الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » المشهد الثقافي » فنون وإعلام

الدراما العربية كالمستجير من الرمضاء بالنار

سهير علي أومري

 

كنت قد توقفت في مقال سابق مع الرسائل الخفية في المسلسلات الدرامية وبينت أنواعها ومدى خطورتها على أفراد المجتمع، وخاصة الأجيال الناشئة، ثم توقفت مع قضية هامة جداً وهي:

هل يتوجب على الدراما أن تبتعد عن تصوير أمراض المجتمع وأخطائه وما فيه من فواحش؟! أليست هذه الأمراض والأخطاء موجودة فعلاً في مجتمعاتنا؟ هل نغفل عنها ونتجاهلها فنكون كمن يدفن رأسه في الرمال؟! ألا يمكن للدراما أن تعالج هذه الأمراض والأدواء وتحدّ من انتشارها فتقدم للمجتمع خدمة جليلة وتكون محفِّزاً لنهضة نسعى إليها ونحلم بها؟!

لذا كان لا بد من وقفة أفرد لهذه المسألة مساحة وأفصّل القول فيها.

بسم الله أبدأ

إن أحداً لا ينكر ما للدراما من دور فعال في إصلاح النفس وتهذيبها وتوعية المجتمع وارتقائه، وذلك لأن الدراما إنما هي تصوير قصصي ممتع وشائق، وخاصة إذا كانت تلامس الواقع وتجسده بصدق وصراحة، فالأسلوب القصصي والمسرحي هو أحد أساليب التربية الفعالة، ولكن شأنه شأن أي علم وأية أداة نتائجه مرهونة بكيفية استخدامه، ويحضرني  عن الشيخ الشعراوي رحمه الله عندما سأله أحدهم فقال: هل في بيتك تلفاز يا شيخ؟ فأجابه: أجل في بيتي تلفاز وفي بيتي سكين أيضاً، تعجب السائل من هذا الكلام وسأل الشيخ عن معناه فقال له: التلفاز يا بني كالسكين تماماً إما أن تستخدمها لتقتل بها فتخسر وتأثم، أو تستخدمها في أغراض الطهي فتعين أهلك فتسعد وتؤجر....

إذن القصة المروية أو المقروءة أو حتى الممثَّلة كل منها أداة، نتائجها تتعلق بكيفية استخدامها ولقد حفل كتاب الله تعالى بقصص وحكايا إيجابية وسلبية كان الهدف منها تربية النفس وتقديم نماذج عديدة للاقتداء بها أو الاعتبار من أخطائها، ومن القصص السلبية مثلاً قصص الأمم البائدة التي عصت ربها وابتعدت عن نهجه، فقد صور لنا الله تعالى ما كانت عليه هذه الأمم من الأخلاق الفاسدة والأمراض الاجتماعية من خلال مشاهد متوالية وصور بيانية مختلفة.

ولكن السؤال الهام هنا:

بأي قالب تم تقديم هذه القصص وتلك المشاهد؟

هل كان العرض من وجهة نظر أولئك العاصين فكانت الصور تبين مشاعر لذتهم وشبقهم ورغبتهم التي كانت تذهب بعقولهم؟!

هل كانت المشاهد تفصل في تصوير لواعج نفس العاصي ونشوته عند ارتكاب المعصية؟

 أم كانت القصص تُعرض بقالبها المنفر الذي يصور بشاعة المعصية وعاقبة العاصين والمذنبين في الدنيا قبل الآخرة؟!!

وخير مثال على ذلك قصة امرأة العزيز عندما راودت فتاها يوسف عن نفسه كيف عبر عنها السياق القرآني؟

هل كان في كلام الله كلمات مثيرة أو وصف مثير؟

وقصة قوم لوط ألم يتعرض لها البيان الإلهي بكم هائل من مشاعر التنفير والاشمئزاز مستخدماً أسلوب التلميح لفعلهم القبيح دون عرض تفاصيل شبقهم وانحرافهم ولذتهم واستمتاعهم...

أمّا في دراما الأفلام والمسلسلات هذه الأيام فكيف هو حالها؟

إنها وبكل أسف ليست أكثر من نقل للفاحشة ـ التي نسمع عنها ونريد أن تتعافى مجتمعاتنا منهاـ إلى بيوتنا وتمثيلها بكل أبعادها أمام عيوننا جميعاً (كباراً وصغاراً)... هذا فيما يتعلق بتجسيد الفواحش على أنها أمراض أخلاقية واجتماعية، فما بالنا بالمستوى الأخلاقي المتدني الذي تؤسسه الدراما في المجتمع عندما تقدم السلوكيات العادية وتشير إلى أنها سلوكيات راقية على نحو لا يقل فحشاً ولا رذيلة من الأمراض الأخلاقية التي تدعي أنها تعالجها؛ ليكون حالها كمن يعالج الفحش بالفحش والرذيلة بالرذيلة!!! وعلى نحو صار مطلبنا بأن تعالج الدراما حال مجتمعاتنا وأمراضها الأخلاقية كالمستجير من الرمضاء بالنار.

وربما يقول قائل الآن إنّ تناول الفواحش في الدراما ولو في سياق التحذير أمر غير محمود يجب الابتعاد عنه، وهذا ما ذهب إليه أحد علماء الدين عندما استضافه أحد الإعلاميين في حوار ساخن مع أحد المخرجين الذين نشروا في سماء إعلامنا العربي غسيلنا الوسخ! فصوروا الفواحش بجرأة وصراحة وصلت إلى حد الوقاحة، مدافعاً عن ذلك؛ أن ما يفعله إنما هو للتحذير من هذه الأمراض ليبتعد الناس عنها، وكان هذا العالم يرى أن الفعل المنفي أسلوب خاطئ في التربية، فأداة النفي سرعان ما تزول من النفس ولا يبقى فيها إلا الفعل السلبي فقط، وأتى بمثال على ذلك أننا عندما ندعو إلى الصدق ليس علينا أن نقول للسامع: لا تكذب لأن (لا) النافية لن تثبت في نفس سامعها وسيترسخ لديه الفعل (تكذب) فقط.

ولكنني أقول: (مع احترامي لعلوم البرمجة اللغوية العصبية الحديثة) لا بالتأكيد إن لكل فعل منفي أو مثبت دوره اللغوي الذي لا ينوب عنه غيره لأن الفعل الذميم المسبوق بأداة نفي عندما يُذكر يولِّد في النفس شعور الاشمئزاز الذي يكون في كثير من الأحيان حافزاً مهماً للابتعاد عنه وعدم اقترابه، وهنا يكمن شرط تقديم المواضيع الجريئة وهو المحافظة على مضمون الفعل الذميم وما يوحيه من الاشمئزاز بل تفعيل هذا الاشمئزاز والتركيز على التنفير منه وإظهار عاقبته...

وبنظرة سريعة في كتاب الله تعالى نرى أنه سبحانه أمرنا في كثير من المواضع بالفعل الإيجابي كغض البصر وتحصين الفروج، كما نهانا عن الفعل الذميم، فطلب منا ألا نقرب الزنا فقال: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32)} وقال أيضاً: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69)} فالله تعالى استخدم الفعل المذموم مسبوقاً بأداة نفي ولكنه قدم لنا الفعل محافظاً على ما يتضمنه من معاني الاشمئزاز والعاقبة الوخيمة بل مركزاً عليها بقوله: (فاحشة وساء سبيلاً) وباستخدامه المفردات: (أثاماً، العذاب، مهاناً) بكل هذا كان التركيز على ما في الفعل من قبح وعاقبة وخيمة، وفي الوقت نفسه فالله تعالى لم يتعرض في سياق النهي إلى ما في هذا الفعل من لذة ونشوة وسعادة كما هو حال الدراما الجريئة اليوم.

ربما يقول قائل الآن وهل نحن نعيش وحدنا في هذه الأرض وهل جميع القائمون على العمل الإعلامي ملزمون بالتقيد بالمنهج الإلهي في الأمر والتكليف أليس من الممكن ألا يكونوا أصلاً غير مسلمين؟!

 وهنا أقول: إن الفواحش والرذيلة لا دين لها... فكل من له فطرة سليمة يستقبحها ويكرهها ويرفضها لمجتمعه وأهل بيته... فما الفرق بين قيام الفاحشة في المجتمع وانتشارها، وبين تمثيلها وتقديمها بكل أبعادها وتفاصيلها من لباس وعناق وفحش ومشاعر مثيرة وغيرها...!!

أليست ممارسة جديدة للفواحش ولكن بطريقة أخرى؟! ثم إننا نلهث دائماً وراء أساليب التربية القادمة من هنا وهناك فلماذا لا نأخذ بأصول التربية التي وضعها خالق النفس البشرية وموجدها؟!  وهل الدراما الغربية الموجهة للمجتمعات الغربية بقيمها ومبادئ حياتها تناسبنا لنحذو حذوها!!

ربما تكون المعادلة صعبة بلا شك ولكنها ممكنة، أن نوجد دراما عربية هادفة تعالج أمراض المجتمع وأخطاءه بأسلوب راق غير مبتذل، معتمدة أسلوب التلميح لا التصريح، مقدمة هذه الأخطاء بما فيها من قبح واستنكار، مسلطة الضوء على عاقبتها الوخيمة ونتائجها السيئة، معززة في المقابل الصور الإيجابية المشرقة مشجعة عليها مبيِّنة نتائجها الإيجابية...

 وأقول في الختام لمن يردد ويكرر أن الابتعاد عن الجرأة والصراحة في تقديم المشاكل الأخلاقية يجعلنا كمن يدفن رأسه في الرمال:

لربما كان دفن الرأس في الرمال أفضل ألف مرة من القاع العميق الذي تحفره الدراما لأمتنا وأجيالنا هذه الأيام...

المصدر: مسلم أون لاين

 
سهير علي أومري
تاريخ النشر:2010-10-21 الساعة 14:36:52
التعليقات:2
مرات القراءة: 3196
مرات الطباعة: 743
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
عنوان التعليق...

2010-10-27 | 11:59:03

إن متابعة التلفاز تسبب لي ألماً كبيراً , لما يعرض فيه وعندما أقول عن الأعمال التلفزيونية تافهة يقف بوجهي الكثيرون ويقولون إنك غير متابع وحكمك غير صحيح ولا يسعني غير السكوت , فبماذا أرد عليهم . - المسلسلات الهادفه يكون طرحها تافه - المسلسلات والإعلانات ا

طارق عودة

الدراما في الميزان

2010-10-23 | 18:58:53

ما ورد في مقال الأستاذة حول الدراما مهم ومهم جدا ويستحق المتابعة لأنها تناولت الموضوع من وجهة نظر صحيحة وواقعية ولمست من خلال ما كتبت الجانب الحساس في القضية وأود أن أضيف في نفس الإطار أن المسلسلات في مجملها لا تضع نهاية منطقية تغلب فيها قوة الخير على الش

توفيق

 

 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan