الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » إسرائيليات

العنصرية اليهودية ومأزق الهوية في الكيان الصهيوني

 

ابراهيم أبو الليل

تؤكد الحقائق التي أفرزتها المواجهات الدامية بين الشعب الفلسطيني والاحتلال الصهيوني، سقوط النبوءة الصهيونية التي بشرت بأن الكيان الصهيوني سيكون " بوتقة للصهر الثقافي " ومركزاً روحياً يدعو يهود العالم للعيش فيه، و يمنعهم من الاندماج في المجتمعات التي عاشوا بين ظهرانيها. فقد ازدادت المخاوف التي تسيطر على عقلية الصهاينة بسبب عدم الاستقرار من جراء تفاقم الأزمة الديمغرافية، حيث بلغ عدد الذين حصلوا على " المواطنة " مئات الآلاف في الوقت الذي يرفض غالبية اليهود في العالم الاستجابة للدعوات الصهيونية، مما دفع قادة الاحتلال إلى التفكير في تقليص عدد الوافدين الأجانب من غير اليهود. ذلك أن تحول اليهود إلى أقلية بين النهر والبحر في سنوات قليلة مقبلة يجعل من الخطر الديمغرافي سلاحاً يوازي قدرات " إسرائيل"النووية.

بعد مضي اثنين وستين عاماً على قيام الكيان الصهيوني، تبدو "قيم المواطنة" في حالة اضمحلال، ليرتفع الصوت الإثني، والعنصري، وتتغير التوازنات داخل أنماط الصراع " الإسرائيلي الداخلي " المختلفة، منذرة بتحولات شاملة في البنية " الإسرائيلية ". ولهذا السبب تعمل سلطات الاحتلال، لاسيما في وزارة الداخلية، على إعادة النظر بالقانون الذي يعطي الجنسية للوافدين الجدد من اليهود، أو على الأقل تغيير البند الذي يسمح لكل سليل ليهودي، بما في ذلك حفيده، بالحصول على المواطنة.

قوانين التحايل الصهيونية

 فقد قامت عام 2009 لجنة خبراء تضم أفضل رجال القانون وخبراء الهجرة برئاسة البروفيسور يعقوب نئمان لبحث المسائل الحساسة في " إسرائيل " مثل ( قانون العودة ) الذي صدر عام 1950.  ويسمح لكل يهودي يرغب بالهجرة إلى فلسطين مع توفير جميع الحقوق المدنية والاحتياجات اللازمة لبقائه ، حيث نتج عنه تهجير نصف السكان العرب آنذاك، واستبدلوا بمهاجرين يهود بالاعتماد على (الصندوق القومي اليهودي)، الذي أنشأته المؤسسة الصهيونية من أجل تهويد فلسطين عبر استملاك أراضيها وجعلها وقفاً أبدياًً لليهود. وذلك انطلاقا من المبادئ الصهيونية التي تعتمدها " إسرائيل "، حيث تعتبر بموجبها الأرض التي استولت عليها ملكا جماعيا لما تسميه " الشعب اليهودي ". ووضعت قانون ( أراضي الغائبين) لكي تمنع اللاجئين الفلسطينيين من العودة إلى بيوتهم باعتبارهم غائبين. وأصبح " قانون العودة "  بعد تعديله بحسب قرار الحكومة " الإسرائيلية " في جلستها بتاريخ 23/6/2002 يقضي بأن المهاجر الجديد يحصل على الجنسية إذا هاجر وجلب معه قريباً يهودياً. أي  يتيح له الحصول على الجنسية إذا حضر لوحده. وقد قال وزير الداخلية 2009 مئير شطريت: " قانون العودة هو قانون عتيق من خلاله يحصل على حق المواطنة أناس ليس لهم أي صلة باليهودية "، وتم تكليف اللجنة بالحسم إذا كان ينبغي الغاؤه. وبحسب صحيفة يديعوت أحرونوت 23/2/2009 ، يعتقد شطريت بأن الصراع الديمغرافي يستوجب تقليص عدد الأجانب غير اليهود الوافدين إلى "  إسرائيل "، بمن فيهم فلسطينيون يدخلون من خلال جمع شمل العائلات أو الزواج من عرب 1948 وعمال أجانب ومهاجرو عمل غير قانونيين ومهاجرون غير يهود. وقد عرض رجال وزارة الداخلية ومحافل أمنية أمام اللجنة معطيات عن نحو مليون مهاجر غير قانوني يمكثون في " إسرائيل "، فيما حذر شطريت قائلا: " إذا لم نبحث في هذه المواضيع على عجل، فبعد بضع سنوات إسرائيل لن تكون دولة اليهود، وأنا لا أريد ذلك ". وقد أوردت يديعوت أحرونوت أعداد الذين تعتبرهم سلطات الاحتلال " سكان غير قانونيين " وهم على الشكل التالي:

        ثلث سكان إيلات اليوم هم غير يهود.

        25 ألف متسلل من إفريقيا، منهم 600 فقط هم حقا لاجئون من دارفور .

        عشرات الآلاف من البدو المتزوجين من فلسطينيات، أحيانا من أكثر من واحدة، مما يتيح لهن المكوث في نطاق الأراضي المحتلة عام 1948.

        16 ألف امرأة فلسطينية مركز حياتهن في الضفة الغربية تحصلن اليوم على مخصص دخل من " الحكومة الإسرائيلية ". لديهن 112 ألف طفل يحصلون على مخصص ما يسمى " التأمين الوطني "

        46 ألف من أبناء الفلاشا بعضهم مسيحيون.

لقد اندرج عدد كبير من الأعراق والطوائف تحت مفهوم " المواطنة في إسرائيل " مكونا تشكيلة إثنية متعددة الأصول في التجمع الاستيطاني الصهيوني بوصفه " تجمع مهاجرين " تتحدد فيه هوية اليهود حسب البلدان التي هاجروا منها وليس حسب المعطيات الثقافية التي تتعلق بالأرض والتاريخ. فعلى مدى أكثر من ستة عقود عمل قادة الحركة الصهيونية بلا جدوى على جعل " إسرائيل " بمثابة البوتقة التي تنصهر فيها شتى أنواع الثقافات التي انتمى إليها اليهود قبل هجرتهم إلى فلسطين، وتسهم في تشكيل شخصية " اليهودي الإسرائيلي "

النزعة العنصرية تعمق التناقضات الثقافية

لقد عملت الحركة الصهيونية منذ بدايات القرن العشرين على توفير المناخات المناسبة للاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، مستخدمة طرق وأساليب عديدة لحمل اليهود على الهجرة إلى فلسطين، ووضعت المهاجرين منهم على رأس أولوياتها وميزتهم عن باقي يهود العالم من أجل تشجيعهم على الهجرة، وهو ما أشار إليه أحد قادة العمل الصهيوني البولندي الأصل " يتسحاق غرينباوم " عام 1943 بالقول: " إن بقرة واحدة في فلسطين أثمن من كل اليهود في بولندا ". وقد ظلت المحاولات محكومة بالفشل بحسب ما أعلنه الحاخام " أب يهوشع " أمام اللجنة اليهودية الأمريكية في الذكرى السنوية المئة لإقامتها وفي مؤتمرها الاحتفالي، بأن القرن الماضي كان قرن الفشل في تطور " الشعب اليهودي " قائلا : " إن الهوية تتحدد وفق الأرض التي يعيش فيها اليهودي، فلكل يهودي هوية تتبع الأرض التي يعيش فيها ". ذلك أن المستوطن اليهودي لا يستطيع استبدال هويته بهوية أخرى تفرض عليه. فمنذ الاحتلال الصهيوني لفلسطين عام 1948، أقدم الإرهابي بن غوريون على نقل عدد كبير من الجاليات اليهودية من الدول العربية إلى " إسرائيل " ليس بدافع الحرص على مصالحهم، وإنما بهدف تحقيق أغلبية يهودية . لكن هذه الجاليات لم تتمكن من الانصهار مع الجاليات الأخرى ولم تستطع أن تتمثل قيم التجمع الاستيطاني الذي شكله يهود أوروبيون، إذ فشل الصهاينة في مزج يهود المنفى ولم يتمكنوا من إيجاد شعب واحد. وقد ظلت هناك فروقات كبيرة في الخلفية الثقافية ما أدى إلى خلق مشكلة من جراء وصول جماعات يهودية ذات معتقدات دينية وإثنية مختلفة عمقت التمايز العرقي الذي تفاقم في ظل هجرة اليهود السوفييت في السبعينيات من القرن الماضي، ووصول أعداد كبيرة من يهود "الفالاشا " من القارة الإفريقية.  كما أدت محاولات صهر المستوطنين في " هوية يهودية " إلى نتائج عكسية عمقت التناقضات الداخلية بينهم ، وباتت أزمة الهوية من أبرز المشكلات التي رافقت التجمع الاستيطاني الصهيوني منذ وجوده في فلسطين، حيث يتداخل فيها الإثني بالطبقي بسبب التطورات الاقتصادية التي تنطوي على العديد من أشكال التمييز في مختلف مؤسسات العمل " الإسرائيلي " ولم تؤد إلى خلق وحدة عضوية اجتماعية متجاوزة للظواهر العرقية. بل تأججت النزعة العنصرية لدى " الإسرائيليين" في مختلف نواحي حياتهم الاجتماعية. وعلى الرغم من أن النظام السياسي والمؤسسات العامة – النقابات العمالية والمؤسسة العسكرية والخدمة المدنية والمؤسسات الاقتصادية – لا تميز رسميا بين الجماعات الإثنية، إلا أن التفرقة بينها حقيقية وقائمة على الصعيد العملي. والتعددية التي تتظاهر بها الأحزاب السياسية الكبيرة هي تعددية شكلية، حيث خصصت حصصا محددة للطوائف والجماعات إلا أنها لم تحقق نجاحا، إلى أن ظهرت حركة شاس " حراس التوراة السفارد " كحزب فئوي في الثمانينات من القرن الماضي، وبعدها جاء حزب " إسرائيل بعليا " الذي شكله المهاجرون الروس الجدد في التسعينيات. مما زاد في تعميق الفوارق بين الفئات  والجماعات الاستيطانية المختلفة.

قلق الهوية في تنافر التجمع الصهيوني

فاليهود" الأشكيناز " الذين هاجروا من الدول الغربية والولايات المتحدة يختلفون عن يهود" الفالاشا" الذين ينتمون إلى القارة الإفريقية، و يتحدثون اللغة " الأمهرية "، وكلاهما يختلف عن اليهود الروس الذين يضمون عدداً كبيرا من غير اليهود، الذين فقد غالبيتهم هويته الدينية فأصبح من الأغيار . أما اليهود " السفارديم" الذين قدموا من الشرق والدول العربية وبشكل خاص من المغرب، فيحاولون أن يتركوا أثراً في الحياة السياسية لكي يجعلوا لهم كياناً خاصاً بهم بسبب يهوديتهم الواضحة وحقدهم على غيرهم. وأما يهود " الصابرا " الذين  ولدوا على أرض فلسطين فينظرون باحتقار إلى يهود " الدياسبورا " في الخارج، ويرون أن حياة هؤلاء تتسم بالسلبية والدونية لأنهم يقبلون حكم " الأغيار ". ولا زال التجمع الاستيطاني بتركيبته القائمة غير مهيئ للجمع بين الشروط المتناقضة المتمثلة في الواقع السياسي والاجتماعي من جهة، وما تدعيه الصهيونية بأنها حركة إنقاذ لليهود من جهة أخرى، الأمر الذي يشكل أحد سمات أزمته الداخلية. ففي مقابلة أجراها موقع "swissinfo "  عام 2008 مع " الحاخام  جيليس " أحد الشخصيات المعروفة في الجاليات اليهودية الأورثوذكسية في القدس أو ما يسمى " الحريديم ". وكانت " إسرائيل " تحتفل بمرور 60 عاما على اغتصاب فلسطين، حيث قام يهود أرثوذوكس متشددون ينتمون إلى طائفة ناطوري كارتا بإحراق " العلم الإسرائيلي " في أحدى ضواحي مدينة القدس ، يقول : (( إن مفهوم أو مصطلح إسرائيلي لا يعني لي شيئا كيهودي متديِّـن، هذا المصطلح لم يَـرِد في التوراة، لدي مُـصطلح آخر " يهودي أرض إسرائيل "، هذا هو المصطلح التوراتي، وأرض إسرائيل المذكورة في التوراة، لا علاقة لها بدولة إسرائيل الحالية. حدودها ليست حدود إسرائيل، قِـيمها ليست قِـيم إسرائيل، وقياداتها ليست قيادات إسرائيل. تاريخيا، حتى في زمن الاحتلالات التي تعاقبت على أرض إسرائيل، القيادة الدِّينية هي التي اضطلعت بمُـهمة إدارة حياة اليهود هنا. هذا الأمر استمر حتى فترة الانتداب البريطاني، ولكنه انتهى مع الإعلان عن قِـيام أو تأسيس دولة إسرائيل، وانتقل الحُـكم إلى حركة أخرى حاولت بناء نموذج آخر لليهودي، نموذج لا يُـشبه بتاتا اليهودي الذي طالَـما عاش وسكَـن أرض إسرائيل خلال الألفي عام الماضية ، الشعب اليهودي ليس بحاجة إلى دولة، وإذا كان هذا الحديث صحيحا، لِـماذا يعيش ثُـلثي اليهود في العالم خارج إسرائيل)). جاء ذلك في أعقاب دخول رجل يهودي على دراجته النارية لأحد الأحياء اليهودية التابعة للمتديِّـنين اليهود الأرثوذكس، قالت" الإذاعة الإسرائيلية " في حينه أنه تم إنقاذ الرجل بصعوبة، بعد أن هُوجِـم في المكان احتجاجا على رفعه " العلَـم الإسرائيلي " على دراجته. ويعلق الحاخام على هذا الحادث قائلا : " العَـلم لا يعني لي شيئا. العَـلم هو رمز أوجدته الحركة الصهيونية ".  ويرى البروفيسور دافيد اوحنا من جامعة بن غوريون في النقب، في اقتراح في كتابه " آخرُ الإسرائيليين "، بناءَ مفهومٍ جديد " للإسرائيلي " ، يلتقي فيه مع مخاوف العديد من النُّـخب الثقافية في " إسرائيل "، بأن استمرار " إسرائيل " في الوجود أصبح أكثر تهديدا ، ليس فقط  بسبب التحولات العسكرية في المنطقة، بل بسبب حجم التناقُـضات غير العادية، على الصعيد الداخلي، وأن هذا التجمع الاستيطاني، إن لم يصل إلى صياغات جديدة تحدِّد هويته وأولوياته، فإنه غير قادر على حمل هذه التناقضات لسنوات قريبة قادمة، أو على حدِّ تعبير " رازي بركائي "، أحد الصحفيين البارزين في " إسرائيل ": (الوضع سيئ لدرجة أن احتفالات السبعين قد لا تكون أية حاجة إليها .(

الصهيونية وانعدام القيم الأخلاقية

لقد أعلن الصهاينة منذ البداية رغبتهم في تحويل يهودي شرق أوروبا الخاضع، إلى عبراني واثق من نفسه لا يتردد في استخدام السلاح. ولإنجاز ذلك قرروا تحريره من نير التوراة والتقاليد اليهودية، التي لا تعترف مطلقا بتطور المنفى وخلاص البشر بوصفه مفهوما " لاهوتياً وثقافياً " يرتبط بكل العالم، وينطوي على أمر إلهي مفروض على اليهود كعقاب لهم على مخالفتهم التوراة. ولهذا السبب ظهر من اليهود من يعارض الصهيونية لأنها تدمر ، وينطلق هؤلاء اليهود من فهم يرون من خلاله أن الصهيونية وسيلة لرفض متعمد لليهودية، وأن التهديد الصهيوني يؤثر في اليهود خصوصاً الذين سيكونوا آخر ضحاياه بشكل أكثر مأساوية. فالصهيونية التي حشدت المستوطنين على أرض فلسطين وأقامت لهم مؤسسات سياسية واقتصادية وعسكرية، ولم تتمكن من تقديم الحلول اللازمة للمشكلات التي برزت في سياق تحويل المستوطنات إلى " دولة  يهودية ". إضافة لذلك فإن محاولات الجمع بين يهودية " الدولة " وديمقراطية النظام السياسي في إطار قومي، جعل من " إسرائيل" كياناً لا هو دولة يهودية، ولا هو دولة ديمقراطية، بل تجمع استيطاني صهيوني له طابع الثكنة العسكرية التي اتخذت شكل الدولة، وتقف على رأسها مؤسسة عسكرية منظمة تنظيما دقيقا وتحتوي على ترسانة هائلة من الأسلحة النووية والتكنولوجيا المتطورة. لذلك امتنع الصهاينة عن وضع دستور لها يحدد طبيعتها وجغرافيتها وعلاقاتها، ولها دورها الوظيفي في إطار المشروع الصهيوني على الصعيد العدواني الذي يتمثل في تغييب الفلسطينيين والاستيلاء على أرضهم وشن العدوان على الدول المجاورة ، الأمر الذي جعلها في حالة مواجهة مستمرة مع محيطها بسبب المسار الشاذ الذي سارت عليه، وهو السبب في تحشيد القوى الأخرى ضدها. وقد انعكس عليها سلباً وجعلها غير قادرة على استقطاب يهود العالم لأنها ليست أكثر الأماكن أمناً بالنسبة لهم. ويشير إلى ذلك أبراهام بورغ بقوله: " إن كل دولة تحتاج إلى القوة بقدر معقول ولكن كل دولة تحتاج إلى جانب القوة إلى سياسة ونفسية كبح القوة. ونحن نمتلك القوة، الكثير من القوة وفقط القوة. وليست لدينا أية بدائل للقوة كما ليس لدينا أي مفهوم أو رغبة عدا ترك القوة تتكلم. ولكن في نهاية الأمر طرأ لنا ما يحدث لكل عنيفي وزعران العالم: حولنا التشويه إلى نظرية والى مفهوم ولم نعد نفهم  أي شيء عدا لغة القوة بين الرجل وزوجته، بين الشخص وصديقه، بين الدولة ومواطنيها وبين الزعماء ونظرائهم. إن دولة تعيش على سيفها، تسجد لأمواتها، تنتهي حسب ما يبدو للعيش في حالة طوارئ دائمة ".

الكيان الصهيوني وشروخ المصطلح

على الرغم من الإغراءات و عمليات التشجيع التي يتلقاها اليهود في الخارج . فقد ظلت " اسرائيل " هي الخيار الثاني و ليس الخيار الأول، حيث إن معظم المهاجرين اليهود يتوجهون إلى الولايات المتحدة أكثر مما يتوجهون إلى " إسرائيل" ، إذ يعيش في " إسرائيل " 41% وفق إحصاءات " معهد الإحصاء السكاني في إسرائيل " ذلك أن اليهود في العالم  لاسيما جيل الشباب ، يميلون إلى الاندماج بأنماط الحياة السائدة في المجتمع الغربي. حتى إن جيل " الصابرا " الذي يسمى جيل التكنولوجيا، فإنه تسيطر عليه الثقافة الشعبية ذات الصبغة الأميريكية ، إذ تنتشر في "إسرائيل" الأفلام الأمريكية مثل رعاة البقر وأفلام الجريمة والسرقة والاغتصاب. لذلك تعمل الصهيونية على تحقيق الانسجام مع التوجهات الراهنة لليهود في المجتمعات الغربية من خلال تقديم " إسرائيل " على أنها بلد المشاريع الرأسمالية الناجحة. ولا بد من الإشارة إلى أن مؤسسي " إسرائيل" كانوا يحرصون على الطابع الغربي " للثقافة الإسرائيلية ".  لذلك ظل تأثير الأنماط الثقافية الغربية الأمريكية متجاوزاً الأنماط الشرق أوسطية ولا تزال التفرقة قائمة على الصعيد العملي في النظام السياسي والمؤسسات العامة. وعلى الرغم من الجهود المبذولة لتحقيق الهجرة إلى " إسرائيل "، إلا أن الوكالة اليهودية لم تتمكن من حل مشكلة " الهوية اليهودية " . ولم يقتصر فشل الصهاينة على عجزهم في مزج " يهود المنفى " بل فشلوا في تعريف اليهودي أيضاً،  حيث إن المهاجرين الذين يعتبرون يهوداً بناء على مواصفات إصلاحية يتحولون إلى أشخاص ليسوا يهوداً بمجرد وصولهم إلى " إسرائيل " وفقاً للتفسيرات الدينية للقانون اليهودي. ويمثل هذا الموقف جوهر الصراع بين ما يعرف بالتيار الأصولي والتيار العلماني في " إسرائيل" التي تعتبر أن اليهودي هو ذلك الشخص المولود لأم يهودية أو الذي اعتنق اليهودية وليس من أتباع ديانة أخرى، بينما تحاول الأحزاب الدينية إضافة فقرة " بناء على الدين اليهودي". وتعد العلاقة بين المتديِّـنين والعِـلمانيين في " إسرائيل أحد الشروخ المركزية في التجمع الاستيطاني، من وجهة نظر " عِـلم الاجتماع الإسرائيلي "،  حسب تعبير البروفسور دان هوروفيتس والبروفسور موشيه ليسك من الجامعة العبرية، اللذين بحثا في الأزمة الديمغرافية التي يعيشها " الإسرائيليون ". ومصطلح الشرخ، هو المصطلح الذي استعملاه لتوصيف المشاكل الحادّة على الصعيد الداخلي، ويوجد عدة أنواع للشرخ - حسب أبحاثهما – في " إسرائيل " وهي:

        الشرخ القومي: بين اليهود والعرب الفلسطينيين من حمَـلة "الجنسية الإسرائيلية".

        الشرخ السياسي: بين مايسمى اليمين واليسار في " إسرائيل "، أي بين من يعتقِـد بإمكانية التخلص من الفلسطينيين من خلال الوصول إلى تسوية معهم تنفيذا لشعار " حد أقصى من الأرض وحد أدنى من السكان العرب "، وبين من يقول " إن أرض إسرائيل، هي هبة من الله وغير خاضعة للمساومات البشرية، ويرون في حرب حزيران 67 إعادة تأكيد من الله على أن أرض إسرائيل لشعب إسرائيل ".

        الشرخ الطائفي: الذي تحدَّد في الماضي حول الصِّـراع بين اليهود من أصول عرقية غربية "الاشكناز" واليهود من أصول عرقية شرقية " السفارديم "، غير أنه تطوّر ليشمل الهجرات اليهودية الحديثة وامتداداتها العِـرقية في دول الاتحاد السوفييتي السابق أو من أصول عرقية إفريقية، وتحديدا الإثيوبية.

        الشرخ الطَّـبقي: بين أصحاب رأس المال وبين الطَّـبقات المسحوقة أو بين النُّـخبة الاقتصادية، ذات الأصول العِـرقية الغربية وبين الطبقات الاجتماعية الاقتصادية الضعيفة، كمجموعات كبيرة من اليهود الشرقيين والإثيوبيين والعرب.

اليهودي ومعضلة الهوية

إن المشكلة الأساسية في الكيان الصهيوني نابعة في الدرجة الأولى من غياب إجماع على هوية اليهودي أو في الوصول إلى جواب متفق عليه بين كل التيارات الدِّينية والسياسية عل سؤال - من هو اليهودي - وليس في الخلاف حول من هو الإسرائيلي. " فإسرائيل " تعرف نفسها " بدولة الشعب اليهودي "  وحتى اللحظة لم تحل معضلة من هو اليهودي. وذلك لأن التجمع الاستيطاني هو تجمع مهاجرين لا يوجد لهم تاريخ مشترك ولا تربطهم صلة، وكل المحاولات التي جرت خلال ستين السنة الماضية كانت من أجل خلق هوية جماعية جديدة بشكل قسري، حيث استُـعمل مصطلح " فرن الصهر "  لجلب اليهود من أماكن ومجتمعات مختلفة في العالم وصهرهم داخل " إسرائيل "، لخلق مجتمع جديد ذو رواية واحدة وذاكرة جماعية واحدة، ولكن هذه المحاولة لم تنجح، ولم تنجح أيضا محاولة بناء " اليهودية كقومية " التي تشكل إحدى ركائز الفكر الصهيوني على الرغم من أنها ليست حديثة العهد، بل ظهرت في أدبيات المؤتمر الصهيوني الأول الذي أنهى أعماله في نهاية أغسطس/ آب 1897 في مدينة بازل السويسرية. وقد برز مصطلح " يهودية الدولة الإسرائيلية " في السنوات الأخيرة بوتيرة متسارعة، وينطوي على أبعاد عنصرية ضد عرب 1948  وطردهم من وطنهم بزعم الحفاظ على نقاء " الدولة اليهودية "، وكذلك ضد  اللاجئين الفلسطينيين في أماكن تواجدهم المختلفة، ويجري عقد المؤتمرات المحلية والدولية بمسميات عديدة لطرح أفكار عن الهاجس الديمغرافي " الإسرائيلي " جراء التزايد الطبيعي المرتفع بين العرب, وقد أخذ الخطاب السياسي " الإسرائيلي " يتمحور وينتشر بسرعة حول " يهودية الدولة " ، والإلحاح على مضامين الخطاب في الداخل " الإسرائيلي " وفي المؤتمرات الدولية. وهذا ما حصل فعليا في مؤتمرات هرتسيليا التي تنعقد سنويا منذ عام 2000 ، وفي مؤتمر أنابولس يوم 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2007، إذ حاول  " الإسرائيليون " استصدار وثيقة " إسرائيلية فلسطينية " مشتركة  تتضمن موافقة فلسطينية على فكرة " يهودية الدولة ". وهو محاولة " إسرائيلية " لكسب ليس فقط مشروعية التطهير العرقي الذي يمارسه الصهاينة ضد الشعب الفلسطيني ، بل للذهاب أيضا  إلى أبعد من ذلك، عبر وضع مخططات " إسرائيلية " لتنفيذ " ترانسفير" إضافي بحق ما تبقى من العرب داخل فلسطين. والثابت أن جميع الأطياف السياسية " الإسرائيلية " وقادتها  باتوا يتحدثون في السنوات الأخيرة عن " يهودية الدولة "، الشعار الذي بات يمثل في الآونة الأخيرة جوهر ومضمون الأهداف الكبرى " لإسرائيل "، وتحولت مقولة " الدولة اليهودية " بصورة غير مسبوقة ولا معهودة إلى القاسم المشترك بين مختلف التيارات والكتل والأحزاب والاتجاهات السياسية والاجتماعية والثقافية في " إسرائيل " على حد سواء. وفي هذا السياق تأتي دعوة العنصري ليبرمان رئيس حزب " إسرائيل بيتنا " لطرد الفلسطينيين من أراضيهم.

أسئلة تطرق مستقبل الكيان

والسؤال الذي يظل ماثلاً على الدوام حول المحتوى الداخلي ل " من هو اليهودي " وما هو الإنتاج الذي تحققه " المؤسسة اليهودية " في ظل التنوع الهائل في المظاهر اليهودية والقومية، إذ من الصعب تحديد مقياس الروحانية على صعيد الاندماج  بين الجماعات اليهودية. لذلك لجأ قادة الاحتلال ومنذ البداية إلى الاعتماد على العوامل الخارجية وافتعال الحروب وشن العدوان من أجل خلق حالة من التماسك الداخلي، حيث صرح بن غوريون لمبعوث اللوموند ( أريك رولو ) في شباط 1967 : " نحن في حاجة إلى عدو خارجي لننصهر في أمة ".  ويرى القائمون على الشأن الثقافي في " إسرائيل " أن توحيد الهوية الثقافية بين اليهود أمر مستحيل، بسبب التباين الكبير بين الطوائف التي تشكل التجمع الاستيطاني في فلسطين، حيث كشفت دراسة " للمعهد الإسرائيلي للديمقراطية "  نشرت " يديعوت أحرونوت " نتائجها في شهر أيار 2008، أن ( 47% ) من الجمهور يعتبرون أنفسهم مبدئياً يهود، مقابل ( 39% ) يرون أنفسهم إسرائيليون  بينما (10% ) فضلوا الهوية الدينية و( 4% ) التزموا بهوية الطائفة التي ينتمون إليها .  وتُظهر النتائج أيضاً أن (94% ) من السكان اليهود في " إسرائيل " يعتبرون أنفسهم جزءا من الشعب اليهودي في العالم، ومع ذلك يرى( 68% ) منهم أن لليهود مصيرا مشتركا سواء في إسرائيل أو خارجها.  وبحسب المعطيات التي عرضها مركز "غوتمان" التابع للمعهد بمناسبة الذكرى الستين لاغتصاب فلسطين، فان العرب في الأراضي المحتلة عام 1948 يقدمون أنفسهم على أنهم  فلسطينيون وليسوا " إسرائيليين ". ويشكل وجود هؤلاء الفلسطينيين وتزايدهم المستمر خطرا استراتيجيا كبيرا يهدد مستقبل الكيان الصهيوني، و يؤكد ذلك رئيس قسم الدراسات الجغرافية في جامعة حيفا البروفيسور" أمنون سوفير" وأكاديميون آخرون عن إحصاء الولادات العربية والتحذير من اختلال الميزان الديمغرافي لمصلحة العرب بحلول العام 2020، حيث سيصبح اليهود أقل من 50 في المئة في فلسطين التاريخية.  ذلك أن الخطر الأكبر الذي يتهدد الشعب اليهودي في العقود القريبة هو ضعف " الهوية اليهودية ". وفي الواقع المعاصر تتنافس " الهوية اليهودية " في سوق كبير من الأفكار والأيديولوجيات المفتوحة أمام الجميع. والصعوبة التي تواجه ربط أبناء اليهود، وخصوصاً الشبان بينهم " بالهوية اليهودية "، تقود مع مرور الوقت إلى ابتعاد هؤلاء عن حياة الجماعة اليهودية. مما يزيد في تعميق مأزق " الهوية اليهودية ".

إن عجز التجمع الاستيطاني الصهيوني عن استيعاب معظم ثقافات اليهود يدحض مزاعم الصهيونية بأن هناك " قومية يهودية " وهي المزاعم التي على أساسها تدعي الحركة الصهيونية أن لها الحق في إقامة وطن قومي لليهود. كما أن فشل " الثقافة الإسرائيلية " في استيعاب الثقافات الأخرى وصهرها يشكل دليلاً على سقوط مقولة أن " إسرائيل هي فرن الصهر الإيديولوجي والثقافي الصهيوني".

المصدر: الثبات اللبنانية

 
تاريخ النشر:2010-08-02 الساعة 12:53:44
التعليقات:0
مرات القراءة: 1339
مرات الطباعة: 495
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan