الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم ومعارف » علوم تربوية

الحاجة إلى مفهوم جديد للتربية الإسلامية

محمد صلاح الدين

 

في جلسة من الفكر، هادئة أحيانًا، ساخنة ملتهبة أحيانًا أخرى، بيني وبين نخبة من ذوي الثقافات المتنوعة المتعمقة، تدور حوارات وتُثار مُناقشات، تتناول شتَّى المجالات ومُختلف الاتجاهات؛ ولكنَّها حوارات علميَّة ومُناقشات موضوعية، تنشد الحقيقة وتتحرَّى صائب المعرفة، وكثيرًا ما يَحتدم النِّقاش، ويشتد الحوار، ويتصارع الفكر، ولكنَّه في البداية والنهاية حوار فكر مع فكر، وصراع رأي مع رأي، لا يُؤثر في علاقة، ولا يوقف تيار صداقة، وفوق هذا فهو ينمي ثقافة، ويثري فكرًا، ويوضح "مفاهيم"، ويأتي بالجديد المفيد، ومع هذا فهو حوار تتفق فيه الآراء وتختلف، ولا يخلو أحيانًا من إثارةٍ تستفز، وعرضٍ لقضايا تتحدَّى المشاعر وتَمَس ما ألف الإنسان وعرف بل واعتقد، ولكن صدق النية في عرض المُشكلة ونزاهة القصد وأدب الحوار، يَجعل الموقف والحوار فيه ممتعًا آسرًا يتوالد فيه وبه الفكر، وتتوالى الآراء، ويزدان المجلس بروائع فن الفكر، وبكثير من المناقشات في مَجالات الدين والعلم والفن والأدب والأخلاق.

ولعل من أروع ما كان يثار في تلك الجلسات: ما كان يثيره بعض الإخوة، ممن لهم صفاء في النفس ونقاء في الرُّوح، من أمور الفكر الإسلامي، ما كان ينم عن زيغ في العقيدة وإن كانوا يُؤكدون بُعدهم عنه، وبُعد عن الإيمان وإن أعلنوا تَمسُّكهم به، ونقد لبعض ما يثار إسلاميًّا وما يتطرقون إليه من قضايا الدين والمعاصرة، والتربية الإسلامية في مَدارسنا وتركيزها على المعرفة والحفظ، وغير ذلك من القضايا التي تعج بها السَّاحة الثقافية اليوم، والتيارات الفكرية المعاصرة أيضًا.

ولا شكَّ في أن كثيرًا من هذه القضايا تَجد لها اليوم مكانًا، ولها روادها المتحمسون لها، وليست هذه القضايا في مُجملها بنت اليوم، وما أكثر ما كتب الكثيرون عن الإسلام، سواء من المستشرقين أم غيرهم، مُحاولين من خلالها أن ينفذوا إلى طعن فيه، وقد جارى كثيرون منا هذه التيارات، فكانت لهم شطحات فكريَّة، ونزعات من أحاديث الهوى، واتِّجاهات يبدو فيها أثر الثقافات الأخرى، وسبب هذه وسبب الانسياق وراءها والتأثُّر بما تثيره من شكوك وتساؤلات، إنَّما هو ضحالة في الثقافة الإسلامية، وسطحية في فَهْم الإسلام، وفهم حقيقة هذا الدين، ومَراميه، وفلسفته، وأهدافه، وتصور خاطئ بأنَّ ما كان في الأديان الأخرى من سيطرة لرجال الدين موجود في الإسلام، أضف إلى هذا ما لديهم من ضَعْف في الروح الدينية يرجع إلى التنشئة، التي نشؤوا عليها، والتربية التي مرُّوا بها، هذا إضافةً إلى ما هنالك من تفسيرات في الإسلام تُشوِّه، وتُسيء، وتُعطي تصورات لا تليقُ بالإسلام، وفرق تعددت وتناحرت، ومذاهب كَثُرت وازدادت واتَّسع الخلاف بينها في أُمُور ليست في جَوْهر الإسلام، ولا من أسس الإيمان فيه، وكان من أثر هذا كله ما نراه من شططٍ هنا ومُغالاة هناك، وردود أفعال هنا وهناك، وساعد على هذا كله ما يَجري في واقع المُسلمين من شتات، وفُرقة، وضَعف، وتباين في الرأي، والاختلاف في أمور لا يصح الاختلاف فيها.

فلماذا هذا الشتات الفكري مع أنَّ ما في الإسلام من صفاء ونقاء واتِّجاه نحو سعادة الإنسان لا يُقارن بما في غيره من الأديان عقيدة وتشريعًا، وتنظيمًا للحياتين وما يتصل بهما، وأنَّه دين التوازن بين هاتين الحياتين، وفيه من السَّعة واليُسر ما يجعله ربحًا يلائِمُ كلَّ زمان وكل مكان، فلماذا هذا الذي نراه مما يدعو إلى الأسى والأسف؟!

وقد رأيت أن سر هذا الشتات الفكري، والتمزق الثقافي، وهذه الضَّحالة في فهم الإسلام وتشريعاته، وما يبدو من أخذٍ بآراء لا تعبِّر عن جوهر الإسلام وفهم غاياته، وانسياق وراء تيارات من الاتِّجاهات التي تأخذ ما كان في ديانات أخرى منسحبًا على الإسلام وكأنه هو هي، رأيت هذا لا يرجع إلى عاملٍ واحد؛ ولكنَّه يرجع إلى عديد من العوامل، ولعلَّ من أبرز تلك العوامل أن ما نطلق عليه تربية إسلامية في دراستنا لم يكُن للكثيرين من فهم دينهم، ولم يهيئ لهم حماية من الزيغ، ووقاية من التأثير بفلسفات تُحارب الدين، وأيدلوجيَّات تُمعن في نقد الإسلام.

إنَّ ما نراه اليومَ من شططٍ في فكرِ كثيرٍ منَّا من مُثقفين وكثير من الشباب - يَجعل بعضهم يتَّجه غالبًا في تحميل الإسلام ما ليس منه، ويُغالي في أمورٍ قد لا تكون من أسس الدِّين ولا جوهره، ويَجعل بعضًا آخر يُسرف في النَّقد، ويتَّهمُ الإسلامَ بالقصور وعدم ملاءمة العصر، وهؤلاء وهؤلاء ممن ينسبون مَن أسلف إلى الإسلام، ولا شك في أن القصور في فهم الإسلام لدى هؤلاء وأولئك على السواء، وهذا الانحراف الفكري لدى هؤلاء وهؤلاء، وهذا الزيغ في العقيدة وهذه المغالاة في الفهم والتفسير يؤكد على أنَّ التربية الإسلامية في مدارسنا لم تُحقق الغاية منها، ولم تعصم المتعلم من شططٍ فكري قد ينحرف به إلى اليمين مغاليًا، أو ينحرف به إلى اليسار متمردًا.

إنَّ الإسلام لمن يفهمه حقًّا ليس فيه ما يُؤخذ، أو يُؤرخ على غيره، فهو دين صافٍ نقيٌّ، وهو دين سمح مُيَسَّر يلائم الطَّبائِعَ البشرية، ويُحقق للمجتمعات الأمن والاستقرار، والسؤال الذي يطرح نفسه إذا كان هذا هو الإسلام عقيدة وشريعة، فلماذا هذا الذي نلحظه ونراه من شطط فكري ومغالاة وتطرف؟ والجواب: إن العواملَ كثيرة والمؤثرات الاجتماعية والثقافية والنفسية وما إليها عديدة، ولكن الذي لا شكَّ فيه أن التربية الإسلامية بوضعها الحالي تتحمل مسؤولية كبيرة فيما نراه من فكر، وما نلمسه لدى الشباب من سلوك، وما نقرؤه من نتاج كثير من المثقفين والمفكرين.

إنَّ التربية الإسلامية في مدارسنا تركز على الجانب المعرفي، فهي تقدم له من علوم الدين ما يراه الكبار مُناسبًا، وكما ألفناه وعرفناه وتوارثناه، فهي آيات من كتاب الله الكريم ومُختارات من أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومعلومات في العقائد والعبادات، ثُمَّ بعض القيم من خلال ما يسمى بالقيم، وما يسمى بالتهذيب، أو سرد لحياة بعض الشخصيات، هذا هو نهج ما يُسمَّى بالتربية الإسلامية، فهو كما نرى يهتم بالمعرفة، ويَجعلها أساسًا دون اهتمام بترجمة هذا إلى سلوك، والمعرفة كما يقول علماء النفس: إذا لم تكن وظيفية بالنسبة لمن يتعلَّمها تفقد أهميتها عنده، والمعرفة مُهِمَّة من غير شك في بناء الإنسان إسلاميًّا، ولكن الإنسانَ وتربيتَه وإسلاميتَه هو الغاية، وإذا كان الإنسانُ هو الغاية، فيجب أن تأخذ التربية الإسلاميَّة في مدارسنا مفهومًا جديدًا يقوم على بناءِ الإنسان وتربيته إسلاميًّا، والمعرفة من بين العوامل التي تُساعد في هذا التكوين وهذا البناء، وعلى هذا يَجب أن ينتقل مفهوم التربية الإسلامية من مفهوم المادة الدِّراسية، الذي يجعلها كالفيزياء والرِّياضيات والتاريخ، وغير ذلك من المواد الدراسية، والذي يجعل لها من الخطة الدراسية ما يُناسب أو لا يناسب، ومن الزمن ما يلائم وما لا يلائم في الجدول المدرسي... إلخ.

مفهوم جديد

إنَّها تربية وليست معلوماتٍ وحسب، إنَّ المفهوم الجديد هو: "أنَّها عملية تربوية تهدف إلى بناء الفرد وتكوينه إسلاميًّا بناء متكاملاً شاملاً، عقليًّا ووجدانيًّا وجسميًّا"، وعلى هذا يكون المتعلم هو الأساس، وما يتعلمه من عوامل بنائه على مَبَادِئ الإسلام وقوانينه، ولا يكون ما يتعلمه هو الأساس، والتِّلميذ في خدمته لأداء الامتحان، ثُمَّ ينظر فيما يُمكن أنْ يبني عقل المسلم، بحيث يكون الإيمانُ مُنطلق تفكيرِه، وموجه نشاطه، وما يصقل وجدانه، وما يكون لديه اتِّجاهات إيجابية نحو بدنه؛ وقاية وحماية وعلاجًا، بحيث يكون سليم البدن، قوي الجسد، فالمؤمن القوي خير عند الله وأحب، ولا جدال في أنَّ المعرفة عاملٌ مُهِمٌّ في هذا البناء، ولكن يجب أن يكونَ اختيارُها على أساسٍ من وظيفتها، وليس على أساسِ اختيارِ الكبار لها من وجهة نظرهم، وإلى جانب المعرفة نشاطات وسُلوكيَّات ومواقف، فلِكَيْ أُرَبِّي عقلَ المسلم مثلاً؛ ليكون المسلم المفكر الناضج المبدع، ما نوع المعرفة والنشاطات والمواقف... إلخ، تلك التي تُحقق هذا الهدفَ، وكذلك في تربية الوجدان والبدن وهكذا.

إن هذا المفهوم للتربية الإسلامية يضع أسسًا لما يقدم للمُتعلم من معرفة ونشاطات وغير ذلك، بل إنَّه يَجعل كل ما لَه عَلاقة بتربية عقل المسلم، أو وجدانه، أو بدنه، من صميم التَّربية الإسلاميَّة، والله الموفق، وإلى حديث قادم - إن شاء الله - نتناول فيه بعضَ ما أثير من قضايا في حواراتنا التي أشرنا إليها مِمَّا له علاقة بدور التربية الإسلامية في حماية الشباب منه.

المصدر: موقع الألوكة

 
محمد صلاح الدين
تاريخ النشر:2010-08-24 الساعة 15:28:45
التعليقات:0
مرات القراءة: 2107
مرات الطباعة: 471
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan