الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » قضايا فكرية » وجهات نظر

كيف يعيد الدين صياغة حياتنا؟

أ. أحمد بركات

 

كتاب هام في الشأن الثقافي والفكري الأمريكي، يمثل موضوعه الآن الشغل الشاغل للعديد من المثقفين والمفكرين على اختلاف توجهاتهم، وحديث كثير من المنتديات والندوات في الولايات المتحدة الأمريكية.

هذا الكتاب هو «النعمة الأمريكية: كيف يعيد الدين صياغة حياتنا المدنية والسياسية؟» للمؤلفين "روبرت بوتنام" و"ديفيد كامبل" والذي سيصدر في أكتوبر 2010.

الأول أستاذ في السياسة العامة بجامعة هارفارد ويعده البعض "أكثر الأكاديميين تأثيرا في القرار السياسي"، وحاصل على جائزة "سكايت" عام 2006، وله العديد من الإسهامات الفكرية. أما المؤلف الثاني فيوصف بأنه خليفة "بوتنام"،  و"وريثه الصاعد".

والكتاب- الذي سيطرح في السوق قريبا- يتحدث عن الانهيار العلماني في المجتمع الأمريكي في مقابل صحوة دينية تنمو من خلال عمليات حراك اجتماعي وتغلغل شعبوي عبر كافة المؤسسات والطبقات، وتتزايد قوتها من خلال تحالفات سياسية مع عدد من التيارات السياسية وعلى رأسها اليمين القومي في الحزب الجمهوري (المحافظين الجدد).

الدور الأمريكي ما بعد الحداثي

في محاضرة له ألقاها في مايو 2009 في "منتدى بيو للدين والحياة العامة" تحدث "روبرت بوتنام" باستفاضة عن كتابه "النعمة الأمريكية: كيف يعيد الدين صياغة حياتنا المدنية والسياسية؟" على أساس أنه بحث لا يزال قيد التنقيح والتصحيح.

 وقبل الخوض في "النعمة الأمريكية" - والتي يعني بها الكاتب قدرة التيار الديني على التواجد الاجتماعي في جميع مناحي الحياة الأمريكية العامة ليحل محل الأيديولوجيات العلمانية ـ نثبت بعض الخلفيات الخاصة بالفكر الأمريكي عبر السياقات التاريخية المختلفة كمقدمة ضرورية لما قاله "بوتنام".

أولا: يختلف السياق التاريخي والفلسفي للعلمانية الأمريكية عن العلمانية الأوربية؛ فالأولى تستمد مرجعيتها من الثورة الأمريكية، وتقوم على فصل الدين عن السياسة، أو فصل الكنيسة عن الدولة، وبذلك تُبقي على دور اجتماعي تربوي للكنيسة؛ بينما تتمحور المرجعية الفلسفية للعلمانية الأوربية في الثورة الفرنسية، وتقوم على أساس تهميش الدين لحساب الدولة، وجمع كل السلطات في قبضة الدولة القومية.

ثانيا: فكرة فصل المؤسسة الدينية عن المؤسسة السياسية ضرورية ولازمة كواحدة من لوازم المجتمعات المعقدة الحديثة، حيث يستحيل الدمج بين المؤسستين شريطة أن تمثل المؤسسة الدينية المرجعية القيمية والأخلاقية للمؤسسة السياسية، بعيدا عن المنافع الميكافيلية والمكاسب المادية التي لا تنسجم مع النسق القيمي الديني؛ والدمج والتوحد بين المؤسستين هو سمة للمجتمعات البسيطة.

ثالثا: مثلت العلمانية في حقبة ما ضرورة حياتية للغرب الذي كان يتعرض للفناء بسبب الحروب الدينية التي اندلعت بين البروتستانت والكاثوليك، والتي كاد يفنى على إثرها الوجود الأوروبي، حتى إن كلمة (Secular) "بمعنى: علمانى (والأصل اللغوي لها "دنيوي")، ظهرت أول ما ظهرت في صلح "وستفاليا" عام 1648 الذي وضع حدا لهذه الحروب الدموية، وأرخ لظهور الدولة القومية (أي العلمانية)، وإثبات كافة أشكال الملكية والسلطوية للدولة المدنية دون أي شراكة أو تدخل كنسي.

رابعا: مع حلول الربع الأخير من القرن المنصرم بدأ لواء العلمانية في السقوط في المجتمعات الغربية، بعد أن فشلت نظرياتها في حل الكثير من المشكلات، ليظهر مصطلح "ما بعد الحداثة" ليؤكد أن العلمانية كانت تمثل ضرورة وجودية آنية في الغرب في حقبة ما، وليست كما يؤكد "جون فول" "توصيفًا سوسيولوجيًا علميا لما يسمى بالحقيقة الواقعية". وأنه "بعد نحو ثلاثة قرون من نبؤاته، حرى بمبدأ العلمنة أن يلقى في مقبرة النظريات الفاشلة".

خامسا: من الثوابت في الفكر الأمريكي أن الأمة الأمريكية تضطلع بدور أبوي ومسئولية جسيمة للخروج بالعالم من حقبة الحداثة، وهذا ما عبر عنه الدكتور "طارق متري" بـ "مدينة على جبل"، وهي عبارة تشير في الفكر السياسي المعاصر إلى التفرد وتضخم الذات الأمريكية، الأمر الذي يجعلها على مسافة من الآخر تكفل لها الاضطلاع بدور أبوي في إرشاد وتوجيه سائر الحضارات والثقافات.

ورغم الخلفية الدينية السحيقة لهذه العبارة (مدينة على جبل) بورودها في إنجيل متى، إلا أنه قد شاع توظيفها سياسيا من قبل الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الأمريكية، وزاد استعمالها في التاريخ الأمريكي المعاصر في عهد الرئيس رونالد ريجان الذي تزامنت رئاسته مع صعود الحركات الأصولية في الولايات المتحدة الأمريكية وبخاصة داخل الحزب الجمهوري.

الدين وصياغة الحياة الأمريكية

نعود للكتاب الذي لمَّا يخرج بعد للنور، إلا أن مؤلفه الذي حل ضيفا على المؤتمر الذي نظمه "منتدى بيو للدين والحياة العامة" ليلقي الضوء على طرحه الفكري الجديد "النعمة الأمريكية: كيف يعيد الدين صياغة حياتنا المدنية والسياسية؟"، قد أكد على أن الأمور تسير عكس ما توقع العلمانيون المتشددون؛ فالأمريكيون المتدينون يمثلون الوجه الأفضل للمواطنة، وأنهم أكثر سخاء بأموالهم وأوقاتهم، ليس فقط في القضايا المتعلقة بالدين ولكن أيضا في القضايا العلمانية، فهم أكثر انضماما إلى الجمعيات الخيرية، وأكثر حضورا في المحافل العامة، وبعد ذلك هم أكثر تقبلا لأن يتجاوزهم الناس في الصفوف، فالمتدينون الأمريكيون أكثر انخراطا في العمل والحياة الاجتماعية من اللادينيين بنسبة تزيد عن ثلاثة أو أربعة أضعاف.

وفي هذا الصدد يشير "مايكل جيرسون" الكاتب في صحيفة واشنطن بوست إلى أمر هام، وهو أنه على عكس توقعات كثير من المتدينين هذه المرة، فإن هذه الحراكية لا ترتكز كثيرًا على مبادئ ثيولوجية(لاهوتية)، فالسلوك الاجتماعي- بحسب جيرسون- يتعلق بالإحساس بالانتماء أكثر مما يتعلق بالدين؛ فالناس ينخرطون بشكل أكبر، ويسهمون بفاعلية أكثر عندما يملكون الأصدقاء الذين يكسرون عزلتهم، ويدعونهم إلى المشاركة.

ويلفت "بوتنام" النظر إلى حقيقة هامة مفادها أن منحنى الإحساس بالانتماء الديني كان قد تدنى كثيرا بين العديد من الأمريكيين مع بداية النصف الثاني من القرن الماضي، ولم يكن هذا الهبوط تدريجيا أو مباشرا، ولكنه حدث عبر صدمة وتابعين.

أما الصدمة فقد نزلت بالمجتمع الأمريكي في حقبة الستينيات من القرن الماضي عندما أكد المحافظون أن فلسفة الجنس والمخدرات و"الروك آند رول" قد حلت محل الانتماء الديني، حيث كان أبناء الخمسينيات (والذين يشار إليهم في الأدبيات الاجتماعية الأمريكية بـ "جيل الطفرة" Baby Boom Generation، حيث ولدوا في أعقاب الحرب العالمية الثانية التي تميزت بانهيار الثوابت الفكرية، وانتشار الإلحاد) أقل تدينًا بكثير من آبائهم عندما كانوا في نفس أعمارهم؛ مما أدى إلى تغير سريع في الأخلاق والعادات.

وترك هذا الانحسار الديني أثره على كافة الطوائف، إلا أنه كان أقل تأثيرا على الإنجيليين؛ ورغم أن أعداد الإنجيليين لم تتزايد بشكل واضح في الديموغرافيا الأمريكية، فإن نسبتهم المئوية قد تزايدت بين المتدينين، وطبقا لـ "بوتنام" فإن أصحاب المشروعات الدينية من أمثال "جيرى فولويل" نظموا ردة الفعل الدينية المحافظة ضد مبادئ الستينيات، وأمدوا جسور الفكر الديني المحافظ إلى داخل اليمين الديني... وكان هذا هو التابع الأول للصدمة.

ولكن ثمة ردة فعل ثانية ترتبت على الأولى، أو التابع الثاني، حيث إن عمليات تسييس الدين التي قام بها اليمين الديني في الولايات المتحدة الأمريكية ـ كما يؤكد بوتنام ـ أثارت ردة فعل عكسية لدى الشباب في حقبة التسعينيات، لينقلبوا على الدين وليتبنوا فلسفة مفادها: "إذا كان هذا هو الدين، فأنا لست مهتما به".

في هذه الغضون لم يكن من اليسير توقع الآراء الاجتماعية لهؤلاء الشباب، الأمر الذي عولت عليه حركات "مناهضة الإجهاض"، و"حقوق الجنسية المثلية"، لتحقيق مكاسب لهما على أرض الواقع. وأصبح الأمريكان في سن العشرين أكثر علمانية من قرنائهم من جيل الخمسينيات في نفس المرحلة العمرية؛ وأصبح قرابة 30 إلى 35 في المائة منهم لا دينيين ـ تلك الظاهرة التي أشار إليها "بوتنام" بـ " التطور الصدمى"- وكما توقع العديد من الليبراليين، كان اليمين الديني شؤما على الدين.

أما نتيجة الصدمة وتابعيها فكان "الاستقطاب". لم يتغير المستوى العام للتدين في أمريكا كثيرا عبر السنين، ولكن ـ كما يقول "بوتنام" ـ "أصبح في أمريكا مزيد من المتدينين، وكثير من غير المتدينين"، وتوثقت الصلة بين "المعتقدات الدينية والسياسات الحزبية... فأصبح هناك عدد أقل من الليبراليين في صفوف الكنائس، وعدد أقل من المحافظين الذين لا يرتادون الكنائس".

وتتعدد هنا المضامين السياسية؛ فقد أصبح من الواجب على الديمقراطيين أن يحفزوا اللادينيين دون أن يقصوا أصوات الناخبين المتدينين، وهذا بالضبط ما نجح فيه الرئيس "باراك أوباما" ببراعة.

وكان على الجمهوريين، من الناحية الأخرى، أن يتمسكوا بقاعدتهم من الناخبين في المقاعد الكنسية، وأن يتوددوا إلى الشباب ليجذبوهم إليهم في ذات الوقت،غير أنهم لم يكتشفوا هذه المهمة بعد.

وينظر "بوتنام" إلى التنامي اللاديني على أنه سحابة صيف وليس تيارا أيديولوجيا دائما؛ فالشباب بوجه عام ليسوا علمانيين ملتزمين، "إنهم ليسوا في الكنيسة، لكنهم ربما يرتادونها إذا أصبحت شيئا مختلفاً عن اليمين الديني... إن هناك حتما من أصحاب المشاريع الدينية من يمكنهم سد الفراغ بدين إنجيلي معتدل متحرر من المضامين السياسية".

وفي ختام كلمته، يشير "بوتنام" إلى أن "ثمة مطلبا ملحا في السوق المتعددة التيارات للدين الأمريكي... إنه مطلب النعمة والأمل والمصالحة... مطلبا برسالة رحمة وتعافي وتناسي الجميع على اختلاف مرجعياتهم السياسية... قد لا يكون جديدا، ولكنه حتما سيكون ثوريا".

صحوة دينية أم صحوة راديكالية؟

إن الصحوة الدينية التي يشير إليها العديد من المفكرين، والعديد من المؤلفات في الولايات المتحدة هي إرهاصات أيديولوجية أمريكية جديدة قديمة، تبدأ من هناك لتنطلق منه إلى العالم أجمع، كما انطلقت العلمانية من قبل من أوربا.

ولا شك - كما أشار "بوتنام" في أكثر من موضع- أن "دينية" ليست بحال توصيفا أيديولوجيا دقيقا لهذه الصحوة، وإنما هي بالأحرى صحوة راديكالية أمريكية ذات مضامين وأبعاد سياسية. ويمكن هنا استعارة ما أكده الباحث الفرنسي "باتريك ميشيل"، الأستاذ بمعهد الدراسات السياسية ومعهد الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية بباريس ـ والذي وصف هذه الظاهرة بأنها "مؤشر ووسيلة لإدارة استنزاف السياسة بعد أن صارت لدينا أزمة تتمثل في أننا لدينا سياسة وليس لدينا دافع لها، فهي سياسة بلا يوتوبيا.. سياسة بلا حلم". 

إن مرحلة الحداثة اتسمت بإقصاء الدين وسلطوية الدولة، وإذا كان اصطلاح "ما بعد الحداثة"  يشير إلى عدم وجود هوية أيديولوجية محددة لهذه الحقبة (وهذه هي السمة الفكرية لجميع الـ "ما بعديات"، مثل "ما بعد الماركسية" و"ما بعد الرأسمالية"، و"ما بعد الحادي عشر من سبتمبر"... وغيرها)، فهي ـ كما يؤكد الاصطلاح ـ مرحلة انتقالية بين مرحلتين: مرحلة علمانية انحسر فيها الدين في أحسن أحواله في الفضاء الاجتماعي، ومرحلة "برجماتية دينية" يعود فيها الدين من جديد إلى دهاليز السياسة ودوائر صنع القرار من خلال مقاربة راديكالية أمريكية لا تسمح بنشر مبادئ "الحرية والعدل والمساواة" التي حث عليها الدين بمفهومه الأخلاقي الشامل، بقدر ما تسعى لهيمنة أصولية عبر مقاربة راديكالية أمريكية.

المصدر: موقع إسلام أون لاين

 
أ. أحمد بركات
تاريخ النشر:2010-08-17 الساعة 14:29:15
التعليقات:1
مرات القراءة: 2175
مرات الطباعة: 573
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan