الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم إسلامية » دراسات أصولية

علم المقاصد.. ميدان لبناء العقيدة والأخلاق.

د. صلاح الدين سلطان

 

الحمد لله الذي خلق كل شيء بحكمته، وأنزل الشريعة برحمته، والصلاة والسلام على الرحمة للعالمين والهُدى للخلق أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد...

فقد عشت مع مقاصد الشريعة منذ نعومة أظفاري أنظر في كل شيء باحثًا عن المقاصد والغايات، ولا أتوقف عند الظواهر والحرفيات، وأقف كثيرًا عند القواعد والمنهجيات، أكثر مما تشدني الأحكام والتفصيليات، وعندما أكرمني الله عز وجل برؤية هذا الكتاب "شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال" أثار فيَّ الكثير من الكوامن، وحرك عقلي ووجداني إلى جوهر شريعتنا الغراء في مقاصدها العليا، وغاياتها الكبرى، وربطها بحياة الإنسان بما يجعلني بحق موقنًا أن خلاص الخلق من ذل الاستعباد، والظلم والفساد، مرهون بعودة العباد إلى عبادة رب العباد، ولعل الإمام الفخرالرازي قد أجاد عندما عرَّف العبادة بقوله هي: "غاية الخضوع لأمر الله، وغاية الشفقة على خلق الله" فجمع بين علائق السماء ورقائق الأرض، في منظومة لو تصالح الخلق عليها إما إيمانًا بها أو إقرارًا بنفعها، والتعايش حولها لكانت أقرب نقطة بين طرفين متباعدين من صراع الحضارات، والدول والجماعات، والأحزاب والأزواج والزوجات، حتى تحوَّل عالَم الإنسان اليوم من الرحمة إلى القسوة، ومن العدل إلى الظلم، ومن الخير إلى الشر، ومن الحب إلى الحقد، ومن الأمن إلى الخوف، ومن الرضا إلى الغضب، ومن الغنى إلى الفقر، ومن الفرح إلى الترح، والأصل في الشريعة أن تسير الأمور عكس ذلك إلى الرحمة والعدل والخير والحب والأمن والرضا والغنى والفرح لننال سعادة الدارين.

كتب المقاصد

وكنت أظن في بداية مشواري العلمي أن علم المقاصد لم يكتبَ فيه إلا قلة تصل إلى الندرة من العلماء والفقهاء القدامى والمعاصرين لكني عندما دققت البحث وجدت أنه لا يكاد يخلو أحد من فقهائنا وعلمائنا من فقه المقاصد والتعليل -على تفاوت بينهم - إلا ما ورد عن ابن حزم ومدرسته الظاهرية من رفض القياس والتعليل، لكن الجمهور يقولون بالتعليل والمقاصد، وإن كان بعضهم كتب مشيرًا أو مؤصلاً أو مُنظِّرًا لكن أغلبهم في التطبيق العملي عند الإفتاء والاجتهاد يأخذ بالمصالح والمقاصد؛ وإلا ما ظهر القياس وهو جوهر التعليل المحدد، والمصالح وهو التعليل الموسع، والاستحسان وسد الذرائع وهما في مجملها يدوران حول فقه المقاصد.

ولذا يبدو لي أن من الأهمية إعادة دراسة من كَتَبَ في فقه المقاصد قليلاً أو كثيرًا، مشيرًا أو مُنظِّرًا، مثل ما كتبه أبو منصور الماتريدي (233هـ) في مأخذ الشرائع، أو ما كتبه القفال الكبير أبو بكر (365هـ) في محاسن الشريعة، وما كتبه أبو بكر الأبهري المالكي (375هـ) في مسألة الجواب والدلائل والعلل، وما كتبه الباقلاني (403هـ) في الأحكام والعلل والمقنع في أصول الفقه، وما كتبه الجويني (478هـ) في البرهان والغياثي، وما كتبه الغزالي (505هـ) في المستصفى وشفاء العليل والإحياء والمنخول، وما كتبه فخر الدين الرازي (606هـ) في التفسير الكبير، وما كتبه الآمدي (631هـ) في الإحكام في أصول الأحكام، وما كتبه ابن الحاجب (646هـ) في منتهى الوصول والأمل في عِلمَي الأصول والجدل، وما كتبه البيضاوي (685هـ) في منهاج الوصول إلى علم الأصول، وما كتبه الإسنوي (772هـ) في نهاية السول في شرح منهاج الأصول، وما كتبه العز بن عبد السلام (660هـ) في شجرة المعارف والأحوال، وقواعد الأحكام في مصالح الأنام، وما كتبه شهاب الدين القرافي (685هـ) في الفروق، وما كتبه نجم الدين الطوفي (716هـ) في المصلحة [رغم جنوحه أحيانا]. وما كتبه ابن تيميه (728هـ) في الفتاوى، وما كتبه تلميذه ابن القيم (751هـ) في أعلام الموقعين عن رب العالمين والطرق الحكمية في إصلاح الراعي والرعية وبدائع الفوائد، وما كتبه ابن السبكي(771هـ) في جمع الجوامع بحاشية البناني، وما كتبه وأصَّله الإمام أبو إسحاق الشاطبي(790هـ) في الموافقات والاعتصام، وما كتبه الشوكاني (1255هـ) في إرشاد الفحول ونيل الأوطار، وما كتبه شاه الله الدهلوي (1762م) في حجة الله البالغة، وما كتبه الشيخ محمد عبده (1905م) وتلميذه الشيخ محمد رشيد رضا (1935م) في المنار، وما كتبه ابن عاشور (1973م) في المقاصد الشرعية والتنوير والتحرير، وما كتبه علاء الفاسي (1974م) عن المقاصد الشرعية، وما كُتب على يد أعلام الفقه المعاصر مثل شيوخنا أبي زهرة والخضري وعلي حسب الله ود.القرضاوي ود.عبد المجيد النجار ود.إسماعيل الحسني وأحمد الريسوني ود. يوسف العالم ود.طه العلواني  ود.محمد البلتاجي وآخرون[1].

هذه الثروة الهائلة تحتاج إلى دراسة ووعي وهضم يجعل للمقاصد مكانها في العبادات والمعاملات.

وإني هنا لا أفرق بين العبادات والمعاملات في فقه المقاصد وإمكانية إدراكه فقد تخفى على فقيه دون غيره، وقد ندرك كثيرا من المقاصد في المعاملات وقليلا في العبادات، لكن عدم العلم لا ينفي الوجود؛ ولذا لم يكن هناك بأس من صلاة التراويح في المسجد أيام عمر وجعلها عشرين وزادها سيدنا عثمان إلى ست وثلاثين، وأحدث آذانًا في منطقة الزوراء، وأجاز إخراج زكاة الفطر نقدا أو من غالب قوت أهل البلد وأجاز في الرجم اختيار أيسر الأوقات للنساء والضعفاء وأصحاب العِلاَّت.

فقه عمر المقاصدي

لكن فقه المقاصد لا يعني تجاوز نص قطعي في حكم جزئي لمخالفته في ذهن المجتهد مقصدًا عامًا بل الأولى إعمال النص لا إهماله، والجمع وليس النسخ أو الترجيح من أول بادرة لأن المقصد الكلي أُخذ من نصوص جزئية ويستحيل تعارض الجزئي مع الكلي في النصوص الشرعية لقوله تعالى: )وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا([النساء:82].

ولعل سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أكثر الفقهاء الأُول الذين جمعوا بين العمل بالنص في الأمر الجزئي والمقصد الكلي؛ حيث توقف في تقبيل الحجر الأسود والاضطباع والرمل مع النص، وتوسع في الاجتهاد المقاصدي في سهم المؤلفة قلوبهم في مصارف الزكاة وقطع يد السارق في باب العقوبات والإلزام بالطلقات الثلاث، ومنع أبا حذيفة من الزواج بالكتابية، ومنع توزيع أرض السواد، وورَّث الأم ثلث الباقي بعد الزوج ليعطي للأب ضعف الأم، والعول والمسألة المشتركة[2]، مما أجاب عنه أستاذي الدكتور محمد بلتاجي -رحمه الله - في منهج عمر بن الخطاب في التشريع في أن سيدنا عمر كان ممن ينحو نحو فقه المقاصد والمصالح في جميع الأحكام والأقضية[3].

سلف أهل الظاهر

ولعلنا لا نبعد إذا قلنا إن حادثة صلاة العصر في بني قريظة كانت اجتهادًا مقاصديًا في أمر تعبدي فيه نص قطعي دلالة وثبوتا لكن الذين صلوا في الطريق هم سلف أهل المعاني والقياس والذين صلوا في بني قريظة هم سلف أهل الظاهر كما ذكر ابن القيم وهما نمطان فكريان، ويبقى أن تجتمع القلوب مهما اختلفت العقول فإن اختلاف العقول ثراء واختلاف القلوب وباء.

ومن الاجتهاد المقاصدي ما فعله الإمام ابن تيمية - رحمه الله - حين رأى صاحبا له يكلمه عن التتار الذين يشربون الخمر، وأنه واجب عليه أن ينهاهم، فقال له: «إنما حرَّم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدَّهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذُّرية وأخذ الأموال فدعهم»[4].

هذا العلم الثري يحتاج إلى فقهاء الشريعة والقانون كي يقفوا عنده لإحداث نقلة نوعية في الانتقال من الاجتهاد الحرفي إلى الاجتهاد المقاصدي، ثم يوظفوه في مجالات الحياة المختلفة.

على أن من أرقى مستويات التوظيف لعلم المقاصد في تراثنا الإسلامي ما أفاض الله به على سلطان العلماء العز بن عبد السلام في شجرة المعارف حيث جعل ميدان المقاصد ليس خاصا بالمعاملات دون العبادات في جانب التشريع بل جعل من علم المقاصد ميدانا لبناء العقيدة وتشييد الأخلاق وأحكام الشريعة كلها.

الهوامش

[1]. كتب كثيرون من المعاصرين في فقه المقاصد بصفة عامة، ومن أهم ما جمع في الموضوع برمته كتاب الدليل الإرشادي إلى مقاصد الشريعة الإسلامية للأستاذ الدكتور محمد كمال إمام، مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، مركز دراسات مقاصد الشريعة، وقد وصل الآن إلى مجلدات ثلاث من الحجم الكبير جدا.

 [2] . انظر موسوعة فقه عمر بن الخطاب للدكتور محمد رواس قلعه جي، مكتبة الفلاح بالكويت، ط الأولى 1401هـ، 1981م.

 [3]. انظر منهج عمر بن الخطاب دراسة مستوعبة لفقه عمر بن الخطاب وتنظيماته لأستاذنا الدكتور محمد بلتاجي حسن، دار الشباب 1998م.

 [4]. الفتاوى الكبرى لابن تيميه 4/ 465.

المصدر: موقع الدكتور صلاح سلطان

 
د. صلاح الدين سلطان
تاريخ النشر:2010-08-31 الساعة 14:01:46
التعليقات:0
مرات القراءة: 2767
مرات الطباعة: 719
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan