الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم إسلامية » فقه الدعوة

ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة

محمد الطاهر بن عاشور

 

{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل:125].

هذه الآية واردة مورد البيان لمعنى التي قبلها، وهي قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ} [النحل:123]؛ لأن اتباع ملة إبراهيم يكون بالعمل والقول، فالعمل هو اقتداء الرسول بها في خاصة نفسه، والقول دعاؤه الناس إليها، كما هو مقتضى الرسالة، ولأن إبراهيم دعا الناس إلى نبذ الشرك، وحاج قومه فيه، وأذن في الناس بالحج، فلا جرم اشتمل اتباع ملة إبراهيم على حالين، أحدهما: الدعوة إلى الله، وهو غرض الآية.

فكانت الجملة المقتضية لها، وهي جملة {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ....} إلى آخرها، منزلة بدل الاشتمال، من جملة {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ}، ولذلك فصلت عنها، ولم تعطف عليها لوقوعها موقع مفرد يمتنع اقترانه بالعطف.

ومخاطبة الرسول عليه السلام بصيغة الأمر بالدعوة إلى سبيل ربه في حين هو داع إلى الله من قبل، دليل على أن صيغة الأمر مستعملة في طلب الاستمرار على الدعوة، لا يصده عنها شيء، على حد قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ}.

ذلك أن المشركين لم يغادروا شيئاً من شأنه تثبيط النبي صلى الله عليه وسلم عن معاودة دعوتهم إلى الإيمان إلا أتوا به، من تكذيب وسخرية، وتهديد، واختلاق، وبهتان، كما حكيت أحوالهم في تضاعيف القرءان، وفي هذه السورة من قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ} [النحل:103].

يظنون أن ذلك كله يحجم النبي صلى الله عليه وسلم عن دعوتهم؛ لأنهم بجهلهم يجعلون موازين النفوس العالية على مقياس موازين نفوسهم، وقد كفروا بأن الرسول صلى الله عليه وسلم مضطلع بالحق الذي أرسله به ربه، حتى يبلغ رسالته، فلذلك ظنوا ما يأتون به من الخزعبلات مثبطاً له، وسبيل الله مجاز لكل عمل من شأنه أن ينال به عامله رضي الله تعالى؛ فإن الشيء الذي هو سبب لنوال رضى الله أشبه الطريق الموصل إلى المرغوب في أنه يعقبه نواله، فاستعير اسم السبيل للسبب، وإضافته إلى اسم الجلالة باعتبار أن الله نبه عليه، وأمر بالتزامه، وفي هذه الإضافة تجريد للاستعارة، وبذلك صار علماً بالغلبة على كل من دين الإسلام، كما في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}[الأنفال:36]، وعلى القتال لتأييد الإسلام، كما في قوله تعالى: {وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة:41]، والمراد هنا هو الإسلام بقرينة المقام، ولقوله {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل:125].

والمقصود من أمر الرسول باستمراره على الدعوة إلى الدين الإسلامي تثبيته على ذلك، وأن لا يوئسه من اهتداء المشركين ما يراه من أفانين بهتانهم واختلاقهم، وأذاهم للمسلمين، وتصلبهم في الشرك.

وحذف مفعول {ادع} إما لقصد التعميم؛ لأن دعوة الإسلام عامة لكل أحد؛ فشمل دعوته المشركين الذين هم المقصود الأول من المقام، وإما لأن الفعل قد نزل منزلة اللازم، أي: ليكن منك الاستمرار على الدعوة المعهودة؛ لأن المقصود الدوام على الدعوة، لا تعيين المدعوين؛ لأن ذلك أمر معلوم من حال الدعوة، وإما لأن المفعول معلوم بقرينة قوله: {وجادلهم}.

والباء في قوله: {بالحكمة} للملابسة، أي: لتكن دعوتك ملابسة للحكمة والموعظة، كما قالوا في الدعاء للمعرس بالرفاء والبنين، أي: أعرست ملابساً للرفاء والبنين، ومعنى الملابسة يقتضي أن لا تخلو الدعوة عن هاتين.

فالحكمة: المعرفة المحكمة، أي: المتقنة، الصائبة، النافعة، فلا تطلق الحكمة إلا على المعارف الحقة، التي لا يتطرقها الخطأ، ولذلك عرفت الحكمة بأنها: معرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه، مما تبلغه الطاقة البشرية، بحيث لا تلتبس الحقائق المتشابهة بعضها مع بعض، ولا تغلط في العلل والأسباب، وهي اسم جامع لكل كلام يراعى فيه إصلاح حال الناس واعتقادهم، ولها شعب كثيرة، والمهم منها في نظر الدين أربعة أمور:

معرفة الله حق معرفته: وهو علم الاعتقاد الصحيح، ويسميه قدماء اليونان (العلم الإلهي)، أو (ما وراء الطبيعة)، ويعدونه العلم الأعلى من علوم الحكمة النظرية.

ما يصدر عن علم به كمال الإنسان: وهو علم الأخلاق، وعرفه المتقدمون بأنه: التخلق بصفات الله بحسب الطاقة البشرية، أي: بما يليق بحال البشر من معاني صفات الله.

علم تهذيب العائلة: وسماه الأقدمون (علم تدبير المنزل)، وهو داخل في أحكام معاشرة الأهل في الشريعة.

تهذيب الأمة وصلاح شئونها: وسمي (علم السياسة المدنية)، وهو علم تدبير المدينة، وهو مندرج في أحكام الإمامة، ودعوة الإسلام أصولاً وفروعاً لا تخلو عن شعبة من شعب هذه الحكمة.

وأما الموعظة: فهي القول الحق الذي يلين نفس المقول له، فيقلع عن عمل الشر، أو يقدم على عمل الخير، وفي حديث العرباض بن سارية: «وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون».

وبهذا يظهر أن الموعظة أخص من الحكمة؛ لأن الموعظة لا تكون إلا حكمة؛ إذ يحصل بها إصلاح الموعوظ، قال تعالى: {ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنْ الْحِكْمَةِ} [الإسراء:39]، بعد أن ذكر أوامر ونواهي في قوله: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ...الآيات} [سورة الإسراء]، وكلها موعظة، ومعنى وصف الموعظة بالحسنة: أن تكون متصفة بالحسن في نوعها؛ فإن تفاضل أفراد النوع بتفاضل احتوائها على الصفات المقصودة من نوعها.

ووصف الموعظة بالحسنة دون وصف الحكمة بذلك؛ لأن الموعظة لما كان غالب المقصود منها ردع النفس عن الأعمال السيئة كانت مظنة لصدور إغلاظ الواعظ، وحصول انكسار في خاطر الموعوظ، فأمر الله بأن يتوخى فيها أن تكون حسنة، حملاً للواعظ على إلانة القول، وترغيب الموعوظ في الخير، ولذلك لم تعر آية وعيد في القرءان عن أن تُحف بآية بشارة، وقد قال تعالى لموسى وهارون: {ذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى}[طه:43]، {فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}[طه:44].

وليس المراد أن الحكمة لا تكون حسنة، فقد علمت أن الموعظة من أنواع الحكمة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء)، وإذا قد كانت دعوة الإسلام يتلقاها المنصفون فيلوح لهم الحق؛ فيؤمنون به، ويتلقاها المتكبرون فيغلب عليهم التصلب؛ فيعادون ويجادلون جدال المتعنتين، وكان ذلك من شأنه أن يغضب الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فأمر الله رسوله بالدعوة إلى سبيله بأن أمره بالمجادلة الحسنة، بقوله: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل:125]، فضمير {جادلهم} عائد على المشركين، بقرينة المقام؛ لظهور أن المسلمين لا يجادلون رسولهم، فإن الأمر بالمجادلة ليس أمراً بإيجادها، ولكنه أمر بأن تكون حسنة، فالمقصود من هذا الأمر وصف المأمور به، وهذا سر تغيير الأسلوب؛ إذ لم يعطف اسم المجادلة على اسمي (الحكمة والموعظة)، ولكن جيء بأمر المجادلة عقب الأمر بالدعوة، استكمالاً لآداب ذيول الدعوة وتوابعها.

فقد كان المشركون يجادلون النبي صلى الله عليه وسلم، قصداً للإفحام والتعجيز، كما أشار الله بقوله تعالى: {وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحج:68]، وقوله: {فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِي لِلَّهِ وَمَنْ اتَّبَعَنِي} [آل عمران:20]، فمن ذلك قولهم: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنْ الأَرْضِ يَنْبُوعاً} [الإسراء:90]، وكما روي أنه لما أنزل قوله تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ... الآية} [الأنبياء:98]، قال عبد الله بن الزبعري: لأخصمن محمداً، ثم جاءه بعد ذلك، فقال: يا محمد! قد عبد عيسى، وعبدت الملائكة، فهل هم حصب لجهنم؟ فأرشده رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [الأنبياء:101].

والمجادلة والجدال والجدل المراجعة بالقول في أمر أو رأي، للإقناع بالرجوع عنه إلى ما يطلبه المجادل، وإذ قد كانت المجادلة المذكورة هنا من ذيول الدعوة، كانت لا محالة متلبسة بالحكمة والموعظة؛ إذ لا يعدو جدال النبي إياهم عن هديهم إلى طريق الحق، وإنما يكون ذلك الحكمة الموعظة.

والباء في {بالتي هي أحسن} متعلقة بجادلهم، والتي هي صفة لمحذوف يعلم من المقام؛ إذ التقدير بالمجادلة التي هي أحسن، واسم التفضيل في قوله: {بالتي هي أحسن}، يجوز أن يكون غير مراد منه التفضيل على مجادلة أخرى، بل المراد منه المبالغة في كونها حسنة؛ فيكون مسلوب المفاضلة، كقوله: {رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} [يوسف:33]، أي: محبوب إلي دون ما يدعونني إليه، ويجوز أن يكون معناه التفضيل على ما يجال به المشركون النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ كان فيه خلط بين حسن وفضاضة، فهذا الوليد بن المغيرة لما قرأ عليه النبي صلى الله عليه وسلم بعضاً من القرءان وقال له: هل ترى بما أقول بأساً، قال: لا والدماء.

وهذا عبد الله بن أُبيّ يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: (أيها المرء إن كان ما تقول حقاً فاجلس في بيتك، فمن جاءك فحدثه إياه، ومن لم يأتك فلا تغنه ولا تأته في مجلسه بما يكره منه)، فأمر النبي أن يجادلهم المجادلة التي هي أحسن من مجادلتهم، ونظير هذه الآية قوله تعالى: {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} [العنكبوت:46].

ويدخل في التي هي أحسن مقابلة جدالهم الفظ بجدال غير صريح في الغلظة، مثل قوله: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [سبأ:24]، وقوله: {وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحج:68]، {اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [الحج:69]، أو بما هو أحسن من ذلك من لين القول، كما في قوله تعالى في جواب أهل الكتاب: {وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت:46].

المصدر: مجلة الزيتونة

 
محمد الطاهر بن عاشور
تاريخ النشر:2010-10-07 الساعة 14:02:23
التعليقات:0
مرات القراءة: 2183
مرات الطباعة: 498
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan