الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم إسلامية » فقه الدعوة

القواعد الفقهية وتطبيقاتها الدعوية

حسام العيسوي إبراهيم

 

من المهم للداعية التعرف على القواعد الفقهية. فالقواعد الفقهية للداعية تثقل وتنمى تفكيره الدعوى، كما أنها بداية مهمة لكل طالب علم مقبل على طريق الاجتهاد. فما هي القاعدة الفقهية ؟ وكيف تفيد الداعية في حياته الدعوية ؟هذا ما نجيب عليه في هذا البحث، وأرجو من الله- عز وجل- أن يفتح لنا طريق الوصول إلى الحق إنه ولي ذلك والقادر عليه.

1- ما هي القاعدة الفقهية ؟

تعددت التعريفات للقواعد الفقهية(1) وأهم هذه التعريفات أن القواعد لغة: جمع قاعدة، ومن معانيها اللغوية:(الأساس)، ومنه قوله سبحانه وتعالى:)وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ([ البقرة - 127]، ومن معانيها أيضاً ( الضابط )، وهو الأمر الكلى ينطبق على جزئيات(2) أما القاعدة اصطلاحاً: فهي : «قضية كلية منطبقة على جميع جزئياتها»(3) وتتعلق القاعدة بمختلف العلوم، فهناك قواعد أصولية وفقهية ونحوية، وهناك قواعد شرعية وعقلية وقانونية. فلكل علم قواعده. ومن مثل هذه التعريفات السابقة يمكننا تعريف القواعد الفقهية بأنها: «هي أصول فقهية كلية في نصوص موجزة تتضمن أحكاماً تشريعية عامة في الحوادث التي تندرج تحت موضوعها» و هي(4)«حكم شـرعـي في قـضية أغلبية يتعرف منها أحكام ما دخل تحتها» أويقال: «هي أصل فقهي كلي يتضمن أحـكـامـاً تشريعية عامة، من أبواب متعددة في القضايا الـتـي تـدخـل تـحـت مـوضـوعــه»نحو قاعدة:«الأمور بمقاصدها»، و«اليقين لا يزول بالشك»، و«الضرر يُزال»، و«العادة محكمة»، و«المشقة تجلب التيسير»، وهذه هي القواعد الفقهية الكلية الخمس الكبرى، ودونها من القواعد الفقهية كثير.

2- فوائد دراسة القواعد الشرعية

يقول الشيخ السعدي- رحمه الله- في منظومة القواعد الفقهية (5):

اعلم هُديتَ أن أفضل اِلمنَنْ... علم يزيل الشك عنك والدرن

ويكشف الحق لذي القلوب... ويوصل العبد إلى المطلوب

فاحرص عل فهمك للقواعد... جامعة المسائل الشوارد

فترتقـي في العلم خير مرتـقـى...          وتقتفي درب الـذي قد وُفِّقَا

فهو يقول: أن منن الله على العباد كثيرة، وأفضل ما منَّ الله على عبده هو العلم النافع. وضابط العلم النافع كما- قلت في النظم- أنه يزيل عن القلب شيئين: وهما: الشبهات والشهوات.

فالشبهات: تورث الشك.

والشهوات: تورث درن القلب وقسوته، وتثبط البدن عن الطاعات.

فعلامة العلم النافع: أن يزيل هذين المرضين العظيمين.

ويجلب للعبد في مقابلتهما شيئين وهما: اليقين: الذي هو ضد الشكوك.

الثاني: الإيمان التام الموصل للعبد لكل مطلوب، المثمر للأعمال الصالحة: الذي هو ضد للشهوات.

فكلما ازداد الإنسان من العلم النافع حصل له كمال اليقين، وكمال الإرادة، ولا تتم سعادة العبد إلا باجتماع هذين الأمرين، وبهما تنال الإمارة في الدين.

قال تعالى: )وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ([السجدة -24]

ودرجات اليقين ثلاثة كل واحدة أعلى من الأخرى: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين.

فعلم اليقين: في [الدنيا ] كعلمنا الآن بالجنة والنار.

وعين اليقين: إذا ورد الناس القيامة، قال تعالى: )وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (90) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ([الشعراء-90-91] فرأوهما قبل الدخول.

وحق اليقين: إذا دخلوهما.

وحاصل ذلك: أن العلم شجرة تثمر كل قول حسن، وعمل صالح.

والجهل: شجرة تثمر كل قول وعمل خبيث.

وإذا كان العلم بهذه المثابة فينبغى للإنسان أن يحرص كل الحرص، ويجتهد كل الاجتهاد في تحصيله، وأن يديم الاستعانة بالله في تحصيله، ويبدأ بالأهم فالأهم منه.

ومن أهمه: معرفة أصوله وقواعده التي ترجع مسائله إليها. وهذا لأن معرفة القواعد من أهم وأقوى الأسباب لتسهيل العلم وفهمه وحفظه، لجمعها المسائل المتفرقة بكلام جامع.

ويمكن تلخيص الفوائد من دراسة القواعد الفقهية في الآتي(6):

1-إن دراســة الــقــواعــد الفـقـهـيــة وحفظها أيسر طريق لمعرفة أحكام المسائل الجزئية وتذكُّرِها؛ لأن من الصعب حــفــظ حـكـم كل جزئية على حدة، بينما يسهل حفظ القواعد، وفهم كيفية التفريع عليها، ومعرفة مـسـتـثـنـيـاتها، قال القرافي: «ومن ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات لاندراجها في الكليات».

2-إن دراسة الجزئيات بمعزل عن القواعد الفقهية الجامعة لها، قد تُوقِعُ في بعض الخطأ والخــلـط والاضـطراب؛ لعدم الرابط الجامع، قال القرافي: «ومن جـعــلَ يُـخـرج الــفــروع بالمناسبات الجزئية دون القواعد الكلية تناقضت عليه الفروع واختلفت، وتزلزلت خواطره فيها واضطربت».

3- إن دراسـتـهـا تـربي الملكة الفقهية، وتنمي القدرة على إلحاق المسائل وتخريج الفروع لمعرفة أحكامها، قال الـسـيـوطـي:«اعلم أن فن الأشباه والنظائر،الذي تدخل فيه القواعد الفقهية، فن عظيم، به يطلع عـلـى حـقـائـق الفقه ومداركه، ومآخذه وأسراره، ويتمهر في فهمه واستحضاره، ويقتدر على الإلحاق والـتـخـريــج، ومعرفة أحكام المسائل التي ليست بمسطورة، والحوادث والوقائع التي لا تنقضي على مر الزمان».

4- إن دراستها مما يعين على معرفة مقاصد الشريعة، بشكل قد لا يتيسر من خلال دراسة الجزئيات؛ حيث إن دارس الفقه قد لا يتفطن لها، بـخـلاف مــا لـو درس قاعدة «المشقة تجلب التيسير»، فإنه يظهر له أن من مقاصد الـشـريـعة: التيسير على المكلفين، و كذا لو درس قاعدة «لا ضرر ولا ضرار»، فإنه يتبين له أن من مـقـاصــد الـشـريـعــة: دفع الضرر ورفعه... وهكذا.

5- إن دراســة الـقـواعـد الفقهية والإلمام بها. تربِّي عند الباحث ملكة المقارنة بين المذاهب المختلفة، وتوضح له وجـهـاً من وجوه الاختلاف وأسبابه بين المذاهب؛ وذلك لأن القواعد الفقهية ـ في أكثرها ـ موضع اتـفـاق بين الأئمة المجتهدين، ومواضع الخلاف فيها قليلة، فتظهر الفائدة من دراسة هذا القليل وتأمله؛ حيث إنه سبب من أسباب الاختلاف.

6- إن دراستها وإبرازها «تُظهر مدى استيعاب الفقه الإسلامي للأحكام، ومراعاته للحقوق والواجبات، وتُسهِّل على غير المخـتـصـين بالفقه الاطلاع على محاسن هذا الدين، وتُبطِل دعوى من ينتقصون الفقه الإسلامي، ويتهمونه بأنه إنما يشتمل على حلول جزئية وليس قواعد كلية».

7- إن دراسة القواعد الفقهية والإلمام بها واستيعابها يعين القضاة والمفتين والحكام عند البحث عن حلول للمسائل المعروضة والنوازل الطارئة بأيسر سبيل وأقرب طريق.‏

أما عن أهميتها الدعوية: فيحدثنا الدكتور عبد الرحمن بن أحمد الجرعي ويقول(7):

 هناك اتجاه أصيل في الكتابة الدعوية مفاده ربط المباحث الدعوية والتربوية بالقواعد الفقهية والأصولية، وهو اتجاه أملته الحاجة إلى التأصيل الشرعي لكثير من قضايا الدعوة، خاصة بعد ظهور اجتهادات غريبة عن الحس الإسلامي في بعض أوساط الدعاة، فالاستنارة بهذه القواعد يسهم في ضبط الاجتهادات الدعوية، كما أن هذه القواعد توفر مادة خصبة للدعاة ليفيدوا منها في الاستدلال والتقعيد والتنظير.

إن كتابة المباحث الدعوية في ظل هذه القواعد الفقهية أو الأصولية يسهم في ربط الاجتهادات الدعوية برباط شرعي متين منضبط ، ويعطي للدعاة مرجعية موثوق بها خاصة أن القواعد الفقهية الكبرى تحظى باتفاق الغالبية من الفقهاء، كما أنها تبين عوار التصرفات الشاذة ، التي تمارس في غفلة من الوعي، وغلبة الهوى أو الجهل.

وهذا الاتجاه في الكتابة- حسب علمي- حديث نسبيا، وإن لم يغفل بالكلية، وأنا هنا أشير إلى كتابات المعاصرين، أما السلف فإن حديثهم عن المباحث الدعوية يأتي ضمن فنون متعددة، ولعل الحاجة إلى إفراد المباحث الدعوية في تصانيف مستقلة- كما هو الحال الآن- قد أملاه التوسع في التخصصات.  وأشير إلى نقطتين:

الأولى: أن الدعوة إلى الله قربة وعبادة، وهي ممارسة تنطلق من مشكاة الشريعة، فلا بد من مراجعة الخطوات ليعلم هل ممارساتنا الدعوية منطلقة من قواعد الشريعة، أم أننا وجدنا من قبلنا على سنن فنحن نتبعهم، وما دامت الدعوة عبادة فيجب أن تكون على مقتضى ما يرضاه الشارع الحكيم.

الثانية: أن التطبيقات الدعوية اجتهادية، خاضعة للمراجعة والتمحيص والإضافة والحذف، وتخضع كذلك لمعرفة البيئة الدعوية وما يعتريها من ممارسات، وما يكون فيها من قضايا تحتاج إلى اجتهاد في تلمس الحكم الشرعي من خلال هذه القواعد، التي هي بمثابة المنارات الهادية في الطريق اللاحب.

3- أشهر الكتب المؤلفة في القواعد الفقهية

 من أشهر الكتب المؤلفة في القواعد الفقهية وأقدمها كتاب: تأسيس النظر،للإمام أبي زيد الدبوسي المتوفى سنة 430هـ حيث ضمن كتابه هذا طائفة هامة من الضوابط الفقهية الخاصة بموضوع معين، ومن القواعد الكلية مع التفريع عليها.‏

 وكتاب تأسيس النظر هذا يعتبر من الكتب الأولى في علم الخلاف؛ أي المسمى الآن بالفقه المقارن بين أئمة المذهب الواحد من ناحية، وبين المذاهب المختلفة من ناحية ثانية.‏

 ولم يقل الدبوسي إنه جمع قواعد، وإنما أطلق لفظ الأصل على ما اعتقد أنه جامع لمسائل شتى، وطريقته أن يذكر الأصل وصاحبه، ثم يتبعه بذكر مسائل مختلفة، ويذكر بعدها الرأي المخالف. وقد اشتمل كتاب تأسيس النظر على خمسة وثمانين أصلا، وتأسيس النظر مطبوع ومعه قواعد الكرخي .‏

 ولم يشتهر مؤلف للحنفية في القواعد بعد الدبوسي خلال القرنين الخامس والسادس غير ما شرحه النسفي لقواعد الكرخي، ويظهر أن غير الحنفيةـ وخاصة الشافعية ـ نهضوا بهذا العلم في القرون التالية فرأينا من مؤلفيهم ومؤلفاتهم ما يلي:‏

- كتاب: قواعد الأحكام في مصالح الأنام، للإمام عز الدين عبدا لعزيز بن عبد السلام السلمي الشافعي المتوفى سنة 616. وهو المسمى بالقواعد الكبرى، وهو مطبوع، كما أن له كتاباً آخر يسمى بالقواعد الصغرى.‏

- كتاب: أنوار البروق في أنواء الفروق، المعروف بكتاب الفروق، للإمام شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي المالكي المتوفى سنة 684هـ.‏

- كتاب: الأشباه والنظائر للإمام صدر الدين محمد بن عمر الشافعي الشهير بابن الوكيل وبابن المرحل المتوفى سنة 716هـ.‏

- كتاب: القواعد، لأبي عبد الله محمد بن محمد بن أحمد المقري المالكي المتوفي سنة 758هـ وهذا الكتاب جمع فيه مؤلفه مائتين وألف قاعدة.‏

- كتاب: الأشباه والنظائر، للإمام تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي الشافعي المتوفى سنة 771هـ. وقد سلك في كتابه طريقة ابن الوكيل، وفاقه في استيعابه واستيفائه ولغته، وهو يعتبر بحق معلمة فقهية عظيمة وقد طبع أخيرا ً.‏

6- كتاب: المنثور في ترتيب القواعد الفقهية، للإمام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي المتوفى سنة 794هـ وقد رتب الزركشي في كتابه هذا القواعد الفقهية ترتيباً ألفاً بائياً ليسهل تناولها.‏

7- كتاب: تقرير القواعد وتحرير الفوائد، لأبي الفرج عبد الرحمن بن رجب الحنبلي المتوفى سنة 795هـ، وهذا الكتاب مطبوع بتحقيق الشيخ حامد الفقي تحت عنوان: (القواعد في الفقه الإسلامي ).‏

8- كتاب: القواعد، للإمام تقي الدين أبي بكر بن محمد الحسيني الحصني الشافعي المتوفى سنة 829 هـ .‏

9- كتاب: الأشباه والنظائر، للإمام جلال الدين عبد الرحمن السيوطي الشافعي المتوفى سنة 911هـ وهو مطبوع متداول، وهو من أشهر الكتب المؤلفة في القواعد .‏

10- كتاب: إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك، لأبي العباس أحمد بن يحيى الونشريسي المالكي المتوفى سنة 914هـ، وقد حققه أحمد أبو طاهر الخطابي، وطبع بإشراف اللجنة المشتركة لنشر التراث الإسلامي بين المغرب ودولة الإمارات سنة 1400هـ بالرباط .‏

11- كتاب: الأشباه والنظائر، للإمام زين الدين بن إبراهيم الشهير بابن نجيم الحنفي المتوفى سنة 970هـ وهو مشهور ومطبوع ومتداول، وهو من أشهر كتب القواعد الفقهية.‏

12- مجلة: الأحكام العدلية العثمانية الصادرة سنة 1286هـ، إذ صدرت بتسع وتسعين قاعدة فقهية مختارة من أهم ما جمعه ابن نجيم والخادمي بإضافة بعض القواعد الأخرى، وشرح هذه القواعد شراح المجلة أمثال على حيدر ومحمد طاهر الأتاسي.‏

13- كتاب: الفوائد البهية في القواعد والفوائد الفقهية، للشيخ محمود حمزة مفتي دمشق في عهد السلطان عبد الحميد والمتوفى سنة 1305هـ، إذ قام في كتابه هذا باستقصاء القواعد والضوابط والأصول في معظم أبواب الفقه، وبلغ ما فيه من القواعد  ثلاثاً وأربعين ومائتي قاعدة فقهية، تمثل في مجموعها قواعد المذهب الحنفي .‏

14- ‏كتاب: المدخل الفقهي العام، لمصطفى الزرقا.‏

15- كتاب: شرح القواعد الفقهية للشيخ أحمد الزرقا، والد الشيخ مصطفى الزرقاء، وكان شرح أبيه مخطوطاً فقام بطبعه بمطبعة الغرب الإسلامي ببيروت سنة 1403هـ وهو شرح لقواعد مجلة الأحكام العدلية التزم فيه الشارح رحمه الله المذهب الحنفي تمثيلاً وتخريجاً.‏

16- كتاب: القواعد الفقهية نشأتها وتطورها، تأليف الشيخ على بن أحمد الندوي الذي أعده لنيل درجة الماجستير من جامعة أم القرى وطبع في دمشق بدار القلم سنة 1406هـ.‏

- القواعد الفقهية الكلية وما يندرج تحتها من قواعد جزئية، (وتطبيقاتها الدعوية)

‏ القاعدة الأولى: الأمور بمقاصدها.

دليلها : قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات ) متفق عليه. ‏

معنى القاعدة في الاصطلاح الفقهي:‏

‏ معناها إن أعمال المكلف وتصرفاته من قولية أو فعلية تختلف نتائجها وأحكامها الشرعية التي تترتب عليها باختلاف مقصود الشخص وغايته وهدفه من وراء تلك الأعمال والتصرفات أو: أن الحكم الذي يترتب على أم، يكون موافقاً ومطابقاً لما هو المقصود من ذلك الأمر.‏

أمثلة على القاعدة: ‏

1. ‏من قتل غيره بلا مسوغ شرعي. إذا كان عامداً فلفعله حكم وإذا كان مخطئاً فلفعله حكم آخر.‏

2. ومن قال لغيره: خذ هذه الدراهم، فإن نوى التبرع كان هبة، وإلا كان قرضاً واجب الإعادة، أو أمانة وجب عليه حفظها وإلا كان ضامناً. فصورة الإعطاء واحدة، ولكن المقاصد من وراء ذلك مختلفة، فتترتب الأحكام تبعاً لتلك المقاصد والأهداف.‏

3. ومن التقط لقطة بقصد أخذها لنفسه كان غاصباً عليه ضمانها إذا تلفت في يده، ولو التقطها بنية حفظها وتعريفها وردها لصاحبها متى ظهر كان أميناً، فلا يضمنها إذا هلكت بلا تعد منه عليها أو تقصير في حفظها.‏

القواعد المندرجة تحت هذه القاعدة:‏

1. ‏العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني.‏

2. النية تعمم الخاص، وتخصص العام.‏

3. اليمين على نية الحالف.‏

ومن التطبيقات الدعوية لهذه القاعدة (8):

1- الدعوة إلى الله عمل يتقرب به إلى الله فلا بد له من نية، فحضور الفعاليات الدعوية والمشاركة فيها، ودعوة الغير إليها، والحرص على ذلك كل ذلك مداره على النية والقصد .

2- الباعث على الانضمام لركب الدعاة ما هو؟ أهو شهرة أم مكاسب مادية، أم قضاء وقت الفراغ وطرد الملل والسأم، أم الاستزادة من الثقافة والمعرفة. أم هو القيام بالواجب الشرعي. ولكل نية حسابها، والنية الحسنة درجات بحسب أثرها، ونفعها لصاحبها، وللمجتمع .

3- العناية بأصحاب المواهب والقدرات المتميزة ما دافعه ؟ أهو عاطفة شخصية ؟أم هو عراك أقران ؟ أم هو كحرص أبي حنيفة على أبي يوسف حين ظل ينفق عليه عشر سنين حتى شدا في العلم، وأصبح من أعظم قضاة الأرض وفقهائها.

4- قد يسئ لك الشخص وأنت الداعية إلى الله أو المربي وهو غير قاصد للإساءة، ولم يظن أنها تبلغ ما بلغت، فحكمه يختلف عن حكم من تقصد الإساءة، وكان يعلم بمآلات الأمور، فاعتبار القصد هنا لازم. وإن كان الأصل أن الداعية إلى الله يجعل الكلام الذي لا يعطل مسيرته دبر أذنيه، ولا يشغل نفسه بتتبع مقولة فلان وفلان. ومن ألطف ما قيل في ذلك قول الصحابي الجليل العلاء بن الحضرمي:

وحي ذوي الأضغان تسب قلوبهم  ... تحـية ذي الحسى فقد يرقع النقل

فإن دحسوا بالشـر فاعــف تكرما  ... وإن كتموا عنك الحـــديث فلا تسل

فـإن الذي يؤذيك منــه سمــــاعه ... وإن الذي قالوا وراءك لم يقـل

5- مما يجب الانتباه إليه الشهوة الخفية لدى الداعي بإظهار علمه وتنقص غيره بالجهل، وهذا مسلك دقيق يجب التحرز منه وتعهد النفس دائما حتى تجتنبه. وقد نبه الغزالي – رحمه الله – إلى ذلك حيث قال:

«إن العالم- عند الدعوة- قد يرى عز نفسه بالعلم وذل غيره بالجهل، فربما يقصد الإدلال وإظهار التميز بشرف العلم وإذلال صاحبه بالنسبة إلى خسة الجهل » (الإحياء ج2ص358) ثم قال: « هذه مذلة عظيمة وغائلة هائلة وغرور للشيطان يتدلى بحبله كل إنسان إلا من عرفه الله عيوب نفسه وفتح بصيرته بنور هدايته، فإن للاحتكام على الغير لذة للنفس عظيمة» (الإحياء ج2ص358)، ثم بين الغزالي- رحمه الله - المعيار الذي يعرف به هذا الأمر فقال: « وله محك ومعيار ينبغي أن يمتحن المحتسب به نفسه، وهو أن يكون امتناع ذلك الإنسان عن المنكر بنفسه أو باحتساب غيره أحب إليه من امتناعه باحتسابه، فإن كانت الحسبة شاقة عليه ثقيلة على نفسه، وهو يود أن يكفى بغيره فليحتسب، فإن باعثه هو الدين...

وهو على خير، وإن كان لا يحب ذلك لغيره من أهل العلم والدعوة فما هو إلا متبع هوى نفسه، متوسل إلى إظهار جاه نفسه بواسطة دعوته، فليتق الله تعالى فيه، وليدع نفسه أولا»(أنظر: إحياء علوم الدين ج2ص358).

وقد عقب الشيخ صالح بن حميد على قول صاحب الإحياء« أن يكون امتناع ذلك الإنسان عن المنكر بنفسه أو باحتساب غيره أحب إليه من امتناعه باحتسابه». فقال:«هذا عندي محل نظر، وبخاصة مع قوله صلى الله عليه وسلم : (فوا الله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم )- متفق عليه من حديث سهل بن سعد - فالتنافس في هذا تنافس في الخير ، ومع قوله تعالى : ) وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ([سورة فصلت ، الآية 33] ويتلمس الإخلاص وصلاح النية في غير المنافسة الشرعية» (معالم في منهج الدعوة ص 28، 29).

6- عقد الإمام النووي -رحمه الله- في كتابه (الأذكار) بابا بعنوان «الغيبة بالقلب» وفيه قال: « اعلم أن سوء الظن حرام مثل القول فكما يحرم أن تحدّث غيرك بمساوئ إنسان، يحرم أن تحدّث نفسك بذلك وتسيء الظن به »(الأذكار، ص464) وقد ذكر الإمام الغزالي في إحيائه كلاما قريبا من هذا وإذا وقع في قلبك ظن السوء فهو من وسوسة الشيطان يلقيه إليك، فينبغي أن تكذبه فإنه أفسق الفساق، وقد قال تعالى: ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ([الحجرات ، آية 7] فلا يجوز تصديق إبليس، فإن كان هناك قرينة تدل على فساد واحتمال خلافه، فتنفر منه، وتستثقله وتفتر عن مراعاته وإكرامه والاغتمام بسيئته فإن الشيطان قد يقرب إلى القلب بأدنى خيال مساوئ الناس، ويلقي إليه أن هذا من فطنتك وذكائك وسرعة تنبهك، وإن المؤمن ينظر بنور الله، وإنما هو على التحقيق ناطق بغرور الشيطان وظلمته .... ومهما خطر لك سوء في مسلم فزد في مراعاته وإكرامه؛ فإن ذلك يغيض الشيطان ويدفعه عنك فلا يلقي إليك مثله خيفة اشتغالك بالدعاء له. وهذا معنى لطيف أتمنى أن يفطن إليه الدعاة والمربون، وأن يغرسوه في نفوسهم، وفي نفوس أبنائهم، بدلا من طغيان نفسية الكراهية التي تجتاح بعض النفوس وتشعل حرائق البغضاء في أرجائها .

7- النصيحة إحسان متمحض للمنصوح يصدر عن شفقة ورحمة ، ويجب أن يكون مراد الناصح بها وجه الله عز وجل ، ولا يكاد يفرق بين النصيحة والتعيير إلا النية والباعث والحرص على الستر ، وشتان بين من قصده النصيحة ومن قصده الفضيحة ، ولا تلتبس إحداهما بالأخرى(انظر: معالم في منهج الدعوة ص44، 45)

القاعدة الثانية: اليقين لا يزول بالشك ‏

‏ ودليلها :  قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا؟. فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحا ً) رواه مسلم.

معنى القاعدة :‏

‏ أن الأمر المتيقن ثبوته لا يرتفع إلا بدليل قاطع، ولا يحكم بزواله لمجرد الشك، كذلك الأمر الذي تيقنا عدم ثبوته لا يحكم بثبوته بمجرد الشك، لأن الشك أضعف من اليقين، فلا يعارضه ثبوتاً وعدماً.‏

‎‎ أمثلة للقاعدة : 

‎‎ - المستيقن للطهارة إذا شك في الحدث فهو متطهر عند الأئمة الثلاثة، أبي حنيفة والشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى، وأما عند مالك رحمه الله: فمن شك في الطهارة يجب عليه الوضوء. بناء على قاعدة تقول: «الشك في الشرط مانع من ترتب للمشروط »، والطهارة شرط في صحة الصلاة فالشك فيها مانع من صحة الصلاة. ‏

‎‎ وإذا ثبت دين على شخص وشككنا في وفائه، فالدين باق. ‏

القواعد الفرعية المندرجة تحت هذه القاعدة:‏

1. ‏ الأصل بقاء ما كان على ما كان.‏

2. الأصل براءة الذمة.‏

3. ما ثبت بيقين لايرتفع إلا بيقين.‏

4. الأصل في الصفات والأمور العارضة عدمها.‏

5. الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته.‏

6. الأصل في الأشياء الإباحة عند الجمهور.‏

7. الأصل في الأبضاع التحريم.‏

8. لا عبرة للدلالة في مقابلة التصريح.‏

‎‎9. لا ينسب إلى ساكت قول.‏

10. لا عبرة بالتوهم.‏

‎‎11. لا عبرة بالظن البين خطؤه.‏

12. الممتنع عادة كالممتنع حقيقة.‏

13. لا حجة مع الاحتمال الناشئ عن الدليل.‏

ومن التطبيقات الدعوية لهذه القاعدة (9):

1. وجوب إشاعة منهجية التثبت عند الحكم على الأشخاص أو الهيئات أو المؤسسات عموما، ومما يؤسف له أن هذه المنهجية تتوارى عند التطبيق لدى بعض فئات الدعاة خاصة عندما تكثر الإشاعات ، ويعز المصدر الموثوق به، لكن المسلم له منهجية تميزه عن غيره، فهو لايتمضمض بأعراض البرءاء، ولا ينقل من الأخبار إلا ما تيقن منه.

2. المسلم يأوي إلى جبل من اليقين بأن الأصل في المسلم البراءة، والسلامة، والعدالة، وحسبك أن الله لم يكلفك- أخي المسلم- أن تنقب عن صدور الخلق فتعلم أن فلانا قال كذا أو فعل كذا، فكل نفس بما كسبت رهينة، لكنك تكون في أعظم الحرج إن نجح الشيطان بأن يجعلك مطية لقول الزور، وخاصة حينما يكون القائل في مكانة مرموقة من محبيه وسامعيه .

يقولون أقــــــوالا ولا يعلمونها... ولو قيل هاتوا حققوا لم يحققوا

ومن الأسف أن كثيرا من الأخبار التي تلاك في أوساط أهل الخير هي في القائمة الضبابية بين اليقين والشك ، ومما يزهد الكثير من الناس في التثبت رغبته في السبق بنشر الخبر، أو التمدح بسعة العلم، والإحاطة بالأمور، وسعة العلاقات التي تتيح أن يطلع على ما لم يطلع عليه غيره.

3. الانسياق وراء الظنون والشكوك له آثار مدمرة على العمل الإسلامي ومنها توهين الصف المسلم، بنشر الإشاعات، وأحيانا تكون هذه الإشاعات موجهة إلى رموز الخير ممن لهم في النفوس مكانة وتقدير، فتحدث البلبلة، والشقاق، وعندها يرقص الشيطان فرحا على أشلاء وحدتنا.

ومن الآثار كذلك إضعاف الثقة في أهل الدعوة وأهل الإصلاح والتوجيه.

يا رجــــــال العلم يا ملح البلد... ما يصلح الملح إذا الملح فسد

ومما أذكره كتطبيق لما سبق أنه في ذات يوم قرأت في احد المنتديات في الانترنت أن أحد الأماكن العامة التي يحضرها النساء قد حصل فيه منكر عظيم يجب المسارعة إلى إنكاره، وصاحب الخبر يهيب بالجميع التصدي لهذا المنكر فسألت إحدى قريباتي- ممن أعرف حرصها على إنكار المنكر- عن ذلك فأفادت بعدم صحة الخبر جملة وتفصيلا خاصة وأن مثل هذا الأمر لو حصل لعلم به الجميع ممن حضر.

ومن آثار الانسياق وراء الشكوك أن الباب يبقى مفتوحا لأعداء الدين ممن يسعدهم اشتغال أهل الحق ببعضهم البعض فيبقون في مأمن من تماسكهم ووحدتهم، فيضعون الأحابيل ويروجون الإشاعات التي مهر فيها الأعداء من لدن ابن سبأ وحتى اليوم:

لا أنــــت قلت ولا سمــــعت أنا... هذا كــــــلام لا يليـــــــق بنــــا

إن الكــــرام إذا صحبتهمــــــوا ... ستروا القبيح وأظهروا الحسنا

اعتماد منهجية الحقائق الموثقة بالدلائل والإحصائيات والأرقام عند اتخاذ أي قرار أو تصرف، بعيدا عن الانفعالات العاطفية ، وردود الأفعال التي لا تعني حل المشكلة بمقدار ما تعني الانفعال بالمشكلة وأثرها على النفس. وبعض الحلول التربوية للمشكلات- أو ما يتوهم حلا - تكرس المشكلة وتزيدها تفاقما.

القاعدة الثالثة: المشقة تجلب التيسير:

 

‏ دليلها: قول الله عز وجل: )يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ([البقرة: 185].‏

معنى القاعدة:‏

‏ أن الأحكام التي ينشأ عن تطبيقها حرج على المكلف ومشقة في نفسه، أو ماله، فالشريعة تخففها بما يقع تحت قدرة المكلف دون عسر أو إحراج.‏

‎‎ ومن أمثلة هذه القاعدة: قصر الصلاة والفطر للمسافر، وقوله صلى الله عليه وسلم في حق المريض: (صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعدا ً .........الحديث ) رواه البخاري.‏

القواعد الفرعية المندرجة تحت هذه القاعدة:‏

1. ‏إذا ضاق الأمر اتسع.‏

2. إذا اتسع الأمر ضاق.‏

3. الضرورات تبيح المحظورات.‏

4. ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها.‏

5. ما جاز لعذر بطل بزواله.‏

6. الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة.‏

7. الاضطرار لا يبطل حق الغير.‏

7. إذا تعذر الأصل يصار إلى البدل.‏

ومن التطبيقات الدعوية لهذه القاعدة(10):

1.اليسر والبشارة أصل في أمور الدعوة، وهذا يقتضي البعد عن التكلف والتنطع والإعنات، وتحميل الناس ما يشق عليهم أو ينفرهم مما ليسوا ملزمين به شرعا. وهذا يقتضي مراجعة الأساليب الدعوية، فإن بعضها فيه نوع إثقال يمكن التخفف منه، وربما أورث نتيجة عكسية، وأضرب مثالا واحدا لاحظته أثناء المشاركة في بعض البرامج التربوية للمدارس. فمن المعلوم أن القدرة الاستيعابية للشخص عند إلقاء المحاضرات تقل مع طول وقت المحاضرة، وتكاد أن تصل للتلاشي إذا زاد وقت المحاضرة عن الساعة خاصة لدى صغار السن، هذا إذا كان الإلقاء تقليديا لا تجديد فيه، ولا وسائل للإيضاح. وهذا يتطلب المراجعة لهذه الوسائل، بعدا عن المشقة المتوقعة ، وطلبا لتجويد العمل.

2. عندما يجد العالم أو المربي عناصر أقل جودة لتحمل عنه العلم وأبجديات الدعوة، فلا يزهد فيها بحجة عدم وجود العناصر الممتازة من طلاب العلم، فإن حاجة المجتمع ماسة لكل أبناءه، ولو ذهبنا إلى هذا الاشتراط لخلت كثير من الثغور. ولكنه التسديد والمقاربة التي أمرنا بها شرعا.

3. حين يصطدم الداعية ببعض المعوقات التي لا يخلو منها طريق الدعوة اللاحب- كما قال تعالى: ) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ([العنكبوت ، آية2-3] – ويترتب على هذه المعوقات عدم قدرة الداعي على إنجاز الواجب الشرعي المناط به، أو القصور عن بلوغ المدى الذي اختطه لنفسه، فإن واجبه أن يسعى لتذليل الصعاب على قدر الجهد والطاقة، وبعد ذلك فما يعجز عنه هو معذور فيه، وليس أهلا للّوم بعد ذلك.

4. الداعية والمربي حين يواجه واقعا يحتاج إلى صبر، وتدرج في الإصلاح فهذه الحالة هي من العسر الذي يجلب تيسيرا، بل لابد من التدرج حينئذ، باعتبار أن الدعوة واجبة، ولا يتم القيام بها إلا بهذه الطريقة، والقاعدة الشرعية تقول: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب).

5. الدعوة إلى الله- عز وجل واجبة على كل قادر، وهي حمل عظيم لا يستطيع النهوض به فرد واحد، فوجود هذا العبء العظيم يقتضي التعاون في أدائه، وتوزيع المهام على كل قادر، وألا نترك أهل الهمم العليا وحدهم في الطريق، بل نتعاون تعاونا تكامليا، دون أن ننظر إلى قلة إسهام البعض بعين الانتقاص، بل نكون كما قال إقبال :

شـرار الفأس دع من قال عنه...أمن فأس؟ أمن حجـر يكون؟

القاعدة الكلية الرابعة: قاعدة لا ضر ولا ضرار:‏

 

‏ دليلها: قوله صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار ) رواه بن ماجه، وصححه الألباني.‏

معنى القاعدة :‏

‏ أن الفعل الضار محرم، وتترتب عليه نتائجه في التعويض المالي والعقوبة عند حصوله. كما أنها تعني تحريمه مطلقاً بأي نوع من أنواع الضرر، ويشمل ذلك دفعه قبل وقوعه، كما يشمل ذلك رفعه بعد وقوعه.‏

‎‎ كما أنها تلغي فكرة الثأر المحرم والانتقام، وإنما يأخذ الإنسان حقه بالطرق الشرعية بدون زيادة.‏

القواعد الفرعية المندرجة تحتها:‏

1. ‏الضرر يدفع بقدر الإمكان.‏

2. الضرر يزال.‏

3. الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف.‏

4. يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام.‏

5. درء المفاسد أولى من جلب المصالح.‏

ومن التطبيقات الدعوية لهذه القاعدة(11) :

1. إلحاق الأذية بالمسلم ممنوع بكل حال ومن ذلك: غيبته، ويحسن هنا التحذير من تلبيسات إبليس في هذا المجال وتزيينه للبعض بأن هذه ليست غيبة وإنما هي من باب النصح للمسلمين، والتحذير من مسلك فلان، ولكن هذا ليس على إطلاقه فهذا مسلك دقيق، وللتحذير من أصحاب البدع والأهواء ضوابط نبه عليها أهل العلم- ليس هذا موضع بسطها- وليست أعراض المسلمين كلأً مباحا يسومه من شاء، فيجب أن يحذر الداعية الهوى الدفين وحظوظ النفس، وقد تقنع الخلق وتموه عليهم، وقد تنطلي تلك الحيل عليهم، ولكن هل راقبت من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور؟

ومن صور إلحاق الضرر بالمسلم الوشاية به، والإرجاف، وإطلاق الشائعات الكاذبة، والمساهمة في تعطيل مشروعه الدعوي، وانتقاصه والتهوين من شأن عمله في الدعوة إلى الله عز وجل، بحجة مخالفته لك في الاجتهاد، أو سلوكه طريقا تراها أنت غير مجدية، وقد قال الإمام مالك- رحمه الله- جوابا لمن أنكر عليه قعوده عن الخروج في سبيل الله مجاهدا «أرجو أن يكون كلانا على خير وبر»(12) وقبل ذلك كان في الصحابة حسان بن ثابت للشعر وخالد للجهاد، وزيد بن ثابت لجمع القرآن الكريم، وبلال للأذان، ولم ير أحد منهم أن عمل الآخر عبث أو مضيعة للوقت، وإن كانت الأعمال في نفسها تتفاضل .

2. لا يتخذ المسلم من أذية غيره له ذريعة إلى أن يؤذي هذا الغير إلا من باب قوله تعالى: ) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ([سورة الشورى ،الآية40] وقوله تعالى: ) وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ([سورة النحل، الآية 126] وهذا هو الأصل بالنسبة للفرد المسلم ، لكن بالنسبة لعموم الدعاة وأهل الخير فقد يختلف الأمر فيما إذا كان المعتدي أو المضار قد ثلم عرض مجموع أهل الخير وشوّه سمعتهم بالزور والبهتان والطعن الكاذب، فقد يندب رد عدوانه وإيقافه عند حدّ لا يجاوزه، بل والمطالبة له بالاعتذار، أو تكذيب نفسه لأن المصلحة هنا عامة، والتساهل في هذا الأمر يفضي إلى مزيد من التطاول الذي لا يقف عند حد. وعند الرد لابد من مراعاة الضوابط اللازمة من تخصيص هذا الردع بالفاعل دون أسرته وأهله، وأن يكون الردع على قدر فعله، ثم قبول إنابته والكف عنه حينئذ.

3. التصرفات التي تلحق الضرر بالفرد والمجتمع ممنوعة، ويحكم على هذه التصرفات من خلال الموازنة بين المصالح والمفاسد للعمل الدعوي. وكذلك يجب التركيز على مآلات الأمور وعواقبها دون الاكتفاء بالنظرة الآنية القاصرة.

4. الحاجة إلى إحياء فقه الموازنات، وفقه الأولويات، وهناك كتابات ناضجة، ولله الحمد، من ناحية التأصيل، لكن الناحية التطبيقية في حاجة إلى المزيد.

القاعدة الكلية الخامسة : العادة محكمة : ‏

‏ ودليلها : قول الله عز وجل: )وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوف ِ([البقرة: 228].‏

‎‎ وقوله صلى الله عليه وسلم: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ) متفق عليه.‏

معنى القاعدة:

ومعناها أن العادة تعتبر مرجعاً في الأمور الشرعية المطلقة التي لم تحدد، مثل ضابط نفقة الزوجة والأولاد ونحو ذلك. ولا يعني هذا أنها دليل شرعي مستقل يؤسس الأحكام، بل تدور في فلك النصوص الشرعية المطلقة التي لم تقيد ولم تحدد، وبناءً عليه فإذا خالفت نصاً شرعياً فلا عبرة بها، ولذا قال الناظم :‏

والعرف معمول به إذا ورد... حكم من الشرع الشريف لم يحد

أمثلة للقاعدة:‏

1. ‏نفقة الزوجة واجبة، لكن تحديد مقدارها يرد إلى عرف الناس، فما جرى به العرف في العادة عمل به.‏

2. وكذلك نفقة الأبناء والمماليك والبهائم.‏

3. إذا قال: اشتر لي دابة فهل يعمل بالدلالة اللغوية للدابة أو بالدلالة العرفية ؟ الجواب يعمل بالدلالة العرفية تطبيقاً لهذه القاعدة.‏

4. إذا جرى عرف في البلد في ضابط قبض المبيع، أو شرط عرفي عمل به.‏

القواعد الفرعية المندرجة تحتها:‏

1. ‏ استعمال الناس حجة يجب العمل بها.‏

2. إنما تعتبر العادة إذا اطردت وغلبت.‏

3. العبرة للغالب الشائع لا النادر.‏

4. الحقيقة تترك بدلالة العادة.‏

5. الكتاب كالخطاب.‏

6. الإشارة المعهودة للآخرين كالبيان باللسان.‏

7. المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً.‏

8. التعيين بالعرف كالتعيين بالنص.‏

9. المعروف بين التجار كالمشروط بينهم.

ومن التطبيقات الدعوية لهذه القاعدة (13):

ما يوجد لدى الدعاة من المناشط الدعوية التي تحتاج إلى ترتيب واستئذان وضبط للأمور التي لا يستقيم أي عمل إلا بها ، فلا تنكرهذه الأعراف، وهي معتبرة، طالما أنها لا تخالف نصا شرعيا أو إجماعا، وطالما كانت مشتملة على مصلحة تعود على الدعوة بالخير ، ومما نص عليه الفقهاء «أن المعروف بين التجار كالمشروط بينهم» ( المدخل الفقهي العام 2/1001)

فكذلك الدعاة، فإن ما تعارفوا عليه مما استوفى الشروط السابق ذكرها يعد معتبرا، ومحكما (14).

الهوامش:

1- القواعد الشرعية ودورها في ترشيد العمل الإسلامي

      د/ محمد أبو الفتح البيانونى (كتاب الأمة)

2- انظر المعجم الوسبط  (2/755)

3- انظر التعريفات للجرجانى (ص171)

4- موقع الربانية (فقهيات حديثة)

5- القواعد الفقهية لفهم النصوص الشرعية

ش/ عبد الرحمن بن ناصر السعدي

6- موقع الربانية (فقهيات حديثة)

7- د/ عبد الرحمن بن أحمد الجرعى

جامعة الملك خالد (كلية الشريعة)

8- المرجع السابق

9- المرحع السابق

10- المرجع السابق

11- المرجع السابق

12- جاء في سير أعلام النبلاء « أن عبد الله العمري العابد كتب إلى مالك يحضه على الانفراد والعمل ، فكتب إليه مالك : إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق ، فرب رجل فتح له في الصلاة ولم يفتح له في الصوم ، وآخر فتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصوم ، وآخر فتح له في الجهاد . فنشر العلم من أفضل البر ، وقد رضيت بما فتح لي فيه ، ما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه ، وأرجو أن يكون كلانا على خير وبر» (السير 8/114)

13- المرجع قبل السابق

14-موضوع هذه القاعدة يعد موضوعا غضا يستجيب لحل كثير من المسائل والحوادث الجديدة ، وذلك لأنه يتضمن كثيرا من المسائل التي تتمتع بسعة الشريعة ومرونتها ، ومن تأمل هذه القاعدة علم سعة الفقه الإسلامي وقدرته على إيجاد الحلول للنوازل الحوادث المستجدة ، مما يؤكد أن هذه الشريعة صالحة لكل زمان ومكان (انظر : القواعد الفقهية الكبرى وما تفرع عنها ، د. صالح السدلان ص 326 ، 327).

المصدر:مسلم أون لاين

 
حسام العيسوي إبراهيم
تاريخ النشر:2010-08-05 الساعة 15:45:35
التعليقات:0
مرات القراءة: 7942
مرات الطباعة: 830
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan