الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » المشهد الثقافي » فنون وإعلام

أفلام العنف و القتل في السينما الأمريكية: وجهة نظر نفسية

علاوة فنور

 

في عام 1997 أحدث فيلم "سكريم" (الصرخة) لمخرجه الأمريكي "ويست كريفن" زلزالا حقيقيا في سلم إرادات السينما الأمريكية, فقد مثل حينها انطلاقة جديدة وغير متوقعة لأفلام العنف والقتل الموجهة لشريحة المراهقين, والتي تفيض بالإثارة والتشويق و الحركة و الاندفاع, وهي عناصر كافية لجذب انتباه المراهق الباحث عن أي مصدر سواء كان واقعي أو هوامي لتفريغ شحناته الانفعالية الزائدة, و لملا إشباع حاجاته الطبيعية المتمثلة في النزوع إلى حب السيطرة وكسر أشكال السلطة و تجاوز الحدود والاندفاع نحو المجهول باسم الرغبة في التعبير عن الذات والتميز, وفي خضم تلك الزوبعة صرح أحد المشاركين في صناعة الفيلم بأن كمية الدماء – الدماء الصناعية طبعا – التي تم سفكها في الجزء الأول من الفيلم بلغت الخمسين غالون؟.

إن الحديث عن أفلام الجريمة و القتل واسع و متشعب, لذلك لا بد أولا من توضيح بعض النقاط في موضوع الأفلام التي تتناول مواضيعها العنف داخل المجتمع, حتى لا تلتبس الأمور على عقل القارئ, وحتى نتجنب الدخول في الجدليات الفلسفية الخاصة بهذا الموضوع, والتي تقوم عادة على فكرة: من وُجد أولا, البيضة أم الدجاجة ؟. في الإشارة إلى الجدلية التي تقول: هل واقع إنسان العصر الحديث و حياته المعقدة بكل ما فيها من ضغوط وتناقضات هو ما جعل منه إنسانا يميل إلى العنف والعدوان بطبعه, ومن ثم جعل ذلك السينما تعالج واقعه هذا عبر أفلامها؟. أم أن الأفلام السينمائية التي تتطرق إلى العنف و القتل هي من أسست للسلوكيات العدوانية التي صارت تحكم علاقات البشر وقامت بتدعيمها؟. والجواب طبعا لا بد أن يأخذ طابع الوسطية الأمران معا يؤثران ويتأثران ببعضهما. لكن النقطة التي يجب التريكز عليها هي قضية تصنيف الأفلام التي تتناول العنف والقتل, لأنها في الحقيقة تختلف عن بعضها البعض.

فهناك أفلام قامت بعلاج الظواهر الإجرامية والنماذج السلوكية المنحرفة التي تحكم وتسير البشر, أو تحكم طبقات أو جماعات معينة من البشر, من منطلق واقعي يمكننا جميعا إدراك وجوده في مجتمعاتنا أو مجتمعات نعرفها بدرجات متفاوتة, ومن بعض تلك الأفلام, مثلا, ثلاثية العراب للمخرج "فرانسيس فورد كوبولا", وفيلم كازينو للمخرج مارتن سكورسيز. فهي تعالج ظواهر العنف و العدوان و الإجرام بنظرة سوسيولوجية واقعية محضة, وهي موجهة للبالغين من الجمهور بشكل عام.

هناك نوع ثان من الأفلام التي يحضر فيها العنف والقتل, لكنها تأخذ في العادة طابع الخرافة والخيال, كأفلام مصاصي الدماء, التي تجتذب إليها شرائح واسعة من الشباب والمراهقين مقارنة مع النوع الأول المذكور أعلاه. رغم ذلك فإن التفاعل العقلي والعاطفي معها يتوقف دائما عند حدود الواقع, فالمُشاهد حتى وإن أعجبته القصة أو تركت أثرا في نفسه فهو يخرج دوما من حالة التواصل والتركيز بعد نهاية الفيلم وهو يدرك بأن تلك القصة مجرد خيال, لأنه في الواقع لا وجود لمصاصي الدماء. رغم أنه تجدر الإشارة هنا إلى أن تأثير تلك الأفلام – التي تركز على الغرائزية بشكل أساسي – قد يكون له وقع سيكولوجي عنيف على أفكار ومشاعر بعض الشرائح من المراهقين الذين لهم توظيف نفسي ذو طابع فصامي نموذجي, أي أنهم من النوع الذي يتسم بشخصية قابلة للإصابة بالفصام (انفصام الشخصية) في حالة تفككها على إثر صدمة عنيفة. خاصة إذا ما أدمنوا على تلك الأفلام, فقد يدفع بهم ذلك إلى التصديق بتلك القصص والانفصال عن الواقع, وما يترتب عنه ذلك من الرغبة أو الميل إلى إيذاء الآخرين بسبب الأفكار الغريبة التي قد تسيطر عليهم

أما النوع الثالث من أفلام العنف – وهو الذي خصص له هذا المقال – هو ذاك النوع من الأفلام الدعائية الموجهة خصيصا إلى شريحة المراهقين, والتي تتعرض مواضيعها في العادة إلى قضايا ما يعرف بالجرائم المتسلسلة, التي يقوم بها أفراد من ذوي الشخصيات المضطربة أو المضادة للمجتمع.

ربما يصعب علينا في البداية فهم ذلك النجاح والانتشار الغريب الذي صنعته أفلام السفاحين لدى شرائح واسعة من المراهقين بشكل عام, والمراهقين الأمريكيين بشكل خاص. لكن الأمور حتما ستصبح واضحة إذا ما بينا مفاهيم العنف والسلوك العدواني وخلفياتها من وجهة نظر علم النفس الحديث من جهة, ومحاولة إسقاطها على تلك الأفلام من ناحية نقدية, بأخذ فيلم الصرخة كنموذج لنفهم حقيقة النجاح والتأثير الذي صنعه, ثم نصل إلى بعض الملاحظات والاستنتاجات والتحليلات في خاتمة هذا المقال.

إن ظاهرة السلوكيات العدوانية ليست حديثة العهد, فهي ظاهرة ظلت وستظل ملازمة لحياة المجتمعات مهما اختلفت من حيث تركيبها ونوع النماذج أو المنظومات العلائقية التي تحكم و تسير وتنظم حياة أفرادها وجماعاتها. ويُعرَّف السلوك العدواني في علم النفس عموما بأنه ذلك السلوك والرغبة المشكلة من دوافع الغضب أو الحقد أو السيطرة, الموجهة لإيذاء الآخر أو إخضاعه وإذلاله أو القضاء عليه وتدميره. كما قد يأخذ السلوك العدواني منحى ضد الذات نفسها. في الحالتين معا يذهب علماء النفس عموما إلى تفسير البنية التحتية التي يقوم عليها السلوك العدواني بأنها مشكلة من مشاعر الاستياء والإحباط و اليأس والخوف من الفشل ومشاعر النقص, وهي مشاعر تتوافق عموما مع الحالة النفسية التي يعيشها المراهق في العادة, وهذا ما يجيب عن جزء من السؤال. فهناك مجموعة من النزعات الداخلية الناتجة عن الإحباط والقلق التي تميز حياة المراهق, وبخاصة المراهق في الغرب, والتي تبحث عن سبل معينة للتجسد والتعبير عن نفسها. ولهذا تأتي أفلام العنف والقتل لتشكل محفزا مناسب لحركة تلك النزعات داخل النفس من خلال التفاعل مع ما تطرحه تلك الأعمال التي تصور السلوك العدواني في أقصى و أعنف حالات تجسده. والسبب الرئيس في ذلك هو الفراغ الذي يخلفه غياب القيم الأخلاقية التي كانت في الماضي تقترح طرقا معينة من التفكير والسلوك للتعامل مع نزعات النفس السلبية والمشاكل التي تنجر عنها. لذلك صارت أفلام الرعب والقتل هي البديل غير المعلن الذي ينادي سيكولوجية المراهقين بصوت خافت ليواسيهم في قلقهم الدفين واضطرابهم المنجر عن البحث عن معنى للذات والحياة. إن لم نقل أنه يوحي إلى بعضهم بالحلول التي ينفسون من خلالها عن كبتهم وإشباع رغباتهم المنحرفة أصلا بسبب أساليب التنشئة والعيش الخاطئة, وهكذا تصبح ظاهرة نجاح هذا النوع من الأفلام وتأثيرها وسط شريحة المراهقين واضحة ومفهومة.

لنأخذ فيلم الصرخة كمثال. إنه فيلم يحكي قصة مراهقة مطاردة من قبل قاتل مهوس بسبب قضايا عائلية وشخصية عالقة, وكي يحول حياتها إلى جحيم لا يطاق, فإن هذا الشخص المريض والحاقد يبدأ في سلسلة من الجرائم التي تستهدف المحيطين والمقربين من الفتاة, إذ تأخذ جرائم القتل المروعة منحنى تصاعدي, يزداد عنفا وهمجية كلما اقترب السفاح من ضحيته الرئيسية.

يمكن أن نميز العديد من العناصر الدرامية في الفيلم التي تحمل دلالات ورسائل سيكولوجية محضة, مثلا: يظل القاتل مجهول الهوية طيلة أحداث القصة رغم التركيز على أنه أحد معارف الشابة من خلال الحبكة, وكل ما يطلع عليه المشاهد هو شخص يرتدي سترة سوداء و يضع قناعا يوحي كثيرا إلى ملاك الموت, يحمل في يده سكين ذبح كبيره. و قد لا يعلم أكثر الناس السر النفسي الصغير عن القناع, فالكثير منا يظن أن القتلة واللصوص يضعون الأقنعة في العادة ليبقوا هوياتهم مجهولة, إلا أن الأمر الآخر الذي تجهله الأغلبية هو أن بعض البحوث النفسية اكتشفت أن الأقنعة تعمل على إضعاف الرقابة الذاتية على السلوك, أو بعبارات أكثر وضوحا فالفرد في حالة إخفاء وجهه خلف القناع يجد نفسه مستعد للقيام بأعمال تحمل قيمة سلبية سواء داخل نفسه هو أو داخل الجماعة أو المجتمع الذي ينتمي إليه, قد لا يستطيع القيام بها أو لا يقوم بها بالشكل المرجو إن كانت ملامح وجهه مكشوفة لدى الآخرين, بسبب القيم التي بُرمج عليها العقل الباطن منذ الصغر والتي تؤثر على السلوك آليا. ناهيكم عن الموضوع الذي يُعبر عنه القناع ذاته, فتراجع الرقابة الذاتية تقابله عملية إدماج شكل أو موضوع أو رسالة القناع في الشخصية, وفي الأفلام تصبح شخصية وسلوك القاتل واضحة تماما وضوح معالم وموضوع القناع نفسه (ملك الموت, شبح, ذئب, مصاص دماء, زامبي, خنزير).

الشيء الآخر المثير في شخصية القاتل, هو الأداة التي ظل يستعين بها في ارتكاب جرائمه, والمتمثلة في السكين الكبيرة, ففكرة اختيارها أكد على الذكاء السيكولوجي لصناع الفيلم, إذ أنه كان بالمقدور اختيار أداة قتل أخرى أكثر تطورا من السكين وطريقة أكثر رأفة وسرعة من الطعن والذبح. فالأمر هنا لا يتعلق بالسادية الكبيرة التي ميزت القاتل وتلذذه الكبير بإلحاق الأذى بالآخرين, بقدر ما يتعلق أيضا بالرجوع والنبش في أعماق نفس المشاهد لاستثارة أكثر نزعاته وغرائزه بدائية و وحشية, والتي تعبر عنها أداة القتل والطريقة التي يتم بها ذلك, بشكل يذكرنا بتلك الوحشية الفطرية التي كان يصطاد بها إنسان ما قبل التاريخ, وغريزة القتل التي تحرك وحوش الغاب للانقضاض على فرائسها, إنها صورة مماثلة لما يحدث في الأدغال حيث لا قانون ولا رقابة, أين يجد القوي المتمكن نفسه حرا في فعل ما يريد باسم القوة التي تمنحه الحق في فعل ذلك. وفي حالة الفيلم وفي هذا العنصر بالذات, يمكن إذن استخلاص بعض الرسائل التي يبعث بها إلى العقل الباطن.

الأمر الآخر الذي يثير الانتباه والملاحظة, هو الصورة العامة عن ملامح شخصية القاتل التي يتم استنتاجها انطلاقا من أنماطه السلوكية المحددة, والتي تتمثل عموما في الذكاء الشديد وسِعة الحيلة, لكن الأهم والأعمق من هذه الملاحظات المبدئية هو كون هذه الشخصية السيكوباتية تبدو في أغلب مراحل القصة مستمتعة تماما بما تقترفه من شر, ومن أهم صور ذلك هو تفننها في ابتكار طرق القضاء على الضحايا رغم استخدامها لآلة قتل واحدة, و كأنها تمارس هواية لطيفة, وتلك المتعة مستمدة أساسا من براعة القاتل في التخطيط و التحكم في مجريات الأحداث, وهو أمر يوحي بالتفوق ويوحي أيضا بالرغبة في السيطرة والسادية واحتقار الآخر, والتي تعتبر جميعها من بواعث ومحركات السلوك العدواني دائما. فالأمر يتعدى مجرد شخصية ذكية, لأنه وفي مقابل ذلك, تظهر شخصيات الضحايا جميعها كقطيع من الحملان المسكينة, التي لا حول ولا قوة لها أمام بطش ذلك الذئب المتعطش لسفك الدماء والذي لا يموت ولا يستسلم بسهولة. والأهم من ذلك هو أن الضحايا وطيلة سير الأحداث يستمرون في محاولات الوصول إلى اكتشاف شخصية القاتل باستعمال قدراتهم العقلية في التحليل لكن من دون فائدة, لأن السفاح يبدو أذكى من الجميع, وبشكل ما يكاد يقترن ذكاؤه مع قسوة قلبه وبرود عواطفه وكذا جرأته واندفاعه لتنفيذ ما يعد به. لتصنع كل هذه التركيبة والعناصر السالفة الذكر في النهاية تفرد شخصية السفاح, وفي ذلك رسائل ومفاهيم أخرى لعقل المراهق المتابع للفيلم, لأنه ومع الغوص الفكري والعاطفي مع تلك الأحداث, وكلما كانت طاقة المشاعر كبيرة ومتلاطمة في النفس ومتفاعلة مع تلك الأحداث المخيفة والصور النمطية التي حاكها السيناريو عن الشخوص في ذهن المتفرج (القاتل الجلاد القوي والضحايا الضعاف) فإن أهم فكرة تخترق الوعي وتصل إلى أعماق اللاوعي المفتقر للمفاهيم الأخلاقية هي: لا أود أبدا أن أكون مكانهم وأفضل أن أكون مكانه هو أو: له الحق فيما يفعل لأنه الأفضل.

لقد أثارت الحملة الدعائية لهذا الفيلم ردود أفعال محذرة وسط المجتمع المدني في الولايات المتحدة, وخصوصا من طرف جمعيات أولياء التلاميذ والمدرسين, الذين أعربوا عن قلقهم تجاه الانعكاسات النفسية والعقلية التي سيخلفها ترويج هذا العمل على المراهقين. لكن العمل عُرض وفقا للأجندة التي رسمت له, وقد أحدث المفاجأة فيما يخص إيراداته التي فاقت كل التوقعات مقارنة مع ميزانيته المتواضعة, بل ودعم وجود شريحة من المراهقين أضحت تسمي نفسها: المهوسون بأفلام الرعب. لكن الأهم من ذلك هو ما بدأ يحدث بعد أيام وأسابيع قليلة من عرضه, حيث شهدت بعض المدن الأمريكية بعض الأحداث الإجرامية البشعة, ارتكبها شباب قلدوا القاتل في الفيلم, ولم يكن مفاجئا أن يكونوا من المهوسين بأفلام السفاحين. وبطبيعة الحال فإن ذلك لم يكن ليثني منتجي الفيلم عن إنتاج جزء ثان وثالث للقصة, رغم أن الجدل الذي كان دائرا في الأوساط الاجتماعية والثقافية الأمريكية حول المغزى الحقيقي من ترويج تلك الأفلام في الشباب, كان قد وصل إلى أروقة مجلس الشيوخ الأمريكي, لكن دون فائدة؟, فالأمر تحول إلى جشع صريح بالنسبة لمنتجي هوليوود. و بعد سنوات طلت علينا أفلام أخرى من نفس النوع, أي أعمال تتناول القتل والعنف لأهداف دعائية وتجارية بالنسبة لصناعها, ولعل أشهرها كان سلسلة ساو (المنشار) للمخرج جيمس وانغ التي فاقت كل حدود العنف والعدوانية, وقد لاقت نجاحا وشهرة عبر العالم, وطبعا ظلت تروج لمفاهيم القتل العنيف والانتقام الشديد والقصاص المتوحش وأساليب التعذيب البدني والمعنوي الخالية من الرحمة, رغم أن بعض المدافعين عن أفلام الرعب قد يقولون بأن المنشار وجِّه لفئة أكبر سنا من الجمهور, لكن الحقيقة هي أنه كان موجه لنفس الجيل الذي هضم الصرخة بمشاعره وأفكاره, فبعملية حسابية بسيطة سنكتشف أن الأعوام التي عُرض فيها المنشار كان المراهق الذي شاهد الصرخة قد صار رجلا و بلغ السن القانونية التي تخوله مشاهدة ما يريد.

أما فيما يخص فحص وتقييم آثار هذه الظاهرة, فقد يعتقد البعض عبثا أن أفلام القتل والرعب الدعائية, وما تحمله من مشاهد لسفك الدماء وعبث بالأحشاء وتفنن في طرق القتل وتلذذ بمشاعر السادية, تترك في المراهق آثارها بسبب عدم نضجه فكريا وانفعاليا دون الراشد, إلا أن الحقيقة غير ذلك, لأن الراشد معرض لنفس تلك المخلفات, سوى أن الأمر يختلف من ناحية ديناميكية إن صح القول. فالتأثير عند المراهق ينطلق من المشاعر كونها المسيطرة تقريبا على مجريات الحياة النفسية, ومنها يصل إلى الفكر فيصوغه بطريقة معينة لينتهي إلى السلوك. أما عند الراشد فالتأثير ينطلق من العقل والأفكار لينتقل ويبدأ في تغيير المشاعر لينتهي إلى تغيير السلوك. و من جهة ثانية هناك جانب كمي متعلق بعدد أفلام القتل التي يشاهدها المرء, فذاك الذي يشاهد هذا النوع من الأعمال الدرامية على مدار العام ليل نهار ليس كذاك الذي يشاهدها من وقت لآخر في سياق مشاهدة الأفلام بشكل عام. كما يتدخل جانب ثالث وهو حالة الإنسان الانفعالية, فقد نلتقي بشخص لم يشاهد فيلم قتل في حياته, وقد يصادف أن يشاهده وهو يمر بأيام من الاضطراب النفسي جراء ضغوط شديدة أو فشل كبير أو صدمة فيحدث التأثير عليه, بل قد يكون ذلك التأثير أعنف عليه من أي شخص آخر. أما الجانب الرابع فهو ما يعرف في علم النفس بمسلمة الفروق الفردية إذ لا بد من أخذ الاستثناءات النادرة بعين الاعتبار دائما, حتى لا تختلط علينا الأفكار والأحكام وتكون النظرة شمولية و دقيقة في آن واحد, فقد نلتقي بشخص يحب أفلام الرعب والقتل, لكنه عموما شخص مستقر ومتحكم في حياته وواع تماما بما يحدث والعكس صحيح.

إن المقلق بشأن أفلام السفاحين الدعائية ليس متعلقا بآثارها التي تخلفها على الأفراد من ذوي الخلفيات النفسية الهشة, رغم أن تلك الآثار يمكنها أن تؤدي إلى بعض الاضطرابات النفسية التي تأتي ببعض المشاكل أو الأحداث المزعجة التي قد يتسبب فيها أولائك الأفراد المرضى, لأن تلك الأحداث تتسم عموما بطابع العزلة. لكن القلق الأساسي يأتي من حقيقة التأثير الذي تمارسه تلك الأفلام على الجماعات, لأن مشاهدتها أو الإدمان عليها يحدث في سياق جماعي, فهي تشكل فرصة لالتقاء أشخاص يحملون نفس الأفكار والتوجهات كما هو الشأن مع المهوسين بأفلام الرعب, الذين يتقاسمون نفس الخصائص السيكولوجية المختلة, فشبكة العلاقات الشخصية والاجتماعية التي تبنى في إطار نشاط متابعة تلك الأفلام أو الاحتفاء بها, قد تعمل على تغذية تلك الخصائص والميول والأفكار الغريبة أو المرضية بين الأفراد بسبب الاحتكاك والتفاعل فيما بينهم, لا بل قد تخلق بوادر لظهور نوع من التجمعات أو الجماعات ذات الأفكار المتطرفة والمنحرفة مستقبلا, ومن ثم يكون الخطر أكبر على المجتمع.

رغم كل هذا فسلطة الجشع والطمع الهوليودي لا تزال تفرض منطقها على الجميع, حتى لو تعلق الأمر بنشر العنف والهمجية والنزعات الدموية وسط الأجيال في أمريكا والعالم, وفي الوقت الذي يقف فيه ساسة و ُقال أمريكا عاجزين عن وضع ضوابط لهذه التوجهات السينمائية المدمرة للعقل والمشاعر, وهذه المجازر السيكولوجية التي ترتكب في حق الأطفال والمراهقين باسم حرية الإبداع والفن والليبرالية, يبقى أضعف الإيمان هو التنبيه إلى هذه الحقائق من وقت لآخر, حتى يتذكر الشباب و الآباء و الأمهات ما يحدث من حولهم و من تحت أقدامهم.

المصدر: موقع ضفاف الإبداع

 
علاوة فنور
تاريخ النشر:2010-08-31 الساعة 13:52:29
التعليقات:0
مرات القراءة: 2201
مرات الطباعة: 560
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan