الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » عروض و مراجعات

خارج السرب..التيارات النِسوية المتقابلة

أ. فاطمة حافظ

 

المؤلف: فهمي جدعان

الكتاب: خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية

الناشر: الشبكة العربية للأبحاث والنشر

المدينة: بيروت

سنة النشر: 2010

عدد الصفحات: 280

قد يبدو الحديث حول النسوية في أعين عامة المسلمين والإسلاميين أمراً مثيراً للضيق والضجر، لكن رغم الضيق تظل النسوية موضوعاً متصاعداً في العالم الإسلامي ويكتسب الجدل بشأنها مساحات أرحب كل يوم.على حين تبدو النسوية الغربية في حالة تراجع وتضاؤل حتى أنها تبدو الآن ظاهرة عادية بفعل تجذر مفاهيم الفردانية وخطاب الحقوق في بنية الحداثة الغربية.

في كتابه "خارج السرب" يطرق فهمي جدعان  الباحث الفلسطيني حقل الدراسات النسوية للمرة الأولى حين اختار ما أسماه (النسوية الإسلامية الرافضة) لتكون موضوعاً لبحثه، وهو يبين دواعي اختياره في أن النسوية الإسلامية باتت وجهًا من وجوه "الإسلام المعولم"؛ أي الإسلام المتمدد خارج أطره التاريخية بفعل موجات الهجرة الواسعة إلى الغرب والذي لم يعد العالم العربي بمعزل عما يموج به من أفكار واتجاهات فكرية في ظل التقارب الكوني والتكنولوجي الراهن، ويأمل جدعان أن يسهم كتابه في رفع الحواجز بين خصوصيات الثقافة العربية ومنتجات الحرية الصادمة، وأن ينبه على أن الرؤى السلفية المتعلقة بظاهر النص ستوسع في عصر الحرية الراهن من دائرة الهجوم والرفض والخروج عن الإسلام والتي لن يكون بمقدورنا مواجهتها بالتغافل أو بالفتاوى أو بإعمال قانون "الحسبة" .

بنية الكتاب ومنهجه

يقع الكتاب في مائتين وثمانين صفحة موزعة على مقدمة وستة فصول، في الفصل الأول يمهد جدعان لموضوعه بدراسة النسوية الإسلامية مع التركيز بوجه خاص على "النسوية الإسلامية التأويلية" -وهي تيار نسوي أكاديمي ينهض بإعادة قراءة النص القرآني المتعلق بالمرأة متوسلا بالمناهج الغربية وبخاصة الهرمنيوطيقا  واللسانيات- مستعرضاً بإيجاز مقولاته ورموزه وإنجازاته المعرفية. أما الفصول من الثاني إلى الخامس فقد خص كل منها بدراسة رمز من رموز (النسوية الرافضة) وهن بالترتيب تسليمة نسرين (بنجلاديش)، أيان حرسي علي (الصومال)، إرشاد منجي (أوغندا)، نجلاء كيليك (تركيا)، وقد اختتم بالفصل السادس الذي ضم خلاصات واستنتاجات حول المسألة النسوية.

أما ما يخص المنهج، فدراسة جدعان يمكن تصنيفها ضمن دراسات "الأنساق المعرفية المتقابلة" فهي تفترض أن هناك تياران أساسيان يقعان في دائرة النسوية الإسلامية هما تيار النسوية الرافضة، وتيار النسوية التأويلية المقابل له، وهو يعمد إلى استقصاء وتحليل نصوص هذين التيارين- وإن كان تركيزه بالضرورة على النسوية الرافضة- لافتا النظر أن الخطاب النسوي الرافض يحفل بعبارات ماسة وصادمة للمقدسات وللضمير الإسلامي ولكنه لن يستبعدها أثناء التحليل بل سيوردها كما هي لأنه يريد أن يمثل هذا التيار ورموزه تمثيلا حقيقيا، ولأننا نحيا في عصر لم يعد ثمة مجال لإغفال بعض الأفكار لأنها ضالة.  

وإذا كان هناك من وصف يمكن أن نصف به هذا العمل فهو "الدراسة النقدية" حيث مارس جدعان النقد العميق لأطروحات ومنهجيات وطرائق النسويات الرافضات وامتد نقده ليطال كذلك أطروحات التيار السلفي والتيار الإصلاحي المتعلقة بالمسألة النسوية، وفي المقابل لم يتردد في إعلان انحيازه إلى النسوية التأويلية معتبراً أنها وحدها التي ترقى إلى مرتبة منظور نسوي إسلامي وإنساني جدير بالزمن الراهن.

حول النسوية الإسلامية

خصَّص جدعان الفصل الأول للحديث عن النسوية الإسلامية، وقبيل أن يشرع في الحديث عن الأطياف النسوية أشار إلى أن المصطلح ينبغي أن يطلق ويستخدم بحذر لأنه "حمال أوجه" ويتمتع بالغموض إذ هو في المجال العربي الإسلامي  يمتد على محور متسع على يمينه تقع النسوية الإصلاحية وإلى يساره توجد النسوية الرافضة، وعند المنتصف تقع النسوية التأويلية. أما التيار السلفي فلا ينطبق عليه وصف نسوي بحال إذ لم تزل أدبياته تراوح مكانها في التعاطي مع قضية المرأة انطلاقا من "الأحكام الشرعية الماثلة في المجموع الفقهي الذي تغلب عليه سمات التقرير والتسويغ، والذي لا تعرض هذه الأدبيات لإجراء نظر نقدي في مفرداته، إذ قصارى ما تذهب إليه ترجيح رأي على رأي آخر في الفهم أو الوقوف عند ظاهر النص" .

 والتيار الإصلاحي لا يفضل التيار السلفي كثيراً إذ رغم أن أدبياته متواصلة منذ القرن التاسع عشر وأن رموزاً إصلاحية مهمة أسهمت فيها، فإن جدعان لا يخامره الشك في "أن ما ذهبت إليه الإصلاحية الإسلامية الحديثة والمعاصرة لا يدرك المعنى الدقيق للنسوية إذ هو لا يخرج عن فهم متفاوت الاستنارة للنصوص، ولا يحاول أبدا أن يخرق هذه النصوص أو يتجاوزها أو يعلقها أو يستبدل بها غيرها على سبيل الرفض والهجر أو تعديل الفهم"  وقصارى همه أن يسوغ أو يبرز أحكام الإسلام المشكلة على الضمير الغربي الحديث أو يجعلها قريبة منه وموافقة له وذلك انطلاقاً من المجموع الفقهي النسائي التقليدي وهو ما أطلق عليه اسم "الوظيفة التكيفية الإصلاحية". وتعليقاً على هذا الكلام نود أن نشير إلى أمرين، الأول: أنه يقيم تلازمًا أساسيًا بين خرق النص وتجاوزه وانتهاء برفضه وبين النسوية، الأمر الذي يثير التساؤل عن الفارق الجوهري بين النسوية الإسلامية (الإصلاحية والتأويلية) من جانب وبين النسوية الرافضة من جانب آخر إن كانت جميعا ستنتهي إلى رفض النص؟

والثاني: أنه لا يميز بين أدبيات تاريخية أنجزها إصلاحيون نهضويون وبين أدبيات معاصرة أنتجتها باحثات إسلاميات معاصرات برزن كناشطات منافحات عن حقوق المرأة، وهذا التمييز ضروري نظراً لامتداد هذا التيار تاريخياً والذي يعني بالضرورة تشكل تيارات عديدة بداخله يتعذر أن نصنفها في فئة واحدة، وأيضا لوجود اختلافات حقيقية في طبيعة الموضوعات المبحوثة وفي المقاربات حيث تذهب الناشطات إلى المدى الأبعد في نقد الموروثين الفقهي والتفسيري المتعلقين بالمرأة .

النسوية التأويلية.. المقولات والمنهج

وإذا كان جدعان قد مر مروراً عابراً على التيارين السلفي والإصلاحي فقد توقف طويلاً أمام النسوية التأويلية، متتبعاً تشكلها التاريخي الذي بدأت ملامحه تتضح في التسعينات من القرن الماضي وعبرت عنه منابر نسوية مثل مجلة زنان الإيرانية، إلا أن التيار أعلن عن نفسه رسمياً عام 2005 مع انعقاد مؤتمر برشلونة حول النسوية الإسلامية وتبلور بصورة أكثر وضوحاً في مؤتمر اليونسكو في العام التالي الذي تناول الموضوع نفسه.

يتألف التيار التأويلي من عدد من الباحثات الأكاديميات اللواتي يعشن في الغرب ولهن جذور إسلامية غير عربية وهؤلاء يحاولن إعادة النظر في الأسس التي أفضت إلى تدني أوضاع النساء المسلمات، ولأجل ذلك يقدمن قراءة جديدة للقرآن وللحقبة النبوية وما تلاها من تطورات. وما يميز هذا التيار الاعتراف بقداسة النص القرآني واتخاذه منطلقاً لإصلاح أوضاع النساء والتأسيس للمساواة الجندرية وحقوق النساء انطلاقاً من أرضية الإسلام، وفي المقابل لا يعد السنة الحديثية مصدراً مقدساً على اعتبار أنها تبدو متناقضة مع القرآن، وأن الأحاديث المتعلقة بالمرأة اختلفت من أجل تسويغ خضوع المرأة لمطلق الرجل وبخاصة الزوج.

والمنهج عند النسويات التأويليات هو العودة للقرآن وإعادة قراءته بهدف نقض "القراءة التقليدية الذكورية" التي تتقيد بالفهم الحرفي الظاهري للنص الديني دون اعتبار سياقاته التاريخية، وإنجاز قراءة جديدة غير جنسوية "إذ ليس القرآن من صخر وثمة قراءات له بعدد القراء"  حسب قول نيدي أندجار. ووفقا لهذه القراءة التأويلية التي يصح أن تؤدي إلى أي نتائج ودون أي تحديدات مسبقة "فإن مظاهر عدم المساواة في مسائل تعدد الزوجات والطلاق والإرث والشهادة تفقد كل مسوغاتها لأن هذه الحقوق التي استحوذ عليها الرجال لم تعط لهم من الله وإنما من قبل الفقهاء المسلمين في الأعصر الماضية ".

 وقد عززت الباحثات مناهجهن "النضالية" و"الاجتهادية" باستخدام المنهجيات الغربية الحديثة في اللسانيات، والانثروبولوجيا والاجتماع، وذلك يعني لدى جدعان "أن من حق هؤلاء النسوة المسلمات أن يعترف بهن عالمات وأن تؤخذ آراؤهن الاجتهادية في الحسبان والاعتبار من قبل الهيئات الدينية، حيث لم يحدث هذا الأمر أبداً من قبل".

النسويات التأويليات

ويتوقف فهمي جدعان أمام أربعة نماذج نسائية تمثل النسوية التأويلية وأضاف إليها (طارق رمضان) دون أن يوضح تحديداً دواعي اختياره، مكتفياً بالقول أنه أسهم في دفع النسوية الإسلامية حين اختار أن يستخدم المفهوم غير عابئ بالانتقادات الموجهة إليه إذ اعتبر أنها حركة من "داخل الإسلام" و"بالإسلام" فهي إسلامية بكل ما تحمله الكلمة من معان ودلالات، ويعترف جدعان بأن نسوية طارق رمضان تضرب بجذورها في الإصلاحية الإسلامية ولا تذهب بعيداً في قلب أنماط النظر السائدة لكنها تحمل دون شك وعوداً اجتهادية حقيقية في أن يتم استخدام هامش التأويل من أجل إقرار حقوق المرأة ورفع ظلم المؤسسات التاريخية الجائرة عنها.

يتعذر علينا من خلال هذه الدراسة الموجزة أن نطرح تفصيليا معالم المنهج عند النسوة الأربع اللواتي اعتبرهن جدعان ممثلات التيار التأويلي وهن فاطمة المرنيسي (المغربية) أمينة ودود (الأمريكية) أسماء برلاس ورفعت حسن (الباكستانيتين)، ولكننا سنكتفي بانتخاب المرنيسي وودود لأنهن من الوجوه التي أثير حولهما الكثير من الجدل الأيديولوجي الذي حجب أطروحاتهما المعرفية.

- فاطمة المرنيسي:

تعد فاطمة المرنيسي عالمة الاجتماع المغربية أول من أبرز نسوية إسلامية قائمة على التأويل حسبما يذهب جدعان، حيث يعود اهتمامها بالنسوية الإسلامية إلى كتابها الأول حول (الجنس والأيديولوجيا والإسلام) 1983، وإن جاءت أطروحتها الأساسية حول إقصاء النساء من المجال السياسي في (الحريم السياسي) 1987، و تتلخص في أن رسالة النبي قد شوهت تاريخياً على يد السلطة السياسية والفقهاء من أجل تعزيز "الأفضلية الذكورية" حيث تم لي عنق النصوص وتسخيرها لتأكيد هذه الأفضلية، ومن خلال منهجها التأويلي في العودة إلى القرآن، وقراءة أحداث السيرة في سياقها التاريخي، ومراجعة الأحاديث المتعلقة بالنساء. يظهر لها جليا أن النبي لم يكن قط معاديا للنساء ودحضا لتلك الصورة الشائهة تقوم برسم صورة متكاملة لما أسمته "النبي النسوي" الذي تعد حياته -صلوات الله عليه- تاريخ مدهش من الحب للإنسان والعالم، أما معاصروه فإنهم يتحملون وزر معاناة النساء وعلى رأسهم عمر بن الخطاب "الناطق الرسمي باسم المقاومة الذكورية لمطالب النساء"  الذي غير مسار "النسوية المحمدية" حين أبدى قسوة واضحة على النساء وحين فرض عليهن ارتداء الحجاب وحذا حذوه الفقهاء.

ورغم هذا الشطط الاصطلاحي بحق النبي الكريم والعنف اللفظي الكامن في عباراتها بحق عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فإن جدعان يعتبر أنها قراءة اجتهادية تجديدية وأن الفارق بينها وبين مواقف الإصلاحيين الإسلاميين أن هؤلاء يقاربون النصوص من حيث هي "متعالية" برغم إعمالهم منهج أسباب النزول، أما المرنيسي فإنها تقارب النص من حيث هو متجذر في واقع اجتماعي لا ينفك عنه. وهنا لابد أن نشير إلى أن تعالي النص مستمد من تعالي (صاحب النص) سبحانه وتعالى، ونزع صفة التعالي عن النص يمحو قداسته بالضرورة ويحوله إلى نص تاريخاني وضعي لا يختلف عن أي نص آخر. 

- أمينة ودود:

الممثل الثاني لتيار النسوية التأويلية أمينة ودود أستاذة الإلهيات الأمريكية التي تعد أبرز من دفع بإعادة القراءة والتأويل إلى أبعد مدى تم تحقيقه حتى اليوم، وهي تتمتع بجرأة منقطعة النظر في تطبيق رؤاها النسوية ويكفي أن نشير إلى حجم الصدمة التي أحدثتها حين قامت بإمامة صلاة مختلطة في عام 2005. تعرّف ودود نفسها بأنها مسلمة قبل أن تكون نسوية وهي تعتقد أن بإمكان المرأة المسلمة أن تؤسس لنسويتها من خلال القرآن الكريم وليس من خلال العلمانية، فالقرآن على وجه الخصوص لا يقيم أي تمييز أنطولوجي بين الرجل والمرأة فهو يحيل إلى "وظائف" مختلفة لكنه لا يقيم تراتبية بين الجنسين، فالمسلم "محايد جنسيا" بطبيعته. وأطروحة ودود الأساسية أن النص القرآني وحده هو المحدد الذي ينبغي الاحتكام إليه في شأن المسألة النسوية أما "أفعال" المسلمين فهي تقودنا حتما إلى أن الرجال والنساء ليسوا متساوين، وتأبى ودود أن تعتبر السنة النبوية مصدرا يمكن أن يؤسس للمساواة بين الجنسين متذرعة أن أحكامها ومادتها الحديثية لا تمكنها من ذلك وأنها ملئ بالمواقف المتعارضة التي تناقض القرآن.

تقرأ ودود القرآن من خلال منهجية واضحة تقوم على استبعاد كافة التفاسير التي أنتجها العقل الإسلامي طيلة قرون " إذ ليس ثمة شك [لديها] في أن بعض التفاسير تمثل خيارات ذاتية للمفسرين لا ما يقصد إليه النص بالضرورة"  وتردف أنه ليس هناك تفسير نهائي للقرآن، وأن التفاسير السابقة عبرت عن اللحظة التاريخية التي وجدت فيها، ومن ثم فإنها تسعى إلى إنجاز إلى "تفسير مساواتي" يوافق العصر الحديث ويقضي على السلطة الأبوية والتفوق الذكوي وينهي احتكار الرجال لتأويل النص الديني.

تقسم أمينة ودود التفاسير المتعلقة بالنص القرآني المتعلق بالمرأة إلى ثلاث تفاسير التفسير التقليدي وهو تفسير يقرأ النص حرفيا ويفهمه وفق ما هو ماثل في عقل المفسر، والتفسير الارتكاسي الذي يعبر عن ارتكاسات الفقهاء وارتدادتهم الفقهية فيما يخص المرأة وهي ارتكاسات أزالت الفاصل بين النص القرآني ونص المفسر، أما التفسير الثالث والأخير فهو التفسير الشمولي الكلي (holistic) الذي تتبعه وتقارب من خلاله النصوص مقاربة شمولية تغاير "المقاربة الذرية" أي مقاربة القرآن كل آية على حدة التي يعمد إليها أرباب المنهجين السابقين. ويستند التفسير الشمولي على ما تسميه (هرمنيوطيقيا التوحيد) الذي يدرس العلاقة بين المفردة القرآنية وبين الإطار الأخلاقي الشمولي للقرآن دون إغفال السياق التاريخي الذي نزل فيه الوحي وجاء فيه اللفظ.

ويفضي التأويل الهرمنيوطيقي لدى ودود إلى نتائج مغايرة لما ذهب إليه المفسرون وعلى سبيل المثال تعتقد ودود أن (الحور العين) ليسوا عذارى بيضاوات ذوات عيون سود وحجتها أن هذا وصف نسبي للجمال يوافق أهل الجزيرة العربية وقد لا يتفق عليه أهل الأرض الذين تتفاوت لديهم معايير الجمال، ولما كان القرآن بطبيعته مطلق ولا يمكن أن يقع في النسبية الثقافية فإن هذا التفسير لا يمكن أن يكون صحيحا، وبالتالي ترجح أن الحور العين لسن فتيات عذارى وإنما هم مخلوقات في الجنة لا تنتمي إلى صنف الرجال أو الإناث 

النسويات الروافض

يشغل الحديث عن النسوية الرافضة الحيز الأكبر من الكتاب، ومن خلاله يسعى فهمي جدعان إلى عرض مقولات هذا التيار ونقدها، ويتوسل إلى ذلك باختيار أربع نسويات ممثلات له ويعرض لمسار حياتهن وإنتاجهن الفكري، ولضيق المقام فإن لن نتمكن من أن نفرد حديثا لكل واحدة منهن وسنعمد إلى تقديم صورة كلية مجمعة وما يساعدنا في ذلك أن أطروحاتهن بها الكثير من التشابهات وأنها لم ترق إلى المستوى المعرفي الذي بلغته النسوية التأويلية وغلب عليها الطابع الأيديولوجي والعدائي للإسلام.

ظهرت الإرهاصات الأولى للتيار النسوي الرافض في التسعينات من القرن الفائت في كتابات نسرين تسليمة البنغلاديشية وكتابات أخرى، وإن كانت نقطة الميلاد الرسمي لهذا التيار -كما يحددها جدعان- قد حدثت في مارس 2006 مع بيان (الاثنى عشر) الذي وقعه سلمان رشدي وبعض النسويات اللواتي ينحدرن من أصول إسلامية غير عربية تعقيبًا على الحراك الإسلامي الذي تفجر غداة أزمة الرسوم الدنماركية وقد دعوا خلاله إلى رفض مبدأ النسبية الثقافية في الغرب، وتمكين الفكر الانتقادي من أن يمُارس في جميع القارات وفي وجه كل العقائد دون خوف من الرهاب الإسلامي (الإسلاموفوبيا).   

يتميز تيار (النسوية الرافضة) بعدد من السمات يمكن أن نجملها فيما يلي:

أولا: وقوعها خارج الأطر والمنظورات الإسلامية كافة وإعلانها التنكب عن الإيمان بأي دين، وهنا يجد جدعان لزاما عليه أن يفسر لنا بأي معنى هي نسوية إسلامية؛ فيذهب إلى أن إسلامية هذا الفريق لا تعني انطلاقه من الإسلام وإنما تعني أن مقولاته ذات علاقة بالإسلام وموجهة نحو الإسلام.

ثانيا: رفض مقولات تأويل الإسلام وإعادة قراءته بهدف إنجاز قراءة معاصرة له التي تتمسك بها النسوية التأويلية انطلاقًا من أنه لا يمكن عصرنة الإسلام بأي حال.

ثالثا: غيبة الوجوه الأكاديمية المرموقة والذي ترك أثرًا على تحليلاتها التي اتسمت بالاختزالية والردة والسطحية في الطرح ويكفي أن نشير إلى أن أيان حرسي تجعل من العذرية والبكارة علة التخلف لدى المسلمين، وأن إرشاد منجي تحاول أن تجعل من الآية الكريمة (فأتوا حرثكم أنى شئتم) دعامة تبني عليها سحاقيتها وتناقش من خلالها المثلية لدى المسلمين في برنامجها (تليفزيون شاذ).  

رابعا: ادعاءها الانتماء إلى تيار التنوير الغربي ورموزه مثل اسبينوزا وفوليتر، والواقع أنه ليس من المؤكد أن تقمص التنويريين يمكن أن يفضي إلى ذات النتائج التي أفضت إليها أقوالهما في حياة الغرب الحديث، فلكل عصر مقولاته وشخوصه وليس بالإمكان أن نسحب مقولات ورموز تاريخية إلى عصرنا الحالي وإلا نكون كمن يرتد عن الحاضر ويقبع في الماضي.

خامسا: يُشكل العنف اللفظي والتحلي بلغة متفجرة تحمل أكبر قدر من الإساءة إلى أقدس المقدسات لدى المسلمين ثابتا بنيويا في أعمال النسويات الرافضات، والراجح أنهن وجدن أن اللغة الناعمة لا تحدث أثر الصدمة المطلوب إحداثه في نفس "المؤمن المسلم" كما أنه لا يجلب لهن الشهرة والجوائز العالمية، وقد برزت أيان جرسي بوصفها أبعدهن استخداما للعنف، ويكفي أن نشير إلى أن صديقها المخرج الهولندي ثيو فان جوخ قد دفع حياته ثمنا لإخراجه فيلمها الذي أساءت فيه للذات الإلهية وللشعائر الإسلامية. 

حين يحلل فهمي جدعان هذا العنف المتفجر في بنية الخطاب النسوي الرافض يجد أن جميع النسوة عانين من صدمات الطفولة النفسية بأشكال مختلفة بلغت ذروتها لدى نجلاء كيليك التركية التي حطم والدها ذات مرة باب غرفتها ببلطة كانت بيده وضربها بقسوة، وأيان حرسي التي مرت بتجربة ختان قاسية تركت أثرا غائرا بداخلها. وهكذا يستنتج جدعان أن أطروحاتهن ليست صادرة عن "العقل المعرفي" الذي يعقل الأمور ويقيم علاقات موضوعية بالعالم والآخرين، وإنما هي صادرة عن "العقل الانفعالي" المسئول عن الانفعالات الوجدانية والذي قد يتعرض لأزمة ما فيصبح "شديد الحساسية" ويتولد عنه طغيان في الانفعالات وخلل في العلاقة بالعالم الخارجي.

وبعيدا عن مسألة التأزم الوجداني يجمل جدعان انتقاداته لهذا التيار في عدد من النقاط.

أولها أن أطروحاته غير مدققة وغير علمية لأنها تستند إلى الآراء السائدة العامية وتغفل عن التراث العلمي الاجتهادي الإسلامي الذي حفلت به الحضارة الإسلامية قديما وحديثا وثانيها أن ما يقدمه من خطابات اختزالية لا تتمثل دين الإسلام إلا بشكل حرفي ظاهري فلا ترى فيه إلا الشكل السلفي الوهابي فتحصر بذلك الإسلام في فهم وحيد وتجور عليه، على حين أن هناك فهوم منفتحة على التقدم والمساواة والحرية. وأخيرا أدى غياب الهاجس العلمي والاجتهادي بهؤلاء النسويات إلى الوقوع في فخ عدم التمييز بين الإسلام كدين وعقيدة وبين الثقافة الإسلامية، وكان من نتيجتها نسبة بعض الممارسات الثقافية إلى الدين ومهاجمته بسببها كالختان والزواج المبكر وإهانة الزوجات، ولقد كان التمييز حتميا لتدارك الخلط بين الواقع المعاشي وبين الواقع المعرفي.

تقييم ونقد

يعد كتاب جدعان واحدا من الكتب الرصينة التي عالجت المسألة النسوية بكثير من التعقل وعدم الانفعال، ويميزه ذلك النقد العميق لأطروحات التيار النسوي الرافض ولفته الانتباه إلى أن أطروحات النسوي الرافض لا تقل خطرا وبؤسا عن تأثيرات الرؤى والمواقف التقليدية السلفية بشأن المرأة، فكلاهما يحمل رؤية واحدية ومنظور إقصائي. ورغم هذا تظل هناك بعض الملاحظات على الكتاب ومنهجه تتلخص في توسع جدعان في نحت المصطلحات والتراكيب اللغوية واستخدامها وهذا يدل قطعا على مقدرة عالية على التوصيف والتكثيف لكنه قد أحدث بعض الإرباك لدى القارئ وبخاصة في حال تعذر إيجاد مرادف بديل ، من ناحية أخرى قام جدعان باستخدام بعض المفاهيم دون تعريف ويكفي أن نشير أن مفهومي "النسوية الإسلامية" و"الهرمنيوطيقا" وهما من المفاهيم المركزية في الدراسة لم يتم تعريفهما خلال البحث.

ويسترعي انتباهنا كذلك أن جدعان قد انتقد جنوح نسويات الرفض لاستخدام العنف اللفظي بحق الإسلام وثقافته لكنه غض الطرف عن عنف التأويليات هذا العنف الذي يتبدى في عبارات من قبيل "الاضطهاد الجنسي النصي" لأسماء برلاس، أو "الحضور السلطوي الأبوي البطريركي في القرآن" لأمينة ودود. من جهة أخرى كان الوقوع في فخ التعميم والإقصائية أحد الانتقادات التي وجهها جدعان إلى نسويات الرفض، وفيما نعتقد فإن التأويليات لسن أفضل حالا فقد مارسن الإقصائية الكاملة والتي تبدت بجلاء في اتخاذ موقف سلبي من كافة التفاسير وجميع المفسرين والفقهاء، وفي رفض مجمل السنة والأحاديث النبوية بحجة ذهابها مذهب مضاد للقرآن رغم أن العلمية تتطلب التمحيص وإقامة ضوابط دقيقة يتم بموجبها تقييم الصحيح من السقيم.

ورغم تلك الملاحظات يظل عمل جدعان عملا معرفيا راقيا، ونأمل أن يمهد الطريق أمام أعمال أخرى نسوية ينهض بها مفكرون عرب لتعزيز حقل المعرفة النسوية في العالم العربي الذي لا يزال في طور التشكل وبحاجة إلى مزيد من الجهود. 

المصدر: مسلم أون لاين

 
أ. فاطمة حافظ
تاريخ النشر:2010-10-13 الساعة 10:12:09
التعليقات:0
مرات القراءة: 5034
مرات الطباعة: 715
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan