الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » فلسطين قضية الأمة » ملفات

خطاب الإعلامي العربي وإشكالية المصطلحات

د. سعيد اللاوندي

 

من طلب الحقيقة من الألفاظ هلك!.. هذه العبارة التي أطلقها يوماً الإمام أبو حامد الغزالي (حجة الإسلام في عصره) تكاد تصور -للأسف الشديد- واقعنا العربي الذي يعيش حالة من الكسل الفكري غير مسبوقة في تاريخه، فهو من ناحية ينقل نقلاً حرفياً المصطلحات الفكرية والكلامية دون إعمال للفكر أو التمحيص بحيث أصبح ضحية لهذه المصطلحات المشبَّعة بدلالات خطيرة باتجاه الكذب، وتزييف الواقع وتزوير الحقائق. فتجعل الحق باطلاً، والباطل حقا!.. ومن ناحية أخرى لم يحاول قط إدخال مصطلح عربي واحد إلى لغة "الآخر" سواء كان غربيا أو عبريا، واكتفينا بابتلاع المدسوسات في إعلامنا (وخطابنا الإعلامي على وجه الخصوص) بحيث أصبح عسيراً التمييز بين صحيفة يدعوت أحرونوت الإسرائيلية، والصحف العربية.. فالمصطلحات المستخدمة فيها جميعا أصبحت (واحدة) والمدلولات الموحية بها تكاد تكون متشابهة وهو ما يجعلنا نصرّ بأننا خسرنا -ولا نزال- نخسر معركتنا الإعلامية مع إسرائيل والغرب بشكل عام..

 ليس من شك في أن الغرب يعرف جيداً خطورة الدور الذي يقوم به الإعلام (مقروءاً ومسموعاً ومرئياً) في فرض رؤاه، وقَيّمه على الآخر، ولعل هذا ما كانت تعنيه مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة عندما قالت ذات مرة: إن شبكة C.N.N الأمريكية هي العضو السادس دائم العضوية في مجلس الأمن! والمحقق أن هذه السيدة لم تكن تعبث، كما لم تكن تلقى الكلام على عواهنه، وإنما كانت تدرك أن لوسائل (الميديا) من النفوذ والتأثير ما يفوق التصور.

.. والإنصاف يقضي بأن نعترف بأن هناك عشرات من الكلمات والأسماء والمصطلحات والأوصاف في العبرية والغربية قد تسللت إلى إعلامنا العربي سواء عن طريق استعارتها من الإعلام الصهيوني مباشرة أو نقلها نقلاً حرفياً (أعمى) عن الإعلام الغربي- الحاضن الرئيسي للإعلام الصهيوني.. ولاشك أن خلط المعاني وتشويه المصطلح يؤدي إلى جانب نشره بين الناس- إلى خلط سياسي وتزوير تاريخي.. وبالمجمل يؤدي إلى غزو ثقافتنا ولغتنا الأم وتشويه أهدافنا وقوميتنا ولغتنا وديننا.. ويمكن القول إن وكالات الأنباء الغربية الكبرى تقوم عن عمد مع سبق الإصرار- بإغراق الإعلام العربي بأخبار يتم اختيارها وصياغة مفرداتها وفقاً لمعايير اجتماعية وسياسية لا تراعي مصالح المجتمعات الموجهة إليها أو أولوياتها. ولكنها تحاول تمرير العبارات والمصطلحات ذات المضامين الفكرية والسياسية التي تراعي في الدرجة الأولى مصالح القوى والجهات الدولية التي تعمل على تدجين واحتواء الوطن العربي ثقافيا وسياسيا.

ولعل أهم مؤشر على نجاح ذلك -للأسف- هو إقبالنا على استخدام هذه العبارات والمصطلحات وكأنها نابعة من ذاتنا، ومُعبّرة عن أفكارنا ومُترجمة لثقافتنا.. مع أن هذا ليس صحيحا بالجملة، لكن ما حيلتنا وإعلامنا العربي اعتاد -منذ بدايته- على أن يعيش عالة على الإعلام الخارجي؟!.. والحق أننا لكي نفهم أبعاد هذه الحرب حرب المصطلحات والأفكار- التي انتصر فيها (الآخر) بامتياز، لابد أن نتوقف أمام أمر ينطلق منه الإعلام الغربي عن وعي وبصيرة وهو أن الرأي العام هذا البحر الهادر من الكتل البشرية ويمكن التحكم فيه وتشكيل توجهاته وصبّه في قوالب مُعدة سلفا كقوالب الشيكولاته... ويمكن تصنيعه بمواصفات مُحددة كحال أي سلعة قبل عرضها في الأسواق..

وهناك تقنيات شتى يبرع في استجدائها واستئناسها رجال السياسة في العالم بحيث تضمن لهم (رأياً عاما) سلساً ومُطيعاً وجاهزا لتصديق كل ما يُقال من أكاذيب وترهات وأضاليل وكم كان صائباً وزير خارجية ألمانيا الأسبق (يوشكا فيشر) عندما قال في صحوة ضمير نادرة: "عندما سنعرف الحقيقة يوماً سوف نندهش كثيرا أنها أشد قسوة مما يمكننا تخيّله".. والحقيقة التي كان يعنيها يوشكا فيشر هنا هي حقيقة غزو أمريكا للعراق في عام 2003.

الرأي العام: جسد مارد وعقل طفل..

أيا كان الأمر، فالثابت أن القائمين على الإعلام الغربي يعرفون جيداً أن الرأي العام -على ضخامته- وعظيم تأثيره إلا أنه يكاد يكون طفلاً ساذجاً يمكن التغرير به، وتضليله على أيدي شركات كبرى تتخصص في هذا الشيء (لا في غيره) وها هو كتاب شهير بعنوان: أسلحة التضليل الشامل لمؤلفيه شيلدون رامبتون، وجون ستوبر يذكر أن هناك شركات للعلاقات العامة وظيفتها أن نبيع الوهم للمواطنين.. وبعضها تربطها عقود بأجهزة المخابرات الأمريكية تخوّل لها حق توزيع الأخبار المغلوطة عن الحرب وتصوير أفلام تليفزيونية دعائية تصوغها وتخدم أهدافها..

حدث هذا في أفغانستان عندما احتكرت إحدى الشركات بث أخبار الحرب دون منازع كما حدث في العراق، وكلنا يذكر أن مشهد إسقاط تمثال صدام حسين في قلب بغداد كان مسرحية من إعداد وإخراج إحدى هذه الشركات التي قامت بتعبئة أكثر من 100 شخص لكي يكونوا جاهزين للتصفيق وكان من بينهموياللعجب- أناس يحملون عضوية مجلس الحكم الانتقالي آنذاك في العراق.

النتيجة المؤلمة في كل هذا- أن الرأي العام هو الضحية دائما حيث تنفق مئات الملايين من الدولارات لإحكام القبضة عليه.

وفي حقيقة الأمر إن ما نسمعه عن وقائع شراء صحف وكتّاب من كل لون وصنف بغرض توجيه الرأي العام وحشو (رأسه) بأفكار ورؤى بعينها هو الآخر بات -لكثرة تكراره- مألوفاً ولا يدعو للدهشة أو الغرابة على الرغم من أنه يدخل ضمن ما يسميه المفكر الأمريكي ناعوم تشوميسكي: عمليات النصب المالي والمعنوي"

..والحق أن التلاعب بالعقول هو مبدأ يأخذ به رجال السياسة والإعلام في الغرب، فقديما عندما استقر في عقل زعيم النازية (هتلر) أن ألمانيا لن تتغلب على مشاكلها الاقتصادية إلا بغزو الدول القريبة منها، لم يتورع عن اختلاق أكذوبة أن (بولندا) اعتدت على ألمانيا وكان على وسائل الإعلام التابعة له أن تتكفل بالباقي من الترويج وإلحاح وتزييف وتقديم الأكاذيب على أنها حقائق..

وحال دونالد رامسفيلد وزير الخارجية الأمريكي السابق لا يختلف عن حال (هتلر) بالأمس فلقد اعترف أنه أسس مكتباً يُشرف عليه بنفسه لا مهمة له سوى تزييف الحقائق وبثها على كوكب الأرض قاطبة. هذا المكتب هو في الأصل وحدة تعُرف باسم (وحدة التأثير الاستراتيجي) ميزانيتها مئات الملايين من الدولارات وتتعاون مع جهاز الـC.I.A وتتعامل مع صحفيين وكتابا في الشرق الأوسط فتعطيهم رسائل صحفية وتعليمات وتمدهم بالمعلومات التي تتوافق مع أمنيات ورغبات الإدارة الأمريكية وتفضيل الخيارات الخاصة بالسياسة الأمريكية في بلادهم مقابل منح دراسية أو رواتب شهرية تصل إليهم بطرق خفيّة حتى لا يفتضح أمرهم وكذلك لضمان ولائهم وانحيازهم التام لكل الطروحات الأمريكية.

وتقوم هذه الوحدة وحدة التأثير الاستراتيجي- بتسريب معلومات تبتلعها الصحافة الأمريكية والعالمية لخدمة المصالح الأمريكية وليس خافياً على الصغير والكبير أن المُستهدف أولاً وأخيرا هو الرأي العام المُفترى عليه (في هذه الحالة) ولكي تكتمل الرؤية حول إدراك الغرب إلى أن الرأي العام هو (جسد مارد وعقل طفل).. تجدر الإشارة إلى اعتراف (زلزّل أصحاب دراسات الرأي العام في العالم) صاحبه هو الشاب الأمريكي بنجامين فاندر فورد الذي قال إنه قام (بفبركة) عملية قطع رأسه ووزعها (فيديو) من خلال شبكة الإنترنت.. ولأنه بارع في برمجة ألعاب الكومبيوتر فلقد استخدم إحدى التقنيات وصور نفسه جالساً على كرسي في غرفة مُظلمة ويداه خلف ظهره وهو يرتعد ويهتز للأمام والخلف وكأنه رهينة مذعورة..

وليس من شك، في أن المواطن العربي العادي لن يجد مُتسعاً من وقت وسط انشغالاته الحياتية المتلاحقة ليسأل نفسه: هل كل ما يبلغه من أنباء (صحيحا).. وهل كل ما يشاهده عبر الشاشات أو يقرأه على صفحات الصحف حقائق لا أكاذيب.

لكن يبقى أن قادة الإعلام في الغرب يديرون معركتهم بنجاح وهم على ثقة من أن وسائل الإعلام العربية سوف يسلس قيادها دون ضجيج.. خصوصاً أنها تستقي معظم أخبارها وتحليلاتها وصورها من مصادر أوروبية أمريكية في الأساس وتُذيع وتنشر ما تريد وتحجب ما تشاء حيث تسيطر أربع وكالات أنباء غربية على الأقل- على نحو 85% من المجموع العالمي للمادة الإعلامية المتدفقة وهي ما يلي طبقا لإحصائيات منظمة اليونسكو:

وكالة استوشتدبرس الأمريكية وتبث 17 مليون كلمة في اليوم الواحد.

وكالة يونايتدبرس الأمريكية (11 مليون كلمة في اليوم).

وكالة رويتر البريطانية (10.5 مليون كلمة في اليوم).

وكالة الصحافة الفرنسية (3ملايين كلمة في اليوم).

وهي بذلك تتحكم في مصادر المعلومات واختياراتها ونوعياتها ووسائل بثها.

.. وكان طبيعيا أن تقع صحفنا ووسائل إعلامنا الأخرى التي تعتمد اعتماداً شبه كلي في استقاء معلوماتها على هذه المصادر الخارجية.. والسبب كما نعلم جميعا تبعّية إعلامنا العربي للإعلام الغربي.

اليهود والعالم والفلوس

اللافت للنظر أن الغرب قد شن علينا حربا إعلامية، واستعد لها منذ زمن، بينما نحن عنها غافلون ولقد اعترف بهذه الحقيقة الغائبةعلى الأقل هنا- جاك أتالي- مستشار الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران ومؤلف كتاب اليهود والعالم والفلوس"، فذكر أن اليهود قد وضعوا خطة للسيطرة على العالم عبر امتلاك المال، ورؤوس أموال البنوك الكبرى في العالم، واستطاعوا أن ينفذوا إلى المشاريع الكبرى عبر سياسة الإقراض أو الاستثمار وذكر الكتاب أن حفر قناة السويس ما كان له أن يتم لولا أن قام ثلاثة من كبار الرأسماليين اليهود بإقراض خديوي مصر آنذاك لكي يحقق مشروعه الخاص بربط البحرين، البحر الأحمر بالبحر الأبيض المتوسط..

ويذكر جاك آتالي أن اليهود قد هداهم تفكيرهم في شيء آخر وهو امتلاك المعلومة، فعمدوا إلى امتلاك معظم وسائل الميديا في العالم أو على الأقل التأثير فيها وظهرت تبعا لذلك ظاهرة (مردوخ).. هذا اليهودي الاسترالي الذي يملك إمبراطورية إعلامية تضم نحو 150 وسيلة إعلامية في أربع قارات: ففي أمريكا يتملك مردوخ صحيفتين يوميتين و20 مجلة أسبوعية وعدداً من المحطات التليفزيونية ودور النشر وفي بريطانيا يمتلك خمس صحف يومية وعدداً من المجلات وشبكة تليفزيونية عبر الأقمار الصناعية ويمتلك في أستراليا 100 صحيفة وفي آسيا صحيفة يومية كبرى وقد اشترى مردوخ عام 1988 شركة أمريكية تصدر مجلة "دليل التليفزيون" التي توزع أكثر من 20 مليون نسخة.

ويمكن أن نشير إلى مليونير يهودي آخر هو صمويل نيوهادس، وجيمس فولد سميث صاحب مجلة الإكسبرس الفرنسية وسيدني برنستاين في بريطانيا وهم يملكون عدداً ضخماً من الصحف والمجلات والشبكات التليفزيونية تغطى مساحة كبيرة من دول العالم المترامية شرقاً وغربا وشمالاً وجنوباً..

والخلاصة أن الرأي العام أصبح أشبه بالطين الصلصال الذي تشكله وسائل الميديا بالطريقة التي تنسجم مع مصالح واتجاهات الدول الكبرى في العالم.. بعبارة أخرى أن الميديا هي التي تفضح وتنشر، وهي التي تكشف وتخفي وهي التي تقول أو لا تقول، وخطورة ذلك كله ينبع من قدرتها على تشكيل الرأي العام.. تجيششه أو تفكيكه.. توجيهه أو تضليله..

.. والميديا بوصفها الوسيلة الناجعة للدعاية كان طبيعياً أن توليها النظم والحكومات أهمية قصوى، فالسيطرة على منشآت الإذاعة والتليفزيونية في أي بلد تكون دائماً، على صدر أولويات الثوريين من راغبي تغيير الحكم في أي بلد أو أمة.. لأنها ستكون لسان حال صاحب السلطة وكأنها العين التي يرى بها الآخرين ويرونه وربما لهذا السبب اعتبرت أمريكا نفسها قد خسرت معركة الميديا في بعض مراحل حرب أفغانستان عندما أُذيع أن الصرب هم الشريرون! بينما المسلمون هم الضحايا‍ وكان الكثيرون لا يعرفون قبل إذاعة هذا الخبر من هو المعتدي ومن هو الضحية.

إذن الميديا هي أشبه بالكاميرا، بل هي الكاميرا ذاتها ولعل تصريح الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش قبيل اندلاع حرب أفغانستان لم يكن يعني سوى ذلك.. عندما قال:

"إن الشبكات التليفزيونية ستكون مصاحبة للهجمات الجوية التى ستصب بنيرانها فوق مواقع طالبان".. وعلى نفس الوتيرة سارت سياسة واشنطن فى حروب الخليج جميعا (الأولى أو الثانية) عندما شددت على أن تنقل C.N.N تطورات الحرب وآفاقها عبر الشاشات حتى قال البعض- وهم على حق إن ما عرضته الشبكة عن مسرح الأحداث أشبه بفيلم من إنتاج هوليود, يظهر فيه أعداء الولايات المتحدة وكأنهم شياطين وحتما سيلقون العقاب! وكان طبيعيا فى هذا الإطار أن يتحدث المراقبون فى ذلك الوقت عن أن حرب الخليج كشفت عن ثلاث قوى تفجيرية كبرى الأولى: صواريخ توماهوك. والثانية: القنابل التى تتحرك بالليزر أما الثالثة فهى كاميرات شبكة C.N.N.

بهذه المعانى يمكن أن نقول باطمئنان أن الكاميرات أو الشاشات التليفزيونية أصبحت أداة سياسية بامتياز. يصل بسياسته إلى الأمان من يبرع فى استخدامها ويحضرنى فى التو واللحظة مثالان الأول يتعلق بالصين: عندما عرضت الشاشات الأمريكية جملة من المشاهد التى تسلط الضوء على المعاملة السيئة التى يلقاها الأطفال غير المرغوب فيهم فى مراكز الأيتام فى بكين! ونجحت واشنطن بالفعل فى تعبئة مساحة كبيرة من السخط ضد الصين بين شرائح عديدة من الرأى العام. وتحدث المحللون عن دخول الكاميرات ضمن حلقات الصراع الأمريكى الصينى.

المثال الثانى وقع عام 1991 عندما أسهمت شبكة C.N.N فى الحديث عن إفلاس العديد من البنوك مع عرض لمشاهد تعكس بشكل مباشر هذه الكارثة المتوقعة ومعلوم أن العملاء أذهلتهم المشاهد عبر كاميرات التليفزيون وهرعوا من فورهم يسحبون أرصدتهم !

ويعد المثال الصارخ على براعة الكاميرات فى إدارة صراع أو تمرير سياسة من نوع ما, أو تجييش الرأى العام مع أو ضد فكرة هو ما حدث بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 عندما تعمدت الشاشات الأوربية والأمريكية إذاعة مشاهد التمثيل بجثث الضباط الأمريكيين الأربعة من قبل صبية صوماليين وسحلها فى الشوارع والميادين.

وكلنا يعلم قدر الإساءة التى لحقت بالإسلام والمسلمين الذين أضحوا منذ هذه اللحظة وكأنهم (جميعا) همجيون وبرابرة ولصوص وقطاع طرق والأخطر أن الإسلام قد ألصقت به تهم عديدة (هو بالقطع منها براء) لأن أحداً ليس حجة على الإسلام فضلا عن أن كل إنسان مسئول عن سلوكه وتصرفاته وليس دينه!

بكلمة أخيرة : إن حروب القرن الحادى والعشرين لم تعد تعتمد فقط على خطط الهجوم الجوى أو الاجتياح البرى والبحرى وإنما أيضا على الكاميرات التى أضحت سلاحاً يرصد, ويكشف ويفتك بالأبرياء!

لسنا "عبيدا" للإعلام الأمريكى!

ولأننا شعوب بلا ذاكرة أو هكذا نبدو فلقد برعت أمريكا على سبيل المثال فى أن تبيع لنا الأوهام من كل لون وصنف وأن تسوّق إعلامها النافذ فى أوساطنا ليحوّل الأكاذيب إلى حقائق, ولأننا لا نربط حدثا بآخر, ونستصعب البحث فى الأصول, ونكره مقارنة المعلومات (ببعضها البعض) ويشق علينا أن نعود بالأخبار إلى سيرتها الأولى, أضحى كل ما تقوله آلة الإعلام الأمريكية صدقا خالصا (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه!)

لكن إذا استمر هذا الحال عاما أو عامين, فلن يُقدر له البقاء طويلا, فالوقائع باتت متلاحقة تشد الواحدة منها رقاب الأخرى, والسنوات تكرّ كحبات المسبحة والزيف بالقطع سينفضح أمره!

فكلنا يذكر مثلا: يوم تحول برجا نيويورك إلى حُطام, وكان أول تصريح صدر عن الرئيس الأمريكى يتضمن اتهاما للقاعدة وزعيمها أسامة بن لادن كما نذكر كيف ألحت وسائل الميديا على هذا الاتهام الذى أضحى وكأنه الحقيقة المطلقة.

وكان على عقولنا الصغيرة أن تصدق لا بأس! لكن لم تنس هذه العقول أيضا ما يلى:

أن كتابا صدر باللغة الفرنسية لمؤلفه الكاتب تيرى ميسان بعنوان "الخديعة الكبرى" الذى فضح أكذوبة أمريكا بشأن أحداث 11 سبتمبر فأوضح بالأدلة الدامغة أن وقائع تدمير برجى نيويورك تمت بفعل فاعل أمريكى وأن المدعو أسامة بن لادن وهذا ليس دفاعا عنه قد يكون بريئا ً منها براءة الذئب من دم يعقوب وما الشرائط الصوتية التى تخرج علينا بين وقت وآخر إلا من قبيل الخداع الإعلامى الذى كشفه المخرج الأمريكى مايك مور فى واحد من أهم أفلامه!.

 

أقول من حقنا أن نصدق كل ما جاء فى كتاب تيرى ميسان لأنه اعتمد على حقائق ووقائع نرتعد لها فرائص الدبلوماسيين الأمريكيين فعلى الرغم من صدور عشرات الكتب التى تفند أكاذيب ودعاوى المحافظين الجدد بشأن أحداث 11 سبتمبر وأفغانستان والعراق (لاحقا) مثل كتاب أسلحة الخداع الشامل, وكتاب أكاذيب جورج بوش, وكتاب أكاذيب كبيرة, وكتاب "مزيد من البوشية" إلا أن كتاب الخديعة الكبرى كاد يهز عرش المحافظين الجدد, فعلى أثر صدوره تحدثت الإدارة الأمريكية عن إنشاء بشكل عاجل قطاع الدبلوماسية العامة, أوكلته فى البداية للسيدة تشارلون بيريز وهدفه الترويج للسياسة الأمريكية فى الشرق الأوسط, والرد على ما جاء فى كتاب الخديعة الكبرى, وتحسين صورة أمريكا فى البلدان العربية الإسلامية.

ورصدت لهذا العمل نحو 520 مليون دولار, وشملت إنتاج برامج موجهة للعالم العربى والإسلامى, وإنشاء محطة تليفزيونية عربية (الحرة) وإذاعة مسموعة (راديو سوا) ومجلة أسبوعية (هاى) ودعم بعض الصحف ودور النشر العربية وإنتاج برامج للأطفال باللغة العربية (شارع سمسم) وتبادل الطلاب والصحفيين يتم توزيعهم (وفق برنامج غسيل مخ واحد) بين أمريكا واليابان وكوريا الجنوبية.

وفى هذا الإطار يجب ألا ننسى أن كتاب الخديعة الكبرى هو الوحيد الذى أفزع السفير الأمريكى وقتذاك فى مصر (السيد ديفيد وولش) فجعله يكسر كل الأعراف الدبلوماسية ويكتب بيانا (غير مهذب) يلقن فيه صحفنا المصرية دروساً فى النشر بشأن المعلومات التى وردت فى هذا الكتاب.. كما تختزن الذاكرة العربية أيضاً إصرار واشنطن على إغلاق مركز زايد للدراسات فى الإمارات بعد أن دعا مؤلف الكتاب تيرى ميسان لإلقاء محاضرة والرد على أسئلة الحاضرين..

أقول قد تنجح الميديا الأمريكية فى طمس وتشويه الحقائق.. ولكن إلى حين، فالعقل العربى حسبما أظن- قد أعياه طول الكسل وأحسب أنه نفض عن نفسه الغبار أو هكذا أتمنى-، وامتشق منهجا نقدياً لن تسلم منه طبيعة الحال أمريكا وأكاذيبها.

.. وفى إطار الذكرى التى بالقطع تنفع المؤمنين بأن غدهم سيكون أفضل من حاضرهم تحضرنى مقالة كتبها الكاتب البريطانى المعروف روبرت فيسك بعنوان: "اسألوا من فعل أحداث 11 سبتمبر" ولكن بحق السماء لا تسألوا لماذا؟ يقول فيها: ما أن انكشف حطام برجى التجارة فى نيويورك حتى صاحت امرأة من بين الزحام: لماذا يكرهوننا؟ وسرعان ما دار هذا السؤال على كل شفه ولسان بدءاً من الرئيس وانتهاء بأى مواطن عادى؟ ظل يتردد كل يوم فى رسائل الميديا. ويتابع فيسك: ثم قام ضابط أمريكى متقاعد شهد حرب 1973 ويعرف ما يجرى على أرض فلسطين من هجوم على الفلسطينيين وبيوتهم بالدبابات والطائرات الأمريكية وقال: استطيع أن أفهم لماذا يكرهوننا!

وتبدو الإجابة واضحة على السؤال الذى طرحه فيسك... وهى تسوقنا إلى واقعة أخرى بطلها هو دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكى السابق الذى أسس ما يسمى بخلية التأثير الاستراتيجى داخل البنتاجون وظيفتها وضع خطط لتقديم مواد إخبارية ملفقة وممارسة التشويش والأنشطة السرية، ونشرها- من خلال صحفيين وكتاب فى المنطقة العربية مقابل رواتب غير عينية مثل السفر، والتدريب وإلقاء محاضرات فى مراكز بحثية أمريكية..

.. ثم كيف ننسى أن استراتيجيه مكافحة الإرهاب التى وضعتها أمريكا عقب أحداث 11 سبتمبر قد أصبحت عارية، ودليلنا على ذلك انسحاب قوات الدول الأخرى- الواحدة بعد الأخرى- من العراق.

وأغلب الظن أن الرأى العام العالمى لم يعد تحت السيطرة، كما كانت تريد وتحلم الإدارة الأمريكية. فحرب العراق كانت حرباً استعمارية احتلالية ولا علاقة لها بمكافحة الإرهاب... فأسلحة الدمار الشامل لم توجد (ولن توجد) وصدام حسين لم تكن له علاقة (لا من قريب أو بعيد) بأسامة بن لادن، وتنظيم القاعدة... وقديماً قال تشرشل أن الحقيقة يجب أن تكون مصحوبة بالأكاذيب..

وفى حال أمريكا مع أحداث 11 سبتمبر يتبين أن "الحقيقة" لم تكن سوى أكذوبة كبرى محاطة بأكاذيب صغيرة، ولعل هذا ما قصدته صحيفة لوموند الفرنسية بعد أسبوع من وقوع أحداث 11 سبتمبر عندما قالت:إن أمريكا شيء، وأوروبا شيء آخر... وكان ذلك رداً على ما نشيت صدر فى صفحتها الأولى يوم 12 سبتمبر 2001 يقول: نحن جميعاً أمريكيون! وكأن "لوموند" تصحح ذاتها، وتعتذر عن طعم إعلامى ابتلعته كحال صحف كثيرة فى العالم..

التلاعب بالعقول عبر المصطلحات

والحق أن الرأي العام العربي كان ضحية دائمة للأفكار والرؤى والمصطلحات التي أغرق بها الإعلام الغربي الفضاآت العربية المختلفة.. والتي أصبحنا نتحدث عنها، ونرددها وكأنها من بنات أفكارنا.. مع أن في ترويجها خسران مبين لقضايانا الثقافية والحضارية والسياسية..

فمصطلح الشرق الأوسط هو باعتراف الجميع- مصطلح دخيل، لكنه قد فرض نفسه- بعد أن فرضته القوى الغربية الاستعمارية الكبرى- وحتى عندما يتناول بعض الكتاب القوميين قضايا الصراع العربي الإسرائيلي فلقد تسرّب مصطلح الشرق الأوسط إلى كتاباتهم وأصبح أمراً عادياً، وروتينياً خاصة إذا ما تناولوا الأبعاد الإقليمية والدولية للصراع.. وينطبق الشيء نفسه على محاولات فرض نظام شرق أوسطي جديد أو كبير أو موسّع ثم مصطلح سوق مشتركة فى المنطقة.. والمؤسف أننا قد ابتلعنا كل ذلك على حساب اختفاء مصطلحات مثل "الأمة العربية" أو "الوطن العربي"، أو "القضية الفلسطينية".. التي حل محلها الصراع العربي الإسرائيلي، ثم النزاع الفلسطيني الإسرائيلي. وأخيرا اختفت إلى الأبد كلمة فلسطين لنتحدث اليوم عن خلاف فتحاوي- حمساوي.. وهو أمر يثلج كثيرا صدر إسرائيل، التي تريد أن تختفى فلسطين (جغرافياً) من على الخرائط، كما تختفي بالتوازي- من العقول والذاكرة العربية برمتها‍‍‍‍‍‍‍!!

ولاشك أن الميديا الغربية هي المحرك لكل هذه الوقائع.. ولقد لاحظنا مثلاً- إبان الغزو الأمريكي للعراق، أن كلمة غزو قد اختفت تماماً من الخطاب الإعلامي العربي بتأثير الميديا الغربية- فأصبح الغزو (تحريراً) بقولهم إن أمريكا لم تغزو العراق وإنما جاءت لتحرر الشعب العراقي من نظام صدام حسين!

.. والشيء نفسه ينطبق على تزييفات من نوع الحديث عن الحركات الأصولية الإسلامية باعتبارها حركات إرهابية.. فالإسلام هو الإرهاب.. وأنت مسلم إذن أنت إرهابي وقاتل، وسفاح.. وأنت عربي إذن فأنت لص، وخادع، وزير نساء!!

وبشكل أكثر تحديدا، فإن قضيتنا هي قضية الدس الصهيوني وتسلل الإسرائيليات المزورة عبر المصطلحات المزيفة إلى لغتنا العربية بشكل عام وإلى اللغة السياسية والإعلامية بشكل خاص.. حين صحونا فوجدنا البعض منا يتداول كلمات ومصطلحات عبرية تم نقلها ودون تدقيق وتفحص عن الغرب تارة وعن الدولة الصهيونية مباشرة تارة أخرى. فصارت مع الأسف- شائعة ومتداولة ومستساغة أو كادت- عند بعض الساسة والمثقفين أو المتثاقفين العرب عن جهل أو تجاهل أو عن تفاخر وادعاء بالمعرفة والإلمام بلغات الآخرين.

بكلمة أخرى، إن البعض منا لم يُقدر بصورة عميقة أن الهدف الصهيوني هو تثبيت هذا الدس المصطلحي والرطانة اللغوية المنقولة في العقل والوجدان وعلى طرف اللسان العربي تعميقا لما يسميه ثقافة السلام والتطبيع والتعرف على الهُوية والثقافة اليهودية واللغة العبرية..

والأغرب من ذلك أننا كما يقول أحد المفكرين العرب قد أدمّنا عملية نقل المصطلحات دون إعمال الفكر أو اجتهاد ودون فحص أو تمحيص حتى أصبحت العلوم الإنسانية عندنا (عقلها في أذنيَها).. تنقل آخر ما تسمع بكل (أمانة) و "موضوعية" تبعثان على الضحك!

وللإنصاف يجب أن نذكر أن بعض الإعلاميين العرب قد وضعوا ثبتاً بالمصطلحات (المؤسرلة) وقاموا بتصحيحها وردها إلى أصولها العربية مثل أجهزة الأمن الإسرائيلية، وهو تعبير يُوحي بأن هذه الأجهزة طبيعية في دولة طبيعية ولذلك يجب إبدالها بأجهزة الجاسوسية الإسرائيلية.. وكلمة "إيلات" وهي في الأصل ميناء العقبة الإسرائيلي المحتل.. والانتحاريون وهو تعبير خاطئ عن الاستشهاديين، وحرب يوم الغفران والمقصود بها حرب أكتوبر المجيدة عام 1973 حيث تزعم إسرائيل أنها حرب "يوم الغفران" أو يوم كيبور، باللغة العبرية.. وقد لوحظ أن بعض الصحفيين العرب يستخدمون هذه الكلمة العبرية (يوم كيبور) دون إشارة إلى حرب أكتوبر ظنا منهم أن في ذلك دليلاً على سعة الأفق، وزيادة في المعلومات!!

.. الغريب أن إسرائيل تراهن كعادتها- على عنصر الزمن، فهذه المصطلحات استخدمها نفر من الصحفيين على استحياء في البداية، ثم اتسع الاستخدام حتى كاد يكون هو القاعدة، ولم يعد بوسعنا التمييز بين الخطاب الإسلامي العربي، والخطاب الإعلامي العبري.. بعد أن غرقت الساحة الإعلامية العربية بالمدسوسات التي تدافع عن وجهة النظر الإسرائيلية..

وإذا استدعينا للذاكرة مئات المصطلحات التي دسّها الإعلام الغربي في فضائنا الثقافي والإعلامي خصوصاً في ميدان الإسلام والإرهاب، وفيما يُعرف بنظرية صدام الحضارات، اكتشفنا أننا ابتلعنا الطعم الفاسد، من ناحية، وضاعت من بين أيدينا -وأمام عقولنا- المسافة الفاصلة بين الأصول الإسلامية الصحيحة، وصرخات التطرف أو الحركات الإسلاموية على حد تعبير المفكر الإسلامي (الجزائري) محمد أركون..

يبقى أخيراً القول بضرورة بلورة خطاب سياسي وإعلامي عربي فعّال لمواجهة الحرب المعلنة على الذاكرة العربية بشأن الجرائم الإسرائيلية في أراضينا، وما مسلسل الحفر أسفل المسجد الأقصى، وتهويد القدس والتلاعب في الجغرافيا والديموغرافيا الخاصة بها سوى أكبر دليل على ذلك..

_______________

خبير في العلاقات السياسية الدولية بالأهرام

المصدر:الجزيرة للدراسات الإستراتيجية

 
د. سعيد اللاوندي
تاريخ النشر:2010-09-18 الساعة 12:18:29
التعليقات:0
مرات القراءة: 1283
مرات الطباعة: 448
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan