الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » الإسلام و الغرب » الاستشراق

أضواء على المنهج الاستشراقي في السـيرة النبويـة

سعيد المرصفي

 

من المعلوم أن انعدام عنصر من عناصر الاستجابة للحادثة أو ضعفه، لابد أن يقابله نقص في القدرة على النظر إلى الحادثة من شتّى جوانبها، وضياع عنصر من عناصر التقويم والحكم أمر لا يؤمن معه سلامة الحكم، أو على الأقل لا يسلم على علاته!

وهذا النقص يعد عيباً في منهج العمل ذاته، وليس مجرد خطأ جزئي في تفسير حادثة أو تصوير حالة!.

ومن ثم فالمنهج التبشيري الاستشراقي في البحث في السيرة النبويّـة يسبب تعطيل أحد عناصر الاستجابة، سواء كان ناشئاً عن الطبيعة الغربيّـة ذاتها، وملابسات حياتها البيئيّـة والتاريخيّـة، أو كان ناشئاً عن تعمد المؤرخ تعطيل عنصر ما، استجابة لمنهج معيّـن في الدراسة!

هذا المنهج غير صالح لتناول الحياة الإسلاميّـة، ويتجلّى عدم الصلاحية أوضح وأقوى في جانب الدراسات التي تتعلّق بالرسالة والرسول -صلى الله عليه وسلم-!

وثمة سبب معيب في قيمة الدراسات التاريخيّـة عند هؤلاء للحياة الإسلاميّـة!

ذلك أنه لا يخفى أن كل مرئي يختلف شكله باختلاف زاوية الرؤية، وكذلك الشأن في الأحداث والوقائع!

والأوروبي بطبيعة الحال ميال إلى اعتبار أوروبا هي محور العالم، فهي نقطة الرصيد في نظره، ومن هذه الزاوية ينظر إلى الحياة والناس والأحداث!

وإذا كان طبيعيّـاً أن أوروبا لم تكن هي محور العالم في كل عصور التاريخ، والأوروبي لا يملك اليوم أن يتخلّص من وهم وضعها الحاضر حين ينظر إلى الماضي..أدركنا مدى انحراف الزاوية التي ينظر بها الأوروبي للحياة الإسلاميّـة، وبخاصة السيرة النبويّـة، ومدى أخطاء الرؤية، ومدى أخطاء التفسير والحكم الناشئة من هذه الزاوية المعيّـنة!

تطـوّر الموقف الـغربي

وبدأ الموقف الغربي من الرسول صلى الله عليه وسلم يتشكل في إطار دينيّ صرف، مترع بالتعصّـب والتـشنّج والانفعال، مليء بالحقد والغضب والكراهية، تحيطه جهالة عمياء، متعمدة حيناً وغير متعمدة أحياناً - كما يقول الدكتور عماد الدين خليل - جعلت بين القوم وبين شخصية رسولنا صلى الله عليه وسلم سـدًّا يصعب اختراقه، والنتيجة ليست أبحاثاً تاريخيّـة علميّـة أو موضوعيّـة بحال.. إنما ذلك السيل المنهمر من الشتائم والسباب، على لسان رجال دين.. ومارسه آخرون علمانيّـون، وقد استمرّ هذا التيار حتى العصر الراهن!

وقد كان للنتائج التي تمخضت عنها تلك الحرب طعم مرّ في حلوق الغربيّـين ما ذاقوه أبداً!

ويطالعنا (ليوبولد فايس) - (محمد أسد) وهو يتحدث عن التجربة التي استحالت مفضلة في مناهجهم يصعب تجاوزها، فيقول:

فيما يتعلق بالإسلام، فإن الاحتقار التقليدي أخذ يتسلل في شكل تحزّب غير معقول إلى بحوثهم العلميّـة، وبقي هذا الخليج الذي حفره التاريخ بين أوروبا والعالم الإسلامي (منذ الحروب الصليبيّـة) غير معقود فوقه جسر، ثم أصبح احتقار الإسلام جزءاً أساسيّـاً من التفكير الأوروبي، والواقع أن المستشرقين الأولين في العصور الحديثة كانوا مبشرين نصارى، يعملون في البلاد الإسلاميّـة، وكانت الصورة المشوهة التي اصطنعوها من تعاليم الإسلام وتاريخه مدبرة على أساس يضمن التأثير في موقف الأوروبيّـين من الوثنيّـين، غير أن هذا الالتواء العقلي قد استمر!.

ثم قال: أما تحامل المستشرقين على الإسلام فغريزة موروثة، وخاصة طبيعيّـة تقوم على المؤثرات التي خلفتها الحروب الصليبيّـة، بكل ما لها من ذيول، في عقول الأوروبيّـين!

أخطـاء منهجيـّـة

ونستطيع أن نضع أيدينا على عدد من الأخطاء والثغرات لهذه البحوث الاستشراقيّـة، ونشير هنا بالتحديد إلى ثلاث من هذه الثغرات:

الأولى: المبالغة في الشك، والافتراض، والنفي الكيفي، واعتماد الضعيف الشاذ!

الثانية: إسقاط الرؤية الوضعيّـة، العلمانيّـة، والتأثيرات البيئيّـة المعاصرة على الوقائع التاريخيّـة!

الثالثة: ردّ معطيات السيرة النبويّـة إلى أصول نصرانيّـة أو يهوديّـة!

المذهب الـذاتــي

وفي القرن التاسع عشر ظهرت طرائق كثيرة متنوّعة في كتابة التاريخ وتدوينه، إلى جانب الطريقة الموضوعيّـة، أو ما يسمّونه بالمذهب العلمي، وقد تلاقى معظم هذه المذاهب - كما يقول الدكتور البوطي - فيما أطلق عليه اسم (المذهب الذاتي)، ويعد (فرويد) من أكبر الدعاة إليه، والمتحمسّـين له!

ولا يرى أقطاب هذا المذهب من ضير في أن يقحم المؤرخ نزعته الذاتيّـة، أو اتجاهه الفكري أو الديني أو السياسي، في تفسير الأحداث وتعليلها، والحكم على أبطالها.. بل إنهم يرون أن هذا هو واجب المؤرخ، لا مجرد وصف الأخبار، وتجميع الوقائع العارية!

وهذه الطريقة تجعل كتابة التاريخ وتدوينه عملاً فنيّـاً مجردًا، ولا تسمح بعده نهوضاً بعمل علميّ دقيق!

ونحن وإن كنا لسنا بصدد الحديث عن المذاهب التاريخيّـة ونقدها، فإن علينا ألا نخفي أسفنا أن يجد هذا المذهب - في عصر العلم والاعتزاز به وبمنهجيّـته - دعاة إليه، ومؤمنين به، ذلك لأن هذا المذهب كفيل أن يمزق جميع الحقائق والأحداث التي يحتضنها الزمن في هيكله القدسي القديم الماثل أمام الأجيال، بفعل أخيلة التوسم، وشهوة الذات، وعصبيّـة النفس والهوى، وكم من حقيقة نسخت، وأحداث نكّست، وأمجاد دثرت، وبرآء ظلموا تحت سلطان هذه المحكمة الوهميّـة الجائرة!

فهل كان لهذا المذهب الجديد من تأثير على كتابة السيرة، وطريقة تحليلها!

مـدرسـة جـديدة

الحقيقة أن هذا المذهب في كتابة التاريخ قد أصبح أساساً لمدرسة جديدة في دراسة السيرة النبويّـة وفهمها عند طائفة من الباحثين، فكيف نشأت هذه المدرسة؟ وما هي عوامل نشأتها؟ وما مصيرها اليوم؟

تعود نشأة هذه المدرسة إلى أيام الاحتلال البريطاني لمصر، حيث كانت آنذاك منبر العالم الإسلامي، كما نعلم، يعنو إليه تفكيره وعقله كلما أراد أن يعلم عن الإسلام علماً، كما يعنو إلى كعبة الله بوجهه كلما أراد حجّـاً أو صلاةً!

وكان في استمرار هذا الصوت العظيم من جانب، وفي استمرار إنصات العالم الإسلامي إليه من جانب آخر، ما لا يدع للاحتلال البريطاني فرصة هدوء أو استقرار، ومهما أخضعت بريطانيا لنفسها الوادي كله تحت سلطان من قوة الحديد والنار، فإنه خضوع موقوت لا يُطمأن إليه، ما بقيت للأزهر الشريف هذه القيادة الحيّـة!

وكان الاعتماد على نقطة ضعف أليمة، كانت تعاني منها مشاعر الأمة الإسلاميّـة عامة، بما فيها مصر وغيرها، وهي إحساس المسلمين بما انتابهم من الضيعة والتخلف والشتات، إلى جانب ملاحظتهم للنهضة العجيبة التي نهضها الغرب في شتى المجالات الفكريّـة والعلميّـة والحضاريّـة!

وقد كان المسلمون يتطلعون ولا ريب إلى اليوم الذي يتحررون فيه من الأثـقال التي خلفتهم إلى الوراء، ليشتركوا مع الآخرين في رحلة الحضارة والمدنيّـة والعلم الحديث!

من هذا السبيل تسلل الهمس، بل الكيد الاستعماري إلى صدور بعض من قادة الفكر، ولقد كان مؤدّى هذا الهمس أن الغرب لم يتحرّر من أغلاله، إلا يوم أخضع الدين لمقاييس العلم، فالدين شيء والعلم شيء آخر، ولا يتم التوفيق بينهما إلا بإخضاع الأول للثاني، وإذا كان العالم الإسلامي حريصاً حقّـاً على مثـل هذا التحرّر فلا مناص في أن يسلك الطريق ذاته، وأن يفهم الإسلام هنا كما فهم الغرب النصرانيّـة هناك، ولا يتحقق ذلك إلا بتخلص الفكر الإسلامي من سائر الغيبيّـات التي لا تفهم، ولا تخضع لمقاييس العلم الحديث!

وسرعان ما خضع لهذا الهمس، أولئك الذين انبهرت أبصارهم بمظاهر الحياة الأوروبيّـة الحديثة، ممن لم تترسّـخ حقائق الإيمان بالله في قلوبهم، ولا تجلّت حقائق العلم الحديث وضوابطه في عقولهم، فتنادوا فيما بينهم إلى التحرّر من كل عقيدة غيبيّـة لم تصل إليها اكتشافات العلم الحديث، ولم تدخل تحت سلطان التجربة والمشاهدة الإنسانيّـة!

فكان أن قاموا بما عرف باسم الإصلاح الديني، واقتضى منهم ذلك أمورًا عديدة، منها تطوير كتابة السيرة وفهمها، واعتماد منهج جديد في تحليلها، يتفق وما استهدفوه من الإعراض عن كل ما يدخل في نطاق الغيبيّـات والخوارق التي لا يقف العلم الحديث منها موقف فهم أو قول!

ولقد كان لهم في الطريقة الذاتيّـة في كتابة التاريخ خير ملجأ يعينهم على تحقيق ما قصدوا إليه، وبدأت تظهر كتب في السيرة النبويّـة، تستبدل بميزان الرواية والسند وقواعد التحديث وشروطه، طريقة الاستنتاج الشخصي، وميزان الرضا النفسي، ومنهج التوسم الذي لا يضبطه شيء إلا دوافع الرغبة، وكوامن الأغراض والمذاهب التي يضمرها المؤلف!

الإيـمـان بالـغيـب

وإذا كانت هذه المدرسة الجديدة في كتابة السيرة قد استبدلت بقواعد التحديث رواية ودراية، منهجاً يتفق وما استهدف من الإعراض عن كل ما يدخل في نطاق الغيبيّـات، فإن هذا يتعارض مع السمة الأولى من سمات المتقين: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}! (آية 3 - 5 سورة البقرة).

وهذه السمة هي الوحدة الشعوريّـة الإيجابيّـة الفعّـالة الوحيدة، التي تجمع في نفوسهم بين الإيمان بالغيب، والقيام بالفرائض، والإيمان بالرسل كافة، واليقين بعد ذلك بالآخرة، هذا التكامل الذي تمتاز به العقيدة الإسلاميّـة، وتمتاز به النفس المؤمنة بهذه العقيدة، والجدير بأن تكون عليه العقيدة الأخيرة التي جاءت ليلتقي عليها الناس جميعاً، ولتهيمن على البشر جميعاً، وليعيش الناس في ظلها بمشاعرهم وبمنهج حياتهم حياة شاملة للشعور والعمل، والإيمان والنظام!.

ومن ثم لا تقوم حواجز الحسّ دون الاتصال بين أرواحهم والقوة الكبرى التي صدرت عنها، وصدر عنها الوجود، ولا تقوم تلك الحواجز بين أرواحهم وسائر ما وراء الحسّ من حقائق وقوى وطاقات وخلائق وموجودات!.

والإيمان بالغيب هو العتبة التي يجتازها الإنسان، فيتجاوز مرتبة الحيوان الذي لا يدرك إلا ما تدركه حواسه، إلى مرتبة الإنسان الذي يدرك أن الوجود أكبر وأشمل من ذلك الحيّـز الصغير المحدود الذي تدركه الحواس - أو الأجهزة التي هي امتداد للحواس - وهي نقلة بعيدة الأثر في تصوّر الإنسان لحقيقة الوجود كله، ولحقيقة وجوده الذاتي، ولحقيقة القوى المنطلقة في كيان هذا الوجود، وفي إحساسه بالكون وما وراء الكون من قدرة وتدبير، كما أنها بعيدة الأثر في حياته على الأرض، فليس من يعيش في الحيّـز الصغير الذي تدركه حواسه كمن يعيش في الكون الكبير الذي تدركه بديهته وبصيرته، ويتلقى أصداءه وإيحاءاته في أطوائه وأعماقه، ويشعر أن مداه أوسع في الزمان والمكان من كل ما يدركه وعيه في عمره القصير المحدود، وأن وراء الكون ظاهره وخافيه، حقيقة أكبر من الكون، هي التي صدر عنها، واستمد من وجودها وجوده، تلك التي لا تدركها الأبصار، ولا تحيط بها العقول!.

وعندئذ تصان الطاقة الفكريّـة المحدودة المجال عن التـبدّد والتمزّق والانشغال بما لم تخلق له، وما لم توهب القدرة للإحاطة به، وما لا يجدي شيئاً أن تـنفق فيه!.

إن الطاقة الفكريّـة التي وهبها الإنسان، وهبها ليقوم بالخلافة في هذه الأرض، فهي موكلة بهذه الحياة الواقعة القريبة، تنظر فيها، وتتعمّـقها وتتقصاها، وتعمل وتـنتج، وتنمّـي هذه الحياة وتجملها، على أن يكون لها سند من تلك الطاقة الروحيّـة التي تـتصل مباشرة بالوجود كله وخالق الوجود، وعلى أن تدع لما لا يدرك حصته في الغيب الذي لا تحيط به العقول!.

فأما محاولة إدراك ما وراء الواقع بالعقل المحدود الطاقة بحدود هذه الأرض والحياة عليها، دون سند من الروح الملهم، والبصيرة المفتوحة، وترك حصة للغيب لا تدركها العقول!.

فأما هذه المحاولة فهي محاولة فاشلة أولاً، ومحاولة عابثة أخيراً! فاشلة؛ لأنها تستخدم أداة لم تخلق لرصد هذا المجال!

وعابثة؛ لأنها تـبدّد طاقة العقل التي لم تخلق لمثل هذا المجال!

ومتى سلّم العقل البشري بالبديهيّـة الأولى، وهي أن المحدود لا يدرك المطلق، لزمه - احتراماً لمنطقه الذاتي - أن يسلّم بأن إدراكه للمطلق مستحيل، وأن عليه أن يكل الغيب إلى طاقة أخرى غير طاقة العقل، وأن يتلـقّى العلم في شأنه من العليم الخبير الذي يحيط بالظاهر والباطن، والغيب والشهادة!

وهذا الاحترام لمنطق العقل في هذا الشأن هو الذي يتحلّى به المؤمنون، وهو الصفة الأولى من صفات المتقين!

السيرة النبويـّـة تحت ضوء العلم والفلسفة

ومع أن الإيمان بالغيب هو مفرق الطريق في ارتقاء الإنسان عن عالم البهيمة، فإن جماعة الماديّـين في هذا الزمان كجماعة الماديّـين في كل زمان ومكان، وجيل وقبيل، وعصر ومصر، يريدون أن يعودوا بالإنسان القهقرى إلى عالم البهيمة الذي لا وجود فيه لغير المحسوس، ويسمون هذا (تقدّميّـة)!.

وهو النكسة التي وقى الله المؤمنين إيّـاها، فجعل صفتهم الأولى المميّـزة صفة: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ)! والحمد لله على نعمائه، والنكسة للمنتكسين والمرتكسين!.

ومن ثم بدأت تظهر كتابات في السيرة النبويّـة، يستبعد أصحابها كل ما يدخل في باب المعجزات - وهو من المصادر المعلومة عند المسلمين - وأخذوا يروّجون للرسول صلى الله عليه وسلم صفة العبقريّـة، والعظمة، والبطولة، وما شاكلها!.

وانطلق (محمد فريد وجدي) ينشر سلسلة مقالاته في مصر تحت عنوان:

(السيرة النبويّـة تحت ضوء العلم والفلسفة)؛ داعياً إلى فهم الإسلام، والسيرة النبويّـة، عن هذا الطريق، طريق ألا يستسلم العقل للغيبيّـات ولا للخوارق والمعجزات!.

حياة محمد للدكتور هيكل

ولقد كان كتاب (حياة محمد) للدكتور هيكل التجربة الرائدة في هذا المضمار، أعلن فيه أنه لا يريد أن يفهم حياة الرسول صلى الله عليه وسلم إلا على هذه الطريقة الحديثة، فقال:

إنني لم آخذ بما سجلته كتب السيرة، وكتب الحديث، ولم أنهج في التعبير عن مختلف الحوادث نهجها.. وإنني أفعل ذلك؛ لأنه الوسيلة الصالحة في نظر المعاصرين، وما كان لي، وذلك شأني، أن أتقيّـد بنهج الكتب القديمة وأساليبها، وإن كثرة الكتب القديمة كانت تكتب لغاية دينيّـة تعبّـديّـة، على حين يتقيّـد كتاب العصر الحاضر بالنهج العلمي، والنقد العلمي.. لكنني رأيت من الخير أن أنبسط بعض الشيء في بيان الأسباب التي دعت المفكّـرين من أئمة المسلمين فيما مضى، وتدعوهم اليوم، كما تدعو كل باحث مدقّـق إلى عدم الأخذ جزافاً بكل ما ورد في كتب السيرة، وفي كتب الحديث، وإلى التقيّـد بقواعد النقد العلمي تقيّـد العِصم من الزلل!

ولسنا في مجال نقد هذا الكتاب، فالمقياس الصحيح للحديث عنده حديث موضوع، وموقـفه من حديث شق الصدر معروف، وفي الكتاب - أيضاً - حديث آخر موضوع، وفيه قوله في الإسراء ووحدة الوجود!

وفي الكتاب إيجابيّـات في مناقشة المستشرقين بمنطقهم في كثير مما ذهبوا إليه، مثل أسباب خطأ المستشرقين، وفرية الصرع، والطعن في محمد عجز عن الطعن في رسالته، وتهافت حديث الغرانيق، والمسيحيّـة والقـتال، وصيحة المستشرقين في مسألة أم المؤمنين زينب بنت جحش - رضي الله عنها -، والمستشرقين والحضارة الإسلاميّـة!

مصير هذه المدرسة

وهكذا وجد أصحاب هذه المدرسة في اتـباع (المذهب الذاتي) في كتابة التاريخ، الميدان الفسيح الذي يمكنهم من نبذ كل ما لا يعجبهم من حقائق السيرة النبويّـة - كما يقول الدكتور البوطي - مهما جاءت مدعمة بدلائل العلم واليقين، متّـخذين ميولهم، ورغباتهم الشخصيّـة، وأهدافهم البعيدة، حاكماً مطلقاً على حقائق التاريخ، وتحليل ما وراءه من العوامل، وحكماً مطلقاً لقبول ما ينبغي قبوله، ورفض ما يجب رفضه!.

وآخر المضحكات العجيبة التي جاء ت عن هذا الطريق، تفسير النبوّ ة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإيمان الصحابة - رضي الله عنهم -، وعموم الفتح الإسلامي، بأن جميعه لم يكن إلا ثورة يسار ضدّ يمين، أثارتها النوازع الاقتصاديّـة، انتجاعاً للرزق، وطلباً للتوسّـع، وألهبتها ردود الفعل لدى الفقراء ضد الأغنياء وأصحاب الإقطاع!.

كانت هذه الطريقة في دراسة السيرة النبويّـة خصوصاً، والتاريخ عموماً، مكيدةً خطيرةً عشيت من رؤيتها أعين البسطاء من بعض المسلمين، وصادفت هوى وقبولاً حسناً عند طائفة أخرى من المنافـقين وأصحاب الأهواء!.

لقد غاب عن أعين أولئك البسطاء، أن ذلك الهمس الاستعماري الذي يدعو المسلمين إلى ما أسموه بثورة إصلاحيّـة في شؤون العقيدة الإسلاميّـة، إنما استهدف في الحقيقة نسف هذه العقيدة من جذورها!.

وغاب عنهم أن تفريغ الإسلام من حقائقه الغيبيّـة - كما أسلفنا - إنما يعني حشوه بمنجزات ناسفة، تحيله أثراً بعد عين، ذلك لأن الوحي الإلهيّ - وهو ينبوع الإسلام ومصدره - يعدّ قمة الخوارق والحقائق الغيبيّـة كلها، ولا ريب أن الذي يسرع إلى رفض ما جاء في السنة النبويّـة من خوارق العادات، بحجة اختلافها عن مقتضى سنن الطبيعة ومدارك العلم الحديث، يكون أسرع إلى رفض الوحي الإلهيّ كله بما يتبعه ويتضمنه من أخباره عن النشور والحساب، والجنّـة أو النار، بالحجّـة الطبيعيّـة ذاتها!.

كما غاب عنهم أن الدين الصالح في ذاته لا يحتاج في عصر ما إلى مصلح يتدارك شأنه، أو إصلاح يغير من جوهره!

غاب عن هؤلاء الناس هذا كله، مع أن إدراكهم له كان من أبسط مقـتضيات العلم، لو كانوا يتمتّـعون بحقيقـته، وينسجمون مع منطقيّـته، ولكن عيونهم غشيت في غمرة انبهارها بالنهضة الأوروبيّـة الحديثة، وما قد حفّ بها من شعارات العلم وألفاظه، فلم تبصر من حقائق المنطق والعلم إلا عناوينها وشعاراتها، وقد كانوا بأمس الحاجة إلى فهم كامل لما وراء تلك العناوين، وإلى فهم صحيح لمضمون تلك الشعارات، فلم يعد يستأثر بتفكيرهم إلا خيال نهضة إصلاحيّـة تطوّر العقيدة الإسلاميّـة هنا، كما تطوّرت عقيدة الأوروبيّـين هناك!.

وهكذا، فقد كان عماد هذه المدرسة الحديثة هياجاً في النفس، أكثر من أن يكون حقيقة علميّـة مدروسة استحوذت على العقل!.

والحقيقة أن الاهتمام بهذه المدرسة في كتابة السيرة النبويّـة وفهمها، والحماسة التي ظهرت يوماً ما لدى البعض في الأخذ بها.. إنما كان منعطفاً تاريخيّـاً ومرّ!.

المصدر: المختار الإسلامي

 
سعيد المرصفي
تاريخ النشر:2010-10-24 الساعة 15:31:29
التعليقات:0
مرات القراءة: 1948
مرات الطباعة: 500
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan