الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » المسلمون في العالم

مسلمو البرتغال ومؤامرات اللوبي الصهيوني

أ. عبد الرحمن أبو عوف

 

حينما يتردد اسم البرتغال على الألسنة فإنه يعيد للأذهان دائمًا المجد الإسلامي في الأندلس، وفيها كانت البرتغال تشكل مع أسبانيا مقرًّا لمجد إسلامي تليد، استمر ما يقرب من 9 قرون، أسس خلاله المسلمون معالم دولة يضرب بها المثل، شكلت رأس حربة للوجود الإسلامي في القارة الأوروبية، ومركزًا من مراكز الدعوة، حتى دبت الخلافات بين حكام المسلمين وسادت الصراعات، ووقفت المصالح الشخصية والأطماع حائلاً دون توحيد الصفوف، مما أدى في النهاية لسقوط الدولة الإسلامية في الأندلس.

وقد استغل الأسبان والبرتغاليون الخلافات والصراعات بين الدويلات الإسلامية التي تم تأسيسها على أشلاء الكيان الإسلامي بعد القرون الثمانية التي استطاع المسلمون خلالها بناء حضارة قوية، لعبت دورًا مهمًّا بعد ذلك في بناء معالم عصر النهضة الذي شهدته أوروبا، بعد قرون من الظلام كان المسلمون فيه حملة شعلة الحضارة والتقدم.

ولعل الأمر الأهم فيما يخص الحديث عن الإسلام في البرتغال أن المسلمين وفي السنوات الأولى للفتح الإسلامي للأندلس ارتكبوا خطأ استراتيجيًّا، حينما تركوا المناطق الشمالية للأندلس نظرًا لوعورتها وبرودتها الشديدة ورحلوا إلى الجنوب، وهو ما استغله البرتغاليون جيدًا، حيث عملوا على استخدام الشمال كرأس حربة لمساعيهم لاقتلاع جذور الإسلام من الأندلس.

ولهذا الغرض كونوا إمارة صليبية صغيرة عام 133هـ، وكانت هذه الإمارة هي النواة التي أدت لظهور دولة البرتغال التي اتخذت من مدينة بورتو عاصمة لها، وأخذت تتوسع على حساب المناطق الإسلامية كلما ظهر ضعف في نطاق الحدود معها.

وبعد سقوط الدولة الأموية بالأندلس انقسم غربه إلى عدة إمارات، وانتهزت إمارة بورتو ضعف هذه الكيانات بالاستيلاء على بعض المدن المجاورة لها، مثل مدينة راغا وكالمرية، ونقلوا إليها عاصمتهم، غير أن هذا الأمر لم يستمر طويلًا حيث استولى المرابطون على الأندلس، ووضعوا حدًّا لتوسع إمارة بورتو، وظلت الأوضاع على حالها لمدة نصف قرن.

وعندما خلف الموحدون المرابطين ظلت البرتغال على وضعها السابق لفترة ليست بالقصيرة، لاسيما بعد ضعف دولة الموحدين، وهو ضعف استغله البرتغاليون عبر التوسع في عدة إمارات، ونقلوا عاصمتهم من بورتو للشبونة، وأخذوا في اجتثاث الإسلام من البرتغال، وهو ما تحقق لدى سقوط شلب حاضرة الوجود الإسلامي هناك بشكل مثَّل نكسة كبيرة للمسلمين، الذين لم يجدوا بعد سقوط شلب بدًّا من مغادرة الأراضي البرتغالية إلى المغرب.

محاكم التفتيش

وإذا كان الفتح الإسلامي للأندلس قد اعتبر بداية الوجود الإسلامي في البرتغال الذي استمرت سيطرته لقرون ثمانية، فهذا الوجود لم ينته تمامًا بسقوط الدولة الأموية، بل جاء الإعلان عنه بعد زواج ملك البرتغال من شقيقة ملك أسبانيا، حيث كان الزواج واحدًا من حزمة شروط لاقتسام كعكة الإمارات الإسلامية، وهو ما اعتبره المؤرخون بداية النهاية للوجود الإسلامي، حيث ارتبط بوجود ما يعرف بمحاكم التفتيش، التي كانت تنتهي إجراءاتها بإعدام المسلمين أو نفيهم إلى العالم الجديد في الأمريكتين.

واستمرت بلاد الأندلس لسنوات طويلة عصية على الوجود الإسلامي، إلى أن غربت شمس الحقبة الاستعمارية الحديثة التي سيطرت على دول منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا وأجزاء كبيرة من آسيا، حيث توافد على البرتغال آلاف من مواطني مستعمراتها السابقة بداية الستينات من القرن الماضي، وكان أغلبهم مواطنون يدينون بالإسلام، ممن وفدوا من عدة بلدان مثل أنجولا وغينيا بيساو وموزمبيق، وكذلك وفد إليها مسلمون من عدة بلدان آسيوية على رأسها أندونيسيا والهند وباكستان.

وتقدر أعداد المسلمين حاليًا في البرتغال بما يقرب من خمسين ألف نسمة من بينهم ما يقرب من 10 آلاف مسلم وصلوا إلى البرتغال من المغرب العربي ومصر وفلسطين وسوريا ولبنان، ويعيش معظم أبناء الجالية المسلمة في لشبونة العاصمة، ومدن كويمبرا وفيلادو كوندا وانفرورا وبورتو، ويحظى الإسلام باعتراف رسمي من قبل الدولة منذ عدة عقود.

حساسية مفرطة

وامتاز الوجود الإسلامي في البرتغال بالحذر والحيطة، حيث وضع القادمون الجدد في اعتبارهم الحساسية المفرطة التي تنتاب أهل هذا البلد من الإسلام والمسلمين بفعل الفتح الإسلامي للأندلس، والذي دام عدة قرون.

ورغم هذا الطابع الحذر إلا أنه أثار انتباه عدد من البرتغاليين الذين أبدوا تعاطفًا مع الجالية المسلمة، مطالبين بالتعرف على الإسلام بدلًا من السماع عنه من مصادر تبدو معادية، ولم تمر سنوات طويلة إلا وبدأ الإقبال علي اعتناق الدين الحنيف من قِبل المئات من البرتغاليين، بشكل أثار ارتياحًا من بين أبناء الجالية المسلمة، الذين اعتبروهم لبنة صغيرة في صرح الإسلام الواعد في البلاد.

بفعل هذا التعاطي الإيجابي من قِبل المواطنين البرتغاليين تجاه الإسلام، وتزايد أعداد المهاجرين من خلفيات إسلامية؛ سعى المسلمون وخلال السنوات الأولى لعودتهم للبرتغال إلى محاولة صبغ وجودهم هناك بالصبغة الرسمية والمؤسسية، عبر تأسيس ما يمكن أن يطلق عليه مركزًا إسلاميًّا في لشبونة، وهو الأمر الذي اصطدم بنوع من الفوبيا من الإسلام، وبإجراءات بيروقراطية معقدة، إلا أن هذا الأمر لم يفت في عضد المسلمين الساعين بقوة للحفاظ على هويتهم، ومنع أبنائهم من الذوبان في المجتمع البرتغالي.

ونجح المسلمون في أول الأمر في إنشاء جمعية رسمية أطلقوا عليها (الجماعة الإسلامية بلشبونة) واستغلوا أحد الشقق المؤجرة لتكون مركزًا لتجمعهم وأداء الصلوات لاسيما صلاة الجمعة، وإزاء تزايد أعداد المسلمين رضخت الحكومة للأمر الواقع، ووافقت على تخصيص قطعة أرض في أحد ضواحي لشبونة ليصدح فيها صوت الحق في أحد أيام عام 1985م، حيث دوت صيحات الله أكبر بعدما يقرب من 600 عام على خروج المسلمين من الأندلس.

ولا يقتصر وجود المساجد في البرتغال على العاصمة لشبونة، حيث تتواجد مساجد جامعة في العديد من المدن، وما يقرب من عشرين مصلى جلها يقع في العاصمة لشبونة، والباقي في مدن البرتغال المختلفة، وتشتمل المساجد والمصليات على مراكز لتحفيظ القرآن الكريم ومبادئ اللغة العربية.

ويلعب المركز الإسلامي الثقافي في لشبونة دورًا مهمًّا جدًّا في تنمية الوعي الديني لمسلمي البرتغال، بالإضافة إلى دور لا يقل أهمية تلعبه جمعية أوديفيلاس التي تضم مسجدًا ومدرسة إسلامية وقاعة للمحاضرات، وكذلك تمارس الجمعية الإسلامية في لارانجيروا بأحد ضواحي لشبونة نشاطًا دعويًّا فاعلًا، وتصدر مجلة باللغة البرتغالية تسمي (النور).

دور اقتصادي

وإيمانًا من جانب الجالية المسلمة بالبرتغال بأهمية دور المرأة في تنمية الوعي الديني لأبناء الجالية المسلمة، أنشئت جمعية النساء المسلمات كمسعى لتنمية العلاقات بين النساء المسلمات، بالإضافة إلى قدرتها على تسويق الأعمال المنزلية التي تقوم بها ربات المنازل لدعم أوضاعهن الاقتصادية.

وتعوِّل الجالية المسلمة كثيرًا على مدرسة دار العلوم الإسلامية لاستعادة مجد اللغة العربية في البرتغال، التي كان يتحدث أغلب مواطنوها اللغة العربية إبان الفتح الإسلامي للأندلس على يد القائدين البارزين طارق بن زياد وموسى بن نصير، وينخرط مائة طالب وطالبة في الدراسة، ويشرف على التدريس لهم حوالي 12 معلمًا متخصصًا في اللغة العربية والعلوم الإسلامية.

نفوذ صهيوني

ولم يكتف المسلمون بالجانب العقائدي أو اللغوي فقط للحفاظ على هويتهم، بل عملوا كذلك على المشاركة بقوة في المجال الإعلامي، بإصدار عدد من الدوريات باللغتين العربية والبرتغالية، منها مجلة الإسلام الصادرة عن الجماعة الإسلامية بلشبونة، والتي تصدر كذلك مجلة القلم، بالإضافة إلى إشراف الجماعة الإسلامية من مدينة لارانجيروا على إصدار مجلة النور باللغة البرتغالية، التي تولت خلال السنوات الماضية الدفاع عن الإسلام والتصدي لحملات التشويه التي يقودها اللوبي الصهيوني متنامي النفوذ في البرتغال، والذي ظل لسنوات طويلة يسعي لتكريس حالة من التوتر والشكوك بين الجالية المسلمة والحكومات البرتغالية المتعاقبة.

وقد أدى التواجد الإعلامي للجالية المسلمة في تحقيق عدد من النتائج الإيجابية، منها عرقلة المؤامرات التي تشن على الوجود الإسلامي في البرتغال، والمحاولات الساعية لتكريس نوع من الفوبيا بين المسلمين والدولة البرتغالية، وهي المحاولات التي لم تصادف نجاحًا، لاسيما بعد حرص مؤسسة الرئاسة البرتغالية على مشاركة المسلمين أعيادهم ومناسباتهم، وهو ما حدث بقوة في عهد الرئيسين البرتغاليين ماريو سواريش والدكتور جورج سمبايو.

ولا يواجه المسلمون مشاكل فيما يخص حقوقهم الشرعية، أو تمارس ضدهم أية إجراءات تمييزية فيما يخص مساجدهم أو مؤسساتهم، بل يتمتعون بكافة حقوقهم التي يكفلها القانون البرتغالي ذو الطابع العلماني، والذي يساوي بين المواطنين رغم اختلاف أديانهم وعقائدهم.

دعم وإمكانات

ويوافق على الطرح السابق (عبد المجيد وكيل)، رئيس المركز الإسلامي بلشبونة، بالتأكيد على أن المسلمين في البرتغال قد نجحوا في تحقيق اندماج قوي وذكي في المجتمع البرتغالي، بشكل قطع الطريق على محاولات البعض تخويف المجتمع البرتغالي منهم، لاسيما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وتفجيرات مدريد ولندن.

ونفى وكيل وجود أية قيود على مساجد المسلمين أو مدارسهم أو مؤسساتهم، معتبرًا أن ضعف الإمكانيات المالية والفنية للمدارس الإسلامية، وافتقادها لتراجم دقيقة لمعاني القرآن الكريم للغة البرتغالية، ونقص أعداد المعلمين؛ يعد من العقبات الرئيسية أمام نجاح تجربة المدارس الدينية في البلاد، ومسيرة الدعوة الإسلامية بشكل عام في البرتغال.

وشدد رئيس المركز الإسلامي بلشبونة على أهمية الدعم العربي والإسلامي للمؤسسات التعليمية الإسلامية في البرتغال، متذكرًا الأثر الحسن للزيارة التي قام بها الأمير سلمان بن عبد العزيز للمركز الإسلامي في لشبونة منذ سنوات، وهي الزيارة التي أثمرت عن تقديم دعم سخي للمؤسسات الإسلامية، وكانت دافعًا لتطويرها وتفعيل دورها كمنابر دعوية للإسلام في جنوب أوروبا.

واعتبر عبد المجيد أن الإسلام يحقق نجاحات كبيرة في المجتمع البرتغالي، حيث يقبل العديد من مواطني البلاد الأصليين على اعتناق الإسلام دون أن يواجه أية عقبات، مشددًا على أهمية مشاركة الشباب المسلم في أنشطة المؤسسات الإسلامية لتنمية وعيه، وتسهيل عملية اندماجهم في المجتمع البرتغالي، وهو اندماج قادر على إفشال أية خطوات تنوي بعض الجهات اليمينية المتطرفة القيام بها، لعرقلة وإضعاف الوجود الإسلامي في البرتغال.

ورجح رئيس المركز الإسلامي بلشبونة تصاعد الوزن السياسي للمسلمين في المجتمع البرتغالي خلال السنوات القادمة، في ظل انخراط بعضهم في الأحزاب السياسية بشكل سيحسن من أوضاعهم ويقدم حلولًا لمشاكلهم.

المصدر: لواء الشريعة

 
أ. عبد الرحمن أبو عوف
تاريخ النشر:2009-04-13 الساعة 15:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 2679
مرات الطباعة: 599
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan