الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم إسلامية » دراسات فقهية

رُجحان المقال في مسألة الهلال

عزالدين كزابر

 

(1)

الحدث: إعلان دخول الشهر الهجري

المكان: البيت الحرام

الزمان: ليلة رمضان سنة 1470هـ.

نقول: قد يكثر الكلام وتنتفي الفائدة، فتأتي الأرقام فتنعقد الألسنة!

هكذا يميزون بين عصرٍ أتى بعلم جديد؛ كلامه أرقام، وجمله معادلات، ويقينه؛ إما قاتل أو منقشعٌ به الضباب، وعصرٍ آخر مضى، كان العلم فيه كلاماً، فقالوا: علم الكلام، تكافأت أدلته وارتبكت بصائره. فمن يعش الآن هنا فليكثر من الأرقام، وليفهم منها ما لا تستطيعه الألسنة لو انفردت، وإن استقوت، ومن أصر على الكلام، ولم يُعنَى إلى ما دونه من أرقام ورسوم وأحجام، وواقع وفهم وعلوم، فليرجع هناك ليجد مرتعاً خصباً، لم يعُد يروِي منا عطشى، ولا يُسمِنُ منّا جائعا.

فماذا تقول الأرقام في مسألة الهلال؟

هذا هو كلامها ...

شكل (1)

وهذا هو صداها:

 

شكل (2)

ومن لم ير، فلينظر إلى السنوات المتصلة، والسيرة الواحدة: ... في كل عام فرحتان، تُذهبهما حسرتان! ... فأي حُجَّة لنا؟ ... وأي رمضان وفطرٍ ننتظر هذا العام، ... وعلى كم من الأيام ستفترق أمة خير الأنام؟!

وإن سأل سائل وقال: وأي إشكال في ذلك؟!

فتلكم طامة كبرى، لأنه عندئذ لم يفهم الأرقام، ولم يطن في أذنه صداها!

وإن كان من المسئولين الذين بيدهم قرار دخول الشهر، فتلكم طامَّتين؛ الثانية منهما أنه من أصحاب القرارات، التي بسبب أمثالها ارتبكت حياتنا، وتفرقت جماعتنا، وغلبنا الأقزام، وركبنا الصَّغار، وتطاولت علينا الأمم، ... وعلينا عندئذ أن نخبره أن هذا مستحيل الحدوث، .. نعم، مستحيل أن يمر من الوقت بين أول وآخر من يبدأ الشهر على الأرض إلا 24 ساعة، لأن الشهر لا يقل عن 29 يوماً ولا يزيد عن ثلاثين، فبينهما يوم وليلة، لا تزيد، وما دام الأمر كذلك، فلا يمكن أن يتوزع الشهر بين أي من بقاع العالم على أكثر من يومين شمسيين كما هو مبين في الشكل، فمن أين جاء اليوم الثالث؟!

أما اليوم الرابع فاضحك منه إن شئت! وابك إن شئت!

شكل (3): لا يمكن أن يتوزع يوم الصيام على أكثر من يومين شمسيين وعلى النحو المُبيَّن

هكذا آلت الحسرة في نفس مسلم مسكين، يُدعى أبو يوسف الدمشقي الأمين، يتشوق إلى اليوم الذي يجتمع فيه المسلمون، على قلبٍ واحد من المؤمنين، يجمع بين حكمة وبصيرة في الدين، وعلمٍ واضح مبين، فأين يجده والحال أصبح مُخزٍ وفاضحً مستبين؟!

اعتزل أبو يوسف الناس، وخرج لله معتمرا متخشّعا، وبعد أن طاف البيت وسعى، وصلى لله وقام ودعا ربه سائلا متضرعا أن يكشف الجهل ويهب من لدنه علماً نافعا، أخذته سِنة أو غفوة فراح نائما، فسمع الأذان كأن لم يسمعه من قبل، فانتفض فاتحاً عينه ظناً أنه متيقظا، فرأى ويا هول ما رأى، كأنه في بيت معمور، طوابق وأنوار وقباب ولؤلؤ منثور، وأمواج من البشر تطوف على معارج كأنها النور، طيور هي أم معلقات الجسور، ولؤلؤة هناك مكعبة، كأنها ياقوتة من فردوس الجِنَان، أو دُرّة يهفو إليها الفؤاد بملء الجَنَانْ، ... فسأل من حوله، أين نحن؟ ... قال له قائل: في البيت الحرام يا مسكين، فقال أهو هو؟ قال نعم، ألست من المسلمين، قال بلى، ولكن .... فافترقا، .. وانطوت صورته مع فيوض الطائفين.

وإذا بنداء رخيم، وقفت على إثره أسرابٌ محلقاتٌ من طيور الطائفين، وسكنت جوارحُ، وأنصت من كان من الهامسين، ونادى الصوت أن الليلة المقبلة ليلة رمضان الأولى للعالمين، فعلا التكبير والتهليل والفرحة الغامرة، وأشرقت الوجوه وغمرها نورٌ وبهجةٌ باهرة، واستكمل الصوت: أن قد رأى المسلمون الهلال قبل دقائق في جزيرة نائية، من بلاد الفلبين، وأن من علم فليخبر من كان من الغائبين.

فارتعد أبو يوسف من فجأة الواقعة، وراح يجري هنا وهناك يسأل عن عالم يسأله، ويفهم منه ويستعلمه، فدله الناس على قبة الفتوى ومنابر العلماء الراسخة، وأرشدوه إلى عالمٍ قالوا إنه بأمر الهلال عليماً مُفحِما. فجرى إلى حيث هو، وأقبل متوجسا، وفرائصه ترتعد رهبة، من نشوة الواقعة، وبين يديه قلبُه واجفاً متلهفا، فأدناه منه وهدّأ روعته ولطف فجأته، وعلم أنه قد أتى من زمانٍ آخرٍ، غير الذي ظن أنه فيه متيقظا، فلما أن أراد إجابته، على سيلٍ من غوامض المسائل، أذَّن لله المؤذنُ، فتوضئا وصلَّيا، ثم جلسا للحديث والعلم يتفقها.

يسأل أبو يوسف: متى نحن؟

ويجيب العالِم: نحن في العام 1470 من هجرة الحبيب المصطفى، صلى عليه الله وسلَّم.

أبو يوسف:أهذا الذي سمعته كان خبر دخول رمضان؟

العالِم: نعم إنه هو.

أبو يوسف وكيف يدخل الشهر هنا في جزيرة العرب على رؤية أهل الفلبين؟

العالِم: (مستغربا) وهل أفهم أن هذا عندك مُنكرا.

أبو يوسف: نعم، ألا تستطلعون الهلال فتروه كما رآه الناس هناك؟

العالِم: بالتأكيد أننا نستطلعه، حيثما ووقتما يأتي الأمر بطلب استطلاعه، فإن لم يُرى قبل أن نراه فاستطلاعنا واجب، ورؤيتنا له رؤية لنا ولغيرنا، وإن رآه غيرنا قبلنا فرؤيته رؤية له ولنا ولغيرنا، وإن استطلعناه بعده، فهو للاستئناس، ولا حرج في عدم الاستطلاع عندئذ لأن الشهر يثبت برؤية واحدة، هنا أو هناك ما دامت الأرض واحدة، ولم يحدث أنها كانت اثنتين، يُهِلُّ القمر على إحداهما قبل الثانية!

أبو يوسف وكيف يدخل الشهر هنا ونحن في نهار وأهل الفلبين قد عمهم الليل قبل ساعتين أو يزيد؟

العالِم: إذا رُئي الهلال في أي موقع على الأرض، فقد تمت الرؤية وعندها يجب الصوم والفطر، على كل من وصله الخبر.

أبو يوسف: كيف ذلك؟ أما من علاقة بين الرائي ومن عنه يأخذ الرؤية وتشمله؟

العالِم: العبرة بعد صحة الرؤية ليس بموقعها، وإنما بزمنها الذي ثبت عنده أنها رؤية هلال القمر حقيقةً. إن الهلالَ ميقاتٌ كما قال ربنا.

أبو يوسف: وماذا عن اختلاف المطالع، ألا تختلف جزر الفلبين عن مطلع جزيرة العرب؟

العالِم: إذا كنت تقصد تلك المسألة القديمة "اختلاف المطالع واتحادها" التي نجدها في كتاب التاريخ، فلم يعد ينظر الباحثون إليها إلاً من باب "التاريخ وعبرته"، فالحقيقة أن الذين قالوا باختلاف المطالع كانوا مخطئين، وكذلك الذين قالوا أن المطلع واحد بين المشرقين للناس أجمعين، فالمسألة فيها تفصيل، ومن وقف عليه وحرره، أدرك الحق وارتوى بنور اليقين.

أبو يوسف: وما تفصيله، أرني إياه واروِني فقد جف حلقي من سنين.

العالِم: بدايةً: هاتان مسألتان وليست واحدة:

أولاهما: (وكما جاء في تاريخ المسألة) أن يطلع الهلال على قوم دون قوم، ومن ثم تتعدد المطالع، ويكون لكلٍّ مطلعه، فإن ثبتت الرؤية بمطلع أحدهما فقد ثبت دخول الشهر عنده، ولا عليه من غيره رأى أو لم يرى، أن يعلمه، في أول الشهر أو وسطه أو آخره، وهؤلاء عمدتهم حديث كُريبٍ الذي في صحيح مسلم، رضي الله عن صحب الحبيب ومن على سنته قد مضى.

وثاني المسألتين: خبر رؤية الهلال ونشره، وأنه عائق دون العلم بالهلال ورؤيته، وحيث لا علم فلا شهر. فماذا يكون حال من لا يعلم إلا أن يتراءى الهلال كغيره.

فإن درست مسألة الخبر ونشره، وجدت أن سرعته لا تزيد على مسافة القصر، لمن لا يُقصِّر في بثه، وهي مسيرة ليلة الرؤية ويومها. فمن وصله خبر الرؤية ممن رأوه، فلا بد أنه على أقصى هذا المسافة أو دونها.

فإن تناسيت المسألة الأولى لبرهة، وواصلت في مسألة الخبر، وكان أسرع في انتشاره، مما سبق، فحد العلم بالشهر هو حد المسافة التي يصل إليها من الخبر أسرعه، فإن كان الخبرُ وسرعته كلمح البصر أو دونه، فالعلم بالشهر على الأرض في لحظة لا بد أنه غامرُ.

ومن هنا لم يعد للقصر مسافةٌ، وصوم الشهر على الأرض أصبح مُلزما.

فإن درست حديث كُرَيْب وأمعنت فيه النظر، رأيت أن كريباً قد جاء بالخبر من الشام بعد انقضاءٍ من الشهر أكثره، بأن الهلال بالشهر قد تعجل على أهل الشام وما تخلف. فأبى ابن عباس في المدينة، وقال لسانُه وحالُه: هكذا أمرنا رسول الله، عليه من الله صلاةٌ وسلًّم، أن نرى الهلال ولا نعتبر حالةٍ كهذه.

ومن نظر، فلا بد أن يرى صواب ابن عباس وعقله، وكيف أنه لو أخذ برؤية متقدمة، بعد ليالٍ وأيامٍ متعددة، لارتبك الناس وما أكملوا شهرهم- الذي شهدوه - إذا الهلال عليهم تعجلَ، ثم يقضوا يوما لاحقا بعد انقضاء الصوم عنتاً وتحرجا، ولِمَ يحرج الناسَ وقد جاءهم من الله رخصة وتيسُّرا. ولو أنه قد وصله الخبر في آنه، مع أهل الشام – كحالنا - أو من رأى، فلا بد أنه كان مع الصائمين إمامهم، فالمسألة الأولى للثانية تابعة، ولو ما كان بالخبر تباطؤٌ، لما كان لحديث كريب وقوعٌ ولا تواتُرُ.

أبو يوسف: إذاً أنتم تأخذون بوحدة المطالع!

العالِم: الآن أفصّل لك في المطالع أمرها، بأن تعددها خيالٌ واسع، والداعي إليه في الوهم ناظرُ، وليس له من الناس أحدٌ عاملُ، على الحقيقة ولا به أمرٌ واقع. أرأيت من يدعي أنه به يأخذ، في دخول الشهر وإن زعم، هل لها عنده حدُّ فاصلُ، وأي سببٍ في الفقه بلا ضابط، فالقول به لغو ٌمحقَّق.

تعلن دولةٌ أنها به آخذة، فتجدها على الخريطة آلاف من الأميال المتطاولة، والرؤية عندها واحدة! وعلى حدها واحة صغيرة لها من غير الأولى حاكمُ، إن أعلنت الصغرى أنها للهلال رائية أنكرته الأولى وقال قضاتها إنهم لاختلاف المطالع تُبَّعُ، فتُعرِض وتتجاهل وتسعى للإثم بحكمةٍ، وكأن دينَ الله لعبةُ. أرأيت إن قسّمتها أقدار من الله نازلة، وحل بكبرائها فخرٌ وتعجّبُ، ومَلَكَ كلٌّ منهم ضيعةُ أو بادية، أكنت تشك في الخصومة بينهم، في أمر الهلال من تشتت وتبعثرُ، وكلٌ عندها يدعي، أنه لاختلاف المطالعِ تابعُ.

فالحق أن اختلاف المطالع لا حق فيه، وإن فاض به التراثُ وكتب عامرة، عليها عفرة من الزمان ومزاعم من المعاني بلا مسانيد باهرة، فلسنا من الذين ذمهم الله – آمين - باتباعٍ على غير بصيرة في الدين. إن الهلال ميلاده رؤيته، وإن بحثت في أمر المطالع، وكان لك بالسماء وأجرامها من العلم شافعُ، وملأت الأرض عيوناً مبصرة فستعلم أنها كما بالصورة شاهدة، حدُّ بين الناس فاصلٌ يرى من في غربه الهلالَ متهللا، ومن كان في شرقه لن يراه إلا في ليلة مقبلة، وغير ذلك لن ترى للمطالع تقلبُ، إلا زعمٌ ووهمٌ ولغوٌ باطلُ.

شكل (4): الحد الأحمر لا يعلمه أحدٌ من الناس ولا يستطيع التنبؤ بموقعه، وليس ضرورة أن يكون حداً مستقيماً يمكن تقديره، إذ أنه يتعين – ليس فقط – بموضع القمر من الأرض والشمس، بل كذلك بقابلية الغلاف الجوي لنفاذ الضوء الخافت من حافة القمر للوصول للأرض لتراه عيون المستطلعين له، وهذا ما يجعل هذا الخط في حقيقته غير حاد ولا منتظم

أبو يوسف: ولكن، هؤلاء الذين على الشرق من حد هذا المطلع، كيف يجب عليهم الدخول في الشهر برؤية أولئك الذي على الغرب منه؟

العالِم: أرأيت إن كان هذا الحد، في اللحظة التي يُظن فيها أن الهلال قد يرى، يمر بمدينة تونس، واستطلعه الناس ولم يروه تباعا في تونس والجزائر ثم رآه الناس في مدينة الرباط في المغرب، أكان أهل تونس والجزائر متبعون هذه الرؤية التي حدثت في المغرب أم لا، إن قلت لا، فأنت تقولها لأنهم دولاً منفصلة سياسياً وقضائياً، لا لأن موضع الرؤية قد تباعد عن الدولة الشرقية إلى الغرب منها. والدليل على ذلك أن أهل الجزيرة العربية الذين على الشرق منها ويُطلوُّن على الخليج يتبعون الرؤية التي تقع على الغرب على ساحل البحر الأحمر، ومعلوم أن اتساع الجزيرة العربية حوالي 1300 كيلو متر أو قريب من ذلك، فما الفرق بين هذا الحال وبين حال أهل الشمال الأفريقي إلا الوضع السياسي، وهذا أمرٌ لا عبرة به في الأقضية الأرضية، أي: التي لا تتعلق بالمواضعة السياسية.

أبو يوسف: "الأقضية الأرضية" اصطلاحاً لا أعرفه، أهو اصطلاح جديد؟

العالِم: نعم، إنه اصطلاح أدخلناه في العام 1450هـ لنحرر به المسائل الفقهية التي كان الخلاف فيها مرده إلى الخلافات السياسية واللغوية والقومية والتعليمية الثقافية وهي مسائل فقهية عديدة قيدتها الأوضاع السياسية وحررناها منها، ومنها مسألة الهلال ودخول الشهر الهجري.

أبو يوسف: وماذا لو كانت البلد الكبيرة كبراً يجعلها تمتد ليخرج شطر منها إلى النهار في الوقت الذي يُرى الهلال على جانبها الغربي، كيف عالجتم هذا الوضع؟

العالِم: هذا وضع غاية في الأهمية، وفي الحقيقة هو الأساس، وأي وضع آخر تابع له وعليه يعتمد. فالناس جميعاً في الحقيقة أصبحوا من أمة محمد، آمنوا به أو لم يؤمنوا، أليس محمد صلى الله عليه وسلم، مُرسل لهم جميعاً، وعلى ذلك فالأرض أمة واحدة، غير أن لهم حكاماً وأنظمة سياسية عديدة، وهذا لا دخل له بأنهم أمة واحدة، وحكمهم حكم الدولة الواحدة فيما سميناه الأقضية الأرضية، وهذا السؤال الذي سألته يتجلى أكثر ما يتجلى في حالة الدولة الروسية، إذ أنها من الاتساع ما يجعل فيها دائماً أبداً الليل والنهار في آن واحد، انظر إلى الصورة الآتية، وهي صورة حقيقة منمذجة لواقع حقيقي، وحقيقة واقعة.

 

شكل (5): لقطة حية منمذجة لتوزيع الليل والنهار على الأرض باستخدام برنامج EarthDesk

انظر إليها جيداً، تجد أن بعض المدن الغربية من روسيا تقع في نهار وبعضها في ليل، بينما المدن الشرقية تقع في نهار اليوم التالي، ولو كان هذا أول الشهر لكان بالإمكان رؤية الهلال في هذه المدن التي غربت عنها الشمس لتوها، وفي نفس اللحظات تجد المدن الشرقية منها قد دخلت في النهار، ويصبح السؤال، ما حكم رؤية الهلال ودخول الشهر في مثل هذه الدولة الواحدة؟!

الإجابة: أن حكم رؤية الهلال يشمل كل الأراضي الروسية التي عمها الليل، أما التي دخل الفجر عليها قُبيل وصول خبر الرؤية فيومهم (نهارهم) الذي هم فيه هو آخر يوم للشهر، ولا شيء عليهم، وتكون أول ليلة للشهر عليهم هي التالية، وهذا هو الحكم العام، أي الذي عممناه وأسقطنا به عبادة الحدود السياسية، وإسقاط حجة الذين جعلوا الولاء للدولة أشد من ولائهم لله تعالى.

أبو يوسف: ما زالت هذه المسألة مربكة بعض الشيء، وهناك دقيقة تدعو للقلق والارتياب، لا أدري إن استطعتم أن تجلُّوها لنا، وهي أن لحظة الإخبار بالرؤية، وباعتبار أنها لحظة فريدة على مستوى الأرض، وحسب كلامكم أن موقعها أصبح بلا أهمية، وأن عندها سيتميز الناس بين من كان في ليل فيعقد نية دخول الشهرـ ومن كان في نهار فينتظر ليلته المقبلة لتكون أول ليلة، ألا ترى معي أن هذا الخط الفاصل بين الليل والنهار – والذي هو خط مطلع الفجر- قد يقسم، بل حتماً سيقسم الناس في البلد الواحد - الذي سيتصادف وقوعه به لحظة الإعلان – وفي غير بلد الرؤية - إلى صائم ومفطر، وقد يكون بين الصائم والمفطر بضع أميال قليلة، ألا يُشَكِّك ذلك في صحة طريقتكم؟!

العالِم: ندرك تماماً تحفظكم، وناقشه وأحاط أهل العلم به من قبل أن يُعتمد هذا النظام لتعميم دخول الشهر الهجري المقرون بعبادةٍ ما على الأرض. وقد تحفظ عليه قبلكم أقوامٌ قبل سنين خلت في بداية اعتماد النظام هنا أو هناك، غير أنهم لما تعودوا عليه لم يعودوا يشعرون بذلك الحرج الذي كانوا يستشعرونه من قبل، وإذا راجعت حوارنا لتذكرت أني قد صرحت لك بمبدأ إسقاط المؤثرات السلبية على العبادات من تقسيم سياسي أو قومي على الأرض، أو عُرف مدني في تعريف اليوم الشمسي، ومثلما أن الصلاة لا عبرة لها بالانتماء السياسي والقومي، في داخل هذه الدولة أو تلك، فكذلك الصيام. ولو تصورنا أن الدولة السياسية الواحدة لسبب ما كانت في زمان مضى تقيم صلاة الجمعة في لحظة واحدة في مدينة كبيرة فيها، ويؤم الناس ويخطب فيهم حاكمهم على التخصيص، وكانوا يوحدون فيها خطبة الجمعة وتُبث إلى باقي جوامع الدولة، لو تصورنا أن هذا كان يحدث، ثم انتبه العلماء لهذا الخطأ الجسيم في عبادة واجبة وأنها يجب أن تحل حسب ميقاتها في كل مدينة وقرية دون وحدة الموعد على مستوى الدولة، لو تصورنا هذا لوجدنا أنهم كانوا سيتحفظون من مثل ما تتحفظ منه أنت الآن، وكانوا سيقولون كيف نصلي الجمعة في أوقات متفاوتة؟! ... وكما أن تحفظهم لا عبرة له، فكذلك تحفظك. إنها عبادات مؤقتة بالوقت الذي قيّدها به الشرع، وليست عبادات سياسية ولا قومية ولا مدنية! إذا دخل وقت العبادة فكل الاعتبارات ساقطة ولا قيمة لها، وشعيرة الله لا تفرق بين دولة ودولة، ولا تحابي أقواماً لأنهم ضمن حدود هذه الدولة وتدع آخرين لأنهم خارجها، فالأرض جميعاً لله، وإن كان لك أن تختار، فما أراك إلا أنك ترحب – بتحفظك الذي ذكرت - باختيار وحدة الصيام داخل حدود دولة سياسية على وحدة الصيام ضمن الأمة الإسلامية على الأرض. فإذا قدَّمت الأمة على الدولة السياسية والعصبية والقومية حسب مقتضى الدين والشرع، فمعلوم أن الأرض لا بد أن يبدأ بها اليوم وينتهي، ولا بد أن يبدأ من حدٍّ فاصل يفصل بين الناس، فيكون أقربهم له غرباً أول من يبدؤون شهر العبادة، وأقربهم له شرقاً آخر من يبدؤونه، حتى ولو كانوا داخل الدولة الواحدة. فإن كان هذا الحد هو صلاة الفجر، بحكم أنه آخر لحظات انعقاد النية وبداية الصيام في اللحظة الفريدة لأول رؤية للهلال، فأي حرج فيه، وما أن يمارسه الناس حتى يجدون أنه طبيعي بعد أن يتعودوه، بل هو وحده المستساغ، وغيره هو المردود، وعندها سيستغرب الناس مما كانوا فيه، وكيف أنهم كانوا على ما كانوا عليه! ويستغفرون الله، ويحمدونه على ما أنعم عليهم بنعمة الفهم والعمل الذي يرضيه تعالى.

أبو يوسف: قلت لتوِّك: [العرف المدني في تعريف اليوم الشمسي]، وقلت: [أن الحد الفاصل بين يوم يبدأ ويوم ينتهي هو خط الفجر]، كيف ذلك، ونحن نعلم أن اليوم يبدأ من أقصى الشرق وينتهي إلى أقصى الغرب؟

العالِم: نعم قلت ذلك، وأعلم أن هذه المسألة ستربكك أيضاً، ولكنك إذا علمت التفصيل سيهدأ قلبك. ... وأسألك: هل تعلم الفرق بين المنفصل والمتصل؟

أبو يوسف: نعم، المنفصل: هو الذي يأتي على صورة متقطعة، واحدٌ وراء الآخر، مثل الناس إذا دخلوا من باب؛ واحدٌ وراء الآخر، أما المتصل: فهو ما لا تتميز أبعاضه، مثل الماء إذا صببناه واتصل صبه.

العالِم: حسناً، هل الزمن الذي نعد مروره على الأرض بالأيام ولياليها، منفصل أم متصل؟

أبو يوسف: الزمن في نفسه متصل، وقد فصَّل الله تعالى بعضه عن بعض بالأيام والليالي كأبعاض متمايزة، فأصبح منفصل، وإلا لما استطعنا أن نعدّه.

العالِم: صحيح كلامك، ولكن هذا في حق الأيام والليالي التي تميزها الشمس، أي الشمسية، ولكن اليوم الذي يبدأ به الشهر برؤية الهلال مع غروب شمس، لا ينطبق ضرورة على بداية اليوم الشمسي، بل إنه لا ينطبق عليه تمام الانطباق إلا نادراً.

وبعنى آخر: أن الزمن في ذاته متصل، وهناك طريقتان يتحول بها إلى منفصل، تبدأ بها أبعاضه التي نسميها أيام. والمتعارف عليه بين الناس هو اليوم الذي يطلع فجره من أقصى الشرق، والأخفى من الأيام هو اليوم الذي يبدأ ليله مع غروب الشمس حيثما يكون الغروب لحظة ظهور الهلال. ولأن الناس لا يميزون هذا المعنى اللطيف، إلا أنه موجود ويسمى بالغروبي، ولا يعلم الناس اليوم أن اسم اليوم يمكن أن يؤول لغير اليوم الشمسي، فإنهم لا يستسيغون أن يبدأ الشهر بيوم لا يطابق اليوم الشمسي. وهذا اليوم الشمسي هو ما سميته لك باليوم المدني، وحدُّه الزماني الأصلي هي لحظة طلوع الشمس على أقصى شرق المعمورة، غير أن أصحاب المواقيت قد تعارفوا فيما بعد على أن حدّه هو منتصف الليل بدلاً من شروق الشمس، وحده المكاني هو أقصى شرق المعمورة، على الشرق من نيوزيلاندا، أما اليوم الهجري القمري – الذي أفاجئك به اليوم - فحده الزمني الليلي هو خط صلاة المغرب، وحده النهاري هو خط صلاة الفجر، أما حدَّاهُ المكانيان، فحيثما يقع هذان الخطان على الأرض لحظة الإعلان عن ظهور هلال الشهر الجديد ورؤيته حيثما يكون على سطح الأرض بالعين الباصرة. وكان المفترض أن تكون اللحظة الأولى هي لحظة رؤية الهلال وليس لحظة الإعلان عن رؤيته. لكن لوجوب التحقق منها فالإعلان يتأخر الآن بضع دقائق، بعد أن كان تأخره يصل إلى ساعات قبل ثلاثين عاماً – أي عام 1440هـ (والحمد لله أن تَمكنَّا من تطوير معايير رؤية الهلال وضبط شهادات الرؤية العينية بالبرمجيات التي استحدثناها حتى وصلنا إلى مثل هذه الدقة). وقد اخترنا "لحظة الإعلان" لحظة بداية الشهر لرفع الحرج عن الناس، لأنهم مؤاخذون بما يعلمون عندما يعلمون، حيث أن التأخر 4 دقائق فقط يتسبب عنه انزياح خط الفجر حوالي 110 كيلومتر إلى الغرب، وهو ما يكفي لخروج مدن بأكملها من الليل، ودخولها في النهار، ومن ثم، من فرضية الصيام عليهم، لذا وجب التعجيل ما أمكن ببث خبر الرؤية الصحيحة المنضبطة.

وفيما يخص تعريف اليوم القمري، والتمييز بينه وبين اليوم الشمسي، فسأرسم الآن لك صورة أُفرّق لك فيها بين الطريقتين في فصل الزمن إلى أيام: الطريقة المدنية الرتيبة المعتمدة على الشمس في عد الأيام، والطريقة الشرعية التي تبدأ أيامها ولياليها حيثما يكون خطي الفجر والمغرب، لحظة ظهور الهلال (أقصد: الإعلان عن ظهوره) للرؤية البصرية.

شكل (6): انسياب الزمن لأربعة أيام متصلة، والتمييز بين اليوم الشمسي واليوم القمري وحدودها على الأرض لحظة الرؤية الأولى للهلال

آمل أن أكون في هذا الرسم قد بينت لك بوضوح معنى اليوم القمري وآلية تعيينه، والفرق بينه وبين اليوم الشمسي.

أبو يوسف: نعم، الفرق واضح، غير أني مرتبك لما يلزم عن هذا اليوم، وأقصد يوم الأضحى مثلاً، ومن ثم يوم عرفة، أيعتمد فيه الرؤية أيضاً في أي مكان على الأرض، أم في مكة على التعيين بحكم أنها موطن الحج؟ وإذا كانت رؤية الهلال في مكة، فلا بد أن تختلف البداية فيها عن شهر ذي الحجة إذا تم تعيينه حسب النظام الذي شرحته لي، لأنه لا يتعين له مكان مخصص لرؤية الهلال! وماذا أيضاً عن يوم عاشوراء وصيام الناس فيه، هل هو يوم شمسي أم يوم قمري، آمل التوضيح.

العالِم: الجدير بالملاحظة هنا أن الأيام المرتبطة بعبادات أو نسك كلها قمرية، ولم يكن الأمر ملزماً في الماضي البعيد لأن الناس كانت عوالمهم منعزلة والأخبار لا يصل مداها لأبعد من مسافة القصر، والتي هي مسيرة يوم وليلة، وربما كان هذا هو السبب الحقيقي الذي جعلهم يربطون بين اختلاف المطالع ومسافة القصر، كما شرحنا ذلك أعلى. أما وقد أصبحت الأرض جميعاً داخل مسافة القصر الحالية، إن جاز لنا هذا القول، فأحكام تعريف هذه الأيام الشرعية قد تطلبت اجتهاداً جديداً يلائم دخول المسافات البعيدة والأخبار اللحظية والأرض جميعاً في أحكام أرضية واحدة، أي "الأقضية الأرضية"، وعلى ذلك فالأيام التي هي: يوم الصوم، ويوم الفطر، ويوم الأضحى، ويوم عرفة، ويوم عاشوراء، كلها يشملها هذا التعريف الجديد، أي: اليوم الذي حدَّه خط الفجر المبين في الشكل السابق.

ولمزيد من التوضيح، وهذا الأمر جد خطير، نخصص يوم عرفة لأنه يوم الحج الأكبر، بتفصيل يجلّي الأمر:

يوم عرفة هو التاسع من ذي الحجة، فهو تابع لأول يوم يظهر هلاله في شهر ذي الحجة. ولأن هذا اليوم يوم قمري، فهو يبدأ مع خط الفجر – كما شرحنا سابقاً، فمثله مثل أي شهر هجري آخر – ولكن أي خط فجر؟ - إنه خط الفجر الذي يطابق لحظة الإعلان عن ظهور شهر ذي الحجة للرؤية العينية، فإن كانت مكة المكرمة في ليل فقد دخلت في الشهر وبدأ عليها شهر ذي الحجة، وإن كانت في نهار، فالليل التالي عليها هو ليلة اليوم الأول، والنهار التالي هو أول يوم في شهر ذي الحجة عليها، وتاسع يوم عليها بتتالي العدد هو يوم وقفة الحجيج، أما خلاف مكة، فمن كان على الشرق من خط الفجر الذي تعين به بداية هذا الشهر – أي كان في النهار لحظة الإعلان - فهو متأخر عن مكة يوم شمسي بحكم أنها في ليل، ولكي يطابقها في اليوم القمري فعليه أن ينتظر النهار الأول على مكة حتى يدور على الأرض إلى أن يصل إليه، وسيصل بالطبع في اليوم الشمسي التالي. ومثال ذلك من كان في استراليا أو اندونيسيا أو اليابان، وكانت لحظة الإعلان عن شهر ذي الحجة تطابق عنده السابعة صباحاً مثلاً، فلا بد أنه بدأ في نهار وقد سبقه إلى الغرب منه منطقة ليلية تعم الهند وحتى شرق الأمريكيتين، ومعنى ذلك أن مكة في هذه اللحظة في وسط الليل، والنتيجة أن أهل استراليا في هذه الحالة لن يكونوا في نفس اليوم الشمسي مع مكة، بل في اليوم الشمسي التالي، وإن أرادوا صيام يوم عرفة فيومهم الشمسي يلي يوم مكة الشمسي، لكن يومهم القمري هو نفس يوم مكة، ولن يختلف أول الصائمين عن آخر الصائمين – من غير الحجاج بالطبع - أكثر من 24 ساعة بالطبع، لأن النهار سيمسح سطح الكرة الأرضية اعتباراً من موقع خط الفجر الأول إلى أن يدور ليطابق نفس الخط، ومن ثم فأهل استراليا سيكونون من أواخر الصائمين بدلاً من أن يكونوا من أوائل الصائمين، ولو انتبهنا إلى دوران النهار على الأرض على الاتصال لازداد الأمر وضوحاً.

ولا بد أن تلاحظ أن شهر ذي الحجة ينطبق عليه نظام الأشهر الهجرية بلا أي تخصيص ولا تمييز لمناطق الحج، لا في تخصيص بالرؤية ولا بالإعلان، فالقاعدة واحدة وهي أن من كان في ليل لحظة الإعلان عن رؤية الهلال فليلته هي الليلة الأولى، والنهار التالي هو اليوم الأول، ومن كان في نهار، فلا يعتبره شيئاً، والليلة التي يستقبلها هي الأولى من الشهر، وما يليها من نهار هو اليوم الأول، وينطبق هذا النظام على مكة والمدينة كما ينطبق على غيرهما بلا استثناء.

وما يقال على يوم الصوم ويوم عرفة يقال على يوم الفطر ويوم الأضحى ويوم عاشوراء وما شئت من أيام هجرية. ولكي تتجلي لك الصورة أنظر الشكل الآتي

شكل (7): اليوم القمري هو المنطقة الزمنية المظللة، ويتغير وضعه على الأرض من شهر قمري إلى الذي يليه، ويتوزع كما هو واضح على يومين شمسيين اثنين لا ثلاث لهما، ويكون الناس داخل هذا اليوم بين شرقيه وغربيه على التتابع الزمني، فلا غرابة أن الأمريكيتين في هذا اليوم المبين بالشكل ستكون على الشرق من قارة آسيا، ومن ثم تسبقها باستقبال الشهر الهجري بيوم شمسي، غير أنها ستكون معها في نفس اليوم القمري.

أبو يوسف: هل تقصد أن العلاقة بين اليوم القمري واليوم الشمسي تشبه العلاقة – مثلاً – بين العام الدراسي والعام الشمسي، وذلك بأن نقول مثلاً العام الدراسي (2010م – 2011م)، فيفهم الناس أن العام الدراسي بدأ خلال العام 2010م وانتهي خلال العام 2011م.

العالِم: بالضبط، الآن اطمأننت أنك قد استوعبت الفكرة، ويمكنك أن تعطي مثالاً آخر، وهو العام المالي، فكثير من الدول يكون العام المالي فيها موزعاً على عامين شمسيين، ولماذا نذهب بعيداً، إن العام الهجري أيضاً يتوزع على عامين شمسيين، ... والأمثلة عديدة، غير أن الفكرة هي هي.

أبو يوسف: وماذا عن الحساب الفلكي، لم أسمعك تذكره في مسألة دخول الشهر والإعلان عنه، هل استبعدتموه واعتمدتم على الرؤية فقط اتباعاً لأمر رسول الله؟

العالِم: (مبتسماً) لا لم نستبعده، ولم ينهى رسول الله صلى عليه الله وسلم عن الحساب، إلا عن أن يستبدله الناس بالرؤية العينية للهلال، والفاعل لذلك؛ الذي يدعي أنه يعرف بالحساب موعد الرؤية الأولى، أو أن يخصص للشهر بداية ما أنزل الله بها من سلطان، لا بد أنه مقترف إثماً، ويلزمه التوبة. ولم يكن الحساب الفلكي بمعناه العام على خصومة مع الرؤية فنقبل أحدهما ونستبعد الآخر، ثم لماذا نستبعده؟! إن فائدته جليلة، وبدونه لا نستطيع أن نخصص مواضع استطلاع الهلال على الأرض على النحو الذي يتيسر معه أمر الرؤية. إن الحساب الفلكي اليوم بمعناه العام يقوم مقام خبرة أهل البادية بالسماء وأجرامها، غير أن مادته العلمية أصبحت منهجية رقمية من متخصصين دارسين، وأدواته مناظير وحواسيب بدلاً من قراءة السماء، ومعرفة الاتجاهات بالنجوم، وخبرة الأسفار الليلية لدى العرب الأقدمين، إننا نستخدم نظاماً حسابياً فلكياً تطور على مدار عقود من السنين، حتى وصل إلى مستوى رائع من تيسير أمر الرؤية للرائين. إن هذا النظام الآن (1470هـ) منتشر الفروع في أكثر عواصم البلاد، وله مراكز وإدارات، تستقبل بيانات الترائي عبر فروعها ومواقعها على الشبكة الفضائية للمعلومات (الإنترنت)، وتحللها وتفرزها وتقبل خبر الترائي أو ترفضه بعد دقائق معدودة من وصوله، فإذا تيقنت منه وبمطابقته لضوابط قبول الرؤية في الشهر المخصص، نشرته عبر إدارتها المركزية إلى المسلمين جميعاً في العالم قاطبةً في لحظة مؤقتة بالوقت الذي يدخل فيه الشهر للعالمين. فمن كان في ليل في هذه اللحظة بما يكفيه لعقد النية فليلته ليلة الشهر الجديد. ومن كان في نهار، فليلته المقبلة هي الليلة الأولى. ويتصل الصيام على الأرض بلا انقطاع، فالأقرب إلى خط الفجر من جهة الليل وقد عقد النية، فهو أول الصائمين، والأقرب إلى خط الفجر من جهة النهار فهو آخر الصائمين، لأنه سينتظر يوماً وليلة يكون الفجر قد دار على الأرض والناس جميعاً حتى يصله، وبذلك يكون الناس جميعاً قد صاموا أول أيام من رمضان في يوم قمري واحد.

أبو يوسف: معنى ذلك أن الحساب الفلكي عندكم يقوم فقط بدور مساند للرؤية، يوجه الناس أين ومتى يتراؤون الهلال، فإذا رأوه استقبل شهاداتهم، وحققها، ثم يأتي نشرها لإعلام الناس.

العالم: نعم، هو ذاك، وبدونه كان علينا أن نُخرج الموكلين بالرؤية في كل مكان تغرب عنه شمس يوم التاسع والعشرين لنستطلع الهلال، وهو أمر مشكل لاتساع نطاق الرؤية اتساعاً هائلا، خاصة وأن الحساب الفلكي الراهن عندنا يشمل أيضاً حالة الطقس بشكل مقبول، ويستبعد المواقع التي يتنبأ بصعوبة الرؤية منها، أو استحالتها كالغيوم وما يحجب الرؤية، ومن يرى الهلال – ممن هم موكَّلون بذلك - بعد هذا التوجيه من الحساب الفلكي، يُبلِّغ أقرب موقع معلوماتي فضائي مخصص لجمع معلومات الرؤية حسب نظام التبليغ المقرر، وهذه تصعدها إلى إداراتها الأعلى، وهذا الأمر يستغرق ربما شطر يوم لو كان الأمر بدون معونة الحساب الفلكي الطقسي للاستطلاع والتحقق من الشهادات ومقارنتها وتبليغها إلى إدارة دخول الأشهر الهجرية بالمنظمة الإسلامية العالمية، التي تطورت عن منظمة المؤتمر الإسلامي في الماضي، أما بالحساب الفلكي الطقسي، فالأمر لا يتعدى الآن دقائق للتحقق من لحظة الرؤية الأولى، هذا بالطبع بعد الاستطلاع البصري في الأماكن المختارة حسابياً لقليل جداً من الساعات حتى نلتقط أقرب رؤية ممكنة. ثم تقوم وحدة دخول الأشهر الهجرية بإعلان واحد لكل أهل الأرض بأن هلال الشهر الجديد قد ثبت، وتعتمد لحظة تبليغ الخبر كعلامة زمنية فاصلة، ومرة أخرى، من كان في ليل فهو في الشهر الجديد، ومن كان في نهار فهو في الشهر المنصرم وليلته المقبلة عليه هي أول ليالي الشهر.

أبو يوسف: معنى ذلك أن الحساب الفلكي عندكم ليس بيقيني؟

العالم: وهل كان الحساب الفلكي في يوم من الأيام يقيني؟! إنه دائماً هكذا، توجيهي، مثله مثل التنبؤ بالأرصاد الجوية عندما تقول لك أن الغالب على الطقس أن يكون كذا وكذا ولا تقطع، وكذلك الحساب الفلكي، لا يستطيع أن يقول لك أنك حتماً سترى الهلال في اللحظة كذا، وهذه اللحظة الأولى للرؤية - كما بينت لك - يجب أن تكون حاسمة، لأن اختلافها دقائق عن الواقع اليقيني للهلال المرئي بالعين، يدخل به أقوام الشهر، وينتظر أقوام على عتبته. فكما أن حساب الأرصاد الجوية لا يستطيع أن يقول لك درجة الحرارة بشكل قاطع، وقد تختلف درجة أو اثنتين أو أكثر، فكذلك الحساب الفلكي المزعوم بمعرفة لحظة الرؤية الأولى، لا يستطيع أن يتفوه بكلمة في مسألة اللحظة الأولى لرؤية الهلال لساعات ممتدة قد تصل في الغالب من ثلاث ساعات - وربما - إلى سبع ساعات. فكيف يكون يقينياً؟! غير أن الحساب الفلكي يقيني على جانبي تلك المنطقة المجهولة معرفياً، والتي نسميها فترة الشك، وأقصد فترة إمكانية الرؤية والسابق بيان جهل الحساب بالحكم فيها، فإن تواردت شهادات تدعي الرؤية قبل اجتماع النيرين، وأقصد الاقتران، ولزمن تسع ساعات بعده، يُستشهد بالحساب الفلكي على تخطئة هذه الشهادات، كما وأن الزمن إذا طال لأمد غير مسمى بعد فترة الشك دون وصول أي شهادات بالرؤية وبما يتخطى (24+9) ساعة من لحظة الاقتران، عندها يعلن عن دخول الشهر في هذا الموعد، ولا أقول فلكياً، بل "تماماً فلكياً"، وهو ما كان يقابل تمام الشهر 30 عند الإغمام، غير أن هذا لم يحدث، ولا نتوقع له أن يحدث، لماذا؟ لأن الهلال لا بد وأن تتحسن فرص رؤيتنا له تباعاً مع الزمن، لذا فنحن نراه دائماً قبل هذا الإعلان السلبي بالإتمام الفلكي الذي شرحته الآن.

أبو يوسف: وماذا عن المقولة القديمة في النزاع بين الرؤية والحساب الفلكي، والتي كان طرفاها يتنازعان أن طريقته يقينية والأخرى ظنية، فيقول أهل الرؤية: لا آخذ بالحساب الفلكي لأن [الرؤية يقينية والحساب ظني]، ويقول خصومهم: بل نأخذ بالحساب الفلكي لأن [الحساب يقيني والرؤية ظنية]؟

العالم: هؤلاء مخطئون في تقديرهم، فقد كانوا يُجملون في كلامهم من حيث يجب أن يميزون، فيدخلون الحق بالباطل، فإن أثبتوا، فقد أثبتوا باطلاً مع الحق الذي معهم، وإن ردُّوا، فقد ردُّوا حقاً مع ما يردُّونه من باطل، فليس كل الحساب الفلكي يقينياً كما أوضحنا أعلى، ففيه اليقين وفيه الشك، أي الاحتمال، كما أنه ليست كل رؤية يقينية، فمنها الحق ومنها الباطل، وخاصة بعد ضياع خبرة العوام بالسماء وأسرارها، ويجب أن يُفصل في كل واقعة بملابساتها مُنفردة. فالحساب الفلكي مبني في الحقيقة على رؤى مدققة، نسميها الأرصاد، والرؤية التي نقبلها، رؤية حقيقية بالبصر لما دلل الحساب الفلكي على ترجيح مكانه وزمانه، فوجّه المترائين إليه، فيكون الحساب قد ضيق نطاق الترائي بما عنده من يقين، وحيثما يتوقف الحساب عن التفوه بما لا يعلم في منطقة الشك، تأتي الرؤية المدققة والمحققة لتقول كلمة الفصل.

أبو يوسف: قال أقوام بأنه لا بأس أن تحل وسيلة أفضل من الرؤية محل الرؤية لأن الله تعالى لم يتعبدنا بها، وإنما هي علامة لدخول الوقت؟ فما تقول في ذلك؟

العالم: إنما كان سبب نفيهم صفة التعبد عن رؤية الهلال لتبرير استبعاد مبدأ الرؤية استبعاداً تاماً، واستخدام الحساب الفلكي بدلاً عنه، ولكننا نحن المسلمون نتعبد الله تعالى بالالتزام بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم ونهيه، وإن لم يكن الالتزام برؤية الهلال هنا بمعنى الهيئة التعبدية الخالصة المجردة كالصلاة والصيام، وهو أمر جدلي قد يدخل في علم الكلام، فأقل ما يقال فيه أنه بمعنى السمع والطاعة، وذلك مثلما جاء في قول الله تعالى عن الكافرين من أهل الكتاب )اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ( (التوبة: 31)، وحين حاول عدي ابن حاتم قبيل إسلامه نفي ذلك بقوله: "لسنا نعبدهم"، رد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتستحلونه - فقال: بلى – قال عليه صلاة الله وسلامه: فتلك عبادتهم)، وكذلك هنا، فنحن نعبد الله تعالى بالسمع والطاعة لما وصلنا من أمره تعالى )وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ( (الحشر:7)، وقد أمرنا رسول الله برؤية الهلال، ونهانا عن اتخاذ غيره عنه بديلاً، بقوله صلى الله عليه وسلم (لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه).

والخوف كل الخوف أن يؤصل أصحاب نفي صفة التعبد عن الهلال أصلاً جديداً للفكر التجديدي بزعمهم، تنهدم به عُرى الدين عروة عروة. فإذا لم تكن رؤية الهلال – الذي هو علامة دخول الشهر – من التعبد بالمعنى الذي يقصدونه، ألا ينطبق كلامهم أيضاً على أذان الصلاة الذي هو إعلان دخول وقت الصلاة، ويمكن العلم بدخول الوقت بدون الأذان في أيامنا هذه، فلنطرح الأذان بتحقق علته بغيره وكونه ليس من التعبد! وكذلك الوضوء، إذا لم يكن من التعبد ويمكن الاستغناء عنه بكوننا طاهرين بدنياً والتعليل بها، فلنطرح الوضوء! وهكذا يسقط الالتزام بمثل هذه الأفعال والهيئات التي هي مقدمات دخول العبادة وليست من أصلها حسب منطق هؤلاء. فإذا استبدلنا ما شئنا بما شئنا، بتعليل النصوص بعلل قائمة على ظن قاصر له غرض خاص عند أصحابه، ينهدم الدين، فإذا حلت العلل الموهومة محل العلل الصحيحة التي لا نقف عليها جميعاً، ولم نكن مطالبين بذلك إلا في تعدية الأحكام دون أصلها، تهاوت أركان الدين! ولربما وصلوا إلى الصلاة وقالوا: أليست علة الصلاة الخشوع، فهيئة الصلاة ليست مطلوبة لذاتها وليست من ذات التعبد، ويكفينا الصلاة بالقلب!. ولا نرى قولهم الذي يؤدي إلى هذا المنطق الهدام إلا أشد جُرماً من السُنَّة السيئة التي نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث ينفتح بها أبواب الشر لمن استمع لها وأجابها وتبع أصحابها في ما غفلوا فيه. ولا نتهمهم بأن الدافع لهم فيما قالوا هو هدم الدين، معاذ الله، غير أن قولهم يؤدي إلى ذلك من حيث لا يشعرون. ونخشى أن ينطبق عليهم قول الله تعالى - لنبيه صلى عليه الله وسلم، وأتباعه - محذراً من قولهم وما فيه من فتنة: )وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ، أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ( (المائدة:49-50)

أبو يوسف قلت قبل قليل أن الرؤية بصرية، ألا تعتمدون الرؤية بالتلسكوبات؟

العالم: نستخدم التلسكوبات لنعلم اقتراب الهلال من الترائي بالبصر، أي أنه أيضاَ استرشادي، ولكن لحظة الرؤية المعتبرة هي أول رؤية بالبصر المجرد، والسبب أن التلسكوبات تطورت كثيراً حتى أمكن بها رؤية الهلال في وضح النهار، وربما بعد الاقتران بساعة أو يكاد، وهذا الوضع يشوش على معنى الرؤية، ولكي نحافظ على قربنا ما أمكن من رسولنا الكريم مُعلِّمنا ومُعلم البشرية، رأينا أن هذا يُخرجنا عن معنى الرؤية الأصلية؛ لذا كانت لحظة الرؤية المعتبرة والتي أقرها المجمع العلمي بالمنظمة الإسلامية بغلبة الأصوات سنة 1449هـ، كانت للرؤية البصرية بالعين المجردة.

أبو يوسف: ولكن، هل كنتم لتتمسكون بالرؤية إذا كان الحساب الفلكي في لحظة الرؤية الأولى يقينياً؟

العالم لا نظن أن الحساب الفلكي كان من الممكن أن يكون يقينياً في اللحظة الأولى، ولا أنه سيصل في يوم من الأيام إلى ذلك لأسباب علمية قد نتطرق لها لاحقاً. غير أن أمامنا الآن سببين: الأول تنظيري، والثاني تجريبي، فأمّا التنظيري: ففي دراسة تحليلية نُشرت عام 1432هـ حول حكمة رؤية الأهلة، وقد صرّحت الدراسة بأن هدفها هو البحث عن علة رؤية الأهلة، لا على سبيل اختبار دوام العلة، ومن ثم استبقاء الرؤية أو تحقيق العلة بما هو أفضل من الرؤية، (لأن هذا من قبيل تبديل الدين وضعف الثقة في شرع الله، كما فعل أقوام استبدلوا الرؤية بالحساب ليضبطوا إجازاتهم السنوية في أمريكا الشمالية! أو قالوا بزوال الأمية وما أدركوا حكمتها، من بين أسباب أخرى تعود جميعاً إلى عدم الإحاطة بالمسألة علماً، والجرأة على شرع الله!!!) وإنما كان هدف الدراسة الوقوف على بعض ما في شرع الله في رؤية الأهلة من حكمة، ووصلت الدراسة إلى أن الحكمة التي تجلت لها - وتتعلق بعدم يقين الحساب العلمي بالتنبؤ بموعد ولادة الهلال للرؤية - هي أن لحظات الترقب النفسي التي تختلج بمشاعر النشوة والفرحة بحلول المُنْتَظَر والحرص عليه والتكريم له وإعزازه، مما يدخل في قول الله تعالى )وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ( (الحج:32)، ويُدرج هذا الترقب لدخول شهر العبادة في ما يعلمه أهل الفقه والتفسير ويُسمّونه [الرجاء] إذا كان الترقب لخير منتظر كالشهر الكريم، وإذا كان الترقب لما يخشى من وقوعه، فيدرج فيما يُسمّونه بـ [الخوف]. والمؤمن يعيش بين الرجاء لرحمة ربه وما يقرب إليها، والخوف من عقابه. لذا فترقُّب الهلال، مما يُدَرِّب المؤمن على حب المُتَرَتقَّب وتعظيمه، ومن ثم تعظيم شعائر الله، ومن ثم مزيد من التقوى. وهذه الحكمة تتلاشى إذا أدى الحساب الفلكي إلى العلم اليقيني بموعد اللحظة الأولى، والتي إن عُلمت قتلت نشوة الترقب وبطلت معها الحكمة. أما الذين قتلوا هذا الترقُّب بأيديهم، وبلا يقين في الحساب الفلكي، فأمرهم إلى الله، إلاَّ أن يعودوا، عسى الله أن يصفح عنهم. فلهذا السبب التنظيري نستبعد حدوث اليقين التام في الحساب الفلكي باللحظة الأولى لرؤية الهلال.

أما السبب التجريبي: فيرجع إلى غياب يقين حسابي حقيقي بما دلت عليه إحصاءات الترائي الواقعية الميدانية، وبما ينتفي معه مبدأ المقارنة بين الأخذ بالحساب الفلكي والالتزام بنص الرؤية الجاهرة.

أبو يوسف: تقول أن إحصاءات الترائي الواقعية قد دلت على أن الرؤية الأولى لا تخضع للحساب والتنبؤ، آمل التفصيل.

العالم: نعم، تُصنف ظاهرة ترائي الهلال كظاهرة إحصائية، والذي يميز هذا النوع من الظواهر تشتت آحاد الظاهرة، ويرجع التشتت لأسباب عديدة لا نعلم آلية حسابية يمكن أن تدرجها في معادلات قاطعة، أهمها في مسألة ترائي الهلال نفاذية شعاع الهلال الواصل لسطح الأرض عبر الغلاف الجوي وقابليته للترائي البصري، وهذا أمر لا يمكن حسابه أبداً بما يطابق قياسه الحقيقي بالأجهزة الفوتومترية – والذي يعني الترائي البصري، ولكن بقياس وضوح صورة الرؤية رقمياً - لموقع بعينه في زمن بعينه. وكل ما يمكننا أن نعلمه عن مثل هذه الظواهر هو سلوك تجمعاتها، وقياس تشتتها بالمقاييس الإحصائية المختلفة كالإنحراف المعياري، أما أن نعلم أن واحداً من أحاد الظاهرة سيسلك هذا السلوك أو ذاك، فذلك افتراءٌ على الغيب، وسأعطيك مثالاً على ذلك فيه شيء من الطرافة العلمية المفيدة:

أقدم أحد المرضى على الموافقة بحماس وثقة عاليين على عملية جراحية خطيرة جداً، لا تتعدى نسبة الشفاء فيها 10%.

سأله الطبيب: هل أنت جاد في طلبك إجراء هذه العملية؟

قال المريض: بكل تأكيد، وسوف أشفى بإذن الله!

قال الطبيب مندهشاً: وأنى لك هذه الثقة بعد مشيئة الله تعالى؟

قال المريض ويملؤه الابتهاج: لأنك أخبرتني أن عدد المرضى الذين أجريت أنت لهم هذه العملية تسعة مرضى، وكلهم ماتوا.

قال الطبيب: وماذا في ذلك يطمئنك؟

قال المريض: لأني المريض العاشر، ولا بد أن أشفى بناءاً على أن نسبة نجاح العملية 10%، فقد مضى التسعون بالمئة، وأنا العشرة !!!

أبو يوسف: (وتعلوه ابتسامة يشوبها الأسى): حقاً إنه مسكين، كم سينقلب اطمئنانه وابتهاجه إلى رعب إذا شرح له الطبيب أن نسبة النجاح 10% نسبة تقديرية في كل عملية منفردة، وليس فقط في مجموع العمليات، وأنا على يقين أنه لن يقدم على إجراء العملية إذا علم.

العالم: وكذلك إخواننا الذين وضعوا ثقتهم في الحساب الفلكي فوق حقه، ولو علموا معنى النتائج الإحصائية لكانوا أول الخارجين لترائي الهلال، والتوبة عن دفاعهم عن الحساب اليقيني الموهوم الذي يماثل الإحصاء الطبي لمريضنا المسكين.

أبو يوسف: يا حبذا لو أعطيتنا نموذجاً لهذه الإحصاءات التي أُجرِيَت لرؤية الهلال تقطع بأنه إحصائي الطابع.

العالم: هناك إحصائية قديمة اعتمدها أحد العلماء – يدعى يالوب - وكان من الذين سعوا لتقنين معياراً يترجح عنده رؤية الهلال ويضيق معه زمن الرؤية، فيُستطلع لقليل من الساعات بدلاً من كثيرها، وجاءت إحصائيته بعد رسمها كما بالشكل الآتي:

شكل (8): رسم البيانات الرصدية التي شملتها دراسة يالوب Yallop (A Method for Predicting the First Sighting of the New Crescent Moon، 1997-1998) بعد استبعاد ما جاء فيها من أرصاد تسبق موعد الاقتران أو تتأخر عنه بـ 34 ساعة، ويتضح تماماً لكل ذي خبرة بالتحليل المعلوماتي أن البيانات تحمل كامل مواصفات الظاهرة الإحصائية التي لا يمكن التنبؤ بآحاد الظاهرة.

 ويتضح بالرسم أن استطلاعات الهلال تحمل كامل مواصفات الظواهر الإحصائية، من حيث أن لها معياراً للتشتت يمتد لعدة ساعات، وأن توزيع تردد القراءات يمكن نمذجتها بالدالة الطبيعية (دالة جاوس)، وأنه من ثم لا يمكن التنبؤ برؤية منفردة من نوع هذه الظاهرة، إلا وكان ضرباً في عماية.

وفي الحقيقة أن أقصى ما يمكن الخروج به من مثل هذه الإحصاءات هو الحصول على قيم إحصائية (معدلات/متوسطات/مقاييس) حسب الغرض من الإحصاء، وإذا اعتمد المولعون بالحسابات – على غير بصيرة بما يفعلون - على أحد هذه المتوسطات باعتبارها القيمة الراجحة لموعد الرؤية بعد موعد الاقتران فمثله كمثل من يقوم بتثبيت موعد صلاة من الصلوات عند متوسطها على مدار العام، فيصليها كل يوم في نفس الموعد، وذلك بأن يصلي الظهر مثلاً في مكة الساعة 12:21 ظهراً كل يوم! – (وهو المتوسط الحقيقي لموعد الظهر في مكة على مدار العام) - وكما هو بين للعقلاء، سيقوم صاحبنا هذا بأداء نصف عدد صلوات الظهر قبل حلول موعدها، وستكون بالطبع فاسدة. ... ومثله من يقوم بتثبيت موعدا حسابياً للرؤية بعد الاقتران ...، وآخر يختار موقعاً بعينه على الأرض يغيب فيه القمر حسابياَ بعد الشمس! فكم هي كبيرة من الكبائر أن يُصلي أحد الأذكياء قبل دخول وقت الصلاة، ويشرِّع للناس خلاف شرع الله! وكم هي كبيرة أن يقرر دخول شهور الله بهواه وفهمه القاصر متجاوزاً النصوص، متعالياً عليها، وهي شهور تعبدنا الله تعالى بها، وعرَّفها لنا من عنده، تقدست أسماؤه، ولم يتركها لنا نتواضع عليها بما يحلو لنا! – وأقل ما يقال – في من كان هذا شأنه من الناس - أنه يضل الناس عن سبيل الله تعالى، من حيث يدّعي – وربما يُصدِّق- أنه يهديهم.

أبو يوسف: أتفق معك، ولكن، أراك قارنت دخول وقت الصيام بدخول وقت الصلاة في عدم الاعتماد على متوسط الأوقات، وقد أجرى من يؤيد الحساب الفلكي مقارنة شبيهة لإثبات أن الصوم مثل الصلاة، وكما نقبل دخول وقت الصلاة بالحساب، فلم لا نفعل مثل ذلك مع شهر الصوم؟!

العالم: وأنى لهم ذلك ووقت دخول شهر الصوم يتعين برؤية لا يمكن أن يضبطها حساب، وهي ظاهرة إحصائية كما أريتك أعلى. فإن قالوا: نضبطها، فليس لهم إلا متوسط لها، وعدا ذلك قيم احتمالية بالرؤية كحال مريضنا المسكين. وقد أثبتُّ لك أنهم إن فعلوا ذلك فقد خالفوا آحادها، فإن قلت: فلم لا نختار ونتفق ونتواضع ونجتمع على هذه المتوسط، قلت لك: وهل الأمر متروك لنا بعد أن قطع به رسول الله بصيغة [إذا وفقط إذا]، وذلك من مجموع الصيغتين: (صوموا لرؤيته)، و(لا تصوموا حتى تروا الهلال)، وقال الله تعالى: )وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا( (الأحزاب:36)، فأي أرض تقلنا وأي سماء تظلنا إذا أعرضنا عن نص أمر رسول الله الذي لا يحتمل تأويلاً ولا اجتهاداً، واخترنا لأنفسنا خلاف ما أمرنا به؟!

أما مواعيد دخول الصلوات فليست إحصائية الطابع، ولا تشتت في آحادها، بل هي مقطوع بمواعيدها المنفردة، كما وأننا غير مأمورين بأي رؤية فيها، لا صراحة ولا ضمناً، فالمقارنة جائرة بين الصلاة والصيام في ذلك، ولا نراها إلا حيلة أخرى لهواة الحساب وعشاقه، دون عقلاء الحاسبين وخبرائهم.

أبو يوسف: ولكن الحساب – وأقصد الرياضيات – تتطور، ولا بد أنها ستصل في يوم من الأيام بما تقطع به في وقوع الرؤية من عدمها، فماذا يكون الحال إذا وصلت إلى هذا المستوى من الدقة؟ - كما وأنه مُصرَّح بيقينها من علماء لهم شأنهم، حتى أن أحد مفتيي الدول الإسلامية الكبرى قد صرح ليلة رمضان عام 1430هـ بأن الحساب الفلكي يقيني لأن 1+1=2، ولأنه يقيني يجب أن نأخذ به، وإلاّ تخلفنا عن الأمم، وقد أمرنا الله بالعلم، والحساب من العلم.

العالم: لنَدَعْ مسألة تخلفنا العلمي عن الأمم جانباً حتى لا نتأثر بشجونها في الحكم على ما نحن بصدده، وأظن أن قائلك قد وقع في مثل هذا التأثر من حيث كان ينبغي عليه التحرر منه، ولا بد أنه على دراية كافية بضوابط القضاء والفتوى، ووجوب تحرر الحالة النفسية والمعرفية للمفتي والقاضي، وأقول:

العلم إما اجتهاد أو اتِّباع، وقد نُهينا عن الاتِّباع إلاَّ على بصيرة، فقال تعالى في كتابه العزيز لنبيه، صلى عليه وسلم، ولنا من ورائه: )قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي( (يوسف:108). وبالاستبصار في أمر الحساب أو الرياضيات، فقد علِمْنا علماً دامغاً أنها – على خلاف ما يزعم المفتونون بها – ليست يقينية دائماً. وكي لا أطيل عليك أذكر لك نُبذاً أدعوك لخوضها بحثاً ودراسة إن شئت:

النبذة الأولى: أن أكثر ظواهر الكون يسودها ما سمّاه علماء الرياضيات وغيرهم بعلم الفوضى الحسابية chaos، وهي لفظ – ربما - مأخوذ من أو مشترك مع اللفظ العربي (خواء)، والتي منها ظاهرة الطقس، يحدث فيها أن يختلف مسار حساباتها بأدق التغيرات التي تخرج عن قدرة أي إنسان وأي حاسوب عن استيعابها، حتى أنهم سموها بتأثير الفراشة، ومفادها أن رفرفة فراشة واحدة لجناحها سيغير الطقس بشكل غير ممكن التنبؤ به، بعد عدة أشهر أو أقل عن الأرض جميعاً عن لو لم ترفرفه، وقس على ذلك كل شيء حتى عطسة الظالم، ودعاء المظلوم! فمن يستطيع بناءاً على ذلك أن يتنبأ بنفاذية شعاع ضوء الهلال في موقع بعينه على الأرض؟! – فلو أصبحت الأرض جميعاً حاسوباً عملاقاً وأصبح أهل الأرض كلهم حاسبين لما استطاعوا ذلك، وهذا فقط في حق الإنسان الحاسب وآلاته، أما هذه الظواهر في ذاتها فهي قابلة للحساب على التمام والكمال، ولكن هذا في علم الله وحده، كما قال تعالى )وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ( (الأنعام:59)

النبذة الثانية: أستطيع أن أثبت لك أن 1=2، ولكن بشرط إدخال القيم اللانهائية في الحسابات على أنها قيم قابلة للحساب. وعندئذ سيختلط عليك الأمر، وتقع في حيص بيص، وتدخل في دوامة اللانهايات. ولو أنك لاحظت أعلى أن تأثير رفرفة الفراشة لجناحها يعد من القيم اللانهائية في الصغر في حسابات الطقس، ومن ثم ينطبق عليها كلامنا هنا. ولكي لا تفعل ولا تحاول أن تفعل، أذكر لك مصير عدد من علماء الرياضيات الذين خاضوا ذلك ومصيرهم، كان منهم جورج كانتور Georg Cantor الذي مات في مصحة عقلية عام 1918 بعد دخوله وخروجه منها مرات عديدة لأكثر من 20 سنة، وفي كل مرة كان يدخل المصحة العقلية عندما يرجع إلى حسابات اللانهايات وبحثه عن اليقين الحسابي فيها.

النبذة الثالثة: أن الرياضيات لا تؤدي بالضرورة إلى اليقين الحسابي، راجع في ذلك مسألة نظريات عدم اكتمال اليقين الرياضي incompleteness theorems التي خاضها كيرك جودل Kurt Gödel، وما زالت محل بحث وجدل وشك وارتياب. وآل الأمر بهذا الرجل أن فقط اتزانه العقلي وسيطرة الوساوس على نفسه، وزاد خوفه من كل شيء حتى أنه كان لا يأكل طعاما حتى تأكل زوجته منه، فلما مرضت ومُنعت من ذلك، امتنع جودل عن تناول الطعام ومات من نقص الغذاء سنة 1978 ووزنه 30 كيلوجرام فقط، وكان سبب الوفاة انعدام التغذية مع هذيان عقلي وسواسي.

النبذة الرابعة: عن الإحصاء statistics والاحتمالات probabilities، فقد اكتشف العالم الشهير بولتزمان Boltzman تأثيراتها الخفية في الظواهر الفيزيائية والطبيعية على أنها: السر القابع وراء ما نراه من ظواهر مستقرة، وكان ذلك مولد علم الديناميكا الحرارية thermodynamics، ولقي بسبب ذلك اضطهاداً عنيفاً وسخرية من علماء نهاية القرن التاسع عشر، من أمثال إرنست ماك (ماخ) Ernst Mach الغني عن التعريف، وكان القرن التاسع عشر قرن اليقين العلمي والفكر الميكانيكي المسيطر على أذهان المنبهرين بالعلوم الجديدة، ولشدة شعور بولتزمان بالعزلة والنبذ والاضطهاد، وصل الأمر به إلى الانهيار النفسي، وقرر مغادرة هذا العالم اليقيني بزعمهم - مثلما يزعم هواة الحساب الفلكي باليقين في مسألة رؤية الهلال - فأقدم بولتزمان على الانتحار، وذهب في ما يشبه العطلة إلى إيطاليا، وانتحر هناك عام 1906.

هؤلاء بعض ضحايا اليقين العلمي الرياضي والأكثر شهرة بين العلماء، فما بالك بالأقل شهرة، وبمن لا يعلم عنهم أحد، ويبدو أن سحر الرياضيات الحتمية الصدق ما زال يسيطر على عقول بعض علمائنا، أو أنهم ما زالوا يعيشون في القرن التاسع عشر الميلادي، ولم ينتبهوا بعد إلى تبدلات المفاهيم العلمية التي طرأت بعده. فليفعلوا إن شاءوا، ولكن بعيداً عن أن يمسوا به دين الله العزيز، سواء باعتقادات علمية يقينية موهومة، عفا عليها الزمن، أو يملأها الزهو والغرور! ... فدينُ الله تعالى شديد، )ولَنْ يُشادَّ الديِّنَ أحدٌ إلاَّ غَلَبَه( كما قال صلى الله عليه وسلم، فيما رواه البخاري، وإن عاد هؤلاء إلى الحق فسيجدون (أن الدين يسر) – وأيضاً كما قال صلى الله عليه وسلم، وأيسر مما كانوا يتوقعون، من حسابات موهومة ويقين زائف.

أبو يوسف (وقد أمسك برأسه من شدة الصدمة، قائلا:) يا لها من أخبار، لن أزيد عن ذلك أستاذي العزيز، وشكراً لك وبارك الله فيك، الآن علمت، وسأخبر قومي علَّهم يعلمون.

ورجع أبو يوسف إلى حيث كان من البيت الحرام، ساعة انتبه ووجد نفسه وقد عرج به الزمان من حيث لا يدري كيف، وغفلت عينُه ثانيةً، ثم أفاق، فما وجد إلا أنه كان نائماً في البيت الحرام وفي نفس اليوم - 23 شعبان 1431هـ - حسبما تشير الساعات المعلقة أمامه، فقال في نفسه، يا لها من رؤية، لو أنها تتحقق - حتى ولو في العام 1470هـ، غير أني لن أدَّخر وسعاً لأبينها لقومي ولو على صورة مقالات في حلقات، مفصلة محققة موثقة، لعلهم يعلمون، فيعملون، بعيداً عن الافتتان بغير الدين، الناصع البهي المتين، وبصريح العلم وصحيح الدين، يتمسكون وينافحون، وعلى الزائغين يردون، وينفضون غبار الفتنة وتلبيس المفتونين، على وعيٍ منهم كانوا، أو عن الوعي غائبين.

(2)

بمتابعة الحلقة الأولى من هذه المقالة، وما عُرض فيها من طريقة جديدة رآها الرائي في المسجد الحرام، في قالب تمثيلي، ابتكره لينقل إلينا فكرته، وبمناسبة حلول رمضان وتكرار إشكالية الهلال في أوج أهميتها، وجب إجراء المقارنة بين هذه الطريقة، وبين المعهود والدارج من اختلافات وجدليات حول دخول الشهر كما هو الحال في كل عام.

ويسهل على المراقب لأخبار دخول رمضان بعد أيام قلائل، أن يجد أن الوضع هو هو، ولا يبدو انه سيختلف عن الأعوام 12 الماضية التي سبق عرضها في الحلقة الأولى من هذه الدراسة، فهذا مجلس الفتوى بأمريكا الشمالية[*]، ومثيله في أوربا، قد أعلنا أن بداية رمضان للعام 1431هـ هو الأربعاء 11/8/2010م، اعتماداً على الحساب الفلكي. ونفس الشيء في ليبيا[†]، فقد أعلن المركز الليبي للاستشعار عن بعد وعلوم الفضاء أن بداية رمضان هو الأربعاء 11/8/2010م. ولا يبدو أن تركيا وما يلحقها من أهل البلقان ستختلف عن ذلك. ومن جهة الترائي، فهناك من سيستطلع الهلال ليلة الأربعاء مثل سلطنة عمان، وهي من الدول التي تشترط رؤية الهلال من داخل لأراضيها، فإن غم عليها فسيكون الخميس أول الأيام عندها، وهناك من سيستطلع الهلال ليلة الخميس مثل باكستان والمغرب، فإن لم يُرى بأيهما ومن على منوالهما، فسيكون الجمعة أول أيام الشهر الكريم، غير أن عددهم من المتوقع أن يكون قليل. ... وهكذا فالغالب أن يبدأ رمضان لعام 1431 على مدار ثلاثة أيام هي الأربعاء والخميس والجمعة، أي: 11، 12، 13 أغسطس 2010م. وإن كانت أغلب البلدان ستبدأ يوم الخميس.

أما الطريقة التي سنقارن بينها وبين هذا الوضع المؤسف، فهي التي سبق عرضها – نظرياً - في الحلقة الأولى من هذه الدراسة في صورة حوارية، وعلى لسان عالم مفترض من علماء الحرم المكي في مستقبل الأيام، وكانت الحُجَّة في هذه الطريقة كما يلي:

- ما دام أن الدولة الممتدة التي يرى الهلال في غربها يشملها حكم دخول الشهر حتى أقصى شرقها، وهذا أمر معمول به الآن بلا ضابط للامتداد (وحتى في إطار زعم الزاعمين باختلاف المطالع بين البلدان!)، كما أنه لا مانع منه شرعاً ما اتصل كل من الليل والنهار على الأرض،

- وما دام أن دخول الفجر على بعض منها، يلزم عنه أن أهل تلك المناطق لا يستقبلون الشهر لرفع الحرج عنهم، وأنهم في يوم (قمري، والذي يحده مطلع الفجر) سابق لمن هم في ليل من نفس البلد،

- وما دامت الحدود السياسية التي تحد أي دولة ليست إلا سبباً دخيلاً على بداية الشهر ونهايته، وبداية اليوم ونهايته، ومن ثم يجب عدم اعتبارها،

فيلزم عن ذلك أن رؤية الهلال البصرية في بداية ليل الأرض في مكان ما، يؤذن بدخول الشهر الجديد على كل من هم في ليل، لحظة الإعلان العالمي عن دخول الشهر، باعتبار مد الدولة المتوهمة إلى كل الأرض، ويقف خط مطلع الفجر أمام هذا الامتداد، كحاجز طبيعي، وليس هنا من أي حاجز آخر سواه، سياسي أو غيره.

وبإعمال هذه المبادئ التنظيرية وتحقيقها واقعاً، نخرج إلى الآلية الآتية في تعيين دخول رمضان 1431هـ: (نعلم كثرة العوائق التي قد يحتج بها لعدم إعمال هذه الآلية، غير أنها أحق من سواها، وتذليل هذه العوائق أمرٌ واجب.)

1- بناءاً على الإحصائية التقديرية التي سبق إدراجها بالحلقة الأولى، والتي خلاصتها أن احتمال رؤية الهلال بعد الاقتران لن تخرج في مجملها عن الشكل الآتي:

 

وفائدة ذلك أن رؤية الهلال بشكل عام لن تقل عن 10 ساعات بعد موعد الاقتران، على أقل تقدير، ويغلب أن يكون قد تم رؤيته بنسبة تزيد عن 60% قُبيل مرور 24 ساعة، ولنُسمِّ هذه الفترة بـ "فترة الرؤية"، وتأتي الحسابات الفلكية لتضيق على فترة الرؤية امتدادها لاعتبارات الحسابات الخاصة لكل سنة، فتتنبأ بأن فترة الرؤية ستقع بين 15 ساعة إلى 24 ساعة بعد موعد الاقتران،

ولكن موعد الاقتران (المحاق) الواقع في شهر أغسطس 2010 سيكون يوم الثلاثاء 10 أغسطس الساعة 3:08 صباحاً بالتوقيت العالمي.

ومعنى ذلك أن فترة الرؤية الغالبة لا بد وأن تتراوح بين (3:08 +15) إلى (3:08 + 24)

أي: أن فترة الرؤية المبدئية تقع بين الساعة 18:08 يوم الثلاثاء إلى 3:08 يوم الأربعاء، بالتوقيت العالمي.

ويوضح تلك الفترة اللون الزهري وبدايات اللون الأخضر التالي له غرباً بالشكل الآتي[‡]:

ويشمل ذلك فقط قارة أمريكا الجنوبية حتى الوسطى، ويعني ذلك أن غروب الشمس ولمدة أقل من ساعة تقريباً بعد الغروب سيمسح هذه المنطقة خلال فترة الرؤية بين حديها المشار إليهما أعلى. ولمزيد من التوضيح، سيكون الليل والنهار موزعاً على الأرض في بداية هذه الفترة (أي الساعة 18:08 الثلاثاء) على الصورة الآتية[§]:

وسينتقل توزيع الليل والنهار غرباً ليكون في الساعة (3:08) يوم الأربعاء، كما بالصورة الآتية:

وإذا كان الغرض تعيين المواضع التي يمكن منها رصد الهلال والتقاط أقرب رؤية أولى ممكنة، فيمكن عندئذ تضييق فترة الرؤية أكثر باعتبار استثناء المناطق البحرية (إلا إذا تم الرصد في البحر بسفن رصد خاصة، وهذا في إمكان بعض الدول الإسلامية إذا تولد عندها الحرص لذلك)، فيمكن عندئذ تضييق فترة الرؤية لتشمل أراضي أمريكا الجنوبية اعتباراً من شرقها ويقدر أن يكون ذلك اعتباراً من 19 ساعة بعد الاقتران، ويغلب أن يكون الهلال قد تم رؤيته قبل 22 ساعة بعد الاقتران، وعندئذ تضيق فترة الرؤية المتوقع لتكون بين (الساعة 22:08 الثلاثاء) وحتى (الساعة 1:08 الأربعاء) بالتوقيت العالمي، ولنرى كيف يتوزع الليل والنهار على الأرض في هذه الفترة:

توزيع الليل والنهار في الساعة 22:08 ليوم الثلاثاء 10أغسطس 2010:

وسيكون التوزيع الساعة 1:08 ليوم الأربعاء كالآتي (اللون الأحمر):

وهذان الوضعان هما الحدان اللذان لا يمكن للحساب الفلكي أن يضيق عنهما أكثر من ذلك، بمعنى أن الحساب الفلكي لا يمكن أن يقول: متى خلال هذه الفترة، التي تستغرق 3 ساعات، لبداية رمضان من هذا العام، يمكن أن يُرى الهلال بأي درجة من الترجيح؟!

وقد يقول قائل: وهل لهذا أهمية؟

الإجابة: نعم، بل هنا، وفقط هنا تقع الأهمية. وهنا تأتي الرؤية البصرية وحدها لتقول كلمة الفصل. وسنرى أهمية ذلك الآن:

في بداية هذه الفترة الحدية، أي في الساعة 22:08 بالتوقيت العالمي، وكما يتضح من شكل (6) أعلى، يكون خط الفجر على الخط الأصفر، وفي نهاية الفترة يكون خط الفجر على الخط الأحمر. فإذا رُئِيَ الهلال على أول هذه الفترة، كان الخط الأصفر (خط الفجر) هو بداية اليوم القمري، وكل من في غربه داخلون في الليلة الجديدة التي هي أول ليال رمضان، وكل من في شرق الخط الأصفر قد دخلوا في يومهم (نهارهم) الأخير من شعبان، وعليهم الانتظار إلى الليلة التالية لاستقبال أول ليلة لرمضان عليهم؛ أي أن الخط الأصفر هو الحد بين من يبدأ الصيام من أهل الأرض أولاً، ومن يبدأ الصيام آخراً، أما إذا لم يُرى الهلال إلا في نهاية الفترة، أي عندما يكون الفجر هو الخط الأحمر، فيقال بشأنه مثل ما قيل في حالة الخط الأصفر.

ولكن الحاصل أن رؤية الهلال الغالبة ستقع بين هذين الحدين، أي أن هناك موعداً وسطياً بين حدي الفترة سيرى الهلال عنده، وهذا سيجعل موضع خط الفجر المقابل يقع بين الخط الأصفر الذي في شرقه، في بداية الفترة، والخط الأحمر الذي في غربه، في نهاية الفترة، وهذا هو خط الفجر الحقيقي الذي يتعين بالموعد الدقيق لإعلان دخول الشهر بعد التثبت من صحة الرؤية. وهذا الموعد الزمني الدقيق هو الحكم والفيصل في دخول الشهر، بغض النظر عن موقع الرؤية، هل وقعت في الأرجنتين أو البرازيل أو بيرو أو شيلي، أو غير ذلك من المنطقة المرشحة للترائي، وبهذا الموعد يتعين خط الفجر الفعلي الذي عنده يعلم الناس بدخول الشهر، وهو ما يشير إلى الخط الأبيض في الشكلين (6)، (7). ويكون هذا الخط هو بداية أول يوم صحيح لرمضان من عام 1431، ويكون كل من في غرب هذا الخط في ليل، وليلته الجارية والتي هي على وشك الانقضاء هي أول ليال الشهر، ويكون كل من في شرق هذا الخط، في آخر يوم من شهر شعبان، وعليهم الانتظار إلى الليلة التالية، بعدما يدور الليل حول الأرض ويأتيهم باعتباره أول ليلة من رمضان.

ويظهر في الشكل الآتي هذا الوضع بافتراض أن الرؤية قد تمت بعد 20:30 ساعة من موعد الاقتران، أي في الساعة 23:38 يوم الثلاثاء، وهو موعد يقع في وسط فترة الرؤية التي ضيقنا مداها، على الترجيح دون القطع، إلى 3 ساعات فقط.

ويتضح في شكل (7) الشريط من الأرض المحتمل لأن يرى الهلال منه، وخط الفجر المقابل في لحظة تبليغ الرؤية.

وهنا مسائل:

1- أن مرور خط الفجر البادئ أول أيام رمضان وسط الدول الواحدة، مثل ماليزيا و بنجلاديش، سيفصل بين السكان فيها بين من هم في ليل ومن هم في نهار!

2- أن اليقين الغالب للمناطق التي على الغرب من فترة الرؤية كالدول العربية، هو أن نهار الأربعاء هو أول أيام الصيام فيها، غير أن هذا اليقين سيظل معلق بسماع خبر الرؤية، فإن لم يصل الخبر فلا شهر، (أي من لم يشهد دخول الشهر بسماع خبره الموثق وكان مقيماً، فلا صوم عليه)، وهذا هو معنى قوله تعالى )فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ((البقرة:185)

3- أن اليقين الغالب للمناطق التي على الشرق من فترة الرؤية هو أن يوم الصيام الأول هو يوم الخميس، وأيضاً سيبقى يقيناً معلق على سماع خبر الرؤية.

4- أن الدول الواقعة بين حدي فترة الرؤية لا يقين عندها – مهما زعم أصحاب الحساب والمولعون به - في كون أول رمضان الأربعاء أو الخميس حتى سماع خبر الرؤية، فمن دخل عليه الفجر فقد خرج من الانتظار، والخميس هو أول أيامه، ومن سمع الخبر ولم يدخل الفجر فالأربعاء هو أول أيامه، وعليه تبييت صيام الأربعاء.

وعلى ذلك، فالمتنبأ به بهذه الطريقة أن تكون الدول العربية جميعاً وأوربا وأفريقيا والأمريكتين والهند وباكستان وإيران والشطر الغربي من آسيا – على ما هو مبين في غرب خط الفجر في شكل (7) - من الداخلين في يوم الأربع باعتباره أول أيام رمضان، أما المرشحين ليوم الخميس كأول أيام رمضان فاستراليا واليابان وكوريا وشرق الصين، وتبقى مناطق الدول الواقعة بين حدي فترة الرؤية هي التي تتعين بداية رمضان بها بين الأربعاء والخميس حسب موعد إعلان خبر الرؤية الذي يحسم البداية بشكل قاطع.

سؤال: ماذا لو لم تتم الرؤية في أمريكا الجنوبية والوسطى لأي سبب كالغيم الكثيف مثلاً؟ - (رغم أن هذا الاحتمال ضعيف جداً لأن بها دولة شديدة الجفاف، هي شيلي، لا يسقط المطر عادةً في صحرائها غرب جبال الإنديز لعقود "صحراء أتاكاما Atacama" وتُعد من أشد مناطق العالم جفافاً، غير أننا نستوفي هنا كامل الاحتمالات، وإن لم يُرى الهلال في أمريكا الجنوبية فلن يكون السبب إلا تراخي المسلمين وعدم خروجهم أو ذهابهم للاستطلاع، رغم أنه يصبح فرض عين عليهم إذا كان دخول رمضان بالعالم هذا العام معلق على الترائي من أمريكا الجنوبية.)

الإجابة: إذا لم يُرى الهلال بأمريكا الجنوبية، فـ يجب أن يتتابع استطلاع الهلال فيما يلي ذلك، وعندئذ سنقابل جزر جالاباجوس Galapagos على مسافة 1200 كيلومتر داخل المحيط الهادي غرب بيرو، وجزر هاواي على مسافة قريبة من 5000 كيلو متر غرب خليج كاليفورنيا، وسنجد أول الدول في شرق آسيا وهي نيوزيلاند ومحيطها من جزر حتى نصل إلى استراليا وساحلها الشرقي وعاصمتها سيدني، وفي الشمال من استراليا نجد غينيا الجديدة New Guinea، وهكذا سنواصل غرباً وتتابع الدول: إندونيسيا وماليزيا وهكذا...

وفي كل هذه الدول تباعاً يجب أن يُستطلع الهلال ضرورة ما لم يرى فيمن قبلها (شرقها) رؤية مؤكدة. فإذا تمت الرؤية في استراليا مثلاً، فسيكون موعد هذه الرؤية هو "الموعد العالمي للرؤية" ويقال عنده مثل ما قيل في حالة الرؤية في أمريكا الجنوبية، وليكن هذا مثالنا الآن لأهميته فيما يخص أمريكا الشمالية وأوربا اللذان أعلن مجلسا الفقه فيهما أن الأربعاء هو أول أيام شهر رمضان بناءاً على الحساب الفلكي.

فإذا تمت الرؤية في سيدني باستراليا في اللحظة التي كان فيها توزيع الليل والنهار على الصورة الآتية:

وفيها – كما هو واضح - ستكون أوربا قد بدأت يوم (نهار) الأربعاء، ولا خبر هناك عن هلال مرئي! ويُعد هذه مخالفة شرعية لا شك فيها!!! أما شمال أمريكا فقد تَصَادَف لها أنها ما زالت بليل ويعد صيامهم الأربعاء صحيحاً عن غير قصد منهم، ومن ثم فهم في الخطأ سواء.

وإذا تمت الرؤية في إندونيسيا أو ماليزيا وكان موعد خبر الرؤية هو اللحظة المبينة كما بالصورة الآتية:

فمن الواضح أن أمريكا الشمالية قد قسمها خط الفجر، وأن من كان من أهلها في نهار فلا صوم للأربعاء عليه، ومن كان في ليل فقد وجب عليه النية وصيام الأربعاء الذي سيخرج نهاره بعد أقل من ساعتين! أما أوربا فهي في نهار الأربعاء بالفعل.

سؤال: ماذا لو لم تتم رؤية الهلال البتة لأي سبب كان، كالغيم الكثيف الذي يكتنف الأرض جميعاً مثلاً؟

الإجابة: لما كانت الرؤية هي الأصل، ولا تسقط إلا بمرور اليوم الثلاثون بناءاً على أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحيث أن أقل حد للرؤية – لنقل – 15 ساعة، وأن أطول الأشهر القمرية هو 29.82 يوماً – كما تؤكده الفترات الزمنية بين الاقترانات المتعاقبة (أنظر مقالة "مواقيت ومواقيت")، فهذا يعني أن اليوم الثلاثون لن يزيد عن 0.82 * 24 ساعة ≈ 20 ساعة، وعلى ذلك فلا بد أن يكون الوقت الأقصى المنقضي بعد الاقتران القمري هو 15+20 = 35 ساعة. أي أن وقت دخول رمضان هو 35 ساعة بعد الاقتران إذا لم يُرى الهلال البتة على أي موقع على الأرض، لأي سبب كان، وحتى مرور 35 ساعة على موعد الاقتران المركزي. أن يكون هذا الموعد هو الحد النهائي، أي: 35 ساعة من موعد الاقتران، وهذا ما سميناه في الحلقة الأولى "التمام الفلكي" ولأنه مبني على حكم الشرع، ويقابل اكتمال الشهر ثلاثين يوماً، فهو "التمام الشرعي الفلكي"، ويقابل هذا في بداية رمضان 1431هـ الموعد الآتي:

نهاية فترة الترائي السلبية، وحَدْ التمام الفلكي بالتوقيت العالمي = 3:08 + 35 = 38:08 من بداية يوم الثلاثاء = الساعة 14:08 يوم الأربعاء

وفي هذا الموعد يكون وضع الليل والنهار على الأرض كما بالصورة الآتية:

 

وعندها، لن يجب الصيام على في أي بقعة على الأرض في يوم الأربعاء في كل دول العالم، إلا في جزيرة هاواي التي لم يدخل عليهم نهار الأربعاء بعد (وتقع 5000 كم غرب كاليفورنيا في عمق المحيط الهادي).

الخلاصة

- يتضح من هذا التطبيق العملي على بداية رمضان 1431

1- كيف أمكن استخدام الحساب الفلكي فيما كان فيه يقيني في مواضع وغير يقيني في مواضع.

2- أن الرؤية هي الأصل، ولا مناص منها ولا يمكن استبدالها، وتسترشد فقط بالحساب الفلكي والطقسي.

3- ضرورة وجود هيئة عالمية مدعومة وموثوقة ومسموعة الكلمة، تقوم على إعلان دخول الشهر، وتستند في ذلك إلى هيكلية إدارية تأتي في قمتها إدارة مشروع الرؤية على مدار بدايات الشهور القمرية، ويتبعها إدارة الأرصاد والتنبؤات بخارطة الرؤية الفلكية والطقسية لكل شهر، وإدارة إرساليات الاستطلاع من فرق الترائي الخبيرة والمتخصصة والمكلفة، وإدارة الاتصالات المعلوماتية، وإدارة أبحاث الشهر القمري، والتقويم الهجري (القائم على نمذجة عملية مثلى لهذه الطريقة في دخول الشهر الشرعي)، وإدارة للإعلام الإخباري العلمي والوثائقي على فضائية خاصة بالهيئة، وهذا كله يتطلب دعم مادي ضروري، ربما يمتد ليشمل عدد من السفن المجهزة للرصد الفلكي البحري، وربما طائرات هليوكوبتر إذا استدعى الأمر. وهذا الدعم ليس بالكثير لأنه يخدم كل المسلمين في شعيرة واجبة التعيين على هذا النحو العلمي والشرعي، وإلا لحقنا التقصير، وأسقطنا أمر الرؤية بما تتطلبه الأحوال العالمية الراهنة. ومن يدعي أنه يقيم الرؤية في بلده فقط حسب الشرع - بزعمه – وأنه غير مُلزم بغير هذا فقد أخطأ، وذلك بعد أن أثبتنا له تهافت حجته وأن اختلاف الأحوال قد استوجب اختلاف نظام الرؤية.

ويصبح عندئذ استطلاع هلال رمضان في نواحي أمريكا الجنوبية الأنسب للرؤية - فرض عين على المسلمين جميعاً. وأقل ما يقال في ذلك: أن تقوم القنصليات الإسلامية في مناطق أمريكا الجنوبية، ومسئوليها من مفوضين ثقافيين، بهذه المهمة، أما إذا كان العاملون بهذه القنصليات يتبعون بلدانهم في الصيام، أو أنهم يرون الهلال لأنفسهم فقط، فيجب إبلاغهم فوراً بجسامة هذه الأخطاء، ويصبح التنسيق معهم للقيام بالاستطلاع نيابة عن الأمة، فرض عين. وهذا الأمر ينطبق بالضرورة على دخول الشهور الهجرية الثلاثة: رمضان وشوال وذي الحجة.

 

الهوامش:

[1] تمثل هذه المقالة، "الحلقة الأولى" من دراسة بعنوان [مراجعات مفاهيمية وآليات إجرائية لتعيين علامة دخول الشهر الهجري في الإسلام]، وكان مقرراً إلقاؤها بمؤتمر الإمارات الفلكي الثاني بمدينة أبو ظبي، والذي انعقد بتاريخ 30/5/2010 وحتى 1/6/2010، غير أنه لم يتسن لمؤلف الدراسة حضور المؤتمر لانشغاله، لذا يعرضها هنا - بعد إعادة صياغتها - كحلقات متتابعة بإذن الله:

وجاء ملخص الدراسة الأصلية على النحو الآتي:

[بعد مراجعة مستفيضة لمسألة تعيين دخول الشهر الهجري حسب الضوابط الشرعية، ومراجعة الواقع الفلكي النظري والرصدي والمناخي، تبين أن العوائق التي حالت دون تحقيق المقصد الشرعي في دخول الشهر على نحوٍ مُرْضٍ حتى اللحظة الراهنة، تعود إلى تبني مفاهيم غير صحيحة من جهة الباحثين الشرعيين الذين تناولوا المسألة، وذلك بتأويل النصوص الدينية بشروحها التراثية التي وُضعت لتلائم تجمعات بشرية إسلامية محدودة ومنعزلة، وقد اتسعت معاني هذه النصوص الآن عن سابق عهدها بما يتطلب إعادة النظر في إسقاط النصوص على الواقع، هذا من جهة، ... ومن جهة أخرى أذاع كثيرٌ من التنويريين في بحوثهم العلمية ونداءاتهم التحررية، ثقةً مبالغاً فيها في الحساب الفلكي في تعيين دخول الشهر عن غير تحقيق علمي، وقد اختلط فيه الظن باليقين، والمحتمل بالمؤكد، وكانوا أشد حماساً من الفلكيين في التصريح بيقين الحساب الفلكي، واستبدلوا أعرافاً مدنية وضعية مستحدثة، بالعرف الشرعي الذي لا يقبل التأويل ولا التبديل في تعيين دخول الشهر، ويُعد فعل كلا الفريقين إلى التقليد أقرب، وعن الاجتهاد الضروري في المسألة أبعد، ولأن التقليد جاء من نقيضين متنافرين، بدت المسألة وكأنَّها غير قابلة للعلاج.

وفي هذه الدراسة نحقق القول في المفاهيم والتصريحات التي ارتأينا خطأها من كلا الفريقين، ونطرح تصحيحاتٍ لها، ثم نقدِّم آلية إجرائية نظامية لتعيين دخول الشهر الهجري في مجتمع إسلامي عالمي واحد. وقد حرصنا أن تستوفي هذه الطريقة الضوابط الشرعية كاملةً، وأن تستعين بكامل طاقة الحساب العلمي في الجانبين: الفلكي الرصدي، والمناخي الجوي.]

[*] http://fiqhcouncil.org/

[†] http://astronomysts.com/news-action-show-id-463.htm

[‡] http://www.icoproject.org/icop/ram31.html

[§] Using EarthDesk ver. 4.0, http://www.xericdesign.com/earthdesk.php

المصدر: موقع الملتقى الفكري للإبداع

 
عزالدين كزابر
تاريخ النشر:2010-08-10 الساعة 11:25:58
التعليقات:1
مرات القراءة: 5011
مرات الطباعة: 1081
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan