الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » شؤون دولية

الصراع على النفط في القارة الآسيوية للخروج من الأزمة

محمد بن سعيد الفطيسي

 

«ستواجه أمريكا أزمة إمداد كبرى بالطاقة في العقدين القادمين، وإن الفشل في التصدي لهذا التحدي سيهدد الازدهار الاقتصادي لأمتنا، ويعرض أمننا القومي للخطر، وسيغير بالمعنى الحرفي للكلمة طريقة عيشنا»- وزير الطاقة الأمريكي، سبنسر ابرهام، 19/ 3/ 2001م.

لم تعرف البشرية منذ فجر التاريخ صراعات عابرة للقارات على مسألة بعينها، كما هو الحال مع تلك الحروب والصراعات الدامية التي فجرتها موارد الطاقة في مختلف أرجاء العالم، وقد كان الذهب الأسود ومشتقاته- أي النفط- واحدا من أهم تلك الكنوز التي دفعت بكل المستعمرين الجدد وغزاة الأرض لتحويلها إلى ساحة تختلط فيها رائحة الموت مع رائحة الحياة.

ومن بين قارات العالم، شكلت القارة الآسيوية من نواحٍ عديدة الطريق السهل والسريع للتربع على دفة السيادة العالمية، نظرا لما تملكه هذه القارة من مقومات جيوستراتيجية وجيوبولوتيكية تؤهلها لتكون الكنز الضائع للعديد من الطامحين للوصول إلى دفة الهيمنة الدولية والسيادة على العالم، وعلى رأس تلك المقومات التي تعطي لهذه القارة قوة سياسية واقتصادية لا نظير لها، ذلك المخزون الطبيعي الهائل من الذهب الأسود أو النفط القابع في بطن هذه الأرض الآسيوية والذي ينتظر الخروج إلى وجهها ليغير نوعية الحياة وكيفيتها للعديد من الدول والشعوب.

فكما هو معروف فإن هذه القارة تسيطر على النسبة الأكبر من مخزون النفط العالمي الذي يعتبر اليوم أهم عامل اقتصادي لتحريك عجلة الصناعة والتجارة الدولية، نظرا لما يشكله من قوة سياسية واقتصادية رخيصة ومؤثرة في تغيير وتشكيل العديد من القرارات الدولية السياسية والاقتصادية الهامة، ولما يمثله من صمام أمان للعديد من الدول الموشكة على الموت في وجه المتغيرات التي قد تحصل على صعيد التحولات الاقتصادية الدولية بسبب الحروب أو الكوارث الطبيعية أو الاحتكار العالمي والتحكم في أسعار النفط ومشتقاته، وعلى رأس تلك الدول المهددة الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا.

وبإلقاء "نظرة على الخارطة السياسية والاقتصادية لآسيا تتضح أهمية وتعقيدات المنطقة، فهي تضم بلدا صناعيا متطورا مثل اليابان باقتصاد اكبر من اقتصاد أي بلد تاريخي في أوروبا، وثلاثة بلدان قارية هي الهند والصين وروسيا، وبلدين- كوريا الجنوبية وسنغافورة- قريبين من امتلاك الإمكانات الاقتصادية والتكنولوجية للدول الصناعية المتقدمة، وبلدين كبيرين هما الفلبين وإندونيسيا، اللذان يتألفان من آلاف من الجزر وتتحكمان بأهم الطرق البحرية، وتايلاند وبورما وهما بلدان قديمان تعداد سكانهما يقارب تعداد سكان فرنسا أو إيطاليا.. وتنتشر أعداد كبيرة من السكان المسلمين في ماليزيا وإندونيسيا، وهما أكثر الشعوب الإسلامية عددا في العالم، وأخيرا هناك فيتنام التي برهنت على شكيمتها العسكرية ووطنيتها المتأججة في حروب ضد فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية".

وقد كانت الولايات المتحدة الأمريكية من أوائل الدول التي تنبهت لتلك الأهمية الجيوستراتيجية والجيوبولوتيكية للقارة الآسيوية، وما ستشكله فيما بعد على الخارطة العالمية بسبب امتلاكها لذلك المخزون الهائل مـن النفط، وغيره من الموارد الطبيعية والاقتصادية الهامة، ولكون ارتباط الاقتصاد الآسيوي بالاقتصاد والتجارة الأمريكية ارتباطا وثيقا جدا، بحيث أن الولايات المتحدة الأمريكية غير قادرة على التخلص منه ومن تبعيته الخانقة، وجدت في استعماره واحتلاله بالطرق الدبلوماسية والتبادل التجاري أولا، وبالقوة العسكرية ثانيا الحل الخيالي لذلك الاقتصاد المنهار أو المقبل على الانهيار، بحيث إنه لا مناص من التعامل مع السوق الآسيوي، هذا السوق الذي يعتبر من اكبر الأسواق التجارية العالمية للتبادل التجاري، ومن اكبر المستهلكين للسلع الأمريكية.

حيث تتزايد أهمية اقتصاد آسيا- كل يوم- بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأمريكية والعالم،- فعلى سبيل المثال لا الحصر- في العام 1996م؛ أي قبل عقد ونصف من اليوم، بلغت حصة آسيا وحدها من تجارة الولايات المتحدة الأمريكية مع مجمل أنحاء العالم ما نسبته 58 في المائة، بينما بلغت واردات الخام في ابريل من العام 2010م، ما يقارب الـ335 ألف برميل يوميا عن مستواها في ابريل 2009 والبالغ 9.406 مليون برميل يوميا والذي كان أدنى مستوى شهري للواردات منذ عام 2002، كانت الحصة الآسيوية منه حصة الأسد بنسبة تزيد عن 83 في المائة.

بينما أظهرت بيانات لوزارة التجارة الأمريكية بتاريخ 10/ 2/ 2010م، حدوث ارتفاع غير متوقع للعجز التجاري للولايات المتحدة وذلك خلال شهر ديسمبر من العام الماضي 2009م في ظل قفزة أحرزتها الواردات البترولية تجاوزت الصادرات التي واصلت ارتفاعها للشهر الثامن على التوالي، وأفادت البيانات بارتفاع العجز إلى 40.2 مليار دولار، وهو ما اعتبر أعلى مستوى يسجل في العام 2009، ويأتي مقارنة بالمستوى المسجل في شهر نوفمبر والذي كان قد بلغ 36.4 مليار دولار.

وعلى هذا الأساس تعمل الإمبراطورية الأمريكية في تعاملها مع الدول الآسيوية، باعتبار أن سيناريو القارة الآسيوية هو البديل المناسب والسريع للخروج مـن تلك الأزمة، والمنقذ الذي لا مفر منه لانهيار الإمبراطورية الأمريكية، والطريق الوحيد للسيطرة والهيمنة على العالم اليوم من الناحيتين الاقتصادية والسياسية.

ولإلقاء نظرة على الإستراتيجية الأمريكية الحديثة للسيطرة على القارة الآسيوية ككل لا بد لنا من تقسيم تلك الإستراتيجية إلى قسمين: الطرق السلمية والتدخلات الدبلوماسية تحت مسوغات التبادل التجاري والمساعدات الخارجية ونشر الديمقراطية ومنع انتشار الأسلحة النووية والمحرمة دوليا، وغيرها من "أحصنة طروادة" التي تتخذها الولايات المتحدة الأمريكية ستارا فاضحا لتلك الإستراتيجية، ولتدخل من خلالها إلى تلك المنطقة كما دخلت بمثلها في أنحاء عديدة من العالم، ومن أمثلة تلك التدخلات إقرار مرسوم إستراتيجية طريق الحرير في عام 1999 بهدف الاستحواذ على دعم يخدم الاستقلال الاقتصادي والسياسي لبلدان جنوب القوقاز وآسيا الوسطى.

أما القسم الثاني من تلك الإستراتيجية فهو ينحصر في التدخلات العسكرية طويلة المدى أو قصيرة المدى؛ أي حسب الحاجة، بنفس الأعذار الواهية السابقة كنشر الديمقراطية وتحطيم عروش الديكتاتوريات وإنقاذ الضعفاء من الحكومات الجائرة والمستبدة والمحافظة على الأمن والسلم العالميين ومكافحة الإرهاب، كما حدث ذلك في أفغانستان والعراق والصومال والسودان وغيرها من الدول الآسيوية، رغم انكشاف تلك المسوغات أمام الجميع وانكشافها بشكل لا يدع لأحد أي ذرة شك أن تلك التدخلات ليست سوى مبررات للاستعمار السياسي والاقتصادي.

ويشير إلى تلك الإستراتيجية مستشار الأمن القومي ووزير الخارجية السابق هنري كيسنجر في كتابه "هل تحتاج أمريكا إلى سياسة خارجية؟" حيث يقول: إنه "ينبغي على السياسة الأمريكية في آسـيا أن تحرر نفسها من الشعارات السطحية وتبدأ بالأفعال على أساس بعض المبادئ العملية الآتية: إن أفضل طريقة لدفاع الولايات المتحدة الأمريكية عن آسيا- عن مصالحها بوجه خاص- ضد أي تهديد معاد، هو ترسيخ تواجد عسكري متفوق وممارسة سياسة خارجية تتوافق مع الأهداف القوية للدول الآسيوية الرئيسية ذات الأهداف المتوافقة مع أهدافنا".

ويشير كذلك إلى نفس الإستراتيجية السابقة مخطط آخر للسياسة الأمريكية ولكن بشكل أكثر صراحة ودقة ألا وهو مستشار الأمن القومي السابق في عهد الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر "زبيغينيو بريجنسكي" حيث يشير إلى أن المساعدات الخارجية الأمريكية ومسوغات نشر الديمقراطية والحرية الأمريكية في أفغانستان لم تكن سوى كذبة كبيرة أريد من خلالها استجلاب الاتحاد السوفييتي السابق إلى المصيدة الأفغانية، بحيث تكون مقبرته الأخيرة وبالتالي بروز الإمبراطورية الأمريكية كدولة متفردة لا نظير لها ولا ند في المنطقة.

فقد اعترف في مقابلة أجراها عام 1998 بأن "الرواية الأمريكية الرسمية القائلة بأن المساعدات العسكرية الأمريكية للمقاومة الأفغانية قد ابتدأت بعد الغزو السوفييتي لأفغانستان عام 1979، لم تكن سوى مجرد كذبة، أما الحقيقة فهي- كما يقول- إن الولايات المتحدة الأمريكية باشرت مساعداتها للمجاهدين الأصوليين الإسلاميين قبل ستة أشهر من الخطوة السوفييتية، وبأنه توقع وقتذاك، وقد أسر به للرئيس كارتر أن تدفع هذه المساعدات الأمريكية الاتحاد السوفييتي للإقدام على اجتياح عسكري.

وعندما سئل بريجينسكي عما إذا كان نادما على فعلته أجاب: اندم على ماذا؟ على فكرة رائعة كفلت استجلاب الدب الروسي إلى المستنقع الأفغاني، وتريدني أن أندم؟! ففي اليوم الذي اجتاح فيه الجيش السوفييتي الحدود الأفغانية أبرقت غالى الرئيس كارتر قائلا: الآن لدينا فرصة إهداء الاتحاد السوفييتي فيتنامه الخاصة، وبالفعل فقد تكبدت موسكو طوال عشر سنوات عناء حرب لا طاقة لها على احتمالها، فتداعت معنويات جيشها في البدء، ثم انهارت الإمبراطورية السوفييتية بـرمتها".

ولنبدأ أولا بالخيارات العسكرية "السرية" لتطبيق المنهجية الإستراتيجية الأمريكية نحو ممارسة الهيمنة والسيادة على العالم من خلال السيطرة على القارة الآسيوية، أو بالأحرى على مواردها الاقتصادية وخيراتها وثرواتها الطبيعية منذ مدة طويلة جدا وخصوصا خطوط ومنابع "النفط" الرئيسية في العالم، متخذين من أفغانستان والعراق، اقرب مثالين حيين لفهم أوسع وأدق لتلك المنهجية الاستعمارية للإمبراطورية الأمريكية على هذه البقعة من العالم.

فأفغانستان على سبيل المثال والتي اتخذت منها الإمبراطورية الأمريكية ذريعة لغزو آسيا بعد اتهام تنظيم القاعدة بتفجيرات الحادي عشر من سبتمبر من العام 2001، تحت ذريعة مكافحة الإرهاب وتخليص الشعب الأفغاني من حكم طالبان المستبد، فقد تأكد في ما بعد ما مفاده أن الوقائع لتشير إلى أن "الحرب التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية على أفغانستان في أكتوبر كان قد خطط لها بمعزل عن اعتداءات 11 سبتمبر، فبدلا من أن تشكل الحرب ردا على هذه الاعتداءات إنما يبدو أن هذه الاعتداءات شكلت ذريعة تتسلح بها الولايات المتحدة لتبرر تنفيذ الخطط المعدة سابقا للقيام بتدخل عسكري، بالإضافة إلى ذلك فقد تم وضع تلك المخططات المحددة بسبب عجز الطالبان عن تنفيذ شروط الولايات المتحدة المتعلقة بالأهداف الإستراتيجية والاقتصادية الإقليمية والتي كان من المقرر تنفيذها في تشرين الأول/ أكتوبر من العام 2001"... حيث تشكل أفغانستان النافذة الأساسية التي تطل على آسيا الوسطى من جهة واكبر احتياط للطاقة من جهة ثانية.

كما نقلت مجلة نيوزويك Newsweek في مقالة عنونتها بـ"عملية درع السهب" إن الجيش الأمريكي كان يحضر للقيام بعملية في كازاخستان، وتم التخطيط للعملية على غرار عملية درع الصحراء في الكويت والعراق التي أدت بنجاح إلى إنشاء شبكة قواعد عسكرية دائمة في المنطقة تابعة للولايات المتحدة، ويعود بالتحديد مرد وضع خطة الحرب الأمريكية التي رأت النور منذ العام 1989 وهدفت إلى غزو أفغانستان إلى اهتمامات إستراتيجية واقتصادية في آسيا الوسطى.

الحرب على أفغانستان ذريعة واهية

ويعتبر المسؤولون الأمريكيون أفغانستان نافذة مفتوحة على آسيا الوسطى وبحر قزوين، وبالتالي منفذا يؤدي إلى سيطرة شاملة، وسجل مسؤول سابق في وزارة الدفاع الأمريكية "أيلي كراكوسكي" الذي عمل على المسألة الأفغانية في الثمانينات من القرن العشرين ما يلي: مع انهيار الاتحاد السوفييتي أضحت أفغانستان تشكل منفذا مهما على البحر للدول المحيطة بالأرض في آسيا الوسطى، وجذب احتياط النفط والغاز الواسع في تلك المنطقة عدة بلاد وشركات متعددة الجنسيات.. كل ما يحدث في أفغانستان يؤثر على باقي العالم كونها تشكل محورا استراتيجيا أساسيا.

ويعتبر بحر قزوين على وجه الخصوص من أهم خطوط النفط الإستراتيجية والهامة في العالم، فالدراسة التي حررها خبيران من ألمع خبراء آسيا الوسطى، وهما مايكل كراو سان وبولنت اراس والتي نشرتها في لندن مطبوعات كراو سان في عام 1999 تحت عنوان "النفط وعلم السياسة الطبيعية في منطقة بحر قزوين، لتدل على الأهمية الكبيرة لهذا الخط، حيث وصفه المؤلفان بالمنطقة النفطية الغاية في الأهمية ما يجعلها هدفا للمصالح الحالية المتضاربة للدول المحيطة به ولقوى الغرب، وفي العام 1997 ذكر خبير في الطاقة في مجلس الأمن القومي الأمريكي حول سياسة الولايات المتحدة الأمريكية في آسيا الوسطى ما يلي: تقتضي سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تشجيع نمو طاقة بحر قزوين.. ويكمن مرد تلك السياسة في تشجيع استقلال هذه الدول الغنية بالنفط للحد من سيطرة روسيا على نقل النفط من هذه المنطقة، وبصراحة لترويج أمن الطاقة الغربي من خلال تعدد مصادر التموين.

ومن هنا نستشف بأن الحرب على أفغانستان لم تكن سوى ذريعة واهية ترتكز على اهتمامات أكثر شمولية وتوسعية متعلقة بتعزيز الهيمنة الأمريكية من خلال السيطرة على اوراسيا وآسيا الوسطى، بحيث نستطيع أن نقول بأن تلك الحرب لم تكن سوى جزء من مخططات السياسة الأمريكية في آسيا الوسطى والمستمدة من إطار إمبريالي واسع والذي ترمي من خلاله إلى دعم مصالحها العملية واستثماراتها في المنطقة وخصوصـا فـــي مجال الطاقة، ومن أجل الحؤول دون بروز منافس لها على تلك الموارد في هذه البقعة من العالم.

و"تمت مناقشة هذا الواقع والتخطيط الاستراتيجي المكثف لتدخل أمريكي مستقبلي في المنطقة من خلال دراسة قدمها مجلس العلاقات الخارجية في العام 1997، حيث تتناول هذه الدراسة بكامل التفاصيل المصالح الأمريكية في اوراسيا والحاجة لمشاركة أمريكية متواصلة وموجهة في منطقة آسيا الوسطى لتأمين هذه المصالح.. ووفقا لذلك يجدر بالولايات المتحدة الأمريكية أن تتعامل مع القوى المحيطة الأصغر وتتحكم بها، مثل أوكرانيا وأذربيجان وإيران وكازاخستان كرد مضاد على محاولات روسيا والصين السيطرة على النفط والغاز ومعادن جمهوريات آسيا الوسطى، وهي تركمانستان وأوزباكستان وطاجيكستان وقرغيزستان.

وهو يلاحظ- أي الكاتب وهو مستشار الأمن القومي السابق زبيغينيو بريجينسكي في عهد الرئيس جيمي كارتر- انه في حال بسطت أي دولة هيمنتها على آسيا الوسطى، فإنه قد يشكل ذلك تهديدا مباشرا على السيطرة الأمريكية على موارد النفط داخل المنطقة وفي الخليج العربي، ويسجل المؤلف أن جمهوريات آسيا الوسطى مهمة من ناحية الأمن والطموحات لثلاثة على الأقل من جيرانها الأقرب والأكثر قوة أي روسيا وتركيا وإيران بالإضافة إلى الصين التي تعلن اهتماما متـزايدا بالمنطقة".

توظيف العراق لتمزيق منظمة الأوبك

"يمكن اعتبار العراق المعركة الأولى في الحرب العالمية الرابعة"- جيمس ويلزي، الرئيس السابق لوكالة الاستخبارات الأمريكية- نوفمبر/ 2002م.

تناولنا في بداية هذا الطرح "أفغانستان" كمثال تاريخي حي لفهم أوسع وأدق لتلك المنهجية الاستعمارية للإمبراطورية الأمريكية على هذه البقعة من العالم؛ أي القارة الآسيوية. أما بالنسبة للمثال الآخر على ذلك، فكما أشرنا سابقا هو الوطن العربي العراقي العزيز، ويعد العراق الشريك الآخر والضحية التالية لتلك الطموحات والأطماع الأمريكية التي حولت العراق وحضارته ومدنيته وتاريخه العظيم الى بلد منهار جراء سنوات من الحصار والحرب، فهو كذلك لم يكن سوى ذريعة واهية لمحاولة السيطرة على المنطقة من خلال البوابة العراقية وللسيطرة على ثروات العراق النفطية والتي تأتي في المرتبة الثانية بعد المملكة العربية السعودية، حيث تتراوح احتياطاته ما بين 110ـ 115 مليار برميل، وتحت ذريعة إحلال الديمقراطية وترسيخ العدالة والمساواة وتخليص الشعب العراقي من النظام "الدكتاتوري" السابق.

وكما يقول مايكل كلير، مؤلف كتاب "الحروب على الموارد- الجغرافيا الجديدة للنزاعات العالمية" بأن استجابة الولايات المتحدة الأمريكية هذه المرة لصدمات النفط التي ضربتها في الأعوام 1973ـ 1974م، لم تكن محصورة بالإجراءات الدفاعية، فللمرة الأولى بدأ كبار المسؤولين بالتحدث عن استعمال القوة لحماية إمدادات النفط الحيوية في زمن السلم، وذلك بهدف ضمان عافية الاقتصاد، وبدأ صناع السياسة على وجه الخصوص، دراسة التدخل العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط لمنع أي انقطاع في تدفق نفط الخليج.

وقد كانت التجربة الأمريكية الثانية لصدمة النفط بعد الإطاحة بشاه إيران من قبل القوى الإسلامية درسا كان له ما بعده، حيث سارع كارتر في ذلك الوقت إلى التهديد باستعمال القوة ضد أي خصم قد يسعى إلى إعاقة تدفق النفط من منطقة الخليج، ففي 23/ 1/ 1980م، صرح كارتر أن أية محاولة من قبل قوة معادية لتقييد تدفق النفط في الخليج، سوف تصد بأية وسيلة ضرورية، بما في ذلك القوة العسكرية.

وفي نفس السياق ابلغ هنري كيسنجر وزير الخارجية آنذاك، محرري مجلة Business Week أن الولايات المتحدة الأمريكية مستعدة للذهاب إلى الحرب لأجل النفط، وصرح أن واشنطن رغم كونها غير راغبة في استخدام القوة في نزاع على الأسعار وحدها، لن تترد حيث يوجد خنق فعلي للعالم المصنع.

وقد كانت الحقيقة بالفعل اكبر بكثير من ديمقراطية الولايات المتحدة الأمريكية وعدالتها المزعومة، وقد أشار إليها لورانس ليندساي حين كان يشغل منصب مستشار الرئيس الأمريكي جورج بوش للشؤون الاقتصادية في أكتوبر من العام 2002 حيث أشار إلى أن النفط هو الهدف الرئيسي لمساعي الولايات المتحدة لشن هجوم عسكري ضد العراق- وقد كان ذلك- يشكل صراحة غير معتادة من المسؤولين الأمريكيين حول الهدف الرئيسي والحقيقي من الحملة الأمريكية العدوانية ضد العراق، بعيدا عن الأهداف الدعائية المعلنة حول نزع أسلحة العراق أو إسقاط النظام الحالي لبناء نظام ديمقراطي وغيرها من الادعاءات الأمريكية التي تدرك الإدارة الأمريكية قبل غيرها أنها غير صحيحة.

ذلك أن الأسلحة المحظور على العراق امتلاكها ببساطة قد نزعت فعليًّا، أما إسقاط النظام العراقي فإنه لا يمكن أن يكون هدفه بناء نظام ديمقراطي في العراق، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، والإدارة الأمريكية الراهنة تعمل بشكل مطرد ومنظم على تقويض الحريات المدنية في الولايات المتحدة ذاتها كما رصدت تقارير منظمات أمريكية عديدة لحقوق الإنسان كلجنة المحامين لحقوق الإنسان بنيويورك ومنظمة مراقبة حقوق الإنسان.

فضلًا عن أن الرئيس الأمريكي في ذلك الوقت- وما زال بالطبع- يجمع سلطات غير عادية بدرجة دفعت زعيم الديمقراطيين في الكونجرس الأمريكي لوصفها بأنها سلطات ديكتاتور، ناهيك عن سلوك الإدارة الأمريكية ضد الدول المختلفة معها والذي لا يمت بصلة للديمقراطية واحترام حقوق السيادة القومية، فما نشهده الآن هو نموذج متطور للعدوانية والانتقامية وروح التطرف والفاشية.

ورغم التكاليف الباهظة لشن الحرب على العراق والتي أشارت إليها مصادر أمريكية كثيرة كان من ضمنها وزارة الدفاع الأمريكية والتي أبلغت البيت الأبيض بأن تكلفة ضرب العراق وإلحاق الهزيمة به واحتلاله لمدة ستة أشهر فقط تبلغ نحو 85 مليار دولار، وهناك أنباء تشير إلى أن إدارة بوش الثاني طلبت من الكونجرس تخصيص 95 مليار دولار لمواجهة تكاليف الحرب، وهي التكاليف التي يمكن أن ترتفع لأكثر من ذلك بكثير، لأن الاحتلال الأمريكي للعراق يحتاج حسب تقديرات رئيس أركان القوات البرية الأمريكية إلى 200 ألف جندي بشكل دائم طوال فترة هذا الاحتلال.

فضلا عن أن الولايات المتحدة سيكون عليها أن تتحمل تكلفة تقديم منح ومساعدات للدول التي ستساعدها أو تقدم لها تسهيلات في الحرب ضد العراق، إلا أن أمريكا كانت تعلم بأن مخزون العراق من النفط قد يكون عزاء لخسائرها الفادحة، ومنقذا لاقتصادها المتدهور، وحلا أخيرا لكارثة انهيار الإمبراطورية الأمريكية، وضربة قاصمة لمحتكري هذه الطاقة من الدول الآسيوية والعربية وخصوصا منظمة أوبك وإزالة لأي قدرة عربية على التحكم في صادرات النفط أو استخدام النفط سلاحا سياسيا كما حدث في حرب أكتوبر 1973م.

تأمين مصالح أمريكا الإستراتيجية

وفي هذا السياق قال مدير المخابرات الأمريكية الأسبق ويلسي: "إن لدينا مصالح حقيقية في هذه المنطقة وفي السيطرة على آبار النفط المنتشرة بأكبر مخزون استراتيجي في العالم فيها، ولقد اعتقدنا دوما ان معيار قوة أنظمة الشرق الأوسط تكمن في أنها تستطيع أن تمنع عنا النفط في الوقت الذي تريده كما حدث في حرب أكتوبر 1973. وان الرسالة القوية والواضحة التي سننقلها هي أننا لن نسمح بمثل هذه الأعمال مطلقا، وان من يجرؤ على ارتكاب مثل هذه الأخطاء الإستراتيجية في منع النفط عن أمريكا لا بد أن يعاقب وبدون تردد، وان قواتنا العسكرية ستكون جاهزة للتحرك في أي مكان في منطقة الشرق الأوسط من أجل تأمين مصالحنا الإستراتيجية".

وفي حالة نجاح العدوان الأمريكي في إسقاط النظام العراقي والسيطرة على الحكم في العراق بشكل استعماري مباشر أو من خلال حكومة تحركها واشنطن، فإن الولايات المتحدة سوف تعمل من اللحظة الأولى على رفع طاقته الإنتاجية إلى حدودها القصوى- وهذه هي السياسة النفطية التي كانت الولايات المتحدة الأمريكية تأمل تطبيقها في العراق لولا فلتان الأمر من يدها منذ البداية- أي أربعة ملايين برميل يوميا خلال شهور قليلة، بينما يمكن للشركات الأمريكية أن تضخ استثمارات ضخمة وسريعة لقطاع النفط في العراق لرفع الطاقة الإنتاجية للعراق إلى مستوى مرتفع للغاية يمكن أن يصل إلى نحو ستة ملايين برميل يوميا في الأجل القصير من عام لثلاثة أعوام.

ويمكن أن يتجاوز عشرة ملايين برميل يوميا في الأجل الطويل، مع توظيف الزيادة في الإنتاج العراقي لتخفيض أسعار النفط إلى المستوى المقبول أمريكيا أي حوالي 15 دولارا للبرميل، وتوظيف هذه الزيادة في الإنتاج وما قد يتلوها من تجاوزات لكل الدول المنتجة لحصصها من إنتاج وتصدير النفط من أجل إعادة حقن الآبار الأمريكية بالنفط لزيادة الاحتياطي النفطي الأمريكي وإطالة عمره الافتراضي الذي يقل عن عشر سنوات في ظل مستوى الإنتاج الأمريكي الراهن، وبعدها ستضطر الولايات المتحدة لاستيراد أكثر من 17 مليون برميل من النفط يوميا بافتراض ثبات استهلاك النفط في الولايات المتحدة عند مستواه الحالي. كما ستعمل واشنطن على توظيف العراق من أجل تمزيق منظمة الأوبك من خلال تفكيك كل قواعدها وبالذات نظام الحصص المعمول به في المنظمة.

وإذا كانت الدول العربية المصدرة للنفط تخسر أكثر من 6 مليارات دولار في العام في حالة انخفاض سعر برميل النفط دولارا واحدا فقط، فإن هذا يعني أن الاقتصاديات العربية سوف تمنى بخسائر مروعة من انخفاض سعر البرميل إلى مستوى 15 دولارا للبرميل من مستواه الراهن البالغ في المتوسط نحو 32 دولارا للبرميل، لأن هذا الانخفاض سيعني خسارة الدول العربية المصدرة للنفط لنحو 102 مليار دولار من إيراداتها النفطية، بل إن دولة عربية واحدة هي السعودية التي تخسر ما يتراوح بين 2.5، و3 مليارات دولار في العام في حالة انخفاض سعر برميل النفط بمقدار دولار واحد، سوف تفقد ما يتراوح بين 42.5 و51 مليار دولار من إيراداتها النفطية إذا انخفض سعر البرميل من مستواه الراهن إلى 15 دولارا للبرميل".

وهذه الخسارة العربية هي كارثة بكل المقاييس، وسوف تكون المملكة العربية السعودية ومعها كل الدول العربية المصدرة للنفط هي أكثر من سيعاني في هذا الصدد، حيث إن اقتصاداتها ومستويات المعيشة فيها سوف تتدهور بشكل سريع بما سيعنيه ذلك من احتمالات ظهور وتصاعد اضطرابات سياسية واجتماعية قد تغير خرائط المنطقة ككل.

إسرائيل أول المستفيدين

ولو نظرنا إلى الجهات المستفيدة من تدهور حال الاقتصاديات العربية وانهيار منظمة أوبك والدول المصدرة للنفط في آسيا، فلن نجد سوى الولايات المتحدة الأمريكية أولا رغم خسائرها غير المتوقعة على المستوى البشري وانفلات الأوضاع الأمنية في أفغانستان والعراق على وجه الخصوص من يدها، والمستفيد التالي هو الكيان الإسرائيلي.

حيث كشفت تقارير عديدة في إسرائيل نفسها من أن "إسرائيل ستكون من أوائل المستفيدين من سيطرة أمريكا على النفط العراقي، وستكون هذه جائزة لإسرائيل على مواقفها المتوقعة خلال الحرب ضد العراق. وبهذا، فإن الحرب الأمريكية المتوقعة ضد العراق لن تحقق الحلم الأمريكي في الهيمنة على النفط العربي- فقط-، ولكن ستحقق لإسرائيل هدفها الاستراتيجي الذي لطالما تحدثت الدراسات الإستراتيجية الإسرائيلية عن ضرورة أن تستفيد إسرائيل من الثروة النفطية العربية، وأن تقاسم العرب هذه الثروة بالاستناد إلى تفوقها العسكري والتكنولوجي عليهم، وهو ما يبدو أن أمريكا ستحققه أخيرا لإسرائيل إذا نجحت في فرض سيطرتها على العراق.

إن المخططات الاستعمارية الأمريكية تجاه المنطقة العربية باتت مكشوفة تماما، ومن الغريب، أن أبعاد هذه المخططات لم تعد سرا ومن المؤكد أن الأنظمة العربية باتت على إلمام حقيقي وتام بها، وهي مخططات تضع المستقبل العربي كله في غياهب المجهول لأنها تسعى إلى إعادة العرب إلى براثن الاستعمار الكولونيالي المباشر اللعين والإجهاز على الإرادة السياسية المستقلة للعرب، ونهب ثرواتهم الأساسية ومنبع ما لديهم من قوة اقتصادية وفي طليعتها النفط".

إستراتيجية الحلول والمسوغات السلمية

أما بالنسبة للإستراتيجية الأخرى والتي تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بتطبيقها على قارة آسيا ككل ومنطقة الشرق الأوسط بشكل خاص فهي إستراتيجية الحلول والمسوغات السلمية التي تترد ما بين إحلال الديمقراطية في المنطقة، ومكافحة الإرهاب والقمع وتعنيف النساء والأطفال والرجال وغيرها.

وكان من أهمها على الإطلاق مشروع طريق الحرير في عام 1999؛ أي قبل أحداث 11/ سبتمبر بعامين تقريبا والذي أشرنا إليه سابقا والذي يهدف إلى دعم الاستقلال السياسي والاقتصادي لدول جنوب القوقاز وآسيا الوسطى، وإعلان الحرب على العراق كي يتم تحرير الشعب العراقي من النظام الديكتاتوري السابق ليهنأ العراقيون بالحرية والديمقراطية والاستقلال بعد سنوات من الظلم والاستبداد. وأي استقلال وأمان وديمقراطية نشاهدها اليوم في العراق؟

ختاما يمكن أن تلخص الرهانات الخفية "السلمية والعسكرية" من وراء الأهداف الأمريكية للسيطرة على القارة الآسيوية ككل والشرق الأوسط بشكل خاص في كلمة واحدة وهي النفط الآسيوي ومشتقاته التي تشكل صمام الأمان للاقتصاد الأمريكي في السنوات القادمة، والمخرج الأسرع من المأزق الاقتصادي الذي يلف الإمبراطورية الأمريكية برباط خانق يوشك أن تنهار على إثره اكبر إمبراطورية- عسكرية- عرفها التاريخ الحديث، وهي على استعداد لخوض معارك لا نهاية لها من اجل الاستحواذ عليه، والبقاء أطول مدة ممكنة ومهما كلفها الأمر ما دامت حقوق النفط الآسيوية تصب في الخزانة الأمريكية.

المصدر: موقع العرب أون لاين

 
محمد بن سعيد الفطيسي
تاريخ النشر:2010-09-23 الساعة 14:09:18
التعليقات:0
مرات القراءة: 1752
مرات الطباعة: 506
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan