضافية، كصاحب السيارة الذي يتوقع في محطة البنزين أن يأتي من يملأ سيارته بالوقود بدلا من أن يملأها بنفسه.

أو زبون السوبر ماركت الذي يتوقع أن يساعده أحد في وضع ما اشتراه في أكياس، أو أن يحملها له إلى سيارته، بدلا من أن يحملها بنفسه، أو النزيل في فندق الذي يريد أن يأتي من يحمل له حقائبه، أو الصاعد إلى قطار الذي يريد من يدله على مقعده.. إلخ.

ولكن البائع لا يريد أن يتحمل أجر من يقوم بهذه الخدمة، إذ إنه يعرف أن المجتمع فيه ملايين من المتبطلين الباحثين عن أي عمل، فيستغل ضعفهم بأن يخبرهم بأن يقوموا بهذه الأعمال بلا أجر، (أو بأجر تافه للغاية)، ويعتمدون على شطارتهم في التعامل مع الزبون، أو أن يظلوا متبطلين.

هذه الظاهرة المنتشرة الآن في مصر ليست ظاهرة قديمة، إذ لم تعرفها مصر (بأي درجة ملحوظة) لا في عصر الملكية، ولا في عهد عبد الناصر ولا في عصر السادات.

كانت الظاهرة المنتشرة في عصر الملكية هي ما يسميه الاقتصاديون بـ«البطالة المقنعة»: رجال يعملون بأقل كثيرا من قدراتهم ولكنهم لا يعملون كوسطاء بين البائع والمشترى. هكذا كان حال العمالة الزائدة عن الحاجة في الريف المصري، وحال الباعة المتجولين أو ماسحي الأحذية في المدن.

في عهد عبد الناصر انخفضت بشدة البطالة المقنعة، نتيجة للإصلاح الزراعي والتصنيع، وإن عادت للظهور بالتدريج في وظائف الحكومة والقطاع العام مع تراخى جهود التصنيع بعد حرب 1967. ولكننا لم نشهد في عهد عبد الناصر هذه الظاهرة الملعونة التي أتكلم عنها الآن. بل ولم نشهدها بأي درجة ملحوظة في عهد السادات بسبب ما خلقته الهجرة من فرص للعمل في بلاد البترول.

كل هذه المنافذ انسدّت بعنف طوال ربع القرن الماضي.. فرص العمل في الزراعة والصناعة تزيد ببطء شديد، ومعدل الهجرة انخفض بشدة بسبب انخفاض طلب دول البترول على العمالة المصرية، والحكومة المصرية تسحب يدها من تعيين خريجي الجامعات والمعاهد، وتقلل من إنفاقها على أمل أن يقوم القطاع الخاص بما كانت تقوم هي به. ولكن القطاع الخاص حاله كما شرحت: شعاره العرض والطلب، سواء فيما يتعلق بالسلع أو العمالة. فإذا كان هناك من هو مستعد للعمل بلا أجر، فلماذا تدفع له أجرا؟

كلما فتحت النافذة في منزلي في الصباح رأيت شابا في نحو الخامسة والعشرين. أعرف تاريخ حياته جيدا لطول ما التقيت به في هذا الشارع الذي أسكنه. أعرف أن أباه فعل المستحيل لكي يتم الولد دراسته القانونية، ثم لكي يدخل الجامعة حتى حصل على بكالوريوس تجارة، الآن بعد أن فعل هذا الشاب هو وأبوه المستحيل للحصول على وظيفة تلائم مؤهلاته، انتهى إلى الاشتغال بمسح التراب من السيارات الرائعة المرصوصة أمام العمارة المقابلة، وأمله معلق.

كآمال الرجال الذين وصفتهم حالا، بكرم أصحاب السيارات ولكن هذا الكرم أمر غير موثوق به، ولا يمكن تقديره بدقة، ومن ثم لا يمكن التعويل عليه في اتخاذ قرار بالزواج أو عدمه، فهناك حاجات أهم وأكثر إلحاحا، منها إرسال بعض ما يكسبه إلى أمه الباقية في الصعيد.

كان لابد أن أتذكر، بعد رؤيتي لنظر «العاملين» في السينما، بعض الإحصاءات التي قدمها اقتصادي مرموق، ومتخصص في موضوع العمالة والبطالة ودلل بها على تحسن حالة العمالة في مصر، فقال بفخر: إن نسبة البطالة في مصر انخفضت من 11.7٪ في 1998 إلى 8.3٪ في 2006 قلت لنفسي:

«ليس هناك شيء غريب جدا في هذا، فالمتبطل لا يظل ينتظر الوظيفة حتى يموت جوعا، لابد أن يعثر على أي وظيفة يحصل بها على قوته وقوت عياله.

لابد أنه، بعد أن حصل على دبلوم آلة حاسبة، أو بكالوريوس تجارة إنجليزي، ويئس تماما من الحياة، قبل أن يعمل بهذه الأعمال التي وصفتها. ومن ثم استطاع الاقتصادي المرموق أن يستبعده من عداد المتبطلين.

واستطاع وزراء الاستثمار والتنمية الاقتصادية أن ىذكروه في إحصاءاتهم كدليل على ما حققوه من زيادة في العمالة. ولكن ما هو الوصف الحقيقي لما يقوم به من عمل؟».

المصدر:  موقع الشروق

 
د. جلال أمين
تاريخ النشر:2010-07-31 الساعة 13:43:40
التعليقات:0
مرات القراءة: 2253
مرات الطباعة: 530
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan