الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » إسرائيليات

إسرائيل الأميركية في الشرق الأوسط

محمد السماك

 

في كتابه "التاريخ الشعبي للولايات المتحدة الأميركية" يروي المؤرخ الأميركي هوارد زن قصة توسع استيطان المهاجرين الأوروبيين البيض على حساب الهنود الحمر السكان الأصليين لأميركا.

ان من يقرأ هذا الكتاب يدرك أمرين أساسيين. الأمر الأول هو آلية وأهداف التوسع الاستيطاني اليهودي في الأراضي الفلسطينية المحتلة على حساب الشعب الفلسطيني، والأمر الثاني هو أسباب الدعم الأميركي المالي والسياسي الذي تغدقه الولايات المتحدة على إسرائيل من أجل تحقيق برامجها الاستيطانية التوسعية. الفارق الأساسي بين الهنود الحمر والفلسطينيين، هو ان الهنود كانوا محصورين ومستفردين داخل أميركا.. فيما يتمتع الفلسطينيون بعمق قومي يمتد من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي. وبعمق إسلامي يصل إلى المحيط الهادي. فمخطط الاستيطان اليهودي يبدو نسخة متطورة وحديثة عن مخطط الاستيطان الأميركي بشقيه الرسمي والشعبي. فعلى الصعيد الرسمي مثلاً، يروي المؤرخ زن في كتابه انه في عام 1827 قدم الرئيس الأميركي في ذلك الوقت جاكسون قانوناً إلى الكونغرس سمي بقانون "طرد الهنود". وبموجب هذا القانون جرى بالفعل طرد 70 ألفاً منهم إلى غرب نهر المسيسيبي.

وما يفعله الإسرائيليون هو طرد الفلسطينيين إلى شرق نهر الأردن وإلى شمال نهر الليطاني.

وعلى الصعيد الرسمي كذلك برمجت الحكومة الأميركية مخطط التوسع الاستيطاني، وذلك من خلال اتفاقات كانت تعقدها مع الهنود الحمر. وقد بلغ عدد تلك الاتفاقات حوالي أربعمائة اتفاق حسب ما ورد في الكتاب. ويروي المؤرخ كيف ان كل تلك الاتفاقات لم يحترم. وان الذي لم يحترمها كان الجانب الأميركي. وكيف ان ضحايا اختراق الاتفاقات كانوا دائماً هم الهنود الحمر.

وهو ما تفعله إسرائيل الآن. فهي ترفض الاعتراف بحق الفلسطينيين بالعودة، وتحرم الذين بقوا منهم ضمن حدودها لعام 1948 من حقوقهم الإنسانية، وتضيق الخناق على سكان المناطق المحتلة الأخرى، خاصة في مدينة القدس، وتدفعهم دفعاً إلى ما وراء الحدود، وتصادر أملاكهم وحتى مقابر أجدادهم، وتدمر مساجدهم وتنتهك مقدساتهم. منتهكة بذلك كل الاتفاقات والمواثيق والقرارات الدولية.

وهو الأمر ذاته الذي تعرّض له الهنود الحمر على يد الأميركيين منذ أوائل القرن التاسع عشر.

لقد فرضت الولايات المتحدة قيوداً على حركة الهنود الحمر، وحشرتهم في مناطق مقفلة ومعزولة عن مصادر حياتهم الطبيعية.

ورغم كل معاناة الهنود الحمر، فقد قدمهم الإعلام الأميركي من خلال السينما - على إنهم قبائل متوحشة إرهابية تمارس الغدر والقتل وتسرق وتنهب وتحرق، بينما الواقع هو انهم كانوا مجرد ضحايا خسروا أرضهم ومجتمعاتهم وفقدوا حتى هويتهم. وهو ما يتعرض له الفلسطينيون على يد المستوطنين اليهود. فالمقاومة الفلسطينية للاحتلال وللتوسع الاستيطاني تصوّر على إنها أعمال إرهابية وحشية. أما الاحتلال وأما الاستيطان فانه يصور على انه نشر للحضارة والمدنية والتطور!!

من خلال المقارنة بين ما أورده المؤرخ الأميركي زن والسلوك الإسرائيلي المعاصر، تبدو صورة الاستيطان اليهودي في فلسطين صورة طبق الأصل عن صورة الاستيطان الأميركي. ولذلك فان المجتمع الأميركي بصورة عامة متعاطف مع المشروع الإسرائيلي وهو يقرّ بشرعية ما قام به في السابق من خلال إقراره بشرعية ما تقوم به إسرائيل في الحاضر. ولو طعنت الولايات المتحدة بمبدأ الاستيطان اليهودي اليوم لبدت وكأنها تطعن بشرعية ما قام به الرعيل الأول من التوسعيين الأميركيين.

من هنا يجري تصوير إسرائيل في المجتمع الأميركي على إنها نموذج شرق أوسطي للولايات المتحدة، من حيث ظروف إقامة الكيان السياسي وتوسعه، وكذلك من خلال إزالة "بؤر" التخلّف المتمثلة بتجمعات السكان الأصليين!

وكما أن التوسع الاستيطاني الأميركي ترافق مع نشر المسيحية الإنجيلية والتبشير بها، كذلك فان التوسع اليهودي يترافق مع تهويد المناطق المحتلة. ولأن اليهودية دين منغلق على المولود يهودياً، فان التهويد الاجتماعي والثقافي يجري على قدم وساق.

لا شك في ان هناك أسباباً كثيرة تجعل الولايات المتحدة وإسرائيل حليفين استراتيجيين. ولكن شعور الولايات المتحدة بأن قيام إسرائيل هو بمثابة ولادة أميركية ثانية في الشرق الأوسط، وبأن الاستيطان اليهودي يسير على نهج الاستيطان الأميركي السابق، يضفي على العلاقات بينهما حرارة من نوع خاص بحيث يبدو اي ضرر يلحق بإسرائيل وكأنه ضرر يصيب الولايات المتحدة نفسها. ولعل آخر تعبير واضح وعلني عن ذلك ما جاء على لسان نائب الرئيس الأميركي جون بايدن عندما قام بزيارته الأخيرة لإسرائيل. حيث ألقى خطاباً أمام الكنيست قال فيه :" جئت إلى هنا كي أذكركم آملاً ألا تنسوا أبداً، ان أميركا تقف دوماً إلى جانبكم في مواجهة الأخطار. إن الرئيس اوباما وأنا نمثل مجموعة من القادة الأميركيين الذين يدركون خصوصية العلاقة الحساسة والإستراتيجية بإسرائيل. وكما قال الرئيس في الفترة الأخيرة فانه لن يتردد لحظة واحدة في الدفاع عن أمن إسرائيل، ومساعدتها في الدفاع عن نفسها في منطقة معادية لها للغاية. ولم يكتف الرئيس أوباما بقول هذا الكلام، وإنما قرن كلامه بالأفعال خلال السنة الأولى لتوليه منصبه.. فإلى جانب تقديم المساعدة العسكرية البالغة ثلاثة مليار دولار سنوياً، أدخلنا تحسينات على الاستشارات الأمنية وضاعفنا مساعينا من أجل أن يحافظ الجيش الإسرائيلي على تفوقه النوعي".

وحتى عندما وافقت الولايات المتحدة على قرار المؤتمر الدولي لمنع انتشار الأسلحة النووية ووضع المنشآت النووية تحت إشراف دولي الذي صدر في مايو 2010 والذي شمل إسرائيل، بادر مستشار الأمن القومي الأميركي الجنرال جونز إلى طمأنة إسرائيل بقوله " لن تسمح الولايات المتحدة بانعقاد مؤتمر أو اتخاذ خطوات من شأنها أن تعرّض أمن إسرائيل القومي للخطر، ولن توافق على أي توجه قد يؤدي إلى عزل إسرائيل أو الطلب منها أموراً غير واقعية".

وإلى جانب المقارنة بين الولايات المتحدة والهنود الحمر من جهة أولى، وإسرائيل والفلسطينيين من جهة ثانية، هناك مقارنة أخرى لعلاقة الولايات المتحدة بالأميركيين المتحدرين من أصول افريقية، وعلاقة إسرائيل بالفلسطينيين العرب.

فالتمييز العنصري الذي عانى منه الأميركيون السود، يماثل التمييز العنصري الذي يعاني منه الفلسطينيون العرب (المسلمون منهم والمسيحيون على حد سواء). بل أن اليهود الشرقيين أنفسهم السيفارديم- الذين هاجروا أو هُجّروا من الدول العربية، عانوا ولا يزالون يعانون من هذا التمييز على أيدي إخوانهم في الدين من اليهود الغربيين الاشكناز- ولا شك في ان أكثرهم معاناة هم يهود اليمن ويهود الحبشة. ومن أجل أن يثبت السيفارديم إنهم لا يقلّون ولاءً لإسرائيل عن سواهم، ذهبوا إلى أقصى حدود التطرف في معاداة الفلسطينيين والعرب، على النحو الذي فعله اليهود المغاربة واليهود العراقيين مما مكن بعضهم من تبوأ مراكز هامة في السلطة الإسرائيلية.

لقد جاء التمييز العنصري مع اليهود الغربيين إلى مجتمع شرقي لم يكن يعرف العنصرية من قبل، لا بشكلها الديني ولا بشكلها الاثني. وممارسة العنصرية اليهودية ضد العرب في الأراضي الفلسطينية المحتلة، تدغدغ مشاعر العنصريين البيض في الولايات المتحدة الذين كانوا يمارسون استعباد السود كرمز للتفوق الحضاري والمدني.

من هنا تبدو إسرائيل في نظر جماعة اليمين العنصري الديني الأميركي، وكأنها أميركا الجديدة، سواء من حيث ملابسات قيامها أو من حيث توسعها الاستيطاني واصطدام هذا التوسع ببؤر من تعتبرهم "المتخلفين الإرهابيين".

ولكن من حسن الحظ ان هذه الجماعة لم تعد تمثل ضمير الولايات المتحدة ولا توجهها العام على النحو الذي تشير إليه المواقف المؤيدة لمشروع بناء المسجد والمركز الثقافي الإسلامي في نيويورك.

صحيح ان هذه الجماعة لا تزال تتمتع بنفوذ قوي خاصة في الولايات الجنوبية التي يطلق عليها اسم "الحزام الإنجيلي"، إلا أن الصحيح كذلك ان الجماعات الأخرى المناوئة لها باتت قادرة على تحديها وعلى تسفيه منطلقها، على النحو الذي تمثل في سقوط مرشح الحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية الأخيرة وفوز الرئيس باراك اوباما (الأسود ابن المهاجر الأفريقي المسلم) بالرئاسة، وبالأكثرية في مجلسي الكونغرس.

ورغم مظاهر ارتفاع موجة العداء للمسلمين في الولايات المتحدة فان موجة التضامن معهم ترتفع أيضاً. ورغم وجود مؤيدين لإسرائيل في الولايات المتحدة، فان مؤيدي الحق الفلسطيني يتزايدون قوة وحضوراً.

والمفكرون الأميركيون المعاصرون الذين يتمتعون بجرأة الإعراب عن الخجل مما اقترفه أجدادهم في مسيرة الاستيطان على حساب الهنود الحمر.. من الطبيعي أن لا يفاخروا بالتقليد الإسرائيلي لتلك المسيرة التي تجري على حساب الحق والقيم والأخلاق في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

المصدر: المستقبل اللبنانية

 

 
محمد السماك
تاريخ النشر:2010-09-28 الساعة 11:43:49
التعليقات:0
مرات القراءة: 1654
مرات الطباعة: 451
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan