الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم إسلامية » أخلاق وتزكية

الوظيفة النفسية للصلاة

عمر مناصرية

 

إن للصلاة العديد من الفوائد النفسية، التي إن تحصلنا عليها، في صلاتنا، أمكننا تطبيقها عمليا في الواقع، وهذا يساهم بدوره في تغيير هذا الواقع.

وأول ما علينا وعيه هو أننا حين ندخل الصلاة، فتحن ندخل لحظة مواجهة نفوسنا، برغباتها وخواطرها وانشغالاتها وأسرها الذي تريد المضي فيه دون رادع، وهذه اللحظة التي تتيحها الصلاة خمس مرات في اليوم، عملية شاقة لمن حاول اتخاذ موقف فيها، وليس كما يبدو، مجرد لحظة للشرود. إنها محاولة للوقوف أمام النفس، ومحاورتها وتغييرها، للوصول إلى الله، فقبل أن تصل إلى الله وتحصل على المعنى الحقيقي للصلاة، لابد أن تواجه نفسك وتتجاوزها.

هذه الحقيقة، تجعل من الصلاة، لحظة معاناة لنا نحن الذين لم نتعلم بعد قيادة نفوسنا، ولحظة راحة وسعادة لمن استطاع التغلب فيها على نفسه، وقيادتها.

ولهذا الغرض، تؤدي الصلاة العديد من الوظائف النفسية، ومنها:

1- النهي عن الفحشاء والمنكر:

إن أول ما نعرفه عن فوائد الصلاة النفسية هو أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، فقد قال الله تعالى: )اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ( [ العنكبوت، 45]

وقد ذكر ابن كثير في تفسيره، )اُتْلُ مَا أُوحِيَ إلَيْك مِنْ الْكِتَاب( الْقُرْآن )وَأَقِمْ الصَّلَاة إنَّ الصَّلَاة تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاء وَالْمُنْكَر( شَرْعًا: أَيْ مِنْ شَأْنهَا ذَلِكَ مَا دَامَ الْمَرْء فِيهَا )وَلَذِكْر اللَّه أَكْبَر( مِنْ غَيْره مِنْ الطَّاعَات فَسَّرَ الْآيَة بِأَنَّ ذِكْر اللَّه أَكْبَر مِنْ غَيْره مِنْ الطَّاعَات وَاَلَّذِي فَسَّرَهُ الْعُلَمَاء: أَنَّ ذِكْر اللَّه بِالصَّلَاةِ أَكْبَر مِنْ ذِكْره فِي غَيْرهَا )وَاَللَّه يَعْلَم مَا تَصْنَعُونَ( فَيُجَازِيكُمْ بِهِ.(1)

وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد بها من الله إلا بعداً).(2)

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قيل له: إن فلاناً يطيل الصلاة قال: إن الصلاة لا تنفع إلا من أطاعها، ثم قرأ: )إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ(.(3)

فللصلاة دور مهم على هذا الصعيد، إذ أنها تقع في مواجهة الفحشاء والمنكر، وسنحاول هنا أن نفهم هذه الآلية في الحدوث، ليس من جانب شكلي فقط، وإنما من جانب تفاعلي ونفسي وداخلي.

فالصلاة تقوم في أحد أهم وظائفها، بالتغلب على التفاصيل، في سعيها نحو وحدتنا النفسية، لأننا حين نتصل بالواحد الأحد الذي هو كل، فإنما نفعل ذلك بالتغلب على التفاصيل وإهمال الأجزاء. ألا ترى أنك حين تدخل إلى الصلاة فإنما تواجه سيلا من التفاصيل الصغيرة والنتف التي تهملها بعدها، وليس ذلك إلا لأن عمل الصلاة هو ضد عمل الشيطان، ففي التفاصيل، يمكن التناقض والاختلاف والتعارض، وكلما جردنا ذواتنا عن التفاصيل كلما حصلنا الوحدة والكل، وهذه العملية، هي الأساس في قدرة الصلاة على النهي عن الفاحشة وسائر المنكرات، ليس بسبب قدرة خرافية فيها، أو لسبب مجهول لا نعرفه، وإنما لأن رذائل العصر كلها تقوم على توظيف التفاصيل والأجزاء، فهي تغرق الإنسان في تفاصيل تافهة جدا، وما الجنس سوى توظيف للتفاصيل بحيث يؤدي ذلك إلى زيادة الإثارة والرغبة.

ولنلاحظ كيف أن الموضة في اللباس، تقوم بنزع قطعة لباس بعد أخرى عن الجسد، أو لصقه بها، حيث انتقل اللباس الإنساني من الغطاء الكامل الذي يمثل مظهرا من مظاهر الكل(4) إلى التنوع، ثم الضيق لإبراز التفصيل، ذلك الذي كان مخبأ في مكان ما تحت اللباس.

وإبراز التفصيل وليس تعريته، هو الذي يثير النفس، لأن النفس، حين تعري أمامها جسدا بصورة متكررة فإنها ستعافه، لكنك إذا أبرزت تفصيلا ما بطريقة خاصة، فإنك ستحقق الإثارة اللازمة، وهنا نعرف، لماذا قام الشيطان بتعرية آدم وحواء، وتحذير الله للبشر من بعدهما من هذا الخطر، وهو نزع اللباس، وهذه عملية ليست كاملة أو تحدث مرة واحدة، وإنما هي عملية متطورة في الثقافة، تنمو وتزداد حينا بعد آخر، حتى تتم التعرية النهائية، فكأن تعرية آدم وحواء في الجنة، هو عملية مختصرة أو تمثيل لكل العملية التي تحدث على الأرض، خاصة وأننا نعرف أن اللباس لم يصبح كما نراه الآن، إلا بعد قرون طويلة من التطور، المتصل بتطور الإثارة الجسدية، والاستهلاكية عموما.

والجسد الأنثوي خاصة، بالنسبة للرجل طبعا، ما هو إلا أسئلة يسعى للإجابة عنها، وكلما أبرزنا جزءا من هذه الإجابة أو من هذا التفصيل، كلما استطعنا أن نخلق الإثارة والرغبة اللازمتين وأن نجددهما.

غير أن هناك وظيفة متعلقة بهذه الآلية النفسية، وهي وظيفة تتعلق بالذات المثارة، وليس بالذات المستثيرة، فالإنسان يستطيع أن يضيف إلى الأشياء الناقصة ما يجعله يحقق الاكتمال.

فالجسد الأنثوي أو الذكوري، هو جسد، غير أن الآخر، يضيف له اللذة حين يراه كمخالف له ونقيض. ليسعى بعد ذلك إلى ملء الهوة بينهما، وليحقق وحدته به.

فنحن نضيف انفعالات وإدراكات من خارج الأشياء إليها، كلما أدركناها كنقيض، ونتلذذ بتلك الإضافات، وهذا يحقق لنا القدرة على التعامل معها.

وهكذا، يكون عمل الموضة والفتنة، هو إبراز تلك الساحات التي تجعل من أذهاننا تقوم بدور الإضافة إليها، فكلما برزت مجموعة من التفاصيل من الجسد قام الذهن بادراك الاختلاف والتناقض، واختصر مسافة الرغبة، وعمل من أجل الوحدة. ولذا سنعرف لماذا لا يهتم البشر بالجسد العاري تماما، لأنهم لا يستطيعون إضافة أي شيء إليه، أي أنهم لا يقومون بتوظيف آلية الإضافة والإدراك كمخالف.

فكلما أبرزنا الاختلاف بين الرجل والمرأة، أو بين الفقير و الغني، أو بين المتحضر والمتخلف، كلما قويت الرغبة في تحصيل الآخر، وهكذا تنشأ الفاحشة حين نزيد من إدراك التناقض مثلا بين الرجل والمرأة، بتعريتهما، وإبراز ما بينهما من اختلاف جسدي، هنا تنشأ كل الأمراض، ولنا أن نتذكر بأن المسلم والمسلمة في زمن الإسلام الأول، كان لباسهما متشابها جدا، كانت المرأة ترتدي حجابها، وكان الرجل أيضا يرتدي قميصه، وهما متشابهان من حيث الشكل، مع أنهما مختلفان في اللون، ومع العصر، والتطور الحاصل في الحضارة الغربية، ازدادت مسافة التناقض بين الرجل والمرأة.

إن الصلاة تعمل عملا نقيضا تماما لهاتين الآليتين، فهي تسعى لطمس التفصيل وتجريده للوصول إلى الكل. وبتغلبنا على وسوسة النفس والشيطان، فإننا نتغلب على التفاصيل التي يثيرانها، وننتقل من الحالة الحسية إلى الحالة المجردة. وبوصولنا إلى الكل، فنحن أيضا نكتسب القدرة على التخلص من الفتنة الجسدية والجنسية.

فالرذيلة توظف التفاصيل والاختلاف لإتاحة الفرصة أمام العقل ليقوم بممارسة هوايته في الإضافة التي تحقق له التلذذ الحسي.

أما الصلاة فتوظف الكل والتخلص من التفاصيل والاختلافات للحصول على لذة روحية.

وهذا التناقض بين الصلاة و مبدأ اللذة، هو الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر، فهي آلية متطورة في النفس، وقدرة تكبر شيئا فشيئا، وليس كما نتوهم مجرد عملية تحدث في النفس بصورة لا عقلانية، أو بصورة سريعة غير مفهومة.

حقيقة، ليس هناك من شخص، قادر على النجاة بنفسه من نظرة أو التفاتة، أو فكرة أو صورة، إلا أولئك الذين طوروا أنفسهم في الصلاة، وعدم التأكيد على هذا يوقعنا في الكثير من السطحية وبأن الأمور أو القدرات الدينية ما هي إلا أفكار خيالية تحدث بطريقة خرافية، بينما هي في الحقيقة، آلية عقلية واعية، تحدث بإرادتنا إذا فهمنا منهجيتها في الحدوث.

2-التطهير:

التطهير هو الوظيفة الثانية للصلاة التي نجدها في السنة النبوية الشريفة. فقد أخرج البخاري ومسلم وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (أرأيتم لو أن بباب أحدكم نهراً يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيئاً؟ قالوا: لا يا رسول الله . قال: كذلك الصلوات الخمس يمحو الله بهن الذنوب والخطايا)(5) .

وأخرج أحمد والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه بسند صحيح عن عثمان قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ، ثم قال من توضأ وضوئي هذا، ثم قام فصلى صلاة الظهر غفر له ما كان بينه وبين صلاة الصبح، ثم صلى العصر غفر له ما كان بينه وبين صلاة الظهر، ثم صلى المغرب غفر له ما كان بينه وبين صلاة العصر، ثم صلى العشاء غفر له ما كان بينه وبين صلاة المغرب، ثم لعله يبيت يتمرغ ليلته، ثم إن قام فتوضأ وصلى الصبح غفر له ما بينها وبين صلاة العشاء، وهن الحسنات يذهبن السيئات قالوا: هذه الحسنات فما الباقيات يا عثمان؟ قال: هي لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم). (6)

وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وفي حديث بكر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء قالوا لا يبقى من درنه شيء قال فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا).(7)

ويحسن أن نفرق أولا بين التطهير من الذنوب والنهي عن الفحشاء والمنكر، فالتطهير يرتبط بالذنوب والصغائر، لأنها تحدث بين الصلوات ثم يمحوها الله بسببها. أما الفحشاء والمنكر، فترتبط بالنهي التام عنها بسبب الصلاة لأنها من الكبائر، فالعبد لا يأتيها مطلقا، ومن كان يأتيها فإن الصلاة تمنعه بعد ذلك عنها، أما إذا لم تنهه عنها فلا صلاة له وسيزداد بعدا عن الله كما في الحديث، بعكس الذنوب التي قد تحدث لأن ارتباطها بالتفاصيل اليومية يجعلها واردة الحدوث.

والصلاة تمحو الذنوب، كما تمنع عن الفحشاء والمنكر.

وسبب الذنوب هو أن العبد لا يستطيع التخطيط لحياته اليومية بصورة شاملة ودقيقة، وذلك لقصوره عن إدراك كل متغيرات حياته، فقد يخرج ويجد صديقا ليغتاب آخر، أو يصطدم بآخر أو بشيء، فيغضب، أو قد تمر به امرأة فتخونه عينه، فينظر مرة بعد مرة، أو قد يفعل أيا من تلك الأمور التي لا يدري كيف يقع فها.

والصلاة تنمي فيه آلية المراقبة، حين ينتقل وعيه من داخله إلى خارجه، فمن المعروف، وكلنا قد جربنا ذلك، أننا كثيرا ما تكون رقابتنا على دواخلنا أشد، فيتم عندئذ إهمال الخارجي من حياتنا، فنصطدم ونتعثر ونرتكب الذنوب بسبب هذا الوعي المنصب على الداخل.

ومن كان هذا شأنه، عانى الكثير من الإحباط والتأثر والوقوع في الأخطاء الكثيرة، لأنه لا يدرك سوى ذاته. دونما حساب لمتغيرات الخارج.(8)

وحين نصلي، فنحن نفعل أيضا تلك الآلية في إخراج وعينا من داخله وتوجيهه نحو الخارج.

وهذه الظاهرة، تتمثل في توجيه حواسنا نحو الله، إذ في صلاتنا غالبا ما يكون وعينا متجها إلى الداخل، حتى في تلك الأمور التي نفكر بها خارج المسجد، لأننا نكون أسرى الذاكرة اليومية. أما حين ننمي آلية المراقبة، فنحن نبدأ في النظر إلى الأمام، مدركين موقعنا من الذات الإلهية، وهنا ندرك أجسادنا وشخصياتنا ككينونات جديدة، ونصبح بالتدريج قادرين على الرؤية نحو الخارج.

وحين نخرج أيضا إلى الحياة، فسنحمل هذه القدرة، وسنوظفها أيضا. بحيث نكون في الغالب، متجهين بإدراكنا نحو الخارج وليس الداخل.

وهذا ينمي فينا المراقبة والتقوى، بحيث نكون قادرين في الأغلب على التفكير في الأشياء بصورة جديدة، وسنقلل من خسائرنا النفسية اليومية.

3-الضبط والتحكم:

إن هذان الشكلان من أشكال التربية والتزكية، لهما الأساسان في معظم ما جاء به الإسلام، وأنت ترى ذلك، حين تنظر إلى العلم وما يبدأ به من فهم وتفسير للظواهر، كظاهرة السلوك مثلا، فعلم النفس، يحاول في البداية فهمه وتفسيره، ومن ثم التحكم فيه وضبطه، وأخيرا التنبؤ به.

غير أن الإسلام يرى العكس، فهو يهدف إلى تقوية عمليات الضبط والتحكم أولا، ليس تفريطا منه في عمليات الفهم التي يمارسها العلم، وإنما لأن الإسلام، يدرك مفهوما للإنسان، يختلف عن النظريات العلمية، وهو أن الإنسان يمر بتجربة في حياته، لذلك يضعه موضع الاختبار العملي وليس الفكري، ليفعل أداوته الفكرية، فلا يبقى حبيس ذهنه وهواجسه، وإنما يدفع به قدما في التجربة، ومن ثم يجد هذا الإنسان نفسه، وهو يرتاد أفاقا عملية وحياتية، لم يكن ليعرفها، لو بقي حبيس الذهن والفكر فقط.

من هنا يأتي السلوك في الإسلام منضبطا، ومؤسسا على التحكم، حتى أن أي فعل نقوم به، مهما كان صغيرا، لهو ضبط للنفس وتزكية لها.

ومثل ذلك ضبط الكلمة التي تخرج من اللسان والتحكم فيها، فهي تبدو عملية سهلة بسيطة، غير أن من يمارسها أو يحاولها سيجد صعوبة كبيرة في ذلك، نظرا لأن الكلام هو شهوة، وهو أكبر ما يعبر عن شهوات النفس، وسنجد أن الإسلام يحرص أشد الحرص على صون اللسان، كما أتت بذلك الأحاديث والآيات الكثيرة التي تجعل من ضبط اللسان فاصلا بين الدخول إلى الجنة أو النار، كما في الحديث، (وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم).

ونمارس عملية الضبط في الصلاة بشكل أكبر، لأن عملية الضبط هنا تتجه، إلى العمق، أي إلى داخل الشخصية وما تزخر به من ظواهر.

وقد تعلمنا في الصلاة، كيف نتحكم في حركاتنا وأقوالنا، غير أنه تحكم غير مضبوط، ويتم في كثير من الأحيان بشكل روتيني، بحيث، يمكن للمرء أن يصلي صلاة كاملة وهو مستغرق تمام الاستغراق في أخيلته ووساوسه، لأن الضبط هو حالة نفسية وفكرية مختلفة تماما، تنتج عن اتحاد كل من الوعي بالحركة الجسدية أو الصوتية، وحينئذ، ينتج الضبط كممارسة، ويتم تفعيله بعد ذلك على مختلف الحالات اليومية التي تصبح خاضعة له أيضا.

هنا نصل إلى مفهوم التزكية المقصودة.

إن الضبط يزيد من قدرة التحكم في النفس، مما يؤدي إلى سهولة قيادتها بعد ذلك، ومن ظفر بنفسه، فقد ظفر بخير كثير. أما حين لا نستطيع ضبط شخصياتنا في الصلاة، فنحن في الحقيقة نزيد من خضوعنا لأنفسنا، بحيث يصعب علينا كثيرا، تأسيس أية قدرة على ممارسة القيادة.

وبنفس الطريقة فإن اللغة أيضا تخرج عن الضبط، بل لقد تكون أخطر قدرة خارجة عن التحكم من طرف الإنسان، وهذا ما نجده في السنة والقرآن، وغيرها من الأحاديث والآيات التي ترينا خطورة الكلمة واللغة إذا لم يتحكم بهما.

وما ذلك إلا لأن معنى الكلمة لم يرتبط جيدا بمبناها في البداية، حيث لا يهتم الإنسان بما يقول، ولا بتأثير ذلك على الآخرين، وهو المعنى الاجتماعي للكلمة، فتأتي في غير محلها، أو تأتي متكلفة كما الحركة، فنحن كثيرا ما نتكلم بغير إرادة منا، بل لقد نتكلم لنلبي حاجة الغير، لنتصور شخصين جالسين، ولا يجدان ما يتحدثان، إن أحدهما لابد أن يخضع للآخر ويتكلم أخيرا إرضاء لهذا الآخر، وهذه هي نقطة النفاق الأولية، فالكلمة هنا لا يراد منها معناها الحقيقي، بل معنى آخر تماما هو الإرضاء للآخر، وهو ما يتخذ بعد ذلك في المجتمع صورا وأشكالا عديدة من التزلف والتقرب والرشوة والغيبة والنميمة وشهادة الزور وغيرها من الأشكال التي تنبني كلها على هذا الشكل الأولي من الكلمة التي لم تحمل معناها الحقيقي وإنما معنى آخر كاذبا، و ينمي ذلك في النفس الإحساس بالجبن والخوف والتصنع والتكلف، ثم يكون مدحا ورياء، ثم نجده في الغيبة والنميمة وشهادة الزور التي هي أكبر كلمة كاذبة على الإطلاق، حيث تكون نتيجة كل ما سبق من مراحل في الوصول إلى هذه النقطة.

فالغيبة والنميمة والزور، هي أِشكال من عدم الأمانة مع الكلمة التي نقولها، وهذا بدوره نتيجة للخضوع للآخر الذي بدأنا به حياتنا.

والصلاة أيضا تعلمنا كيف نتحكم في اللغة بالضبط الذي نمارسه عليها أثناءها، حيث نربط المعنى بالمبنى، ونواظب على ذلك حتى نتمكن القدرة على التحكم في جميع أقوالنا، وفي ذلك إخراج للكلمة من أسرها إلى حريتها.

4-الهدوء النفسي:

للصلاة آثار نفسية أخرى كبيرة، منها السكينة والهدوء والاطمئنان النفسي، ولفهم هذه النقطة، نستطيع أن نلاحظ، كيف أننا كلما نظرنا إلى السماء كلما أحسسنا بالراحة. أما النظر إلى الأرض والناس في الشارع، وفي المقاهي وفي كل مكان آخر يكتظ بالحياة، فهذا يصيبنا بالسأم والقنوط، نظرا لأن التفاصيل لا تحمل أي معنى كلي يمكن القبض عليه، إلا بممارسة فعل معرفي وفكري. أما النظر إلى السماء أو إلى البحر، فإنه يجعلنا هادئين مطمئنين، نظرا لأننا نستطيع الحصول على معنى كلي، وهو اللون الأزرق الصافي الخالي من أي تفاصيل. لذا فإن المحيط الحسي ودرجة اتساقه، له أهمية كبيرة في التأثير على الوعي و النفس.

إن ما يحدث في الصلاة، يشبه هذه العملية كثيرا، إذ لا شك أننا جردنا الكثير من محيطنا الطبيعي وواقعنا الاجتماعي منذ الصغر وفي كل يوم، بحيث أصبح له في دواخلنا صورا وانعكاسات أو واقعا نفسيا مؤثرا فينا بصورة كبيرة، يتسم بالتناقض الذي هو عليه في الواقع، ونحن نجد أنفسنا في الصلاة، في مواجهة هذا الواقع، فهو يحضر أمامنا، نظرا لأننا ندخل لحظة مفارقته وتركه، ولأن نفوسنا تعي هذه العملية، فهي ترفض مفارقة هذا الواقع، بل إنها تكثف من عمليات حضورها عبر الأفكار والوساوس، ولتحقيق قفزة مهمة على هذا الصعيد النفسي، يجب على المصلي أن يفعل إرادته في تجاوزه والرغبة في تركه، وعندئذ يكون كمن يرفع بصره إلى السماء، أو كمن يغادر المدينة نحو البحر، ليحصل على الصفاء الذهني والنفسي والفكري.

هنا يقوم المصلي بعملية واعية وإرادية. أي أنه يمارس فعلا واعيا، يمكنه من تحقيق الهدوء النفسي، وهذا يختلف، بل يتناقض مع عمليات التحليل النفسي، أو التنويم السريري، بغرض الحصول على ا لهدوء والاطمئنان، بسبب أن الفرد في العمليات الأخيرة، يكون تحت تأثير سيطرة خارجية، وهو الشخص الذي يقوم بالتنويم أو التحليل، بحيث يجعل الفرد من نفسه رهينة للآخر، يطلعه على مكبوتاته النفسية وهواجسه الفكرية.

أما في الصلاة، فالفرد يكون إيجابيا، متحررا من النفس ووساوسها، وهو يقوم بتفعيل إرادته لا خضوعه، ولذا يأتي عمله منسجما مع مبادئ التأثير لا التأثر، والتحرر لا الخضوع، والفعل لا الانفعال.

5-التكامل النفسي:

قد تكون أفعالنا ناقصة حين نقوم بها من جانب واحد فقط، أي أن يساهم فيها جانب واحد من جوانبنا النفسية، غير أن الفعالية التي تصيب أفعالنا، تكون ناتجة دائما عن درجة الاتساق بين الجسد والعقل و العاطفة، هناك فقط، يمكن لأفعالنا أن يكون لها تأثير في حياتنا وواقعنا، وما دام أن الأفعال التي نأتيها تكون ناقصة من هذا الجانب، لأنها لم تتعلم التكامل بين الجسد والوعي والعاطفة، فإنها تأتي دائما مجتزأة مبتسرة. وأوضح مثال على ذلك أنه حين لا تكون لأفعالنا تلك الصيغة، فإن كلا منها، يحب أن يقوم بالأفعال التي تلبي رغبته فقط، فالجسد، يحب أن يقوم فقط بما يمكنه من تلبية مطالبه، والعقل أيضا، حين ينمو على حساب الجسد والعاطفة، فهو يرفض أي مساهمة جسدية أو عاطفية في فعله، وكذلك العاطفة، حين تأبى التحول إلى الصورة الإيجابية، فتتحول إلى انفعالات سلبية.

ولأن الصلاة، تعلمنا أن نمد الجسور بين الجسدي والعقلي والعاطفي، لأننا في الصلاة، نقوم بأفعال تساهم فيها كل الشخصية وكل الإنسان، بالحركة التي نقوم بها، والقول الذي نقوله وهو يصاحب الحركة، والخشوع الذي هو عاطفة أساسية في الصلاة والذي يصاحب كلا من الحركة والقول، فنحن نحقق للفعل شروطه الأساسية، أي أننا نتعلم في الصلاة تلك الكيفية التي نمارس بها القيام بأفعال متكاملة، تساهم فيها جميع جوانبنا النفسية.

ولذا يأتي الفعل أو العمل الإنساني، مؤثرا وفعالا، لأنه يأتي مستوفيا لشروطه الأساسية، وهو ما يجعله مؤثرا فيما حوله.

ويتم هذا حين نستبعد من حياتنا تلك الأفعال التي لا تساهم فيها هذه التكاملية، وهي الأفعال التي ترتبط بجانب واحد أو بجوانب بعيدة كل البعد عن شخصياتنا، ونقوم باختيار الأفعال المناسبة لشخصياتنا، إذ لا شك أن الأفعال والتصرفات والسلوكيات ليست في مستوى واحد، فبعضها لا ينمي فينا سوى السلبي من شخصياتنا، وبعضها الآخر ينمي فينا جوانب إيجابية، وتعلم الصلاة من هذه الناحية، يوجهنا إلى اختيار الأفعال التي تساهم فيها جوانبنا الشخصية جميعا. فنتعلم من الصلاة كيفية الحياة الإيجابية المتكاملة.

6-الرؤية:

تنبع الرؤية من تطوير الشخصية ومتعلقاتها الجسمانية، من حركة وسمع وبصر، و الفكرية كالوعي و التفكر و التذكر. والعاطفية، كالتنزيه والتعظيم والإجلال و الحياء، من سياقاتها الدنيوية إلى سياقاتها التعبدية، وهنا يحصل العبد على الاتصال بالله، أي يصبح مستحضرا لله في صلاته، فكأنه يخاطب شخصا ما أمامه، فينتقل من حالة الوساوس والخواطر، إلى حالة الصفاء والطمأنينة، أي يعبر نفسه ويجتازها إلى الله.

لذا فإن الرؤية، هي حالة جديدة، ينتقل فيها الوعي من التركيز على المفردة أو الحركة، أو العاطفة إلى التركيز على المخاطب، وهو الله.

فالله يصبح حاضرا ومهما، وكل قول نقوله أو حركة نأتيها، تكون له، وكما أننا حين نتعامل مع الآخرين، فنحن نمارس عمليتين اثنتين، هما الاتصال ووعي المتصل به، بحيث لا تنفصل هاتين العمليتين، فنحن نتحدث مع الآخر، في نفس الوقت الذي يكون حضوره هو الأهم، فبسببه، نقوم بالكلام وبالحركة وبالعاطفة، ولولا حضوره أمامنا ومواجهته لنا، لما قلنا شيئا، غير أن هذا الشخص قد يجتاز حدودنا النفسية، فيقتحمنا، ونصبح متصلين به، ونتحدث معه وهو غائب عنا، ونلاحظ ذلك خاصة، حين يدخل اثنان في خصومة، فهما، لا يكفان عن استحضار الخصم والحديث إليه، أو ضربه، أو فعل كل ما يمكن من التغلب عليه و إشفاء الغليل منه، هنا يكون الشخص مستعمرا نفسيا من الآخر، نظرا لأنه استطاع أن يقتحم بنيانه النفسي، ويحضر فيه، ليمارس سلطته عليه.

وهذه الظاهرة الملفتة، تجعلنا ندرك أن النفس مستعدة للاتصال بالآخر، سواء كان حاضرا أو غائبا.

ولهذا فكلما كان الشخص مهما، كلما كان حضوره أشد، سواء بصفة واقعية، أو رمزية، ومدى أهمية الله بالنسبة للعبد، هو الذي يجعله حاضرا أمامه، وكلما ارتقت هذه الأهمية، ازدادت النفس قابلية لحضور الله فيها، بحيث يصبح مهما جدا لها.

فتنتقل الرؤية من الوضع الخارجي البعيد، إلى الوضع الداخلي القريب، ولذا نجد في الحديث: (إن الله تعالى قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالرحب، وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلى مما أفترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل والطاعات، حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الضي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني أعطيته ولئن استعاذ بي لأعيذنه).(9)، أو في كما جاء في حديث آخر: (من ذكرني في نفسي ذكرته في نفسي، وإذا جائني ماشيا أتيته مهرولا).

وهنا يصل العبد إلى الإحسان، الذي هو (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فهو يراك).

أي أن الرؤية، إن تمت من طرف العبد بإيجابية، أي يكون فاعلا أثناء الصلاة، فهو أفضل، وإن تمت من طرفه، على نحو سلبي، فهو دون الأول منزلة.

7- التزكية:

ترتبط التزكية كمعلية نفسية بصميم النفس، وإذا كان التطهير يرتبط بالذنوب والمعاصي، والنهي يرتبط بالفواحش والمنكرات، فإن التزكية ترتبط بالحياة عموما )قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا( [الشمس 9-10]

فالتزكية عملية نفسية، أي مرتبطة بالنفس، وهي تتكون نتيجة انتقال عملية التأثير من الواقع الخارجي إلى الداخل النفسي.

وقد أصبح هذا العصر الذي نعيش فيه عصر التأثير على الاتجاهات والقيم، خاصة من وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، فعصرنا هذا هو عصر التأثير في الآخر، سواء لبيع منتج ما، أو الوصول إلى منصب ما، أو غيرها من الأهداف التي أصبحت منوطة بصنع اتجاهات للرأي.

فالفرد المعاصر أصبح محصورا بين عديد الوسائل التي تشكله في كل يوم، وينعكس ذلك في سلوكه اليومي، من الحركات واللباس واللغة ونمط الاستهلاك والحياة اليومية بصفة عامة.

والصلاة، كما تقف في وجه التأثيرات السلبية جميعها، هي أيضا تقف ضد هذا النمط من التشكيل و التأثير، لأن التحكم في الانفعالات والعواطف والأفكار، ثم قيادتها، ينشئ فردا متحررا من سائر التأثيرات الدنيوية.

وحين نصلي ونطرد الوساوس والأفكار الخارجية، فإننا نستعيد زمام المبادرة من ذلك الخارجي ونعطيها لأنفسنا لترسم اتجاهها من جديد، ولتستمد تأثرها من داخلها لا من واقعها الخارجي. وقد قيل في الأثر (خير الناس من جعل الله له واعظا من نفسه) ليصبح قادرا على قيادة مشاعره وحياته دونما تأثر بالاتجاهات الحديثة في التشكيل الثقافي والنفسي.

 

الهوامش:

(1) تفسير الجلالين

(2)  الدرر المنثور في التأويل بالمأثور لجلال الدين السيوطي

(3) نفس المرجع

(4)  انظر إلى  اللباس الإسلامي وهو يحقق من هذه الناحية هدفا فكريا هو الاهتمام بالكل بدل التفاصيل، وموقع هذه المسألة من الثقافة الإسلامية عموما، لتجد أن هذه الثقافة مبنية بالأساس على الوحدة و الكل، بدءا من العقيدة إلى الجماعة إلى اللباس وسائر المتعلقات الجمالية.

(5)  انظر الدرر المنثور في التأويل بالمأثور لجلال الدين السيوطي

(6) المرجع السابق

(7) أخرجه مسلم

(8) يرتبط مفهوم الذاتية في العلوم الإنسانية  بهذه الملاحظة، حيث يكون الذهن منصبا على الذات الداخلية وظواهرها، دون مراعاة لحقائق الواقع.

(9) رواه البخاري.

المصدر: موقع مسلم أون لاين

 
عمر مناصرية
تاريخ النشر:2010-08-31 الساعة 13:55:46
التعليقات:0
مرات القراءة: 2277
مرات الطباعة: 535
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan