الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » المشهد الثقافي » فنون وإعلام

الرسائل الخفية في المسلسلات الدرامية

سهير علي أومري

 

لم يعد الإعلام في عصرنا موثقاً للأحداث ومؤرخاً لها فحسب، كما لم يعد ناقلاً أميناً لما يجري في شرق الأرض وغربها فحسب، بل غدا في عصرنا بالإضافة لكل ما سبق صانعاً للأذواق مرسخاً للقيم والعادات معززاً للمبادئ والأفكار.. وهذا شأن الإعلام عموماً والإعلام المرئي خصوصاً ذلك لأن الإعلام المرئي يملك قوة جذب تتمثل في كونه يخاطب حواس الإنسان كلها وينقله من واقعه إلى مواقع بعيدة وبيئات عديدة بالصوت والصورة، حتى أصبح الإنسان في كل مكان أياً كانت لغته وبيئته ولونه وأينما كان موجوداً على سطح هذه الأرض أصبح مستلماً لكمٍّ هائل من الرسائل الإعلامية من خلال مواد عديدة متنوعة تبدأ بالإعلانات ولا تنتهي عند أغانٍ مصورة أو مسلسلات أو أفلام، بل تمتد وتتنوع وتتطور لتصبح تلفزيون واقع وأكاديميات مباشرة وأشكال أخرى عديدة، ولا ندري ماذا تخبئ الأيام...

ومع انتشار هذا المد الإعلامي الخطير أصبح من السهل واليسير تمازج الحضارات وتناقل الثقافات بين الأمم والشعوب، وأصبح أمر الحفاظ على الهوية والأصالة أمراً في غاية الصعوبة، وخاصة بالنسبة للأمم الضعيفة أو التي لا تزال تحبو على طريق النهوض لسبب هام جداً وهو أن إعلامها سيتناسب طرداً مع واقعها، أي سيكون ضعيفاً وغير قادر على مقاومة إعلام الأمم الأقوى مادياً وتقنياً... وسيتمثل هذا الضعف أيضاً في السير في ركاب الإعلام الأقوى ليصير نسخة مستنسخة عنه في القالب والشكل والفكرة كمحاولة للارتقاء في سلم الإبداع وتطوير الصناعة الإعلامية، حتى صرنا نرى برامج عديدة وكثيرة هي نسخة عربية لبرامج غربية تحمل الفكرة ذاتها والأسلوب ذاته وحتى طريقة التقديم نفسها وشكل الديكور نفسه كل شيء هو ذاته تماماً... دون أن تكون هناك أية دراسات إعلامية تراعي ما يناسب أمتنا الموجودة في عمق هذا الشرق والتي تتلمس عوامل قوة تعينها على النهضة بما يناسب تاريخها وبناءها الفكري والعقيدي، هذا البناء الذي يشكل الإسلام الركيزة الأهم فيه...

وأياً كانت البرامج المستنسخة التي تُقدَّم هذه الأيام على الساحة الإعلامية فإنها تبقى برامج ومواد غربية التوجه والمضمون واضحة الأهداف تمجها الأذواق الأصيلة وترفضها الفطر السليمة (كسوبر ستار، وستار أكاديمي، والرابح الأكبر والخاسر الأكبر...وووو) وربما كانت خطورة هذه البرامج على كبرها أقل من خطورة الرسائل الخفية التي تقدم في المسلسلات الدرامية...

 ذلك لأن كل عمل إعلامي يقدم للمتلقي رسالة... هذه الرسائل منها ما هو ظاهر ويتمثل في فكرة العمل الكبيرة، ومنها ما هو خفي مستتر يؤثر في الأذواق ويبرمج العقول ويوجهها دون أن تشعر أو تدرك حقيقة الغزو الذي تتعرض له لذا كان من الضرورة بمكان الوقوف عند هذه الرسائل وتوضيحها وتوضيح الأسلوب الذي تقدم من خلاله، وذلك لتقديم حصانة فكرية معرفية يتسلح بها مشاهدنا العربي ريثما يُهيأ لهذه الأمة إعلام راقٍ في أهدافه المعلنة والخفية يحمل هَمَّ سلامة الأمة ونهضتها.. وهذه الرسائل هي:

1- تقديم الأخلاق ببعدها الإنساني بعيداً عن أي مضمون ديني أو إيماني:

مما يعزز في النفس أن التحلي بالأخلاق الحميدة هو أهم معيار يقيِّم الإنسانُ به منهجَه في الحياة، ويكون وفقه راضياً عن نفسه، ولو كان غير ملتزم بشرع الله أو أحكامه، فهذا لا يهم طالما أنه يفعل الخير، ويحسن إلى الآخرين، فقد أخذت تظهر على الساحة الإعلامية تظاهرات لجمع التبرعات والمساعدات لهيئات خيرية وتنموية من خلال برامج فنية وقوالب مبتذلة بعيدة كل البعد عن تعاليم الدين، كما أخذ يظهر الشخص المتفلت الذي يقارف الحرام بأنواعه كشرب الخمر ومعاشرة النساء وغيرها بمظهر فاعل الخير الذي يحسن للضعفاء ويساعدهم وينال وفق أخلاقه التقدير والاحترام، (كما عرض أحد المخرجين في أحد مسلسلاته الرمضانية لقطة لموسيقي شاب يشرب الخمر في البار ثم يعرِّف عن نفسه وأعماله أنه سيقوم بحفلة موسيقية يعود ريعها لأطفال غزة فتبتسم البطلة وتنظر إليه نظرة إعجاب وإكبار...)

2- فصل الدين عن الحياة العامة وتحجيم الدين ببعض المظاهر والشعائر:

وذلك بما يقدم في الدراما من مخالفات شرعية يقوم بها المتدينون على نحو طبيعي ومتكرر ومألوف لتبدو كأنها سلوكيات طبيعية وطرائق حياة عادية ومستساغة لا حرج فيها ولا تتناقض مع الإسلام... كأن تبدو الأم المحجبة مثلاً تعلم بما يقوم به ابنها أو ابنتها من علاقة مشبوهة أو سلوكيات لا أخلاقية فلا يكون لها أي موقف معارض بل تبدو راضية مؤيدة أو نرى الأب الذي يطلق عليه الحجي ويرتدي (الثوب الأبيض) نراه وابنته متبرجة تروح وتجيء أمامه وهو ساكت سعيد ينظر إليها ولا شيء في ذلك... كما تجلى ذلك أيضاً في المسلسلات التركية التي تم تقديمها لمجتمعاتنا العربية بحيث يبدو أفراد الأسر التركية يحملون أسماء إسلامية (زينب، فاطمة، حسن، محمود...) وبعض نسائها يضعن الحجاب، والعائلات تصوم في رمضان، ويصلون على موتاهم، وفي الوقت نفسه الكحول مشروب أساسي على موائدهم والعلاقات غير الشرعية نظام عادي في حياتهم.. وحتى عندما يلتقي بعضهم ببعض يصافح الرجال النساء ويقبل بعضهم بعضاً..... وهكذا ليغدو الدين زياً يرتديه الإنسان أو فلكلوراً يمارس طقوسه ولا علاقة له بحلال يتقيد به أو حرام يبتعد عنه...

3- تصوير المسلم الملتزم بزي الإسلام والمقيم لأحكام الدين بأحد صورتين:

• إما أنه شخص جاهل فقير فاشل اجتماعياً رجعي متخلف حجَّم عقله، وضيَّق أفقه، وابتعد عن العلم والحضارة والتقدم وبقي في مكانه، فتُقدَّم الخادمة أو الفقيرة غير المتعلمة والتي تسكن غالباً في الريف على أنها محجبة ضعيفة مستكينة بينما تقدم السيدة المعلمة المثقفة الأنيقة المثالية سافرة دون حجاب تعتني بثيابها وشكلها، فتتكلم بحكمة وفهم وتعالج الأمور بروية واتزان، وكأن الحجاب من سمات الإماء والسفور من سمات الحرائر.

• أو أنه شخص معقد يعاني من الكبت والعقد النفسية والانغلاق مما يجعل سلوكه يناقض مبادئه، فيرتكب قبائح الأفعال ويتصف بأسوأ الأخلاق، وكأنه يتستر بستار الدين ليفعل المحرمات والكبائر، فهو إرهابي يقتل الأبرياء ويستبيح أعراض النساء ويسرق ويفعل كل الموبقات، وهي زانية ترتدي الحجاب وربما النقاب وفي الوقت نفسه تعاشر الرجال...

هكذا ليجد المشاهد نفسه وقد نفر من الالتزام بشرع الله ولباس الإسلام كما نفر من الإقبال على الدين وتطبيق أحكامه...

4- تسويغ المعاصي والمنكرات عند الوقوع في المصائب والأزمات:

 بحيث تقدم ردود أفعال الممثلين دائماً عندما تواجههم المشاكل بأنهم يلجأون إلى الخمر والتدخين والعلاقات المحرمة فلم نر أحداً مثلاً لجأ إلى كتاب الله أو أوى إلى نفسه فحاسبها أو وقف بين يدي ربه يدعوه ويرجوه...

5- إزالة رهبة المعصية من النفوس وتمييع مفهوم والحرام وتشويهه:

وذلك بما يعرض في الدراما هذه الأيام من مشاهد الإثارة والابتذال وتكرارها على نحو يتعود المشاهد عليها وتصبح مستساغة في نفسه حتى يصبح ما كان محذوراً وغير جائز أمراً عادياً لا غبار عليه... ولتصبح كلمة (عادي) هي المعيار الذي توصف به كل الأفعال القبيحة أو العلاقات المحرمة.

أذكر ما ذكرت على سبيل المثال لا الحصر ويبقى لكل عمل إعلامي رسائله الخفية التي يمرر بها المخرج والكاتب ما يريد، ويبقى أهم ما في الأمر أن الفكرة التي ينادي بها القائمون على الأعمال الإعلامية دفاعاً عن الفحش والابتذال بأنهم يصورون أمراض المجتمع ويسلطون الضوء على أخطائه بنية إصلاحه وعلاجه يبقى ادعاء باطل ظاهره فيه الرحمة والخوف على صالح المجتمع وباطنه فيه الدمار والهلاك لأبناء الأمة وأجيال المستقبل وذلك لسببين:

1-أثبتت الكثير من الدراسات النفسية والاجتماعية أن جنوح أي شخص إلى سلوك مشين يخالف قيمه وقيم مجتمعه يتطلب أولاً أن يسمع بهذا السلوك أي أن يعرفه ثم يتطلب أن يتخيله مرات كثيرة، وهذا لا يكفي ليتجرأ على فعله ما لم يصل الخيال إلى درجة الحقيقة المعاشة التي تسيطر على عقله ونفسه فيستسيغ فعله ثم يقوم به، وأكثر ما يساعد هذا الخيال على النمو هو أن يرى هذا السلوك يحدث أمامه، وعندما يتكرر هذا السلوك أمامه مرات عديدة فإنه يستسيغه ويصبح شيئاً فشيئاً أقوى وأقدر على القيام به وفعله...

وهذا هو تماماً ما تقوم به الدراما (الجريئة) هذه الأيام.. وخاصة أن المشاهد المبتذلة التي تصور الفواحش والرذيلة لا تقدم بطريقة منفرة بل يقضي المشاهد 29 حلقة وربما أكثر وهو مستغرق مع المشاهد الفاضحة والعبارات والقصص المبتذلة على نحو تثير غرائزه وتحرك رغبات نفسه وهواه، فيستمرئ الغلط ويصبح لديه فضول لفعله وتذوق لذته، أما عاقبة الغلط فلا تكون أكثر من حلقة واحدة وأحياناً لا تتعدى مشهداً أو مشهدين كأن يُقبَض على الشخص السيئ أو يقتل... وفي كثير من الأحيان تبقى النهاية مفتوحة فلا يُقدَّم حل ولا علاج...

ربما سيقول قائل الآن أليست هذه المشاكل والأمراض موجودة في مجتمعاتنا هل علينا أن نتجاهلها وندفن رؤوسنا في الرمال؟؟؟ وكيف يمكن أن تتناول الدراما هذه المشاكل على نحو يرتقي بمجتمعاتنا؟؟

 لأجل هذا ستكون لي وقفة قادمة إن شاء الله في طريق تكوين الوعي الكافي لدى المشاهد العربي وتحصينه تجاه ما هو سائد وفاسد على الساحة الإعلامية في وقتنا الحالي...

المصدر: موقع مسلم أون لاين

 

 
سهير علي أومري
تاريخ النشر:2010-10-05 الساعة 15:48:42
التعليقات:4
مرات القراءة: 3318
مرات الطباعة: 812
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
شكر

2010-11-14 | 09:19:58

جزاكم الله خيرا على هذه التوضيحات،وأدعو الله أن تصل هذه الرسالة لمخرجي الدراما، وأن يهديهم للعمل النافع والمفيد لهذه الأمة،وكل عام وأنتم بخير .

أبو حسن

important analysis

2010-11-15 | 10:53:30

يسعدني أن أقرأ تحليلا مهما لهذه القضية، وهو يتميز بجدته في التعامل مع مسائل الإعلام، فالقلة القليلة من مجتمعنا هم من يدركون أثر هذه الرسائل الخفية في الإعلام، وبالتالي هي تحتاج توعية على مستوى عميق وواسع، والمقال هو خطوة أولى في هذه التوعية، ويمكن إضافة ا

anas sar

جزاكم الله خيراً

2010-10-10 | 11:07:19

جزاكم الله ألف خير أخت سهير على هذا المقال بكل الأحوال مادام الإعلام تحت سيطرة أصحاب الأجندة "الجريئة" فلن ينعم المسلمون بحياة سعيدة والحل هو بوجود إعلام إسلامي راقي هادف يحاكي مشكلات المجتمع دون مبالغة أو إنكار ويبتعد عن سياسة الوعظ ...

هادي كيلاني

مهندس من الامارات

2010-10-10 | 13:08:06

كلام سليم ... وتحليل دقيق ، و عميق ، وشامل .... لكن... أتظنين أن بوسعك أن ترسمي منهجا"صحيحا لدراما ترتقي لتناول حلول مشاكل مجتمعك بصدق... بدل أن تكون عاملا في هدم قيمه الباقية ؟؟؟؟ لا شك أنك ستصطدمين بأهواء القائمين على هذه الساحة و خططهم وتوجهاتهم الم

mohamed shammaa

 

 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan