الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » قضايا فكرية » وجهات نظر

مفهوم العولمة وموقف الإسلام منها

فرغلي هارون

 

العولمة لفظ حديث جداً في العربية، ولكنه، ليس من اختراعنا نحن العرب، بل هو ترجمة لكلمة صكت في الغرب هي Globalization وانشغل الناس بها هناك، وعقدوا لمناقشتها الندوات والمؤتمرات، فإذا بنا ننشغل بها بدورنا، ونحاول البحث عن معناها الحقيقي وتعريفها الصحيح. والحقيقة أن للعولمة تعريفات عديدة بقدر عدد المؤلفين الذين يكتبون عنها، أو ربما بعدد زوايا الرؤية التي ينظر الباحث إليها. فتعريفات العولمة تتأثر بانحيازات الباحثين الأيديولوجية وموقفهم من العولمة رفضاً أو قبولاً.

"وقد تبلورت هذه التعريفات في تيارين يسيطر عليهما الانحياز المسبق، التيار الأول يتحيز للعولمة ويعتبرها قدراً حتمياً لا مفر من قبوله بغير تحفظ. والتيار الثاني يرفضها رفضاً مطلقاً باعتبارها إعادة إنتاج لنظام الهيمنة الرأسمالي القديم. وبين التيارين يتخلق تيار يدعو إلى نوع من التفاعل الواعي مع العولمة في اتجاه تعظيم المنافع التي تبشر بها وتقليل التكاليف الاجتماعية المقترنة بالاندماج فيها والتكامل معها ... وربما كان جيمس روزناو – أستاذ السياسة الأمريكي– محقاً في دعوته إلى الكشف عن جوهر العولمة قبل الاقتراب من صياغة تعريف شامل لها."(1)

وهكذا فإننا إزاء العولمة، كما يرى جلال أمين(2)، كالعميان إزاء الفيل، في تلك القصة الشهيرة التي يلمس فيها كل من العميان جانباً من الفيل، فيصفه على أنه الفيل بأكمله، دون أن يعرف أن للفيل جوانب أخرى كثيرة. كل منا في وصفه للعولمة على صواب تماماً، لولا أن معظمنا لا يريد أن يعترف بأن بقية العميان على صواب أيضاً.

المعنى اللغوي للعولمة

العولمة ترجمة لكلمة Globalization الإنجليزية التي ظهرت أول ما ظهرت في الولايات المتحدة الأمريكية، وهى تفيد معنى تعميم الشيء وتوسيع دائرته ليشمل الكل، وبهذا المعنى يمكن أن نفترض أن الدعوة إلى العولمة بهذا المعنى إذا صدرت من بلد أو جماعة فإنها تعنى نمطاً من الأنماط التى تخص ذلك البلد أو تلك الجماعة وجعله يشمل العالم كله.

والحقيقة أن أي تعريف العولمة يضعنا في مأزق. "فالكلمة نفسها تضعنا أمام مشكلتين: الأولى هي كلمة (global)، والثانية هي المقطع (-ization). فالمعنى المتضمن في الأولى هو أن هناك نظام موحد من الاتصالات الملاحظة خلال رأس المال وأسواق السلع وتدفق المعلومات ومناظر متخيلة (مجتمع مدنى عالمي) تغلغلت كامل الكرة الأرضية، والمعنى المتضمن في الثانية هو أنها تتم الآن، حيث أننا دخلنا عصراً عالمياً. وكلا المعنيين صحيح."( 3)

و"العولمة – في دلالتها اللغوية أولاً – هي جعل الشيء عالمياً، بما يعنى ذلك من جعل العالم كله وكأنه في منظومة واحدة متكاملة ... ومن هنا جاء قرار مجمع اللغة العربية بالقاهرة بإجازة استعمال (العولمة) بمعنى جعل الشيء عالمياً. وجاء في المعجم العالمي الشهير  s’ Webster أن العولمة هي إكساب الشيء طابع العولمة، وبخاصة جعل نطاق الشيء أو تطبيقه عالمياً، ولكن هذا المعنى شديد البراءة بالغ الحيدة، لا ينسجم في عمقه مع دلالة اللفظ ومفهوم المصطلح، كما يشاع ويتردد في العالم اليوم."( 4)

تعريف مصطلح العولمة

هناك معركة نظرية كبرى دارت بين الباحثين والمفكرين في مختلف أنحاء العالم حول تعريف العولمة‏.‏ ومن بين التعريفات الأيديولوجية للعولمة تعريف يساري شهير مؤداه أن العولمة هي أعلى مراحل الرأسمالية الاحتكارية.‏ وهذا التعريف يركز على النشأة التاريخية للعولمة والتي هي في جوهرها امتداد وتعميق للنظام الرأسمالي ونزوعه للهيمنة الكلية على الاقتصاد العالمي من خلال المؤسسات الدولية‏,‏ وعن طريق الشركات دوليه النشاط‏.‏

وهناك تعريفاً إيديولوجيا آخر للعولمة يأتي من قبل اليمين الذي تمثله الليبرالية الجديدة وهو أنها المدخل الحقيقي لليبرالية الاقتصادية المؤدية للتنمية والتقدم‏,‏ والمعبر الحق عن الديمقراطية في إدارة العلاقات الدولية. ومن المهم أن نؤكد أن صراع تعريفات العولمة بين اليسار واليمين قد تعدى مسألة الجدل النظري‏,‏ وانتقل إلى مجال الصراع السياسي على النطاق العالمي‏.‏ وذلك لأن قوى العولمة اليمينية إذا كان يمثلها رمزياً منتدى دافوس الذي يجتمع سنوياً ويضم أقطاب الرأسمالية من مديرى الشركات الكبرى ورؤساء الدول والمفكرين والإعلاميين، والذي يحظى بتغطية إعلامية هائلة,‏ فإن الحركة المضادة لدافوس ‏Anti Davos‏ والتي تتمثل في شبكة مترابطة من مؤسسات المجتمع المدني العالمي هي القطب المناهض للعولمة الرأسمالية‏.‏

غير أنه بالإضافة إلى هذه التعريفات الأيديولوجية للعولمة فإن "هناك تعريفاً إجرائياً يركز لا على المضمون السياسي أو الفكري لها‏,‏ ولكن على العمليات الرئيسية التي تتضمنها‏.‏ وهكذا فالعولمة وفق هذا التعريف هي التدفق الحر للسلع والخدمات والأفكار والبشر بغير قيود ولا حدود‏.‏ غير أن هذا التعريف الإجرائي المجرد يتجاهل في الواقع عدداً من القيود التي تفرضها حتى الدول الرأسمالية التي تؤمن بالعولمة‏.‏ وأبرز مثال لذلك القيود العديدة التي وضعتها الدول الأوروبية أخيراً على هجرة العمالة إليها من البلاد النامية,‏ كما أن الولايات المتحدة الأمريكية وهى زعيمة العولمة خالفت قواعد منظمة التجارة العالمية فيما يتعلق بالحماية غير القانونية التي فرضتها للصلب الأمريكي في مواجهة الصلب الأرخص المستورد من بلاد أخرى‏.‏ وبغض النظر عن هذه الخلافات حول تعريفات العولمة وسياساتها‏,‏ فان هناك إجماعاً بين العلماء الاجتماعيين على أن العولمة تتضمن نزوعاً لتوحيد العالم ليس على صعيد الاقتصاد فقط بالتركيز على الاقتصاد الحر‏,‏ وليس على صعيد السياسة فقط بالتأكيد على الديمقراطية الليبرالية,‏ وإنما على صعيد القيم أيضاً من خلال التركيز على احترام التعددية وحقوق الإنسان‏.‏ غير أن العولمة بحكم الجدل التاريخي ومن واقع الممارسات الفعلية‏,‏ أدت إلى نوع من أنواع التفتت المجتمعي والتشتت الثقافي‏."(5)

‏ومن هنا فإن مصطلح العولمة قد يكتسب معاني مختلفة جداً عندما يوظف في مواضع مختلفة. على سبيل المثال، وكما يرى المفكر الأمريكي نعوم تشومسكى فإنه "إذا استعملنا التعبير بشكل محايد، فإن العولمة تعنى مجرد تكامل دولي مقبول، ولكن في الأنظمة المذهبية الغربية، التي تسود في كل مكان كنتيجة للقوة الغربية، فإن المصطلح  يأخذ معنى مختلفاً وأكثر ضيقاً. فهو يشير إلى شكل محدد من التكامل الدولي ... صمم مبدئياً لمصلحة التجمعات الخاصة من القوة."(6)

فالعولمة تعنى تحويل العالم المتعدد في دياناته وعاداته وثقافاته إلى شيء متجانس وغير متفاوت، يتحد ثقافة وحضارة ومدنية. وهذا مكمن الخطورة؛ فما الجنس الثقافي والاجتماعي والحضاري والمدني الذي سوف يسود العالم ويجذبه إليه؟.

"فالعولمة ممارسة من طرف واحد سلطوي، يحكم العالم بالقوة، ويصوغه على شاكلته ذهنياً وسلوكياً بالعنف، وهو إذ يفعل ذلك فلن يجعله مثله في علمه وإنتاجيته وانضباطه واحترامه للقانون، ولن يفيض عليه من علمه الدقيق بظاهر الحياة الدنيا ما يجعله نداً، وإنما سيفيض عليه ما يضمن التبعية، ويمكِّن من السيطرة والاستغلال، وهذا ما توحي به صيغة (فوعل) إذ هي إجبار وإلزام، فكأن الغرب المستكبر يفرض ثقافته واقتصاده وأنماط سلوكه ويحتفظ بعلمه وتقنيته، وهو قد فعل مثل ذلك حين لم يسو بين الرجل الأبيض والأسود، والعربي واليهودي، والغربي والشرقي."(7)

ويرى رولند روبرتسن – أستاذ علم الاجتماع بجامعة بيتسبرج - أن "ما يسمى عولمة يمكن فهمه بأفضل صورة بأنه يشير إلى مشكلة الشكل التي يصبح العالم من زاويتها موحداً، ولكن دون أن يندمج بصورة وظيفية ساذجة. بعبارة أخرى، فالعولمة كموضوع هي مدخل فكرى لمشكلة النظام العالمي بأشمل معانيه، ولكنها مع ذلك مدخل ليست له وسيلة إدراكية دون مناقشة مستفيضة للمسائل التاريخية والمقارنة. كما أنها ظاهرة تتطلب ما يعرف عادة بالتناول المتعدد الأفرع العلمية."(8)

 ووفقاً لأستاذ السياسة الأمريكي جون جراي فإن "تعبير العولمة يمكن أن يعنى أشياء كثيرة. فهو من ناحية يعنى الانتشار العالمي للتكنولوجيات الحديثة في الإنتاج الصناعي والاتصالات من كل الأنواع عبر الحدود في التجارة ورؤوس الأموال والإنتاج والمعلومات. وهذه الزيادة في الحركة عبر الحدود في حد ذاتها نتيجة لانتشار التكنولوجيات الجديدة إلى مجتمعات مازالت حتى اليوم في مرحلة ما قبل الحداثة. والقول بأننا نعيش في عصر العولمة إنما يعنى القول بأن كل مجتمع تقريباً هو الآن مجتمع صناعي أو يسير في طريق التصنيع. والعولمة تعنى أيضاً أن كل الاقتصادات تقريباً متشابكة مع الاقتصادات الأخرى على نطاق العالم ... وبمعنى آخر تعد العولمة اختزالاً للتغيرات الثقافية التي تجئ عندما تصبح المجتمعات مرتبطة بالأسواق العالمية ومعتمدة عليها بدرجات متفاوتة. كما أن مقدم التكنولوجيا الحديثة للمعلومات والاتصالات كان يعنى أن تأثر أشكال الحياة الثقافية ببعضها أصبح أكثر عمقاً من ذي قبل. وخلف ما للعولمة من هذه المعاني كلها، توجد فكرة أساسية واحدة يمكن أن تسمى (طمس الخصائص المحلية). اقتلاع الأنشطة والعلاقات من أصولها وثقافاتها المحلية. كما تعنى دفع أنشطة كانت محلية حتى وقت قريب إلى شبكات العلاقات البعيدة أو العالمية النطاق."(9)

ويعرف أستاذ علم الاجتماع البريطاني أنتونى جيدنز العولمة بأنها: "تنمية العلاقات الاجتماعية والاقتصادية بامتداد العالم، وتمديدها على نطاق عالمي."(10)

وهو يرى أن العولمة ليست مجرد ظاهرة اقتصادية، ولا هي كذلك في أساسها. وحرى ألا نساوى بينها وبين ظهور نظام عالمي. العولمة تتعلق في حقيقتها بالتحول في الزمان والمكان. ويحدد معناها بأنها العمل أو التأثير عن بعد، ويربط شيوعها بكثافة متزايدة في السنوات الأخيرة بظهور وسائل الاتصال الفوري وحركة الانتقال الجماعية الواسعة على نطاق الكوكب. كما يؤكد أن العولمة ليست عملية واحدة ووحيدة، بل هي مزيج مركب من عمليات تعمل في الغالب الأعم بأساليب متناقضة، وتنتج عنها نزاعات وتحزبات حادة وأشكال جديدة من التآلفات الطبقية. وهكذا على سبيل المثال نجد أن عملية إحياء النزاعات القومية المحلية وتزايد حدة الهويات القومية مرتبطة ارتباطاً مباشراً بتأثيرات العولمة التي يقفون منها موقفاً مناهضاً."(11)

" والعولمة وفقاً لجارودي هي الوجه الآخر للهيمنة، أو هي التسمية البديلة للهيمنة الشاملة على العالم. والعولمة هي الاستعمار، يقول ريتشارد هبوت في كتابه (العولمة والأقلمة): العولمة هي ما اعتدنا أن نطلق عليه في العالم الثالث ولعدة قرون اسم الاستعمار. ويعرف ووترز العولمة بأنها: عملية اجتماعية يتم من خلالها تقليص القيود التي تفرضها الجغرافيا على الأنظمة الثقافية والاجتماعية كما يصبح الأفراد بدرجة متزايدة على وعى بتراجع هذه القيود."( 12)

وقد حاولت البحوث الأكاديمية أن تقدم للعولمة مفهوماً وحيد البعد، يقوم على أساس تحديد الأسباب ورصد النتائج، مع أن ظاهرة العولمة – كما يرى السيد يسين – تحتاج إلى صياغة نموذج متعدد الأبعاد حتى نصل إلى جوهرها الحقيقي. وهذا النموذج – من وجهة النظر المعرفية – لابد له من أن يربط ربطاً عضوياً وثيقاً بين تعريفات العولمة المختلفة والمسلمات التي تقوم عليها، والأطروحات التي تتضمنها، ومجالات السياسات التي تصاغ بناء على هذه المسلمات، وصور المقاومة لها، وذلك من خلال منظور معرفي متكامل.

ويقسم السيد يسين تعريفات العولمة المتعددة إلى أربعة مجموعات تتباين في نظرتها للعولمة وطبيعتها كالتالي:( 13)

1- حقبة تاريخية: ينزع هذا التعريف للعولمة إلى اعتبارها حقبة تاريخية أكثر منها ظاهرة اجتماعية، أو إطاراً نظرياً، وهى المرحلة التي أعقبت الحرب الباردة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي.

2- مجموعة ظواهر اقتصادية: ويعتبر بمثابة تعريف اقتصادي للعولمة، حيث يعتبرها سلسلة مترابطة من الظواهر الاقتصادية التي تتضمن تحرير الأسواق، وخصخصة الأصول، وانسحاب الدولة من أداء بعض وظائفها، ونشر التكنولوجيا، والتكامل بين الأسواق الرأسمالية، وإعادة صياغة للتقسيم الدولي للعمل.

3- هيمنة القيم الأمريكية: ويعبر عن هذا الاتجاه كتاب فوكوياما(*) (نهاية التاريخ) الذي اعتبر فيه سقوط الاتحاد السوفيتي وانهيار الكتلة الشيوعية انتصاراً نهائياً للرأسمالية والأيديولوجية الأمريكية.

4- ثورة تكنولوجية اجتماعية: يرى هذا التعريف أن العولمة شكل جديد من أشكال النشاط تم فيها الانتقال بشكل حاسم من الرأسمالية الصناعية إلى المفهوم ما بعد الصناعي استناداً إلى الثورة التكنولوجية والاتصالية، لتدعيم السوق الكونية الواحدة.

ويرى السيد يسين أن "هذه التعريفات جميعاً تكاد تكون المكونات الأساسية لتعريف واحد جامع للعولمة، فهي تجمع بين جنباتها كونها تمثل حقبة تاريخية، وهى تجلٍ لظواهر اقتصادية، وهى في الوقت الراهن على الأقل هيمنة للقيم الأمريكية، وهى أخيراً ثورة تكنولوجية واجتماعية. غير أن هذا لا ينفى أن من يتبنى أي تعريف من التعريفات، يمكن أن يصل في تحليله إلى نتائج سياسية مختلفة، وذلك وفقاً للأيديولوجية التحى ينطلق منها."(14 )

ويرى بعض المفكرين أن العولمة ليست سوى مرادف للأمركة، انطلاقاً من الهيمنة الاقتصادية الأمريكية على النطاق العالمي، وتأثر السياسات الاقتصادية في كل بلدان العالم بما يجرى في الولايات المتحدة، لعدة أسباب في مقدمتها:(15 )

1- ضخامة الاقتصاد الأمريكي وأبعاده الكونية.

2- سيطرة رأس المال الأمريكي على مشروعات واقتصاديات في كافة أرجاء المعمورة.

3- أن الدولار الأمريكي أصبح وسيلة التبادل ومخزن القيم وأداة التسوية الرئيسية لمعظم دول العالم.

4- سيطرة الولايات المتحدة على مؤسسات (بريتون وودز) وإملاء سياستها عليها، لتمليها هذه المؤسسات بدورها على مختلف دول العالم.

5- سيطرة الولايات المتحدة على الأنشطة الاقتصادية الحاكمة، مثل صناعة المعلومات والبرمجيات، وعلى صناعة الخدمات والتمويل.

6- تحول الولايات المتحدة لأكبر سوق لاستثمار رءوس الأموال الأجنبية.

7- حرص البنوك الأجنبية على فتح فروع لها في الولايات المتحدة للاستثمار فيها.

وهكذا فإن العولمة إلى جانب أنها تعكس مظهراً أساسياً من مظاهر التطور الحضاري الذي يشهده عصرنا، هي أيضاً أيديولوجيا تعبر بصورة مباشرة عن إرادة الهيمنة على العالم وأمركته. وقد حددت وسائلها لتحقيق ذلك، كما يرى عابد الجابري، في الأمور التالية:( 16)

1- استعمال السوق العالمية أداة للإخلال بالتوازن في الدول القومية، في نظمها وبرامجها الخاصة بالحماية الاجتماعية.

2- اتخاذ السوق والمنافسة التي تجرى فيها مجالاً للاصطفاء بالمعنى الداروينى للكلمة (البقاء للأقوى)، وهذا يعنى أن الدول والأمم والشعوب التي لا تقدر على المنافسة سيكون مصيرها، بل يجب أن يكون، الانقراض.

3- إعطاء كل الأهمية والأولوية للإعلام لإحداث التغييرات المطلوبة على الصعيد المحلى والعالمي.

ويرى البعض أن غياب التعريف المحدد للعولمة يعود إلى كونها "مقولة يود أصحابها ابقاءها بعيداً عن الفهم الكامل والصحيح، وتقديمها في بعض مظاهرها الاقتصادية والإعلامية الإيجابية، حتى تظل سراً من جهة، ومن جهة ثانية، حتى يتركوا فرصة للمجتمعات الأخرى لتعطيها المفهوم الذي تتصوره لتظهر وكأنها انبثقت من داخل هذه المجتمعات ولم ترد إليها من خارجها، وهذا أسوأ أشكال الاستعمار الفكري، كما يشرحه مالك بن نبي في كتابه الصراع الفكري، فتصبح العولمة في هذه الحالة عولمة ذاتية، وهذه أخطر أنواع العولمة، لأن المجتمعات تتصور أنها تطور طبيعي في حركتها بينما هي سيقت مجبرة إليها."(17 )

وهكذا تتعدد وجهات النظر حول العولمة، وتتعدد تبعاً لذلك محاولات توصيفها وتعريفها، فهي عند البعض " تعنى إزالة الحواجز السياسية والاقتصادية والاجتماعية حتى تتحرك رؤوس الأموال والأفكار والسلع والخدمات بحرية. وعند فريق ثان، فإن العولمة هي الوجه الحديث للاستعمار، والموجة الجديدة من سيطرة الغرب الأوربي والأمريكي على مقدرات العالم الثالث. وعند فريق ثالث، فإن العولمة هي المرادف الموضوعي للأمركة، وللهيمنة الأمريكية، ولسيادة نمط الأفكار الأمريكية، والثقافة الأمريكية، والمأكولات والأزياء الأمريكية. وعند فريق رابع، فإن العولمة ليست إلا ستاراً تتحرك تحته الشركات العملاقة متعددة الجنسيات وعابرة القارات، التي لها ميزانيات تفوق ميزانيات العديد من الدول، ولها مصالح لا تتطابق مع مصالح الدول، ولها طموحات لا تقف عند حدود، ومن ثم فإنها ترفع شعار العولمة كي تفسح لنفسها طريق التوغل، وترفع شعار العولمة كي تزيل التشريعات المحلية والمنافسات المحلية، فتنتشر دون أي عائق، بغض النظر عما إذا كانت مصالح هذه الشركات تضر بمصالح الدول الفقيرة في العالم الثالث."( 18)

ويرفض الدكتور جلال أمين إصرار البعض على تقديم تعريف جامع مانع للعولمة، لأن "الظواهر التي يثيرها في الذهن لفظ العولمة كثيرة ومعقدة، وتمس مختلف جوانب الحياة، اقتصاداً وسياسة واجتماعاً وثقافة ..الخ" ولذلك فهو يرى أنه "من الأنسب في التعامل مع ظاهرة كالعولمة أن يكون الكاتب مستعداً للاعتراف بأنه لم يلمس كل جوانبها وأطرافها، تاركاً بعض هذه الجوانب لغيره."( 19)

وانطلاقاً من هذا الرأي حاولنا وضع تعريف للعولمة تمثل في تعريف العولمة بأنها:

(مرحلة تاريخية بدأت مع بداية التسعينات من القرن العشرين، نتيجة للثورة التكنولوجية والمعلوماتية والاتصالية، بهدف تحويل العالم كله إلى نظام موحد – اقتصادياً وسياسياً وثقافياً واجتماعياً وإعلامياً – تسوده القيم الغربية عامة، والأمريكية على وجه الخصوص، من خلال آليات معينة للهيمنة تتمثل في: الشركات متعددة الجنسيات، وبعض المنظمات الدولية (كمنظمة التجارة العالمية، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي)، وبعض الاتفاقيات الدولية، والشبكات العالمية للمنظمات غير الحكومية، والهيمنة الإعلامية، والقوة العسكرية).

موقف الإسـلام من العولمة

الإسلام دين عالمي، وعالمية الإسلام تختلف عن العولمة؛ فمفهوم العولمة الذي يقوم على إجبار العالم على الأخذ بالمناهج والقيم الغربية ويفرض عليه ثقافة معينة " إنما هو مخالف لمفهوم العالمية الإنساني الذي يعترف بالخصوصيات الثقافية، وبتعدديتها، ويتيح حرية الاختيار الثقافي فيما بينها، على أساس تعايش الحضارات وتلاحم الثقافات. ثم هو يحمل شروط التكافؤ في العلاقات الدولية من حيث التوزيع العادل للموارد العالمية، والمعاملة المتساوية في حقوق السيادة الدولية، والانتفاع المتوازن بمعطيات التقدم التكنولوجي."( 20)

وقد "سبق أن عرف العالم عولمة إسلامية سادت ثمانية قرون، وتداعت بسقوط غرناطة عام 1492م عندما أُخرج المسلمين من الأندلس. لم تكن العولمة الإسلامية قهراً لبقية الحضارات بل كانت مداً ثقافياً استوعب باقي الحضارات وحافظ على هويتها الثقافية بعد أن أصَّلها بقيم إسلامية لخدمة الإنسان، وليس لاستغلاله وقهره. وكانت إثراء للفكر الإنساني على عكس العولمة الغربية التي تشكل قهراً لفكر الإنسان، فهي حضارة ترفض كل الحضارات."( 21)

إن الإسلام يدعو إلى العولمة، لكن في أسمى معانيها، لا عولمة الهيمنة والأمركة. فالإسلام جاء من أجل نشر حضارة شاملة، وجاء في نفس الوقت ليعترف بخصوصية كل شعب. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}. وعالمية الدعوة الإسلامية أو العولمة في الإسلام تبدو أوضح ما تكون في توجهات الإسلام، كما في قوله تعالى: {قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ} – {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} – {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}. وليس أدل على عالمية الدعوة الإسلامية من قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوجيه رسائل إلى مختلف الشعوب ودول العالم المعروفة في ذلك الزمان، يدعو الجميع إلى الإسلام.

وعالمية الإسلام ليست عولمة الهيمنة، وفرض ثقافة واحدة، قسراً، على جميع البشر، وإنما هي عولمة تقوم على أساس أن الاختلاف سنة من سنن الكون، وآية من آيات الله عز وجل في خلقه: {وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ}[الروم:22]، {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ}[المائدة:48].

وهى عولمة تقوم على مبدأ الحرية وليس القهر، حرية العقيدة قال تعالى: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف:29]، وحرية الفكر: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل:]44، وحرية الممارسة والفعل: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت:]46.

وهكذا فالعولمة التي يدعو إليها الإسلام هي العولمة الإنسانية العادلة وليس عولمة السيطرة والقهر والهيمنة. فالإسلام بطبيعته دين عالمي في عقيدته ومبادئه، يجمع كل الأجناس تحت لوائه وتعاليمه، التي تُشعر الإنسان بوجوده الكريم، وتوفى بجميع مطالبه وحاجاته المادية والروحية.

الهوامش:

( 1) د. محمد إبراهيم منصور، العولمة والهوية الوطنية، في: العولمة وحوار الحضارات، صياغة عالم جديد، أعمال المؤتمر الدولي الأول للحضارات المعاصرة، مركز دراسة الحضارات المعاصرة، جامعة عين شمس، 2003. ص ص 283-284

(2 ) د. جلال أمين، العولمة، سلسلة اقرأ، العدد 636، دار المعارف، القاهرة، 1998. ص44

(3 )Coker, Christopher, Globalization and Terrorism, Paper prepared for seminar on “The Prospects for the Canadian Summit”, Sponsord by the Canadian Embassy in Tokyo, Japan, June 10, 2002. P.2

( 4) د. عبد العزيز بن عثمان التويجرى، مستقبل الحضارة الإسلامية في ظل العولمة، في: مستقبل الأمة الإسلامية، أبحاث ووقائع المؤتمر العام الخامس عشر للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، 2003.  ص ص 127-128

(5 ) السيد يسين، الإرهاب كظاهرة عالمية، جريدة الأهرام المصرية، عدد 21/4/2005

(6 )Maskliunaite,Ast Terrorism and Globalization: Recent Debates, http://venus.ci.uw.edu.pl/

(7 ) د. حسن بن فهد الهويمل، الثقافة وتحديات العولمة، في: العولمة وحوار الحضارات، مرجع سابق، ص ص 149-150

(8 ) رولند روبرتسن، رسم خارطة للوضع العالمي، العولمة كفكرة محورية، فى: مايك فيذرستون (محرراً)، ثقافة العولمة، القومية والعولمة والحداثة، ترجمة: عبد الوهاب علوب، المشروع القوم للترجمة، العدد 132، المجلس الأعلى للثقافة، طبعة خاصة بمكتبة الأسرة، 2005. ص20

( 9) جون جراى، الفجر الكاذب، أوهام الرأسمالية العالمية، ترجمة: أحمد فؤاد بلبع، المشروع القومي للترجمة، العدد 124، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2000. ص ص 81-83

Giddens,Anthony,Sociology, 3rd ed, Polity Press, Cambridge, 2000. P.727  ( 10)

(11 ) أنطونى جيدنز، بعيداً عن اليسار واليمين، مستقبل السياسات الراديكالية، ترجمة: شوقي جلال، سلسلة عالم المعرفة، العدد 286، الكويت، أكتوبر 2002. ص ص 11-12

(12 ) كمال توفيق حطاب، رؤية إسلامية نحو العولمة، مجلة إسلامية المعرفة، العدد 35. الموقع الإلكتروني للمجلة.

(13 ) السيد يسين، الحوار الحضاري في عصر العولمة، دار نهضة مصر للطباعة، طبعة خاصة بمكتبة الأسرة، 2005. ص ص 241-243

(* ) فرنسيس فوكوياما: مفكر أمريكي من أصل ياباني، أستاذ السياسة بجامعة جورج ماسون، ومستشار مؤسسة راند الأمريكية، عمل نائباً لمدير إدارة التخطيط فى وزارة التخطيط الأمريكية عام 1989، من أهم مؤلفاته (نهاية التاريخ وخاتم البشر) و(الاضطراب العظيم).

(14 ) المرجع السابق، ص 244

(15 ) إبراهيم نافع، انفجار سبتمبر بين العولمة والأمركة، مركز الأهرام للترجمة والنشر، القاهرة، 2002. ص ص 97-98

( 16) محمد عابد الجابري، العولمة والهوية الثقافية: عشر أطروحات، مجلة فكر ونقد، ص ص3-4 الموقع الإلكترونى للمجلة.    www.fikrwanakd.aljabriabed.net

(17 ) د. عبد الله العشى، ثقافة العولمة بوصفها خطاباً متطرفاً، بحث منشور على موقع وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف السعودية. ص 6   www.alminbar.al-islam.com

( 18) إبراهيم نافع، مرجع سابق، ص 239

( 19) د. جلال أمين، العولمة كمثال لصناعة الأفكار، رد على مقال جلال صادق العظم، مجلة وجهات نظر، العدد 11، ديسمبر 1999. ص78

( 20)السيد عقيل حسين المنور، مستقبل الحضارة الإسلامية في ظل العولمة، في: مستقبل الأمة الإسلامية، في: مستقبل الأمة الإسلامية، أبحاث ووقائع المؤتمر العام الخامس عشر للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، 2003. ص90

(21 )عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب، الإسلام والعولمة الرأسمالية، سلسلة دعوة الحق، العدد 203، رابطة العالم الإسلامي، أكتوبر 2003. ص4.

المصدر: موقع مسلم أون لاين

 
فرغلي هارون
تاريخ النشر:2010-10-07 الساعة 14:04:28
التعليقات:0
مرات القراءة: 11548
مرات الطباعة: 981
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan