الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » تيارات و شخصيات » حركات وأحزاب

الفكر السياسي لحماس.. مقاربات الثابت والمتغير

أ. إبراهيم أبو الهيجاء

 

الفكر السياسي هو مساحة الحركة في ظل الثابت، ومقالتنا تقف اليوم أمام حساسية شديدة لحركة طالما عبرت عن ثوابتها بوضوح، ولكنها في الوقت ذاته تعايش تعقيدات داخلية ووقائع دولية وإمكانات متواضعة لا تمكنها من تحقيق تلك الثوابت.

بين هذا وذاك كان - ولا زال - أمامها مشهد تشكيل سلطة تدير شئون بلادها، ولدت نتاج اتفاق سياسي تحرمه وترفضه بشدة، لكن قلبها ينشطر قسمين، فهو من جهة يريد الإبقاء على حالة الرفض لاتفاق التسوية وإقناع الناس بعدميته وعبثيته، وفي الجهة المقابلة لا يريد أن يبقي أجزاء من وطنه تدار بعقلية الفساد ومراكز القوى المتحالفة بالضرورة مع التسوية وأهداف إسرائيل.

وبين إستراتجية التحرير وواجب البناء، وكذا جدلية المقاومة أو الفتنة، وكذا جدلية البقاء أو الموت السياسي.. بين كل ذلك وجدت حماس نفسها في اختيارات تفاضل بين السيئ والأسوأ، ولذا مارست التكتيك العسكري بين التسارع والتوقف. وعندما حاولت أن تمارس التكتيك السياسي في الانتخابات التشريعية والبلدية في إطار المعارضة الخانقة وجدت نفسها قبالة أغلبية ساحقة تجبرها على ممارسة السلطة الفلسطينية وهي لم تتهيأ بعد. وبدل أن تسعى إلى دفع وجوه أكاديمية ومستقلة لقيادة السلطة - ما يؤدي إلى تخفيف أعباء السلطة واستحقاقاتها السياسية- دفعت حماس بقيادتها وصفها الأول نحو المراكز الأولى في قيادة السلطة.

وبين ضغوط فتح لإفشال التجربة وحداثة حماس في قيادة السلطة كانت المغريات في البداية كثيرة إن وافقت الحركة على الاعتراف بإسرائيل وشروط التسوية وقبلت بوقف المقاومة.. لكن حماس ماثل في أذهانها تجربة حركة فتح مع التسوية، ناهيك عما تحمله من أيديولوجية صلبة وحداثة سياسية.. كل ذلك حال دون وقوعها في فخ التدجين ولم يمكنها من ممارسة حراك سياسي مبكر.

بعد ثلاثة أشهر من اختبار محطات الترغيب لحماس والحوارات غير المباشرة معها، كان سهلا على الأطراف الفاعلة (إسرائيل، دول الجوار، الرباعية) خلق اصطفاف دولي يرفض التعامل كليا مع حكومة حماس الوليدة، لذا حوربت حكومة حماس اقتصاديا وقوطعت سياسيا واضطرت حماس لمجاراة مجموعات (فتح) والرد على عمليات الخطف والحرق والقتل الهادفة لإجهاض تجربتها الوليدة وإثبات فشلها على قيادة الشارع وبالتالي إضعاف شعبيتها ومصداقيتها التي تمتعت بها بفضل تضحياتها ومقاومتها النوعية في مواجهة الاحتلال.

برغم ذلك صمدت حكومة حماس، وشعبيتها لم تضعف إلى الحد الذي يجبرها على الرحيل، وبرغم إعلان الرئيس الفلسطيني نيته تحديد مواعيد لإجراء انتخابات مبكرة فإن قوة حماس ورفض دول الجوار العربية المخاطرة بطرد حماس من الحكم خوفا من تداعياته على الأوضاع الداخلية لديهم دفع الرئيس الفلسطيني إلى تفضيل الحوار مع حماس التي حرصت عليه منذ البداية لقناعتها بصعوبة قيادة السلطة وحدها فضلا عن تحمل أثمانها أو التورط في استحقاقاتها، وعلى وقع الفتنة الفلسطينية وطبول الحرب الأهلية شكلت أول حكومة وحدة وطنية.

في خضم ذلك كان - ولا زال - من الضروري قياس المقاربات التي أنجزتها حماس على صعيد التزامها بالثابت السياسي والفكري قياسا بالمتغير، وأداة القياس الصارخة يمكن أن تكون هنا في حالة الرفض أو الموافقة على اتفاقات منظمة التحرير الفلسطينية، حيث اختارت حماس موقفا وسيطا لها بحيث تحترم الحركة الاتفاقات وفي الوقت ذاته لا تلتزم بها.

هذه المواءمة العجيبة هي بالضبط التي تعبر عن إشكالية ومأزق دخول السلطة التي أنشأتها اتفاقات منظمة التحرير وفي الوقت ذاته صعوبة البحث عن سبيل يحافظ على ثوابت ورفض الحركة لهذه الاتفاقات التي لا يختلف أحد على سوئها ومستوى الخراب الذي جلبته للشعب وللقضية الفلسطينية. الوصول لهذه الصيغة لم يكن سهلا بالقطع على حماس وأتى عندما وضعت حماس في محك السلطة وتحت ضغط مسئولياتها وفي ظل مقاطعة خارجية شاملة وداخلية متربصة.

محددات الفهم السياسي لحركة حماس

القبول أو الاحترام أو الالتزام باتفاقات منظمة التحرير الفلسطينية يقودنا بالقطع إلى فهم الدوائر التي تدور فيها ثوابت حماس ومن ثم القراءة المتفحصة والشاملة لاتفاق مكة، لأن كل ذلك مهم في فهم مقاربات الثابت بالمتحرك، وفي فهم محددات الفعل السياسي لحركة حماس.

1ـ الثوابت الكلية المستندة إلى دوائر الفكر الإسلامي (الحق والباطل)، ودوائر الشرع (الحلال والحرام).

2ـ التحرك باتجاه ثابت مع إمكانية القبول بهدف جزئي بشرط أن لا ينفي الكلي أو ينتقص منه.

3ـ التحرك باتجاه الشرعي القطعي دون أن ينفي هذا التحرك عقلية الأولويات وأدوات الموازنات (أي الظني المتحرك ضمن القطعي وليس العكس).

4ـ التحرك العسكري وسيلة لإنجاز الكلي أو الجزئي، وعمله محكوم باعتبارات مهنية وقراءة سياسية وتوقفه رهن تحقيق الشروط وليس منحة لأحد أو رغبة في قتل أحد.

5ـ بعد ذلك تأتي أهمية أن يكون القرار المتحرك في البنود (آنفة الذكر) خاضعا لشورى الحركة الجماعية وقطاعاتها المختلفة، ليس فقط المتواجدون هنا في الداخل الواقعون تحت وقع الضغط العسكري والعدوان اليومي بل المتواجدون في الخارج أيضا، أي الذين هجروا وطرودا من أرضهم ومن بين أهلهم، فكلاهما معبّر عن شكل الظلم والاحتلال، وكلهم لهم الحق بالقرار والإلزام وصياغة الموقف.

6ـ صياغة القرار تعتمد على الاستلهام بما تقدم، أما فضاء القرار فيدور في موازنات ومصالح الحركة وتقديراتها السياسية للمعادلة الداخلية والخارجية وحساباتها لذلك وترجيحها بالتالي للصالح والأفضل بما ينفع عموم المسلمين ومشروع التحرير على وجه الخصوص.

رصد المتغيرات السياسية

عند رصد المتغيرات في الموقف السياسي لحركة حماس ومع إسقاطنا للكثير من التصريحات المتناقضة يمكننا الوقوف على أكثر من محطة تمثل نموذجا في الرصد وهي: (اتفاق القاهرة، وبرنامج كتلة الإصلاح والتغيير، ووثيقة الوفاق الوطني، واتفاق مكة، وبرنامج حكومة الوحدة الوطنية).

كل هذه المعطيات تشكل وثائق مهمة في قراءة موقف حماس ومدى تغيره أو انسجامه مع ثوابتها، ويمكننا تسجيل أثمان نظرية وعملية قدمتها حماس قبالة إنضاج قبولها كطرف فلسطيني فاعل في النظام السياسي منها (دخولها الانتخابات التشريعية في السلطة الفلسطينية، وقبولها تركيز المقاومة في حدود 1967، وحديثها المتكرر عن إقامة الدولة الفلسطينية في حدود 67، وحديثها عن واقع وجود إسرائيل، وموافقة حماس على منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، واحترام الاتفاقات الموقعة مع منظمة التحرير الفلسطينية).

في كل الأحوال لا يمكننا القول بأن حماس في هذه المحطات قد تجاوزت ثوابتها السياسية، صحيح أنها تقدمت خطوات كثيرة في تفعيل خطواتها التغييرية، فدخول حماس في انتخابات التشريعي برغم رفضه من قبل بررته الحركة باستنادها إلى اتفاق القاهرة - وهو العقد السياسي المؤسس لدخولها - وليس موافقتها على سلطة سقفها اتفاق أوسلو، والدليل على مصداقية هذا التبرير هو ممانعة حماس حتى هذه اللحظة في التسليم باتفاقات التسوية برغم حجم الترغيب والترهيب حتى وهي في قلب السلطة.

أما التزامها بهدنة ذاتية أو قبولها بتركيز أعمال المقاومة في حدود (67) فلا يحمل جديدا، فقد امتنعت الحركة عن عمليات مقاومة في العمق الإسرائيلي بالاستناد إلى قراءات الواقع الداخلي والمحيط الإقليمي والدولي. وفي الوقت ذاته لم تقل حماس إنها ستلقي سلاحها أو ستمتنع مستقبلا عن عمليات في العمق الصهيوني، والدليل على ذلك خطف حماس (لجلعاد شاليط) وهي تمسك بالسلطة، وكذلك إطلاق مجموعات حماس الصواريخ على مستوطنات غزة المحيطة، ومن المعروف أيضا أنها في قطاع غزة تراكم السلاح والخبرة.

أما حديث الحركة عن واقع وجود إسرائيل فلم يعنِ قبولها بهذا الواقع ولا تسلميها به، والدليل على ذلك أن مفتاح قبولها دوليا هو الاعتراف به وهو ما لم تقدم عليه الحركة برغم الضغوط الهائلة.

وقبول الحركة بدولة فلسطينية في حدود فلسطين عام 1967 لا يعني قبول الحركة اغتصاب فلسطين عام 1948، فحماس تحدثت مرارا ودائما عن حل معجل وهو إقامة الدولة الفلسطينية على حدود1967، وحل مؤجل يتمثل بتحرير كامل فلسطين من البحر إلى النهر.

أما موافقة الحركة على منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني فقد ارتهن بإصلاحها وليس التسليم بها كما هي الآن.

إن التغير الجدي والمفاجئ الذي يمكن رصده هو اتفاق مكة الذي أعلنت فيه الحركة احترامها لاتفاقات منظمة التحرير الفلسطينية. مع أن الإمعان في كتاب التكليف يؤكد أن الصيغة فيها غموض إيجابي.

فأولا: جرى الحديث عن مصالح الشعب الفلسطيني ومكتسباته، وثانيا: الاحترام لمؤسسة منظمة التحرير وهذا مرتبط بإصلاحها وليس بالقطع بهذه التشكيلة القائمة؛ لأن اتفاق مكة كل لا يتجزأ، وعلينا أن لا نغفل في ضجيج التصريحات أن الحديث هو عن كتاب تكليف أصدره الرئيس محمود عباس لحكومة وحدة ولم تصدره حماس، وعلينا ملاحظة أن خطاب التكليف يقول: (أدعوكم) وهي تحتمل القبول الإيجابي أو القبول الاشتراطي أو القبول الانتقائي أو الرفض السلبي، والتفسير في هذا المجال واسع، فليس هناك إجبار لحماس لكي تقبل بشيء.

وعلينا أيضا العودة لوثيقة الوفاق الوطني واتفاق القاهرة لنكتشف أن نصوص اتفاق مكة ليست بالجديدة، بل إنها مستخرجة منها، مع تلاعب في مواضع الكلمات دون تأثير على المعنى، لأن اللغة العربية ليست فقط لغة محكية بل هي لغة معجزة، وفي دقة معانيها يكمن إعجازها، وليس هناك مجال للترادف في أفهام اللغة، فالاحترام لا يعني الالتزام وإلا لجاز قول (الكثير) لما هو (كبير) ولجاز أن نقول الاستماع مثل السمع والاسم مثل التسمية...الخ؛ فاختلاف العبارات والأسماء والصفات يوجب اختلاف المعاني، فكل واحد يقتضي خلاف ما يقتضيه الآخر وإلا كان زيادة لا فائدة منها.

مكامن الخطورة

بالرغم من أن حركة حماس لا زالت عند ثوابتها في ضوء التفسيرات المتقدمة، فإن علينا أن نكون حذرين في القول بأن الصمود على الثابت يكفي للقول أنه سيبقى ثابتا، ومصدر الخشية عندنا في عدة أوجه:

الأول: السرعة الفائقة في حجم المتغيرات، ففي أقل من سنتين قدمت حماس العديد من التنازلات النظرية والعملية. وهذا التوسع السياسي والفكري العمودي لم يراع التوسع الأفقي التربوي والتعبوي في قواعد حماس، وهذا له تأثير كبير على مرونة حماس التي ستصطدم عاجلا أم آجلا مع فهم مختلف للقواعد الحمساوية. وبرأيي فإن ظهور ذلك على الحركة لم يختبر بعد في مواقف عملية لمرونتها باستثناء الهدنة الأكثر تفهما من قبل القواعد بشكل مؤقت.

الثاني: بالمقابل فإن المرونة التي قدمتها حركة حماس على الصعد السياسية لم تقابل حتى اللحظة بتفهم دولي، أو انفراج جدي وبقي الحصار قائما على حكومتها ووزرائها، وحتى نوابها ما زالوا معتقلين، وعلى الرغم من التهدئة الذاتية التي منحتها الحركة لإسرائيل، فإن إسرائيل أمعنت في العدوان وبالغت في التنكر للحقوق الفلسطينية.

الثالث: مع شدة تضييق الخناق الدولي على حكومة حماس اضطرت حماس للدفاع عن شرعية حكومتها وأغلبيتها، وبدت الحركة مع صعوبة تلبية التزامات السلطة وضخامة مسئولياتها ضائعة في تفاصيل كثيرة، حالت دون تركيزها على جوهر إشكالية القضية الفلسطينية، وضاعت في الرد على فتنة فلسطينية حيكت خصيصا لها، وقد استغلت إسرائيل ذلك جيدا فشرعت بتسمين الاستيطان وتهويد القدس.

الرابع: في ظل إمعان حركة فتح في الإقصاء الوظيفي في الفترة السابقة، وتأكد تلاعبها بترتيب الكادر الوظيفي قبل تسلم حماس السلطة بأشهر، بما يؤكد هيمنة حركة فتح على قطاع الموظفين العموميين، اندفعت حركة حماس في تسابق محموم في توظيف المناصرين لها حتى الكوادر المتقدمة فيها وبدون مسابقات وظيفية أحيانا. هذا التسرع جلب لحماس انتقادات شعبية لاذعة جعلت منها مساوية في مسلكها لحركة فتح في توظيف الأنصار وحب السلطة والحزبية وما إلى ذلك من اتهامات.

الخامس: اندفاعات التوظيف لدى حركة حماس شملت كوادر الصف الأول فيها، وهذا مؤشر إشكالي؛ حيث إن استقلالية كوادر الحركة عن إفرازات ومراكز السلطة والتزاماتها أمر مهم، وبالتالي يمكن حماس من الرؤية الأوضح لمشروع السلطة والابتعاد عندما تقرر ذلك فعلا، لأننا ندرك أن مشروع السلطة لا زال قيد الاختبار كوسيلة لصالح مشروع التحرير، أي إنه وسيلة وليست غاية، ومن الخطورة خلط الأمرين معا.

السادس: في تجربة السلطة وعلى الرغم من نجاح حماس النسبي في التصدي للضغوط الدولية وتقديم المرونة الذكية لعدم إنهاء مشروعها السياسي فإنها لا زالت عاجزة عن تقديم إجابة شافية عن كيفية المزاوجة بين التزامات السلطة وواجبات المقاومة.

السابع: أمل التغيير الكبير لدى الفلسطينيين والثقة الشعبية العالية بحركة حماس التي أبرزتها انتخابات التشريعي، لم تواكبها مصارحة أو إدراك كاف لدى حماس لمقدار المصاعب والتحديات التي تواجهها في سلطة تركت شبه مدمرة.. هذا البون بين الأمل والاستطاعة، وضعف الصراحة، أديا إلى تراجع في شعبية الحركة لا يمكن لمدقق أن يغفل عنه، وهذا له مؤثرات بالقطع على مواءمات الحركة بين الثابت الذي يتطلب الصبر والمصارحة ومعرفة حدود القدرة والمتغير الذي يراد منه توريط الحركة في متغيرات دائمة.

الثامن: التفريق بين التزامات الحكومة وثوابت الحركة، تعالت فيه أصوات بعض الوزراء المنضوين في حكومة حماس، بل إن أحد الوزراء عبر صراحة عن قبوله بالمبادرة العربية، وإغراء التفريق لن يعفي حماس من تشوش ثوابتها ومن تناقض في فهم مواقفها وصناعة لاستقطاب داخلي فيها.

نصف الكأس الملآن

أكد اتفاق مكة - برغم أوجه القصور الكثيرة فيه - على نجاح نسبي لجدوى إستراتيجية حماس في الصمود والثبات على البرنامج السياسي رغم المغريات الكثيرة والضغوط الهائلة التي لم يسبق أن تعرضت لها حركة وطنية في التاريخ المعاصر.

صحيح أنه يمكن وضع الكثير من الأسئلة حول منطقية الدخول في سلطة ضعيفة متهالكة تحتكم إلى اتفاقات كارثية، وأسئلة أصعب حول آلية خلق توازن بين مشروع المقاومة والتحرير، ومشروع البناء والتغيير، لكن لا يختلف أحد أن ثمة جدوى تحققت في الدفاع عن شرعية حماس وبالتالي شرعية حركة لا زالت تؤمن وتمارس المقاومة وتتولى في الوقت ذاته شئون السلطة، هذا يعني أن الإنجاز الإستراتيجي لحكومة حماس هو خلق اعتراف دولي بمشروعية المقاومة وعدم خلطها بتعريفات الإرهاب، والأهم دون مطالبتها بأثمان سياسية أو التزام مسبق بأثمان سابقة.

صحيح أن حماس أحرقت أوراقا سياسية كثيرة في إطار المتاح سياسيا وفكريا بدءا من اتفاق القاهرة مرورا بوثيقة الوفاق الوطني وانتهاء باتفاق مكة، لكنها في كل الأحوال لم تسلم للاحتلال بشرعية ولم تقر بصلاحية اتفاقات التسوية وأبقت الغموض اللغوي لاعبا مركزيا في تحايلها على الضغوط الدولية للاعتراف بسلطتها رغم تمسكها بنهج المقاومة ورفضها جوهر التسوية.

لذا فقد أعاد انتخاب حماس وتشكيلها لأول حكومة لا تعترف بالسقف الذي حددته أوسلو على مستوى الحدود والوسائل (السؤال الابتدائي) حول ما قدمته إسرائيل فعليا لتحقيق التسوية؟ وأعاد السؤال عن جدوى الاعتراف بها أو بأي اتفاقات وقرارات دولية تتنصر لإسرائيل؟ وعلى الرغم من اعتراف حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل واقعا ووجودا عشرات المرات فإن الرباعية ومن خلفها إسرائيل تستجدي الآن اعترافا بوجود إسرائيل وترفض أي اتفاقات فلسطينية داخلية تتجاوز هذه النقطة.

وهذا يدل على انتصار سياسي كبير لحماس أعاد المبادرة للفلسطينيين وللقضية الفلسطينية. وبدل أن يبقى السؤال عن حقوقهم أصبح السؤال مشروعا عن حقيقية وجود إسرائيل أصلا، لذا فبقاء حماس في الحكم على مدى عام وهي تعلن تمسكها ببرنامجها المقاوم المنتصر لحقوقها الكاملة يعد انتصارا للحقوق الفلسطينية قبل أن يكون انتصارا لحماس كفصيل وطني.

في الأفق

في كل الأحوال قدمت حماس الكثير من المرونة وعلينا أن نعترف أيضا – وبمرارة - أن هذه التنازلات غير ضامنة لتطبيق حركة فتح لإصلاح منظمة التحرير ولا لإصلاح الأجهزة الأمنية ولا لإصلاح الكادر الوظيفي ولا حتى لتطبيق أسس الشراكة على صعيد السفارات والمراسيم والمحافظين.

لذا فحماس دون شك خاطرت بنسب عالية في سبيل إنجاز حكومة الوحدة مع أن ما يسمى (اللجنة الرباعية) لا زالت متلكئة في رفع الحصار وتتحدث عن آلية تسول أقرب منها إلى آلية كرامة تليق بحجم ما تم الاتفاق عليه بمكة.

أما إسرائيل التي تطلق جيشها في الضفة الغربية وتستعد لمعركة غزة، فإنها هي الأخرى تعمل على إسقاط اتفاق مكة بالتراكم. وستبقى كل الأطراف تطالب "حماس" بالمزيد.

وبرأيي فإن مرونة حماس قد نفدت والحفاظ على ثوابتها وتوضيح مواقفها سيتطلب منها في زمن حكومة الوحدة جهدا إضافيا، ودون ذلك فإن إقدام الحركة على أي مس لثوابتها سيكون له الأثر البالغ ليس على صعيد تفرقها كحركة واحدة بل إن الضرر الأكبر سيكون على صعيد القضية الفلسطينية وما يعنيه مشروع التحرير والمقاومة بالنسبة إليها.

المصدر: إسلام أون لاين

 
أ. إبراهيم أبو الهيجاء
تاريخ النشر:2009-04-15 الساعة 14:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 2780
مرات الطباعة: 589
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan