الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » تحقيقات

المدارس الإسلامية في حلب.. منارات علم على مر التاريخ (1)

عزيزة سبيني

 

نمرُّ سريعاً كي نعبر إلى المدينة القديمة نسير في أوردتها فهي لا تحمل دماء التاريخ فقط، إنها تحمل دفئاً لا يزال العالم يفتقر إليه لحظة بعد لحظة، تلك الدماء العاشقة التي تحمل ذلك التكوين المعماري المتنوع، وتحار من أين تبدأ..... من الدروب المعبدة بعرق مئات المفكرين والأدباء والشعراء والمتصوفين الذين مروا بالمدينة وعشقوا ترابها . أم من الأبواب والأبراج والخانات والبيوت التي حملت مشاعر وأحاسيس الدول المتعاقبة وتركت كل منها بصمات عمرانية خاصة بها. أم من الجوامع والكنائس التي استوعبت الحضارات جميعها في ردائها السمح المرن المعترف بالآخر . ستكون البداية من المدارس التي شهدت مجد الأمة وحضارتها، وتخرج منها عدد من العلماء والباحثين الذين ارتبط اسمهم بمدينة حلب وبعضهم كان الأول في ميدانه على مر التاريخ الإسلامي، فالفارابي كان الأول في الفلسفة والموسيقا، والمتنبي الأول في الشعر العربي دون منازع، وبن جني في خصائص اللغة، والخوارزمي، والفارسي، وابن خالوية في علم اللغة والكلام والمنطق والأدب والحكمة. فمتى تأسست المدارس الاسلامية؟ ومن دَرس ودًّرس فيها؟ وإلى أين وصل تأثيرها؟ هذه الأسئلة وغيرها سعينا للإجابة عليها من خلال تحقيقنا هذا:

نشأة المدارس الإسلامية

يرى بعض الدارسين للتاريخ العربي أن العرب لم يعرفوا ما سمي بالمدارس الإسلامية قبل القرن الرابع الهجري، لكنهم يؤكدون أن العرب عرفوا أساليب التدريس العلمي العالي، ومارسوه بوسائل مختلفة وأمكنة متعددة .

ويجمع المؤرخون أن نظام الملك هو أول من بنى مدرسة في الإسلام وكان ذلك في القرن الخامس الهجري، وقد ورد في كثير من كتب التراجم والتاريخ أسماء مدارس عديدة ظهرت قبل نظام الملك، أقدمها مدرسة الموصل التي بناها هشام بن عبد الملك، ومدرسة البصرة . ثم المدرسة التي بناها المأمون في خراسان أثناء ولايته عليها .

وتشير المصادر إلى ظهور المدارس في دمشق قبل "المدارس النظامية " كالمدرسة الصادرية، ودار القرآن الرشائية، وتزايد عدد المدارس في دمشق وحلب بدءاً من القرن الخامس الهجري، التي أسست لتدريس الثقافة الإسلامية الدينية وما يتصل بها، وازداد عددها خلال فترة حكم السلطانين نور الدين محمود بن زنكي، وصلاح الدين الأيوبي، الذين بذلا نشاطاً كبيراً في هذا الاتجاه، واستمر في هذا النشاط أولادهما وخاصة، في عهد السلطان الظاهر غازي في مدينة حلب، حيث كثرت المدارس لتعليم القرآن والحديث، وتدريس المذاهب الفقهية الأربعة والطب والهندسة، حتى بلغ عددها 44 مدرسة بعضها لم يعد موجوداً بفعل العوامل الطبيعية كالزلازل والكوارث التي أصابت مدينة حلب، وبعضها تقوم مديرية الأثار والمتاحف بالتعاون مع وزارة الأوقاف بترميمه لإعادة توظيفه بما يتناسب مع دوره الحضاري والإنساني، وهناك الكثير من المدارس التي تحولت إلى مساجد اقتصر دورها على ممارسة وظيفتها الدينية.

عمارة المدارس الإسلامية

اختلفت عمارة المدارس الإسلامية بعضها عن بعض بسبب عوامل عديدة أهمها درجة تأثرها بالحضارات القديمة السابقة للإسلام كالساسانية في العراق، والبيزنطية والهلنستية في سوريا، كما يعتبر المناخ من العوامل الهامة التي أثرت في فن عمارة المدارس فقد سادت الباحات المسقوفة في الأناضول وشمالي إيران بسبب البرد في حين استخدمت الباحة المكشوفة في المناطق المعتدلة. وقد لعبت مواد البناء دوراً كبيراً في البناء ففي الوقت الذي نجد فيه شيوع العمارة الطينية في العراق لعدم توفر الحجارة فيهما، نجد ازدهار العمارة بالحجارة في كل من مصر وسوريا. كما كان للحكام تأثير واضح في العمارة فمصر في الأيام الطولونية تأثرت تأثراً واضحاً بالعمارة العراقية لأن أحمد بن طولون الحاكم كان ذا أصل عراقي. وهناك عوامل أخرى ساهمت في اختلاف عمارة المدارس من فترة زمنية لأخرى فهناك في سوريا العمارة الأموية، والعباسية والأيوبية. كما اختلفت من بلد إلى آخر فالعمارة في مصر تختلف عن معاصرتها في سوريا حتى أنها تختلف في حلب عنها في دمشق .

نشأة المدارس في مدينة حلب

عاش في مدينة حلب أيام سيف الدولة الحمداني عدد من أساطين الشعراء ونوابغ العلماء، ويذكر الصنوبري في ديوان شعره أن سارية خضراء وجدت في المسجد الأموي كانت تعقد حولها حلقة الآداب، كما كان يدرس في الجامع المذهبان الحنفي والشافعي، قبل بناء المدارس، وتشير المصادر أن الأمير الفاطمي فخر الملك أنشأ في مدينة حلب داراً للعلم سميت بدار الدعوة التي أقيمت على أنقاضها المدرسة الزجاجية التي أنشأها بدر الدولة بتوجيه من شرف الدين بن العجمي لكن إنشاء المدارس توقف بعدها، بسبب حالة عدم الاستقرار التي سادت البلاد بسبب الحروب الصليبية، إلى أن جاء الزنكيون إلى سدة الحكم في حلب ( 521هـ/1123م)، وأول حكامهم عماد الدين الزنكي الذي يعود إليه بناء المدرسة ( الغوثية) سنة (536هـ/1141م) وبعد وفاته خلفه ابنه نور الدين الذي جدد أسوار حلب وقلعتها فأمن حمايتها من الخطر الخارجي، ووحد مذهبها (المذهب السني)، وأنشأ المدارس في سبيل ذلك، وأوقف لها أوقافاً كثيرة .

مدارس العهد الزنكي

سارع نور الدين الزنكي في إنشاء المدارس، لتخريج فقهاء سنة، لتقليدهم مناصب الدولة في القضاء والإمامة والتدريس وغير ذلك، فبنى إيواناً وغرفاً للطلاب في مسجد (السراجين) وحوّله إلى مدرسة سنية سميت بالحلوية، كما حوًّل مسجد (الغضائري) إلى مدرسة وعين فيها الفقيه شعيب الأندلسي فسميت بالشعيبية نسبة له، يضاف إليها المدارس التي بناها أمراؤه . وبالعودة إلى كتب التراجم يتبين أن هناك(13) مدرسة تعود إلى العهد الزنكي، يضاف إليها المدرسة الطومانية التي بناها حسام الدين طومان، أحد أمراء نور الدين. بعض هذه المدارس اندثر مع الأيام، وبعضها لا يزال باقياً حتى الآن . وأثناء زيارتنا إلى مدينة حلب كان لابد من زيارة بعض ما تبقى منها، وكانت محطتنا الأولى في المدرسة الحلوية حيث تقوم مديرية الآثار والمتاحف بالتعاون مع وزارة الأوقاف بعمليات الترميم المناسبة، وتسنى لنا اللقاء مع الشيخ عبد الرحمن حلاق الذي قدم لنا شرحاً وافياً عن المدرسة وتاريخ بناءها:

المدرسة الحلوية

 

 

 

تقع المدرسة الحلوية أمام المدخل الغربي للجامع الكبير في سوق المساميرية (الحدادين) الذي سمي قبل ذلك بسوق الحلاوين، ويسمى حالياً "جادة ابن الخشاب"، بنيت على أنقاض معبد وثني، عُرف فيما بعد بكاتدرائية حلب العظمى التي شيدت في القرن الخامس الميلادي، وجدت أيام جوسنتيان بعد أن هدمها الإمبراطور كوسروس في سنة (540م).

وعندما حاصر الفرنج حلب سنة (518هـ/1024م) وارتكبوا فيها جرائم رهيبة، أمر القاضي ابن الخشاب بتحويل أربع كنائس في مدينة حلب إلى مساجد، كانت الكاتدرائية العظمى إحداها، فأصبحت تعرف بمسجد السراجين، واستمرت على ذلك لحين تسلم نور الدين الزنكي الحكم فبنى فيه إيواناً، وغرفاً للطلاب وحوّله إلى مدرسة أوقف عليها أوقافاً كثيرة،وسميت بالمدرسة الحلوية لأن نور الدين الزنكي كان يضع أمام بابها جرن يملؤه بالحلوى والقطايف فيأكل منه التلاميذ والعابرين، وكان انتهاء عمارتها سنة ( 543هـ/1148م)، كما هو مدون على بابها.

 تدخل إلى المدرسة عبر البوابة الخارجية على شكل إيوان صغير يتجه نحو الشرق وبعد عبور ثلاث درجات، تبرز أولاها عن الواجهة الخارجية هي مزيج من الحجارة السوداء والصفراء، لتلج من الدهليز إلى صحن مربع الشكل تقريباً تتوسطه بركة مبنية من حجارة مختلفة الطول ترسم أشكالاً زخرفية يتناوب فيها اللونين الأسود والأصفر.

أما القبلية فهي مكونة من صالة مربعة تحيط بها من جهاتها الثلاث الغربية والشمالية والجنوبية ثلاث أواوين قليلة العمق، أما الرواق فيطل على الباحة بأربعة أقواس ترتكز على ثلاث دعامات ويضمُّ جداره الجنوبي محراباً خشبياً مزخرف بأشكال نجمية هو الوحيد في العالم الإسلامي صنع في عهد نور الدين الزنكي، كان من المفترض أن ينقل إلى المسجد الأقصى لكن الحروب الصليبية حالت دون ذلك وهو من صنع أبي الحسن الحراني (643هـ/1245م) .

حافظت المدرسة على دورها في تعليم الفقه الحنفي حتى أيام العثمانيين وتعاظم دورها أيام الشيخ الجليل (عبد الوهاب ابن الشيخ مصطفى طلس) خلال فترة حكم السلطان عبد الحميد الذي أهداه شعرة الرسول صلى الله عليه وسلم فبنى لها حجرة صغيرة أتحف بها المدرسة الحلوية، وأثناء الحروب الصليبية نقلت الشعرة الطاهرة إلى الجامع الكبير. وحسب رواية الشيخ حلاق، أنها موجودة في مقام النبي زكريا عليه السلام. درس فيها الكثير من علماء وفقهاء حلب أمثال ابن الشحنة وابن العديم .

المدرسة الشعيبية

تقع المدرسة الشعيبية في محلة العقبة، قبالة باب انطاكية عند التقاء جادة حمام (بزدار مع سوق الصباغين)، وهي أول مسجد أنشئ بعد الفتح الإسلامي لمدينة حلب عام /17هـ/ فلما فتحوها ودخلوا إليها من باب أنطاكية وقفوا في الموضع الحالي للمسجد وحفوا حوله بالأتراس ثم بنوه مسجداً، ومن هنا تأتي تسميته بمسجد الأتراس ولما تولى نور الدين الزنكي حوله إلى مدرسة عام 545هـ/1150م. كما سمي بالمسجد العمري نظراً لبنائه في زمن الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كما عرف بمسجد الغضائري نسبة إلى أبي الحسن علي بن عبد الحميد الغضائري (313هـ).

وعُرفَ أخيراً بمسجد شعيب نسبة إلى شعيب بن أبي الحسين ابن أحمد الأندلسي الذي كان فقيهاً وزاهداً فحول له نور الدين الزنكي المسجد إلى مدرسة حين قدومه إلى حلب ووقف عليها وقفاً وعينه فيها مدرساً على المذهب الشافعي حتى توفي في طريق الحجاز سنة 596هـ .

يتكون المدخل الرئيسي من باب ينفتح على الشارع، يليه دهليز يتصدره باب يعلوه قوس مستقيم مزرر، يعلوه قوس عاتق مزرر مصمت يحمل اسم مهندس البناء ( سعيد المقدسي بن عبد الله). وفي الجدار الجنوبي من الدهليز باب يؤدي إلى غرفة صغيرة . والمدخل مسقوف بقبو متقاطع له مفتاح على شكل نجمة مثمنة، أما الصحن فهو صغير مستطيل مبلط بحجارة صفراء. وتقسم القبلة بواسطة عقد ثلاثي إلى مجازين، قسم كل منهما إلى ثلاث بلاطات مربعة الشكل. وهذا هو المخطط التقليدي لقبليات الجوامع ويطل على الصحن رواق بقوسين. ويرتفع عنه في طرفيه بدرجتين، وفي الجدار الجنوبي للرواق عقد معلق مصمت ثلاثي يرتكز على أربعة أظفار يتكون كل منها من ثلاث طبقات. ويضمُّ القوس الأوسط محراباً جميلاً قليل الارتفاع له قبة مقرنصة بمتدليات وفوقه صف من المقرنصات تضم زخارف بأشكال مختلفة وغربي الرواق موضأ يفصل بينهما جدار سميك، ويسقفه قبو متقاطع، وأهم ما يميز المدرسة مئذنتها التي تقع فوق دهليز المدخل، وهي مربعة الشكل قصيرة، فوقها شرفة مربعة مسقوفة بسقف خشبي ويحيط بها سياج خشبي وتتميز بدرج خارجي في حين أن أغلب المآذن يتم الصعود إليها عبر درج يقع ضمن بدنها .

المدرسة الأسدية

انتقلت بصحبة المصور نوح حمامي مرافقي في جولتي الحلبية من باب أنطاكية إلى باب قنسرين حيث تقع المدرسة الأسدية التي بناها أسد الدين شيركوه (ت 564هـ/1168م) ورممت خلال العهد العثماني سنة (1316هـ/1898).

وتمَّ تأريخ ذلك على الواجهة الشمالية، وإلى تلك الفترة يعود الإيوان الحالي. وفي عام 1998م خضعت إلى عملية ترميم واسعة قامت بها مديرية المدينة القديمة، مدخلها يؤدي إلى ممر مكشوف، وبدوره يؤدي إلى صحن يحده شمالاً ثلاث غرف للمجاورين والحاصل. وشرقاً قاعتان وجنوباً ثلاث غرف للمجاورين وإيوان، وغرباً القبلية .

يتكون المدخل من باب صغير منخفض فوقه طبقة خشبية يليه ممر مكشوف يضم بضع درجات يفصل بينها استراحات. ويضم الصحن حوض أشجار مثمرة خلفه بئر تليه بركة كبيرة لها نافورة في وسطها ومحاطة من ثلاث جهات بحوض زرع، وسياجها من الحجارة الكبيرة.

أما القبلية فتفتح على الصحن بباب وثلاث نوافذ ترتفع قليلاً عن مستوى المسطبة التي تتقدمها. وتتكون من ثلاثة أقسام غير متساوية، تفصل بينها أقواس ضخمة مدببة، القسم الأوسط أكبرها وهو مربع الشكل، يضم محراباً بسيطاً له ظفرين على شكل مروحة ويحيط به زخارف هندسية على شكل مثلثات متناوبة وتتميز هذه المدرسة بصغر مساحة الإيوان، بالنسبة لمساحة القائمة ويبلغ عدد غرف المجاورين ست غرف مسقوفة بقبو متقاطع وفي الجهة الغربية من القبلية يقع المدفن ويفصله عنها قوس مجزوء منبطح، وهو مؤلف من جزأين سقف كل منهما بقبو متطاول وسقف ما بينهما بسقف مستو من جذوع الشجر. وللمدرسة واجهة خارجية تتكون من باب متواضع قليل الارتفاع يعلوه قوس مجزوء كتب على مفتاحه اسم المدرسة، بالإضافة إلى ثلاث واجهات داخلية ( شرقية، جنوبية، شمالية).

انتهت جولتنا في اليوم الأول بزيارة هذه المدارس التي تعود بتاريخها إلى العصر الزنكي والملاحظ أن هذه المدارس أنشئت داخل الأسوار في القطاع الجنوبي الغربي من المدينة القديمة، وتتشابه جميعها في اعتمادها الشكل المنغلق عن الخارج، والمفتوح نحو الصحن في الداخل شأن باقي الأبنية في حلب القديمة، و ضمّت غالباً عناصر المدرسة المعمارية الأساسية المتمثلة في : القبلية – الصحن – الإيوان – غرف المجاورين – قاعة درس – المدفن ، والرواق والمدخل .

مدارس العصر الأيوبي

في صباح اليوم الثاني كانت جولتنا على المدارس التي أنشئت في العصر الأيوبي، وكان ابن شداد قد ذكر في كتابه (الأعلاق) مدارس مدينة حلب التي بلغ عددها (44) مدرسة، وكان التدريس توقف في معظمها مع نهاية العهد الأيوبي، واجتياح هولاكو لمدينة حلب سنة (658هـ/1259م). ثلاث عشرة مدرسة منها وجدت في العصر الزنكي والسلجوقي، فيكون بذلك عدد المدارس التي بنيت في العصر الأيوبي أكثر من (30) مدرسة درست فيها مختلف العلوم، وكما هو حال المدارس الزنكية فقد اندثر عدد كبير منها، ولم يبق سوى (12) مدرسة أهمها ما سنمر عليه في جولتنا:

المدرسة الشاذبختيه أو جامع الشيخ معروف

تقع المدرسة الشاذبختية إلى الغرب من قلعة حلب في حي الجلوم وسط السوق المعروف بسوق الزرب، أنشأها الأمير جمال الدين شاذبخت نائب السلطان نور الدين محمود الزنكي في حلب، وقد تمَّ بناؤها عام 1193م. تولى التدريس فيها مؤرخ حلب كمال الدين ابن العديم الذي توفي عام 1261م، لذلك عرفت أيضاً، بالمدرسة العديمية، أما في أيامنا هذه فتشتهر بـ (جامع الشيخ معروف) وذلك لوجود ضريح الشيخ معروف بن جمر في الزاوية الشمالية الشرقية منها، وهو أحد المجاهدين ضد الصليبيين .

 يتألف مدخل المدرسة الجامع من بوابة أمامية ينزل إليها بدرجات، يليها دهليز يبدأ بالباب، يليه أربع درجات ثم باب. على يمين الداخل فتحة، يعلوها نجفة مكونة من قطعة حجرية واحدة سوداء كبيرة، تؤدي إلى فسحة سماوية صغيرة. البوابة الخارجية مسقوفة بنصف قبة نصف كروية مفصصة تستند على مقرنصات.

أما الدهليز فمسقوف بقبة منخفضة مسنودة على رقبة قليلة الارتفاع مضلعة. وتبدو الباحة الأساسية مستطيلة الشكل خالية من أي حوض للماء ومبلطة بحجارة صفراء، أما الباحة الثانوية فتضم حوضاً حديثاً مثمناً للماء صغيراً وأحواضاً نباتية عديدة، و تنقسم القبلية بواسطة قوسين مدببين إلى ثلاثة مجازات أوسطها يضم محراباً تتداخل فيه دوائر الرخام المتعدد الألوان، وهو أول محراب بهذا النموذج في مدارس حلب مسقوف بقبة حجرية منخفضة تستند على قاعدة مثمنة، وتضم نافذة في الجهة الجنوبية يعتقد أنها مزولة. هذه القبة مردوم ظاهرها وغير بادية للعيان، وهناك مشروع لكشفها ضمن عمليات الترميم.

ندخل إلى الإيوان فنجده كبيراً، رغم اقتطاع جزء منه، وعلى طرفيه خزن جدارية يعلوها قوس مستقيم، فوقه قوس مثلثي عاتق. وهو مسقوف بقبو متطاول ينفتح على الباحة بقوس كبير مدبب وينتهي بالداخل بنصف قبو مربع. وهو مبني من الحجارة المنحوتة جيداً. وعلى يمين القبلية تقع غرفة الأساتذة، تستعمل حالياً غرفة للشيخ، ولم تخل أي من المدارس من المدفن، وهو في الشاذبختيه يرتفع عن الباحة بثلاث درجات ويضم ضريح الشيخ معروف ويحتوي على ثلاث خزن جدارية في جدارها الشرقي تحف حربية وهدايا تذكارية من مشايخ المدرسة.

للمدرسة واجهتان خارجيتان واجهة المدخل الذي يعلوه نقشاً يؤرخها وأسفلها نقيشة دائرية تذكر اسم مهندسها (قاسم بن سعيد)، وواجهة المدفن، وثلاث واجهات داخلية (شمالية، جنوبية، شرقية) تعكس زخرفتها مميزات العمارة الأيوبية. وحسب رواية المؤرخ (أحمد أفلاقي) بأن العلامة جلال الدين الرومي وبعد وفاة والده،قد أوصاه الشيخ سيد برهان، وهو أحد طلبة والد العلامة جلال الدين الرومي، بأن يأتي إلى سورية ويتعلم الفقه وأصول التفسير على يد كمال الدين بن علاء الدين، وأمضى في هذه المدرسة عامان.

المدرسة الظاهرية

إلى خارج باب المقام كانت وجهتنا الثانية حيث تقع المدرسة الظاهرية في الجنوب الشرقي من محلة المقامات أنشأها السلطان الملك الظاهر غازي، وانتهت عمارتها سنة (610هـ/1213م)، وأنشأ إلى جانبها تربة.

وقد صمدت المدرسة أمام عوادي الزمان إلى أن تداعت أوائل القرن العشرين. وفي عام(1980م) شرعت مديرية المتاحف والآثار بترميمها، والمدرسة الظاهرية هي أول مدرسة يتحول فيها دهليز المدخل إلى بوابة على شكل إيوان، كما أنها أول مدرسة تسقف فيها القبلية بثلاث قباب، وأول مدرسة بثلاثة أواوين ورواقين، وفيها ظهرت أول عقود وحنايا ركنية.

 تتألف من طابقين: أرضي وأول. يتكون الطابق الأرضي من مدخل يليه رواق يؤدي إلى صحن مستطيل الشكل يضم حوضاً للماء يحده شمالاً رواق، خلفه إيوان. المدخل في الوسط وعلى طرفيه إيوانان صغيران وفي الزاوية الشمالية والغربية غرفتان ودرج يؤدي إلى الطابق الأول والسطح. ويحده شرقاً الإيوان، وجنوباً قبلية يتقدمها رواق، تتصل مع المدفن شرقاً ومع قاعة كبيرة غرباً.

أما الطابق الأول فيقع فوق غرف المجاورين، ويتكون في غربيه من صفين من الغرف الصغيرة تنفتح على ممر وسطي ذي فتحات علوية مضلعة مثمنة. أما القسم الشرقي منه فينقسم بواسطة الإيوان إلى قسمين في كل منهما درج يؤدي إلى غرف للمجاورين.

تلج إلى المدرسة عبر المدخل وسط الواجهة الشمالية، ويتكون من بوابتين أمامية وخلفية، الأمامية: إيوان صغير يسقفه نصف قبة نصف كروية مفصصة محمولة على مقرنصات، والخلفية: إيوان صغير أيضاً، يسقفه قبو متطاول مدبب. أما الصحن فيتألف من فسحة سماوية مستطيلة مبلطة بالرخام الأصفر والأسود أشكال هندسية جميلة، فيه بركة مستطيلة الشكل مفصصة الزوايا بنيت بحجارة كبيرة، كما أن القبلية مستطيلة الشكل، تنقسم بواسطة قوسين مدببين إلى ثلاث مجازات مربعة، ويمتاز محرابها بواجهته المدببة المبنية من الحجر الأصفر المصقول، وله حنية عميقة مكسوة بالرخام الأبيض، وعلى طرفيه لوحة من الحجر الأصفر المزدانة بالنقوش الهندسية النجمية.

أما الإيوان فهو كبير يقع في وسط الواجهة الغربية، بالإضافة إلى إيوانين صغيرين على طرفي المدخل، والجميع مسقوف بقبو متطاول، وتشمل المدرسة على رواقين، أحدهما أمام القبلية وهو الأعرض، وعند الدخول إلى القاعة نجدها وقد قسمت إلى ثلاث مجازات بواسطة قوسين مدببين، الجنوبي فيه ضريح لمجهول، والأوسط فيه باب القاعة مفتوح على الرواق، والثالث فيه نافذتان على الصحن، تسقف القاعة ثلاث قباب تحملها مقرنصات يعلوها شريط زخرفي هندسي من القرميد لا نجد له مثيلاً في قباب حلب.

ولم يبق من الأقسام الرئيسة في المدرسة إلا غرف المجاورين والمدفن . أما غرف المجاورين فهي كبيرة نسبياً في الطابق الأرضي وصغيرة في الطابق الأول فيها خزنة جدارية، والمدفن عبارة عن غرفة مربعة الشكل تقريباً، تسقفها قبة قرميدية محمولة على ثمانية عقود، وفوق هذه العقود في الجهة الغربية فتحتان للإنارة  

أما واجهات المدرسة فهناك الواجهة الرئيسة، و تشمل المدخل والواجهات الداخلية وهي أربع واجهات تتجه نحو الجهات الأربعة. وتمتاز المدرسة الظاهرية بأنها أول مدرسة تظهر فيها القبلة المسقوفة بثلاث قباب والقاعة الكبيرة المسقوفة بثلاث قباب و أكثر من رواق وأكثر من إيوان و رواق أمام الإيوان وتحول دهليز المدخل إلى بوابة على شكل إيوان، وبذلك تكون عمارتها قد شكلت قفزة كبيرة في عمارة المدارس الإسلامية.

المدرسة السلطانية

محطتنا الثالثة في المدارس الأيوبية كانت في المدرسة السلطانية التي تقع أمام المدخل الرئيس لقلعة حلب حيث التقينا الشيخ أحمد البيك إمام جامع السلطانية الذي رافقنا وقدم لنا المعلومات التاريخية عن كل ركن في المدرسة، فأشار بداية إلى مؤسس وباني المدرسة وهو الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين الأيوبي لكنه توفي قبل أن يتم بناءها وكان ذلك في العام 1216م فأكمل بناءها شهاب الدين طفريل عام 1223م، أيام الملك العزيز محمد بن الملك الظاهر، وكانت تدرس فيها علوم المذهبين الشافعي والحنفي.

تعرضت المدرسة لكوارث الطبيعة والرمي بالمنجنيق أثناء الحروب، وظلت خراباً إلى أن رممها والي حلب جميل باشا عام 1884م، وفي عام 1979م أنشأت مديرية الأوقاف فيها الصالة الكبيرة إلى الشرق من الصحن مكان غرف الطلبة المهدمة. كما أنشأت غرفاً علوية في الجهة الشمالية الشرقية .

يتكون مدخلها من بوابتين بينهما باب، الأمامية مستطيلة، والخلفية إيوان صغير مستطيل. يسقفه قبو متطاول مدبب. ونجد الصحن مربع الشكل، مرصوف بالحجارة الصفراء، قسم إلى قسمين، صغير أمام المدخل، وكبير أمام القبلة في وسطه أحواض نباتية، وفي غربيه حوض زرع كبير، وفيه بقايا تيجان وقواعد أعمدة بازلتية. أما القبلية فهي مستطيلة الشكل يقسمها قوسين مدببين و(4) ركائز إلى ثلاث مجازات يضمُّ الأوسط منها المحراب، ومنبر خشبي متنقل. والمحراب مكون من (13) حجرة من الرخام الملون، مسقطه نصف دائرة متجاوزة، وله ناصيتان مجوفتان في كل منهما عمود كورنثي من الرخام الأزرق، ويتقدمه قوس مدبب، وقد زخرفت واجهته بأشكال هندسية ملونة ومتشابكة وقد أشار الشيخ البيك إلى أن أحجار المحراب استقدمت من بلدان عديدة الأصفر حلبي من منطقة بعيدين، والأخضر من غور الأردن، والأبيض من تركيا، والأسود من الأناضول، والزهري من الهند والباكستان.

وتتصل قاعة التدريس بالقبلية عبر باب، يرتفع درجة عن سطحها، وفيها موضأ أمام الجدار الشمالي منها. بينما لم يتبق من غرف المجاورين سوى (5) غرف على طرفي الباب تسقفها أقبية متطاولة. ويبدو المدفن ذو مسقط أفقي متعامد، يحد القسم الأوسط منه (4) أقواس مدببة ترتكز على دعائم كبيرة. وفي الجدار الشمالي باب يؤدي إلى الدهليز الفاصل بين المدفن والقاعة. وخلف الركيزة الجنوبية الغربية هناك بابان أحدهما لخزانة والثاني لسرداب يؤدي كما أشار الشيخ البيك إلى القلعة. ويضم المدفن أربعة قبور أحدها قبر الملك الظاهر غازي. بالإضافة إلى ضريح أمام النافذة الشرقية يضم رفات الشيخ محمد الشامي (ت 1980م). الذي أشرف على ترميم المدرسة وبناء القسم الشرقي والطابق الأول منها.

وتتميز المدرسة بالمئذنة المثمنة الشكل التي تقوم فوق قاعدة مكعبة مبنية من الحجارة الصغيرة والانتقال من المربع إلى المثمن يتم بواسطة كتلة نصف هرمية في كل زاوية من زوايا القاعدة المربعة. وتنتهي في الأعلى بصفين تتناوب فيهما المثلثات الكروية البسيطة.

للمدرسة واجهات داخلية وخارجية بعدد الجهات الأربع. وحسب المصادر فإن ابن مالك صاحب الألفية كان قد دَرس ودَّرس فيها.

المصدر: مسلم أون لاين

 
عزيزة سبيني
تاريخ النشر:2010-10-21 الساعة 14:47:59
التعليقات:0
مرات القراءة: 8642
مرات الطباعة: 2106
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 

 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan