الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم إسلامية » الفقه السياسي

الفقه والفكر السياسيان: أوجه الاتصال والانفصال

د. نصر محمد عارف

 

من خلال استقراء الدراسات المعاصرة في الفكر السياسي الإسلامي وقضاياه، تبرز قضية التفرقة بين ما يعد فكرا سياسيا وما يعتبر فقها سياسيا، فعلى الرغم من أن الفقه كان لعلوم الإنسان والاجتماع في الحضارة الإسلامية ما كانته الفلسفة للعلوم الاجتماعية الغربية؛ إذ إنه في إطار الفقه وجدت معظم هذه العلوم بذورها وبواكير وجودها، ثم تطورت وأصبحت فروعا مستقلة تفرد بالتأليف والبحث. فإن الفقه ظل يتناول القضايا المتعلقة بهذه العلوم من زاويته الخاصة وبمنهجيته.

الفقه والفكر.. في الدرس السياسي

والتفرقة بين الفقه والفكر لا تنصرف إلى المفهوم الدلالي لهما؛ إذ إنهما يحملان المعنى ذاته والدلالة ذاتها، فكلاهما إعمال للعقل والذهن في القضايا التي يواجهها الإنسان بصورة تؤدي إلى فهم بعد بذل جهد واستفراغ طاقة، ولكن التفرقة تنصرف إلى أبعاد ثلاثة في كل منهما:

1- المرجعية العلمية والمعرفية:

تتحدد مرجعية الفقيه في مصدرين هما: الوحي والواقع؛ فهو ينطلق من الوحي لتنزيل أحكامه على الواقع المتجدد، أو من الواقع صوب الوحي للبحث عن أحكام تعالج الأمور الحادثة حتى تتحقق العبادة لله وحده، أما الفكر فإن مرجعيته تتعدد حيث يتخذ الوحي بؤرة ينطلق منها ويدور حولها ونبراسا يهتدي به في سيره، والواقع موضوعا يسعى لتوصيفه وتحليله وتفسيره وفهمه وتحديد أسباب نجاحه أو فشله وكيفية التعامل معه. وفي سبيل ذلك يستقرئ الوحي وسنن التاريخ وإنتاج العقول السابقة، سواء أكانت مسلمة أو غير مسلمة؛ وهو ما لا يدخل في مرجعية الفقيه الذي يشرع لعقيدة لا يمكن أن يدخل فيها ما ليس منها.

أما الفكر: فالعقيدة تحدد له مقاصده ومسلماته وضوابط منهجيته؛ لذلك يدخل إنسان الحضارة الإسلامية الذي تفاعل مع النسق المعرفي الإسلامي أمثال ابن مماتي ويعقوب ثابت وابن البطريق وغيرهم من غير المسلمين ضمن مصادر الفكر السياسي الإسلامي، وهو ما لا يمكن أن يتم في الفقه السياسي الإسلامي.

2- المنهجية:

تتعامل منهجية الفقيه مع النص بصورة تفوق تعامله مع الواقع، فهي منهجية لتحليل النص وتفسيره في ظل إدراك الواقع وتحقيق مناطه وتحريره وتخريجه حتى يمكن إنزال الحكم المناسب عليه والعكس بالنسبة للمفكر؛ إذ تزيد نسبة الواقع لديه عن النص، فمنهجيته تنصرف إلى فهم الواقع وتشريحه، وفي الوقت نفسه فهم النص واستكناه مضامينه وسبر مقاصده ومدلولاته. فعلى الرغم من أن الاثنين يتعاملان مع النص والواقع، فإن أسلوب التعامل ومقاصده تختلف من الفقيه إلى المفكر، فإذا كان مقصد الفقيه من تحليل النص وفهم الواقع هو الوصول إلى حكم شرعي لا بد أن يكون صادقًا وصحيحًا ومتسقًا مع الشرع؛ فالمفكر لا يسعى لذلك، وإنما مبتغاه الوصول إلى توصيف دقيق للواقع، وتقديم أفكار لعلاجه لا يدعي أنها صادقة وصحيحة وصالحة، وإنما يحاول أن تكون كذلك؛ لأنه لا يترتب عليها فعل تكليفي.

3- وحدة التحليل الأساسية:

الفقيه يبحث -عادة- ظاهرة فردية بالأساس، ومن ثم يغلب أن يكون الفرد وحدة التحليل لديه، أما المفكر فيبحث ظاهر جماعية بالأساس، ومن ثم يغلب أن يكون المجتمع أو الجماعة وحدة التحليل لديه. وقد فرق أستاذنا الشيخ الدكتور علي جمعة بين الشخصية الطبيعية والشخصية المعنوية في الفقه الإسلامي، وخلص إلى أن معظم الفقه الموروث يخاطب الأشخاص الطبيعيين، أي الأفراد، وليس الشخصيات المعنوية أي المؤسسات والهيئات والجماعات.

ومن خلال النظر في الكتابات المعاصرة المتعلقة بالفكر السياسي الإسلامي: يلاحظ أنها تعاملت مع مصادر الفقه السياسي أكثر من دراستها للفكر السياسي. فقد رجعت إلى أبواب الإمارة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرهما في موسوعات الفقه الصغيرة والكبيرة، وبذلك خرجت بانطباع التكرار وعدم التجدد، وعممت هذه الملاحظة على مجمل الفكر السياسي الإسلامي دون إدراك لطبيعة الفارق بين المصدرين، وطبيعة وخصوصية المصادر الفقهية التي تتعامل بصورة أساسية مع الوحي الخالد الذي يقدم الأطر العامة والمحددات الكلية للظاهرة السياسية، ومن ثم يكون هناك قدر من التكرار؛ لأن المصدر المعرفي واحد.

أما في حالة الفكر: فإن الواقع الذي ترتفع نسبته في المرجعية المعرفية يفرض التغير والتجدد؛ لأنه متجدد متحول دائما، ومن ثم فإن الفقه السياسي يُعد مصدرًا لمن أراد التنظير أو صياغة قضايا تتعلق بحقل النظرية السياسية بصورة تفوق الفكر الذي يُعد مصدرًا لرصد تطور تعامل المسلمين مع الظاهرة السياسية، سواء أدُرس هذا التعامل في حقل الفكر السياسي أو الفلسفة السياسية أو نظم الحكم أو الحكومات المقارنة.

هيمنة الفقه على الفكر

نظرًا لأن الفقيه يعتمد على الوحي كمرجعية أساسية، فإن هذه العلاقة قد أعيد توظيفها بصور متنوعة تختلف باختلاف أوضاع الأمة الإسلامية من حيث النمو أو الانحطاط، ومن حيث الحيوية أو الموات، ففي حالات الحيوية العقلية والنهضة الحضارية كان الفقه خادما للوحي منطلقا منه، ساعيا لتحقيق مقاصده، مستشعرًا النقص الدائم والقصور من الوصول إلى الإحاطة بمدارات الوحي وغاياته، ومن ثم سادت مفاهيم التعدد المذهبي والتنوع الاجتهادي، كذلك ترسخت قيم احترام المخالفين في الرأي، والتزام أدب الحوار معهم، كل ذلك كان نتاجا لمعرفة دور الفقه ومنزلته من الوحي.

أما في عصور الانحطاط الحضاري والضمور العقلي فقد تم الاستغناء بالفقه عن الوحي، بل أصبح الفقه مرجعية في ذاته غير قابلة للنقد أو التمحيص أو الرفض، وأصبح هناك حجاب كثيف بين العقل المسلم والنور المبين المنبثق من الوحي، ذلك الحجاب كان بمثابة أيدلوجيات فقهية متصارعة متنافسة، كل منها يدعي لنفسه امتلاك الحقيقة، واحتكار حق التعبير عنها، وبلغ الأمر ذروته عندما أعتقد الفقيه أنه "يوقع عن رب العالمين"، أي أنه صار يحمل حق التحدث باسم الإله "جل وعلا"، وهنا تحول الفقه إلى آلة نافذة الفعالية في تجميد الدين، والحيلولة دون تجدده لاستيعاب متغيرات الزمان والمكان. وعاد الفقه يبسط سلطانه على مختلف العلوم الاجتماعية والإنسانية ويحول دون استقلالها أو نموها، بل يفرض عليها نوعا من القطع في صيرورتها التاريخية يحول بينها وبين تحقيق نموها الطبيعي الذي كان ينبغي أن يتم لو أن الأمة كانت تنمو وتتجدد.

وينبغي ألا نلقي كامل المسئولية على الفقه، فإن جمود الواقع وانحطاط الأمة وقعودها، وعدم استمرارها في التقدم والتطور كان الدافع الأكثر تأثيرًا في جمود الفقه، وفي قطع تجدد العلوم الاجتماعية والإنسانية في الحضارة الإسلامية؛ وذلك لأن هذه العلوم إنما هي نتاج لواقع تتفاعل معه، وتعالج قضاياه ومستجداته، ومن ثم تتجدد بتجدد الواقع وتنمو بتكاثر الظواهر التي تدرسها، وتزداد قوة وعمقا وتعقيدا بازدياد تعقد الواقع وتشابك ظواهره. أما في حالة جمود الواقع وعدم تغيره فإن هذه العلوم لا تجد ما يجدد أفكارها أو يعمق مناهجها ونظرياتها.

وخلاصة هذه الحالة أنه عادت السطوة للفقه السياسي، وتراجع الفكر السياسي بصورة شديدة -وإن لم تكن حاسمة- حيث ظلت هناك إسهامات فكرية عميقة الأثر، وإن كانت محدودة العدد، لعل آخرها أعمال ابن رضوان المالفي وابن خلدون وابن أبي الأزرق والمقريزي.

التأسيس لفرض الهيمنة الفقهية

كان ظهور مفهوم السياسة الشرعية مرتبطا بأكثر مراحل التاريخ السياسي الإسلامي ضعفا؛ فقد أرجع بعض الباحثين ظهور هذا المفهوم إلى التأثير المغولي في الفكر السياسي الإسلامي من خلال ما عُرف عنهم من وجود دستور ينظم أمورهم يسمونه "اليسق" أو "الياسة"، ومن ثم فإن هذا المنحى من التفكير السياسي هو -في جوهره- محاولة لفرض الهيمنة القانونية على العملية السياسية بصورة تخالف بدايات التفكير السياسي الإسلامي التي عبر عنها ابن عقيل الحنبلي حينما قال مخاطبا محاورا له: «إن كنت تقصد أنه لا سياسة إلا ما نطق به الشرع فهذا غلط وتغليط للصحابة، السياسة هي أي فعل يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يرد فيه نص قرآني». وعلى العكس من هذه الرؤية المنفتحة التي تربط الفعل السياسي بالمصلحة العامة للأمة، جاء مفهوم السياسة الشرعية يجعل الفعل السياسي خاضعا للفقه، بل خاضعا لتفضيلات ولي الأمر الذي يلقي عليها صبغة دينية تجعلها شرعية وتشريعية، وإن كانت حقيقتها تقع خارج دائرة الأحكام الشرعية المنصوص عليها في المصادر الأساسية للإسلام.

أدلة أصول الفقه المختلف فيها والتحليل السياسي

لجأ العديد من الكتاب المنطلقين من منظور فقهي للسياسة إلى توظيف بعض أدلة أصول الفقه في التأصيل السياسي كما فعل الصنعاني (ق 11هـ) في كتابه "الغصون اليانعة المياسة بأدلة أحكام السياسة" حين وظف مدخل سد الذريعة كأحد أدلة أصول الفقه في التحليل السياسي مبررا أفعالا سياسية لا يمكن تبريرها، وقد استمر توظيف هذا المدخل وسيلة صالحة لكل من أراد إغلاق منافذ التطور أو التفكير أو الرقي في الأمة، بل إنه امتد إلى العصر الحديث مرسخا كل قيم الانغلاق ومحاربة التجديد.

وهنا ينبغي أن نؤكد أن معظم مداخل وقضايا أصول الفقه الأخرى كالمصلحة المرسلة وكالمقاصد العليا تعتبر من المداخل التي إن وظفت في التحليل السياسي، سوف تقوده إلى مزيد من النضج والتطور والانفتاح على متغيرات العصر ومستجدات المجتمعات البشرية.

المنظور القرآني للتنظير السياسي

ينقسم الخطاب القرآني إلى مستويات ثلاثة تعالج ثلاث مجموعات من العلوم، فإذا كان المسـتوى الأول -وهو المستوى التفصيلي- يعالج علوم الفقه والشريعة بمعناها الاصطلاحي المتعلق بتنظيم علاقة الإنسان بربه، ثم بتنظيم شئون الأسرة والفرد من الناحية الفقهية، وتنظيم الحدود العامة للمجتمع من الناحية القانونية، خصوصا ما يتعلق بالحدود والتعازير والجنايات والقواعد العامة للسلوك. فإن الخطاب الثاني -أي الخطاب المقاصدي- يعالج كل ما يتعلق بالنظم المجتمعية، سواء كانت سياسية أم اقتصادية أو اجتماعية أو دولية، بعبارة أخرى: فإن هذا الخطاب يعالج كل ما يتعلق بالعلوم الاجتماعية على المستوى الكلي.

أما الخطاب الثالث، فإنه يعالج كل ما يتعلق بالعلوم الطبيعية. وبذلك يكون النظام السياسي ومتعلقاته واقعا في المستوى الثاني من الخطاب القرآني، وهو المستوى القيمي المقاصدي الذي يقتصر على تحديده الأطر العامة والقيم الكلية والمقاصد العليا دون التطرق للتفاصيل أو الجزئيات، حيث يتم عادة تركها لتُملأ طبقا لحاجات العصر وظروفه. وقد يكون من المفيد استعمال مصطلح "منطقة الفراغ" التي يملؤها كل عصر وكل مجتمع طبقًا لظروفه وواقعه، ومن ثم لا يمكن الحديث عن نظام سياسي واضح المعالم والتفاصيل ينسب إلى الإسلام؛ لأن في ذلك مخالفة لمقاصد القرآن الكريم، وعدم فهم لجوهره ومكنون خطابه، إنما يمكن الحديث عن نموذج إسلامي للحكم الصالح، له معالم معينة أوردها القرآن الكريم في صورة قيم مثل العدل أو الشورى أو كرامة الإنسان، أو في صورة مقاصد عليا مثل الحياة الطيبة والمصلحة والاستقرار والاجتماع وحفظ نظام الحياة الإنسانية، وتحقيق العبادة لله؛ وهو ما يعني تحرير الإنسان من كل القيود التي تُعبّده لغير الله. أما المستوى الثالث فهو الخطاب المنهجي المتعلق بالعلوم الطبيعية.

نحو إعادة صياغة العلاقة بين الفقه والفكر السياسيين

مما لا شك فيه أن إصلاح الأمة الإسلامية المعاصرة، وتجديد أمر دينها وما يترتب عليه من تجديد فكرها ومناهجها ونظرياتها، يحتاج إلى إعادة نظر عميقة في علاقة الفقه بالمجالات الفكرية والعلمية الأخرى التي كانت جزءا من الفقه، وهي تلك المجالات التي يطلق عليها في المصطلح المعاصر: العلوم الاجتماعية والإنسانية، بحيث يتم تحرير هذه المجالات البحثية من سطوة العقلية الفقهية وهيمنة منهجها القانوني، وذلك من خلال الاستفادة بكل الأفكار الواردة في الفقه الموروث وتحويلها إلى قيم أو مبادئ أو مقاصد، أو حدود لا ينبغي تجاوزها، ثم بعد ذلك يتم إطلاق آليات التفكير العقلي في هذه الموضوعات.

فالاقتصاد أو السياسة أو الاجتماع أو غيرها، هي مجالات متجددة متنوعة لا يمكن تركها للفقيه أو للمنظور الفقهي. بل يجب أن يتم صياغة نموذج معرفي إسلامي فيها من خلال استقراء التراث الفقهي المتعلق بها وغيره. ثم بعد ذلك يجب أن يتم تأسيس حالة جدلية بين النص والواقع تكون دائما منتجة لصيغ فكرية ومنظورات متجددة متنوعة قادرة على تحقيق غايات الإسلام في تعبيد الخلق للخالق؛ عبادة تحقق لهم الحياة الطيبة في الدنيا، وتوصلهم إلى مرتبة الشهادة على العالمين وتقودهم إلى حياة أبدية منعمة. والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

المصدر: موقع الدكتور سعد بن مطر العتيبي

 
د. نصر محمد عارف
تاريخ النشر:2010-08-05 الساعة 15:46:25
التعليقات:0
مرات القراءة: 2242
مرات الطباعة: 592
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan