الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » المسلمون في العالم

المسلمون في مستقبل أمريكا السياسي

أ. أحمد أبو زيد

 

أصبح المسلمون اليوم في الولايات المتحدة الأمريكية جزءا لا يتجزأ من المجتمع الأمريكي، وظهرت خلال السنوات الأخيرة بوادر اهتمام بإشراك المسلمين في الحياة السياسية، وذلك استجابة للوجود الإسلامي المقدر في هذه البلاد، والدور الذي يؤديه المسلمون على المستوى الاقتصادي والاجتماعي بتكوين لوبي إسلامي في مواجهة اللوبي الصهيوني ذي النفوذ الكبير على المستوى السياسي والاقتصادي والإعلامي.

فواقع المسلمين اليوم في الولايات المتحدة الأمريكية وعلاقتهم بالمجتمع الأمريكي، التي تمتد على مدى عدة عقود ماضية تنبئ عن الدور الكبير الذي سيؤدونه على الساحة السياسية والاقتصادية في السنوات القادمة، بعد أن سجل لهم التاريخ المعاصر الكثير من المشاركات والإنجازات الملموسة في الحياة الأمريكية.

وعدد المسلمين في أمريكا اليوم يتراوح - وَفق التقديرات المختلفة - ما بين 6 و10 ملايين مسلم، وهناك إحصائية نشرها موقع الإسلام اليوم تؤكد أن عددهم 8 ملايين مسلم، ونسبتهم 5% من تعداد مواطني الولايات المتحدة، وتقول تقديرات أخرى إن عددهم وصل إلى 15 مليون نسمة نتيجة الإقبال المتزايد من الأمريكان على اعتناق الإسلام حيث إن 50 ألف أمريكي يدخلون في الإسلام سنويا، وأكثر من 60% من المسلمين مواطنون أمريكيون محليون عاش أجدادهم في أمريكا ما يزيد على قرنين من الزمان، وأغلبهم من أصول إفريقية وأوروبية، وتاريخهم كأمريكيين يسبق هجرة اليهود الكبيرة إلى أمريكا في أوائل 1955م. ويوجد حاليا في أمريكا حوالي 3000 مسجد، وأكثر من 300 مدرسة، ويشارك 15 ألف مسلم في الجيش الأمريكي.

بوادر الاهتمام

وهناك مجموعة من الدلائل التي تشير إلى الاهتمام الرسمي بالوجود الإسلامي في أمريكا، وبعضها ظهر بصورة واضحة بعد تفجيرات أمريكا عام 2001م، ومن هذه الدلائل ما يلي:

1ـ حرص الرئيس الأمريكي على تهنئة المسلمين الأمريكيين والدول الإسلامية بمناسبة حلول شهر رمضان وعيد الفطر وعيد الأضحى المبارك.

2ـ قيام الرئيس الأمريكي - تعبيرا عن الأهمية التي يمثلها الوجود الإسلامي في الولايات المتحدة - بزيارته للمركز الإسلامي في واشنطن عقب تفجيرات سبتمبر 2001م التي تعرضت لها الولايات المتحدة الأمريكية، وما ترتب عليها من انفعالات غضبية وعنصرية سريعة ضد المسلمين هناك، حيث أمضى ساعتين في الحديث مع المسلمين في المسجد، وعمل على إرضاء المسلمين بعد ما تعرضوا له من مضايقات نتيجة لهذه الأحداث.

3ـ شجب مجلس النواب الأمريكي بالإجماع العنفَ ضد الأمريكيين العرب والأمريكيين المسلمين في أعقاب هجمات 2001م، وذلك تأكيدٌ لهذا الموقف الإيجابي الرسمي تجاه المسلمين في أمريكا، حيث وافق على قرار يشجب أعمال العنف والتعصب ضد المسلمين والأمريكيين المنحدرين من أصل عربي أو من جنوب آسيا.

4ـ تعيين مُفتٍ مسلم في الجيش الأمريكي منذ عدة سنوات؛ استجابة لاحتياجات المسلمين، حيث يشارك 15 ألف مسلم في الجيش الأمريكي. وهذه المشاركة بدأت منذ الحرب الأهلية الأميركية، قبل أكثر من مائة عام وإلى يومنا هذا، حيث يشارك المسلمون في صفوف القوات المسلحة الأميركية، وقادة أمريكا اليوم يفتخرون بتعدد العقائد والأجناس في قواتهم المسلحة، ولا يفوِّت الرئيس الأميركي مناسبة ملائمة إلا ويتباهى بمثل هذا التعدد.

5ـ تزايد إقبال الطلبة الأمريكيين على دراسة الإسلام واللغة العربية والشرق الأوسط، بعد أحداث نيويورك المروعة، وذلك في الجامعات الأمريكية المختلفة، كما زار آلاف الأمريكيين المساجدَ لتعرُّف الإسلام، وعبر كثير من الأمريكيين عن تعاطفهم وتضامنهم مع المسلمين في أمريكا الذين تعرضوا لمضايقات.

تاريخ الإسلام

وتاريخ الإسلام في الولايات المتحدة الأمريكية قديم قِدَمَ قيام هذه الدولة، إذ ثبت تاريخيا أن البحارة المسلمين ساعدوا في اكتشاف هذه القارة قبل كريستوفر كولومبس، بل إن اكتشاف كولمبس لأمريكا كان بمساعدة بعض بحارته المسلمين، والوثائق تؤكد أن المسلمين قد دخلوا أمريكا منذ عام 1300م، حيث تشير الدلائل إلى إتباع بعض قبائل العالم الجديد الأصلية لعادات إسلامية كدليل على وصول المسلمين إلى أمريكا قبل كريستوفر كولمبس، ويؤكدون على وجود الكثير من المسلمين بين الأفارقة الذي أُحضِروا إلى أمريكا في موجات تجارة العبيد الشائنة.

 أما أفواج القبائل العربية فقد بدأت بالوصول إلى هذه البلاد منذ مطلع القرن التاسع عشر الميلادي، والمؤتمر الأمريكي الأول للأديان والذي عقد عام 1893م قد حضره شخص مسلم واحد هو محمد ألكسندر، في حين حضر المؤتمر الثاني الذي عقد في عام 1993م 500 ممثل للجالية الإسلامية في أمريكا.

وهجرة المسلمين إلي أمريكا بدأت من غرب إفريقيا في وقت مبكر، وفي أوائل القرن العشرين بدأ عدد من الأفارقة والزنوج المقيمين في أمريكا اعتناقَ الإسلام، ثم نشطت الهجرة إلى أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية من بعض بلدان العالم العربي مثل فلسطين وسوريا ولبنان وغيرها من الدول العربية والإسلامية، وبدأ استقرار المسلمين هناك، وتميزهم في جماعة مستقلة داخل المجتمع الأمريكي مع ستينيات القرن العشرين، فقد ساعدت قوانين الهجرة الأمريكية الجديدة، وموجات الطلاب المسلمين القادمين للدراسة بالغرب، وثورة الحقوق المدنية الأمريكية، وتوجه الأقلية الإفريقية الأمريكية نحو الإسلام، في زيادة عدد المسلمين في أمريكا ازديادا ملحوظا منذ أواخر الستينيات.

بناء المؤسسات الإسلامية

ومنذ منتصف السبعينيات شرع مسلمو أمريكا بقوة في بناء مؤسساتهم الأساسية والضرورية، مثل المساجد والمراكز الثقافية الإسلامية والمنظمات الاجتماعية ثم المدارس الإسلامية، إذ تشير (دراسة المساجد في أمريكا) التي أصدرها مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية (كير) منذ سنوات إلى أن 2% من المساجد الأمريكية أُسِّست قبل عام 1950، ومنذ عام 1970 أُسِّسَ 87% من المساجد الموجودة حاليا، بينما باقي المساجد بعد عام 1980م.

وفي أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات، بدأ مسلمو أمريكا مرحلة تأسيس مؤسساتهم السياسية والإعلامية، إذ تأسست المؤسسات السياسية المسلمة الأمريكية الأربعة الكبرى وهي:

 مجلس الشئون العامة الإسلامية (MPCA) الذي تأسس في عام 1988م.

2ـ المجلس الإسلامي الأمريكي (AMC) الذي تأسس في عام 1990م.

 مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية (CAIR) الذي تأسس في عام 1994م.

4ـ التحالف الإسلامي الأمريكي (AMA) الذي تأسس في عام 1994م.

وفي عام 2000م، أَسَّست تلك المؤسسات مجتمِعةً المجلسَ الإسلامي الأمريكي للتنسيق السياسي (AMPCC)

؛ لكي يقوم بمهمة التنسيق بين نشاطات المؤسسات الأربع السياسية.

وكما يؤكد الباحث علاء بيومي في دراسة حول مستقبل المسلمين في أمريكا نشرتها شبكة الإسلام على الإنترنت، فإن تأسيس تلك المؤسسات جاء تعبيراً عن الحضور المتزايد للمسلمين الأمريكيين، سواء على مستوى عددهم، أو على مستوى إمكاناتهم التعليمية والاقتصادية، كما جاء تأسيس هذه المؤسسات إيذانا ببدء مرحلة جديدة من مراحل وجود المسلمين في أمريكا، مرحلة تتخطى الاستجابة للحاجات الدينية والاجتماعية الأساسية، مثل المساجد والمدارس والمؤسسات الاجتماعية والثقافية، إلى بناء القوة السياسية والإعلامية للمسلمين الأمريكيين، والتحرك الدؤوب لتنفيذ برنامج عمل مشترك وواضح يقوم على أربعةِ محاورَ رئيسةٍ، وهي:

1ـ مكافحة محاولات تشويه صورة الإسلام والمسلمين بالإعلام الغربي، واستبدال الصورة الإيجابية بالأخرى السلبية.

2ـ زيادة وعي المسلمين الأمريكيين بحقوقهم المدينة، وبخاصة حقهم في ممارسة دينهم بمختلف المؤسسات العامة الأمريكية، والدفاع عن تلك الحقوق من خلال جهد منظم وعملي.

3ـ تشجيع المسلمين الأمريكيين على المشاركة في الحياة السياسية الأمريكية، واستخدام حقوقهم المكفولة دستوريا، وبخاصة حقوق التصويت وحرية الرأي والتعبير وحرية التنظيم السياسي والترشيح لتولي المناصب السياسية.

4ـ العمل على التأثير في السياسة الخارجية الأمريكية لتطوير الموقف الأمريكي من قضايا المسلمين الهامة، وعلى رأسها: قضية فلسطين، وقضية كشمير، وقضايا الأقليات المسلمة المظلومة في بلدان كيوغسلافيا السابقة وروسيا.

وكل هذا يعني أن المسلمين الأمريكيين قد دخلوا مرحلة جديدة من مراحل تطور علاقتهم بغيرهم من الجماعات الأمريكية، تتخطى مرحلة النشأة إلى مرحلة الاستقرار والحفاظ على الحقوق، ويتمثل أبرز عنصر في السعي لزيادة التأثير السياسي، وأنه بات عليهم بناء تحالفاتهم مع الجماعات القريبة منهم، والمرحبة بوجودهم، والمساندة لتقدمهم، وذلك لمواجهة من يحاولون إيقاف ذلك التقدم، أو القضاء عليهم كجماعة أمريكية صاعدة سياسيا.

ازدياد القوة العددية

وهذه الإنجازات التي حققها المسلمون على الساحة الأمريكية، تبرز قوتهم وفعاليتهم، ولقد أكدت تقارير إعلامية أمريكية وبريطانية أن عدد المسلمين في الولايات المتحدة سيزيد على عدد اليهود خلال أعوام قليلة، وهذا تحول من شأنه أن يؤثر على السياسات الأمريكية الداخلية والخارجية.

وذكرت صحيفة "إندبندنت" البريطانية أنه مع حلول العام 2010م، فإن تنامي نسبة المسلمين في عدد سكان الولايات المتحدة الأمريكية والتي زادت من 0.4 % إلى 1.4 % سيؤدي إلى زيادة عددهم عن عدد اليهود الأمريكيين، فاليهود الذين كانوا يكوّنون نسبة 3.3 % من مجموع سكان الولايات المتحدة في منتصف السبعينات سينحدرون إلى نسبة 2 % خلال ثلاثة أعوام.

وأضافت الإندبندنت أنه مع حلول عام 2010م فإن نسبة المسلمين ستشهد ازديادا مضطردا يفوق عدد اليهود، موضحة أن الإحصاءات التي تقدمها المؤسسات اليهودية والإسلامية في الولايات المتحدة تشير إلى أن نقطة التقارب العددي قد حدثت فعلا، حيث تقول كل جالية إن عدد أفرادها ستة ملايين نسمة.

وبرغم أن دائرة الإحصاءات الأمريكية لا تدرج الدين ضمن إحصاءاتها، إلا أن المسئولين الأمريكيين بدؤوا يدركون التغيرات الديمغرافية في أوساط الأقليات الدينية والعرقية.

ونقلت الصحيفة عن إحدى المشرفات في دائرة الإحصاءات الأمريكية قولها: «إن على العرب في أمريكا أن يدركوا ضرورة استغلال قوتهم العددية من خلال عملهم على تشكيل هوية إسلامية أمريكية محلية وليست وافدة، وذلك خلال المشاركة بالتعداد السكاني».

وقالت مجلة "نيوزويك" الأمريكية: «إن المسلمين الأمريكيين بدؤوا يمثلون قوة انتخابية واقتصادية كبيرة يجب أن تؤخذ في الحسبان، وتوقعت التقارير أن تعملَ الاختلافاتُ السياسية في أوساط اليهود، وانحدارُ قوتهم العددية أمام تزايد المسلمين على إضعافِ اللوبي اليهودي الذي طالما تباهى اليهود بقوته، واحتمال بروز لوبي إسلامي منافس».

الحفاظ على الهوية الإسلامية

وعلى المستوى الدعوي يقوم المجتمع المسلم في الولايات المتحدة بجهود كبيرة من أجل نشر الوعي الإسلامي والحفاظ على الهوية الإسلامية، فالمؤسسات الإسلامية - مثل المساجد والمدارس الإسلامية بالإضافة إلى المعاهد والمراكز الدعوية - ليست بخافية على أحد، ويكفي أن نشير إلى عدد تلك المؤسسات الموجودة حالياً على الأراضي الأمريكية الذي وصل إلى ما يقرب من ألفي مركز، أما عدد المدارس الإسلامية فيقدر بالمئات، هذا بالإضافة إلى المؤسسات الإسلامية التي تؤدي دورا كبيرا لوضع المسلمين في دائرة الضوء داخل المجتمع الأمريكي، وإبرازهم كمواطنين أمريكيين لهم ثقافة متميزة لابد من احترامها.

وكما يؤكد نهاد عوض، المدير العام لمجلس العلاقات الإسلامية الأميركية (كير) وعضو مجلس الحقوق المدنية الاستشاري التابع للبيت الأبيض، فإن المسلمين والعرب في أمريكا وخارجها في حاجة إلى الثقة في أنفسهم وإلى إعادة استكشاف قدراتهم وتوظيفها، فطبيعة الحياة في أمريكا تتيح لأي فئةٍ فرصةً كافية للتطور والتغيير.

كما أن هناك نظامَ حياة ديمقراطيا يمكِّن الأقليات من استرداد حقوقها وتغيير القوانين واستصدار قوانين جديدة تستجيب لحاجة الأقليات فقط، من خلال الجهد المتواصل والنضال السياسي، وبناء تحالفات مع الآخرين.

ويتحدث نهاد عوض عن جهود مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية (كير) في هذا الصدد بعد أحداث سبتمبر 2001م، فيؤكد أن المنظمات المسلمة الأمريكية نشطت منذ أحداث سبتمبر 2001م في العمل مع عدد متزايد من المنظمات المدنية الأمريكية، التي اهتمت بالدفاع عن قضايا مسلمي أمريكا، في ظل الضغوط الكبيرة التي تعرضوا لها بعد أحداث سبتمبر، ويمكن الإشارة في هذا السياق إلى أربعة تحالفات أساسية دخلها مسلمو أمريكا بقوة خلال العامين الماضيين:

التحالف الأول: قرَّب بين مسلمي أمريكا وعدد من أكبر جماعات الحقوق والحريات المدينة، مثل اتحاد الحريات المدنية واتحاد المحامين الوطني واتحاد محامي الهجرة الأمريكيين، التي انتَقَدَت ما تعرض له حقوق وحريات مسلمي وعرب أمريكا خلال العامين الماضيين.

التحالف الثاني: قرَّب بين مسلمي أمريكا وعدد كبير من جماعات السلام ومناهضة الحروب الأمريكية خاصة خلال مدة الحرب على العراق.

التحالف الثالث: قرَّب بين مسلمي أمريكا والجماعات المدافعة عن حقوق الأقليات في أمريكا، كالأفارقة واليابانيين والسيخ الأمريكيين، التي توحدت شعوريا مع مسلمي وعرب أمريكا خلال المدة التالية لأحداث سبتمبر رافضين ما تعرضت له حقوق وحريات المسلمين والعرب من انتهاكات ذكَّرتهم بمعاناتهم خلال أوقات تاريخية أخرى كمعاناة اليابانيين الأمريكيين خلال الحرب العالمية الثانية.

التحالف الرابع: قرَّب بين مسلمي وعرب أمريكا وبعض الجماعات الدينية، مثل مجلس الكنائس الوطني، والكثير من الجماعات المعنية بالتقريب بين أبناء الأديان المختلفة، والتي نشطت في التواصل مع مسلمي وعرب أمريكا وفتح قنوات للحوار معهم.

ويشير الدكتور أحمد دويدار - رئيس المركز الإسلامي بمنهاتن - إلى أن مسلمي أمريكا يؤمنون بضرورة العمل الإسلامي والاجتهاد فيه على الساحة الأمريكية، وبرغم أن هذا العمل يكاد يكون بجهود فردية، إلا أنه أظهر نوابغ إسلامية نبغت في فروع العلم، وبعض مناحي الحياة، واستطاعت أن تحدث أثرا للإسلام في أمريكا، سواء للمسلمين وغير المسلمين، أفضل من عشرات الخطب.

ولكن - كما يقول دويدار - تكمن الخطورة في سلوكيات بعض المنتمين للإسلام، التي قد تمنع قيام مسلمي أمريكا بالعبادات، ووجودهم كمواطنين أمريكيين لهم الحقوق نفسها مع غير المسلمين.

ويوضح أهمية انضباط سلوكيات المسلمين في أمريكا، فلِحُسْن أخلاقهم، وعدم تطرفهم، واحترامهم لتقاليد المجتمع الأمريكي مفعولُ السحر على احترام أمريكا لهم ولدينهم. ومن الأهمية إخراج عناصر ناجحة من الأجيال الإسلامية داخل أمريكا في مختلف المجالات، فلا بد أن يظهر الطبيب والإعلامي والمهندس المسلم الناجح داخل المجتمع الأمريكي، لتأمين مستقبل للوجود الإسلامي في أمريكا وأوروبا.

ويلخِّص الدكتور صفي الدين حامد في كتاب (الإسلام في أمريكا) الصادر مؤخرا، التحدياتِ التي تواجهها الحركة الإسلامية في الولايات المتحدة في التالي:

- عجز بعض المجموعات الإسلامية عن إقامة علاقات مودة مع مختلف عناصر المجتمع الأمريكي.

- التردد في الاجتهاد بين علماء المهجر مما أدى إلى تعليق أكثر القضايا الفكرية والاجتماعية.

- الخلل في ترتيب أولويات العمل الإسلامي، مما أدى إلى حصر الدعوة وتقييد انطلاقها وتبديد الجهود في أمور ثانوية.

-  التشتت الغريب والشرذمة الحادة بين المجموعات الإسلامية المختلفة.

-  غياب مشاركة النساء بطريقة ملموسة في نشاطات الحركة.

-  تعثر الكثير من المنظمات في تطوير وتنفيذ انتخابات تعكس مفهوم الشورى.

-  اتساع الفجوة الفكرية بين الحضارات المختلفة.

توحيد الموقف السياسي

وأما في محيط السياسة الأمريكية فإن حجم تأثير المسلمين الأمريكان على السياسة الأمريكية ـ بوجه عام ـ لا يرقى إلى المستوى المطلوب، ولا يتواكب مع عددهم ولا مع إمكاناتهم، فبالرغم من النمو المتزايد للمنظمات الإسلامية التي تعمل على توعية وإعداد المسلمين سياسياً، إلا أنها لم تنجح حتى الآن في قطف ثمار أية مكاسب أو انتصارات سياسية، والسبب في ذلك يَكْمُن أولاً في البيئة السياسية الأمريكية التي تتسم بالصلابة الشديدة.. تلك الصلابة التي تفرض حواجز عالية ومعوقات مفرطة في وجه كل من يريد أو يحاول حتى اختراقها.

كما أن مسلمي الولايات المتحدة متحدون على ما يخص الأمور الدينية، ولكنهم متفرقون في كل ما يخص الأمور السياسية. ومهمة تحقيق وحدة سياسية في المناخ الأمريكي المسلم ليست بالشيء الهين أو اليسير، فالمصالح متنوعة وكثيرة ومتعددة، مما يؤدي بها في بعض الأوقات إلى التنافس والتناحر، ولذا فإنه من الصعب جداً أن يجتمع كل مسلمي الولايات المتحدة على أهداف سياسية واحدة. ولن يتحقق ذلك إلا إذا التف المسلمون في الولايات المتحدة حول هوية واحدة، ووضعوا أنفسهم في إطار واحد ينتمون إليه، وهو أنهم جميعاً أمريكيون مسلمون.

وإذا أراد مسلمو أمريكا أن يكون لهم موقف سياسي موحد، فيجب عليهم أن ينتموا إلى الهوية الأمريكية المسلمة، أما إذا استمروا في التمييز بين بعضهم على حسب جذورهم الأصلية، فيقال مثلاً هذا "عربي أمريكي"، وذاك "إفريقي أمريكي" وغير ذلك، فسينتهي بهم الأمر إلى السعي وراء مصالح مختلفة وسيبقى المجتمع منقسماً على نفسه.

ويبقى الأمل موجوداً في الزعماء المسلمين بالولايات المتحدة الذين يمكنهم أن يُكَثِّفوا جهودهم، لكي يجتمعوا على هدف واحد ـ على الأقل - وهو: الأخذ بيد المجتمع الأمريكي المسلم نحو الوحدة والتضامن والقوة.*

المسلمون والانتخابات الأمريكي

وفي هذا الإطار يحدد "ريتشارد كوريتس" رئيس تحرير "واشنطن ريبورت" الخيارات الممكنة التي يستطيع المسلمون - وكذلك العرب الأمريكيون - أن يتخذوها ليؤثروا في الانتخابات الأمريكية كما يؤثر فيها اليهود، وهي:

تصفية الأجواء مع الإدارة الأمريكية: فالتحدي الذي يواجه المجتمع الأمريكي المسلم وكذلك العرب المسيحيين إنما يكمن في أمرين:

 أولاً: إيجاد ما يوازن أو يعادل تلك الجماعة اليهودية الضاغطة.

 ثانياً: إطلاق سراح صُناع السياسة الأمريكية لكي يسعوا وراء المصالح القومية الأمريكية التي تنادي بالاستقرار في العلاقات الدولية، والتي تنادي كذلك بإنشاء علاقات إيجابية وودية مع جميع الدولة الإسلامية.

عدم مُهاجمة اللوبي اليهودي: فبعض المسلمين المقيمين في أمريكا يرون أنه - في سبيل تيسير الاندماج في الحياة الأمريكية بالصورة التي تحفظ هويتهم كمسلمين وفي نفس الوقت لا تفقدهم تواصلهم مع أصحابهم وجيرانهم الأمريكيين - لا ينبغي على الإطلاق مهاجمة اللوبي اليهودي، إذ إن مهاجمة ذلك اللوبي - كما يعتقدون- هي آخر خطوة يُمكن أن يلتجئوا إليها.

ويرى اللوبي اليهودي (لوبي إسرائيل) في وجود المسلمين الأمريكيين خطورة جسيمة على موقف إسرائيل تُِجاه السياسة الخارجية الأمريكية، بمعنى آخر إن هؤلاء المسلمين يمكن أن يخففوا من السيطرة أو القبضة الإسرائيلية على السياسة الخارجية الأمريكية الأمر الذي يثير خوف اللوبي اليهودي.

وأكثر ما يخيف اللوبي اليهودي هو ازدياد أعداد المسلمين في أمريكا وتناميها بصورة مفزعة سواء من خلال الهجرة أو من خلال الحالات المتزايدة في اعتناق الإسلام، أو من خلال نسبة المواليد المستمرة، والتي تُعد من أعظم الأخطار التي تهدد سيطرة أو هيمنة إسرائيل على تسيير السياسة الخارجية.

تنسيق الجهود بين المنظمات الإسلامية داخل الولايات المتحدة الأمريكية: فمن الخطوات التي اتخذها المسلمون في الولايات المتحدة: تنسيق الجهود فيما يبن المجلس الأمريكي المسلم للتنسيق السياسي، وبين مجلس رؤساء المنظمات العربية الأمريكية، هاتان المنظمتان تعدان من أكبر المنظمات التي تضم جماعات الممارسة السياسية داخل المجتمعين: المسلم والأمريكي، وتعمل هاتان المنظمتان مع أعضاء الكونجرس على إلغاء قانون التحريات السري الذي كان قد تم إقراره في عام 1996م لمقاومة "الإرهاب".

ويوجد بعض المسلمين الناشطين حزبياً، سواء أكانوا جمهوريين أم ديمقراطيين، وهؤلاء يعملون بجد ونشاط داخل أحزابهم الخاصة ليحدثوا تغييرات داخلية في البرنامج السياسي للحزب لجذب صوت المسلمين ومشاركتهم الفعالة في أي انتخابات أمريكية.

وإذا أظهر المسئولون والرواد المسلمون في الولايات المتحدة مقدرتهم واستطاعتهم على تحويل كل أعضاء المجتمع المسلم إلى صناديق الاقتراع في أي انتخابات أمريكية قادمة، وإذا أظهروا أنهم قادرون على توحيد صفوفهم بالقدر الكافي للاتفاق على تفويض مرشح بعينه للرياسة لكونه أكثر استعداداً وتهيئا - طبقاً للمعايير الإسلامية - من غيره، إذا أظهروا كل ذلك فسيقدرون بدون شك على فرض المجتمع المسلم على الخريطة السياسية الأمريكية، وسيفرضونه بطريقة يتعذر إزالتها، ومن ثم سيتخذون خطوة إيجابية تجاه معادلة اللوبي اليهودي الذي يرغب دائماً في إبقاء المسلمين والعرب الأمريكيين على الهامش.

وأفضل طريق للمسلمين الأمريكيين - الذين يرغبون في المشاركة السياسية، هو الانضمام على الأقل إلى إحدى الجماعات الوطنية الأربع التي تكوّن المجلس الأمريكي المسلم للتنسيق السياسي، وهذه الجماعات هي: الاتحاد الأمريكي المسلم (AMA  )، والمجلس الأمريكي المسلم، ومجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية، وأخيراً مجلس الشئون الإسلامية العامة.

تعزيز دور المسلمين

وهناك عدة ضوابط ومقترحات لتصحيح مسار الوجود الإسلامي في أمريكا، ومواجهة التحديات، أهمها: تعزيز الدور الإسلامي على الساحة الأمريكية، ولتحقيق ذلك يعكف مجموعة من العلماء والأكاديميين المسلمين في أمريكا منذ مدة على دراسة مشروع لتعزيز إسهامات المجتمع المسلم في الحياة العامة بالولايات المتحدة الأمريكية، ويشارك في هذا المشروع عدد من العلماء البارزين في أمريكا وفي المجتمع المسلم؛ من بينهم: بروفيسور جون إسبوزيتو - مدير مركز التفاهم الإسلامي/ المسيحي - الذي يعمل منسقاً عاماً للمشروع، والبروفيسور سليمان ينابخ، والبروفيسور زاهن بورهاري، وهما الباحثان الأساسيان بالمشروع.

وقد عقّب د. بورهاري على فكرة هذا المشروع الطموح وأسبابه قائلاً: «إن المجتمع الأمريكي المسلم يمرّ بمرحلة انتقالية من الانغلاق والتردّد إلى المشاركة والفعالية، وهنا جاءت فكرة إسهام المسلمين في الحياة العامة».

ومن أهم أهداف هذا المشروع - كما ذكرت شبكة الإسلام على الإنترنت -:

1ـ بحث وجمع معلومات عن مشاركة وإسهامات المجتمع المسلم في الحياة الأمريكية المدنية.

2ـ إنتاج قائمة إرشادية للمنظمات الإسلامية والمراكز والمساجد وطبعها ووضعها على موقع المشروع على شبكة الإنترنت.

3ـ عمل استطلاع عن رواد مجتمع المركز الإسلامي، وعن تجمعات المسلمين وتنسيق ندوات إقليمية.

4ـ الاستفادة بخبرات المسلمين المتخصصين الراغبين في المشاركة في هذا العمل.

مستقبل الوجود الإسلامي

ويبقى في النهاية التأكيد على أن مستقبل الوجود الإسلامي في أمريكا يتطلب الحفاظ على الهُوية الإسلامية، وتنشيط العمل الدعوى من خلال مضاعفة جهد المنظمات العاملة في حقل الدعوة، وتصحيح المفاهيم الخاطئة التي تروج لها الجهاتُ المعادية للإسلام في المجتمع الأمريكي، وربط قضاياهم بعالمهم الإسلامي باعتبارهم جزءا منه، والقيام بدور مؤثر على الساحة السياسية الأمريكية للتأثير في القرارات الأمريكية المرتبطة بقضايا المسلمين، فمن المعروف أن جماعات الضغط "اللوبي" تؤدي دورا حاسما في صناعة القرار الأمريكي، والمسلمون اليوم بما لهم من قوة فاعلة علي المستوى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الأمريكي من الممكن لهم تشكيل "لوبي إسلامي" يؤثر على القرار الأمريكي.

* المراجع:

1ـ مستقبل المسلمين في أمريكا بعد الأزمة - علاء بيومي – شبكة الإسلام على الإنترنت – 10 نوفمبر 2001م.

2ـ المسلمون الأمريكان نجاح في الدعوة وفشل في السياسة - دراسة لـ مقتدر خان - ترجمة وتحرير. شيرين فهمي.

3ـ مسلمو أميركا وحقوقهم المدنية – شبكة الإسلام على الإنترنت – 15 سبتمبر 2003م

4ـ كتاب الإسلام في أمريكا - موقع مفكرة الإسلام – 16مايو 2007م.

5ـ هل يستطيع العرب والمسلمون إحداث نُقطة تحول في أمريكا ؟ - ريتشارد كوريتس - واشنطون ريبورت - عدد سبتمبر 1999 - ترجمة: شيرين فهمي - شبكة الإسلام على الإنترنت - 10 يونية 2000م.

6ـ الحقيقة وراء الحملة ضد الإسلام في أمريكا - تأليف: د. أحمد يوسف وكارلين كيبل - مراجعة: د. روبرت كرين

7ـ مجلة المجتمع - العدد 1394- 5 محرم 1421هـ - الموافق 4 إبريل 2000م.

8ـ رابطة الإيمان.. "وتد" مسلمي أمريكا - صبحي مجاهد - وسام كمال – شبكة الإسلام على الإنترنت – 30 يناير 2006م.

المصدر: الألوكة

 
أ. أحمد أبو زيد
تاريخ النشر:2009-04-02 الساعة 15:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 2537
مرات الطباعة: 629
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan