الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » الأسرة والمجتمع » الأسرة

أبناء بلا آباء

إكرام العش

 

قد يستغرب البعض من غرابة العنوان، فلم أقصد التحدث عن الأبناء غير الشرعيين، ولكنني أتحدث عن تلك الفئة من الأبناء الذين أجبرتهم الظروف على مصارعة الحياة والعيش بدون آباء (الأب وليس الأم)، على الرغم من أهمية وجود كلا الطرفين في حياة الأبناء.

وما جعلني أكتب تحت هذا العنوان هو إحصائية بسيطة (من واقع الحياة) قمت بعملها لمن أتعامل معهم من الزوجات والأبناء، خاصة مع زيادة المشاكل التي يعاني منها الشباب، وزيادة عدد الأُسَر التي تقوم النساء برعايتها منفردات؛ نظراً لغياب الزوج لسبب أو لآخر، وعدم قيامه بالدور الطبيعي في تحمل مسؤولية ورعاية الأسرة.

دور الآباء في حياة الأبناء

يلعب الآباء (الأب والأم) دوراً محوريّاً وهامّاً وخطيراً في حياة الأبناء، وفي تشكيل شخصياتهم وتزويدهم بالقيم والمفاهيم والأدوار (الجندرية) المطلوبة منهم. فالآباء هم الذين ينمّون مشاعر المحبة والعطاء أو الكره والغضب، وهم الذين يعزّزون ثقة الأبناء بأنفسهم أو تدميرها.

فغياب الأب أو الأم بشكل غير عادي، أو لمدة أطول من المعقول، يخلق فراغاً نفسيّاً وعاطفيّاً وتربويّاً تنعكس نتائجه السيئة على الأسرة، فإذا كان غياب الأم لسبب ما يتسبب بحرمان الأبناء من حقهم بالعطف والحب والحنان والشعور بالأمان؛ فإن غياب الأب بالإضافة للحرمان العاطفي من جانبه يفقد الأسرة جانب الرعاية المادية، وعنصر السلطة المعنوية التي يُفترض أن تقوم بعمل التوازن العاطفي والمادي والتربوي والفكري والاجتماعي داخل الأسرة.

فالمناخ غير السوي في الأسرة يجعل أبناءها عرضة للتناقضات العاطفية والفكرية والاجتماعية، فكما تشير الدراسات فإن للعامل الأسري دوراً مهمّاً في الاضطرابات النفسية والسلوكية لدى الأبناء، سواء كان ذلك نتيجة العوامل الوراثية أو عوامل التنشئة الأسرية والاجتماعية. فاختلاط الأدوار بين الآباء (الأب والأم) أنفسهم، من شأنه العمل على اختلال الموازين الطبيعية في الأسرة التي ستؤثر سلبيّاً على الأبناء باعتبار الأبناء الحلقة الأضعف في العلاقة، وسيُنتج أبناء عاجزين مضطربين في الطفولة، سيئي التوافق مع أنفسهم ومع الآخرين في مرحلة الرشد. فالمفهوم البسيط للأسرة أنها تتكون من أب وأم وأبناء, ولكن ولأسباب مختلفة منها: الطلاق، والانفصال، والموت، والاغتراب، والزواج بأخرى، والمرض النفسي للآباء أو ضعف شخصية الأب، قد تقوم الأسرة على عنصر واحد فقط.

شخصية الأب وأثرها في حياة الأبناء

تلعب شخصية الأب وصفاته دوراً هامّاً في التأثير على الأبناء وشخصياتهم؛ فالأب المتّزن السلوك والصفات يعكس ذلك من خلال تعامله مع أبنائه ذكوراً وإناثاً، والأب المضطرب سلوكيّاً واجتماعيّاً يعكس ذلك على سلوكه مع أفراد أسرته أيضاً.

فالأب هو النموذج الذي يقلّده الأبناء، ويؤثر فيهم. وهو المسؤول والمتابع والناصح والمرشد للأبناء ذكوراً وإناثاً. وبالنسبة للإناث بشكل خاص فإنهن يشعرن بالأمن والاطمئنان في وجوده؛ لأنه يمثّل لهنّ المثال الذكوري التي ترغب الفتاة في تكراره عندما تتزوج من خلال اختيارها لشاب تعتقد هي أنه يمثّل صفات والدها التي تفتخر به وتحبه ويمثّل لها جانب الحنان والقوة؛ هذا إذا كانت علاقتها بوالدها جيدة. أما إذا كانت علاقة الفتاة مع والدها سلبية فإن ذلك سينعكس على تعاملها مع زوجها في المستقبل.

وكما تشير الدراسات فإن غياب الأب بسبب الطلاق أو الانفصال، أو غياب دوره الحقيقي في حياة الأبناء وخاصة البنات في مرحلة المراهقة يسبب لهنّ اضطرابات نفسية واجتماعية كالاكتئاب والإحباط والشعور بالتدني وعدم الإقبال على الحياة. وهذه أعراض تصاب بها الفتيات اللواتي لا يوجد لديهن النموذج الأبوي‏ السليم.

نماذج من العلاقات بين الآباء والأبناء

(1) أبناء يعيشون مع الأب والأم بنفس البلد ضمن نظام الأسرة:

وفي هذا النموذج تنقسم العلاقة بين الآباء والأبناء إلى قسمين:

أ- علاقات طبيعية وآمنة: حيث يقوم الأب بدوره التربوي والإرشادي والمادي؛ وبالتالي تتكون لدى الأبناء صورة واضحة سليمة عن مفهوم الأسرة والأبوة والدور الحقيقي للأب والأم، ويكون لديهم مرجعية صحيحة يمكن الرجوع إليها عند الحاجة للاستشارة.

ب- علاقات غير طبيعية: فالأب موجود ولسبب ما لا يقوم بدوره الصحيح في رعاية الأبناء، كأن يكون ضعيف الشخصية، أو تكون الزوجة متسلّطة، أو يكون مريضاً نفسيّاً، أو غير مستقل عن والديه، أو غير مدرك لحقيقة دوره الأبوي، وغيرها من الأسباب. ولكثرة ما في هذه الأسرة من مشاكل واختلال بالأدوار، تتكّون لدى الأبناء -ذكوراً وإناثاً- صورة مهتزة مشوّشة عن دور الأب والأم، وعن الدور (الجندري) الذي يفترض أن يقوم به هو مستقبلاً، وعن مفهوم الأسرة. ومن المؤكد أن يحمل الأبناء هذه الصورة المشوّشة المفكّكة عن الأسرة معهم في مشوار حياتهم؛ وبالتالي تنتقل هذه المفاهيم المغلوطة من جيل إلى جيل.

(2) أبناء أيتام الأب بسبب الوفاة:

وهؤلاء ليسوا بحاجة إلى تعريف، ولكنهم فقدوا عنصراً هامّاً من كيان الأسرة تسبّب في فقدان الأمن والحماية الطبيعية، وكذلك فقدان جانب الإشباع العاطفي والنفسي والاجتماعي. فإذا كانت الزوجة الأرملة غير قادرة على القيام بالمسؤولية المضاعفة الملقاة على عاتقها كان الأثر السلبي لليتم على الأبناء أكبر. ولعل في الآية الكريمة: )فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ( (الضحى: 9) دلالة على الوضع النفسي لليتم من شعور بالعجز واليتم والحرمان، وفقدان السند والمعيل والمرجعية، علاوة على مشاعر الخوف من المجتمع، هذا إذا لم يوجد البديل الذي يعوّض ويخفّف إلى حدّ ما غياب الأب ودوره.

(3) أبناء المغتربين:

إن غياب الآباء لفترات طويلة جدّاً من شأنه الإخلال بالدور الأبوي في الأسرة؛ فالأب المغترب عندما يأتي لـ(زيارة) أسرته لا يُعتبر بعد فترات الغياب الطويل إلا ضيفاً! حتى الأب نفسه مع الغياب المستمر يبدأ بالشعور بوجود حواجز عاطفية وفكرية ونفسية بينه وبين أبنائه وزوجته، بل لا يعود يشعر بالانتماء النفسي لأسرته، وقد يشعر أن بيته الحقيقي هو في مكان غربته.

فدور الأب هنا اقتصر على الدفع المادي، ومع مرور الوقت ينمو الأبناء ويجدون أنفسهم مستقلّين معنويّاً وفكريّاً عن الأب. قال لي أحد أبناء المغتربين: «إن الفترة التي يحضر بها أبي إلى البيت فترة (نكد وتعقيد) لأن لنا حياتنا وارتباطاتنا. وعندما يبدأ أبي بالسؤال عن كلّ صغيرة وكبيرة نتضايق، ولو كان يعيش معنا لما سأل عنها. وعندما نذهب لسؤال أمي والاستئذان منها عن أي شيء تبدأ المشاكل بينهما، ولكننا تعوّدنا على سؤال أمي في غيابه، وأعتقد أننا ننسى دوره عندما يكون موجوداً بيننا، وهذا الأمر ليس بأيدينا فهو لا يعيش معنا».

فقد نَمَتْ مشاعر الاستقلالية والاعتداد بالذات بين الأبناء بدون وجود الأب، وتعوّدوا على حلّ مشاكلهم بدون وجوده. وحتى الزوجة فقد أجبرتها التجربة على الاستقلال والاعتماد على النفس بحيث يصبح سؤال زوجها لها عن أبسط الأشياء تدخّلاً وإخلالاً بنظام الأسرة الذي أصبح هو خارجه بطريقة أو بأخرى. وهذا النوع من العلاقات حَرَم كلا الطرفين من التمتع الحقيقي بالعلاقة بين الأب والابن، فها هي الحواجز قد ازدادت سنة بعد سنة، ومع الأيام وبدون قصد تصبح المشاعر بين الطرفين ضعيفة، والنتيجة علاقة يشوبها عدم وجود التفاعل الحقيقي بين الأب والأبناء.

(4) أبناء المطلَّقين:

رغم أن الله سبحانه وتعالى حلّل الطلاق ولأسباب حقيقية بين الرجل وزوجته، إلا أننا وللأسف نرى على أرض الواقع أن الأبناء أيضاً يُطَلَّقون مع الأم، وخاصة إذا خيّروا بين العيش مع الأب أو الأم، ويخوضون حرباً لا دخل لهم بها، فكثير من الآباء يرفضون أن يعيش أبناؤهم معهم، ويعاقب الأبناء بجريرة الأم.

قال لي شاب يريد الزواج بعد انفصال والديه: «لست بحاجة أن يصرف عليّ أبي.. أحاول أن أعامله بما يرضي الله.. أتصل به ولكنه يعرف رقم هاتفي الجوال فلا يجيب، حاولت مرات ومرات أن أزيل الحواجز بيننا ولكنه مُصِرّ على عقابنا مع أمي. أريده أن يقف معي ويخطب لي وأن أفتخر بوجوده معي رغم خلافه مع أمي، أريد أن أشعر أنني لست وحيداً في هذا الموقف الهام في حياتي، ولكن للأسف، قال لي إنك شاب ولست بحاجة لي، تصرّف وحدك. ماذا تعتقدين أن عليَّ أن أعمل»؟!

وقال لي شاب آخر: «طلّق أبي أمي، وعندما اخترنا العيش معها رفض أن يصرف علينا ليضغط عليها ماديّاً. لقد حرمني والدي من طفولتي وحمّلني مسؤولية كبيرة لم أكن مستعدّاً لها، أخاف أن ألجأ إليه حتى لا يخذلني كما فعل مرات عديدة، رغم أنني أتمنى وجوده، وكثيراً ما سالت دمعتي أو كتمتها فخنقتني عندما أرى أصدقائي مع آبائهم، فأقول لنفسي: «اليتيم أبوه متوفى والكلّ يشفق عليه، أما أنا فقد فُرض عليَّ وضعٌ ما كنت لأختاره، أنا يتيم رغم أن أبي على قيد الحياة».

وقال لي شاب آخر: أتصرّف بجرأة بين الناس، ولكن قلبي يرتجف من الخوف لأنني أعرف أن لا سند لي في الحياة، فإذا كان هذا شعوري كشابّ فأنا حزين من أجل شقيقاتي.

وقالت لي سيدة: «كان الطلاق علاجاً لنا من النكد والعنف المستمر، وبعد سنوات من الانفصال استطعت أن أعيد لأبنائي توازنهم النفسي وثقتهم بأنفسهم، إلا أنني أؤكد أن هناك جروحاً لم أستطع أن أشفيها -رغم أنني بذلت أقصى جهدي لأعوضهم- منها شعورهم أنه ينقصهم شيء ما، وأنهم يفتقدون دور أبيهم.. لقد كان الأبناء ضحيّة هذا الطلاق».

(5) أبناء لهم آباء ولكن لا يعيشون معهم بسبب الزواج بأخرى:

ما يحدث أنه بعد الزواج المتعدد غالباً ينشغل الآباء بحياتهم الجديدة، فقد يستمر الآباء برعاية أبنائهم من الزوجات الأخريات، ولكن هذا يقلل الحصة المخصصة لهم من الحب والرعاية والاهتمام، فقد قلّت بسبب غياب الأب بصورة أكبر من المعتاد، وكثرة مشاغله، وربما بسبب رفض الأبناء للواقع الجديد والحواجز التي فُرضت بسببه.

(6) الآباء المضطربون نفسيّاً أو اجتماعيّاً:

الأب الذي يعيقه مرضه النفسي أو الاجتماعي -كالاكتئاب أو سوء الطباع- عن القيام بدوره الصحيح، يمتنع الأبناء من الاعتماد عليه كمرجعية في مواجهة الحياة. وقد يخلق جوّاً من التوتر والقلق والاختلال داخل المنزل.

نتائج غياب الآباء عن الأبناء

تختلف آثار غياب الآباء عن الأبناء من شخص لآخر، اعتماداً على قدرة الأم على القيام بالدور المزدوج المطلوب منها، ووجود الدعم الخارجي للأبناء، واعتماداً على أعمارهم، وعلى حالتهم النفسية وطباعهم. ولكن هناك أثار مشتركة تجمع بينهم وهي:

1- ضعف القدرة على إظهار المشاعر الداخلية والتعبير عنها بسبب إخفائهم لمشاعر الحزن والأسى والغضب والحيرة.

2- يكون الأبناء أكثر عرضة للتشرد والانحراف والضياع، والممارسات السلوكية الخاطئة، والإخفاقات الدراسية، أو سوء التوافق في المجتمع بسبب خذلان الوالدين لهم والتخلي عنهم.

3- غياب القدوة السليمة، واختلال مفاهيم الدور المتوقع منهم كآباء أو أمهات مستقبلاً.

4- فقدان الشعور بالأمن النفسي.

5- وجود مسافات من البعد العاطفي والنفسي في المجتمع، وتنامي مشاعر الغربة، وغياب التفاعل الحقيقي بين الآباء والأبناء.

وختاماً لا أريد أن أنكر التضحيات العظيمة التي قامت بها الكثير من النساء في سبيل الوصول بأبنائهم إلى بر الأمان في غياب الآباء. ولكن أريد أن أدعو الآباء إلى مراجعة الذات في علاقاتهم مع أبنائهم، وأذكرهم بخطورة دورهم في حياة أبنائهم. فالأبوّة الحقّة لا تتطلب أن تكون شخصية الوالد قوية متسلّطة جبارة، بل على الوالد أن يكون متوازناً في القول والفعل والعاطفة، قادراً على التغلب على ضعفه وتخاذله، متفهماً لاحتياجاتهم، مشاركاً لهم أفكارهم وأحلامهم، وقدوة لهم بالقول والعمل.

المصدر: مجلة الفرقان

 
إكرام العش
تاريخ النشر:2010-09-05 الساعة 12:50:56
التعليقات:0
مرات القراءة: 2239
مرات الطباعة: 761
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan